حرف الهمزة

٣٬٦٩٨ فقرة، ج ١ ص ٣٥

الصفحة ١١ من ٩٣

  1. ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه وسائر الأئمة على هدى ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه والصحيح وفاقا للجمهور أن المصيب في الفروع واحد ولله تعالى فيما حكم عليه أمارة وأن المجتهد كلف بإصابته وأن مخطئه لا يأثم بل يؤجر فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فأجر نعم إن قصر المجتهد أثم اتفاقا وعلى غير المجتهد أن يقلد مذهبا معينا وقضية جعل الحديث الاختلاف رحمة جواز الانتقال من مذهب لآخر والصحيح عند الشافعية جوازه لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين كما قاله إمام الحرمين من كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والافتاء لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم لانقراض اتباعهم وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم انتهى

    ج ١ ص ٢٠٩
  2. نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء المقلدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده لكن بشرط أن لا يتتبع الرخصة بأن يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة التكليف من عتقه وإلا لم يجز خلافا لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبعها وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبعها على وجه لا يصل ⦗٢١١⦘ إلى الانحلال المذكور وقول ابن الحاجب كالآمدي من عمل في مسألة بقول إمام ليس له العمل فيها بقول غيره اتفاقا إن أراد به اتفاق الأصوليين فلا يقضي على اتفاق الفقهاء والكلام فيه وإلا فهو مردود ومفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأول ما يستلزم تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة فعلم أنه إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها لا مثلها كأن أفتى ببيونة زوجته بنحو تعليق فنكح أختها ثم أفتى بأن لا بينونة ليس له الرجوع للأولى بغير إبانتها وكان أخذ بشفعة جوار تقييدا للحنفي ثم استحقت عليه فيمتنع تقليده الشافعي في تركها لأن كلا من الإمامين لا يقول به فلو اشترى بعده عقارا وقلد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدم من تقليده في ذلك فله الامتناع في تسليم العقار الثاني وإن قال الآمدي وابن الحاجب ومن على قدمها كالمحلى بالمنع في هذا وعمومه في جميع صور ما وقع العمل به أولا فهو ممنوع وزعم الاتفاق عليه باطل وحكى الزركشي أن القاضي أبا الطيب أقيمت صلاة الجمعة فهم بالتكبير فذرق عليه طير فقال أنا حنبلي فأحرم ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة وممن جرى على ذلك السبكي فقال: المنتقل من مذهب لآخر له أحوال: الأول أن يعتقد رحجان مذهب الغير فيجوز عمله به اتباعا للراحج في ظنه الثاني أن يعتقد رجحان شيء فيجوز الثالث أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته فيجوز الرابع أن يقصد مجرد الترخص فيمتنع لأنه متبع لهواه لا للدين الخامس أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرخص ديدنه فيمتنع لما ذكر ولزيادة فحشه السادس أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع فيمتنع السابع أن يعمل بتقليد الأول كحنفي يدعي شفعة جوار فيأخذها بمذهب الحنفي فتستحق عليه فيريد تقليد الإمام الشافعي فيمتنع لخطئه في الأولى أو الثانية وهو شخص واحد مكلف

    قال: وكلام الآمدي وابن حجاب منزل عليه وسئل البلقيني عن التقليد في المسألة السريحية فقال: أنا لا أفتي بصحة الدور لكن إذا قلد من قال بعدم وقوع الطلاق كفى ولا يؤاخذه الله سبحانه وتعالى لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها أي مع التقليد وهو ذهاب منه إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه قال بعضهم: ومحل ما مر من منع تتبع الرخص إذا لم يقصد به مصلحة دينية وإلا فلا منع كبيع مال الغائب فإن السبكي أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي فيه لاحتياج الناس غالبا في نحو مأكول ومشروب إليه والأمر إذا ضاق اتسع وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم اللبس فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه كما أفتى به الأبشيطي وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقا قال في فتح القدير: المنتقل من مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم عليه التعزير وبدونهما أولى ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها وعمل بها وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به على الإجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل وعد به أو تعليق له كأنه التزم العمل بقوله فيما يقع له فإذا أراد بهذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد بإلزامه نفسه بذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاجه بقوله تعالى {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} والمسؤول عنه إنما يتحقق عند وقوع الحادثة قال والغالب أن مثل هذه الالتزامات لكف الناس عن تتبع الرخص إلا أن أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه ولا يدري ما يمنع هذا من النقل والعقل انتهى وذهب بعض المالكية إلى جواز الانتقال بشروط ففي التنقيح للقرافي عن الزناتي التقليد يجوز بثلاثة شروط: أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بلا صداق ولا ولي ولا شهود فإنه لم يقل به أحد وأن يعتقد في مقلده الفضل وأن لا يتتبع الرخص والمذاهب وعن غيره يجوز فيا لا ينقض فيه قضاء القاضي وهو ما خالف الإجماع أو القواعد الكلية أو القياس الجلي ونقل عن الحنابلة ما يدل للجواز وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره منهم عبد العزيز بن عمران كان مالكيا فلما قدم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مصر تفقه عليه وأبو ثور من مذهب الحنفي إلى مذهب الشافعي وابن عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعي ثم عاد وأبو جعفر بن نصر من الحنبلي إلى الشافعي والطحاوي من الشافعي إلى الحنفي والإمام السمعاني من الحنفي إلى الشافعي والخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعي وابن فارس صاحب المجمل من الشافعي ⦗٢١٢⦘ للمالكي وابن الدهان من الحنبلي للحنفي ثم تحول شافعيا وابن دقيق العيد من المالكي للشافعي وأبو حيان من الظاهري للشافعي ذكره الأسنوي وغيره. وإنما أطلنا وخرجنا عن جادة الكتاب لشدة الحاجة لذلك وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعين إتقانها <تنبيه> قال بعض علماء الروم: المهدي يرفع الخلاف ويجعل الأحكام مختلفة في مسألة واحدة حكما واحدا هو ما في علم الله وتصير المذاهب مذهبا واحدا لشهوده الأمر على ما هو عليه في علم الله لارتفاع الحجاب عن عين جسمه وقلبه كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى فإن أراد بالمهدي عيسى عليه الصلاة والسلام فظاهر أو الخليفة الفاطمي الذي يأتي آخر الزمان وقد ملئت الأرض ظلما وجورا فممنوع والله سبحانه وتعالى أعلم

  3. (نصر المقدسي في الحجة) أي في كتاب الحجة له كذا عزاه له الزركشي في الأحاديث المشتهرة ولم يذكر سنده ولا صحابيه وتبعه المؤلف عليه (والبيهقي في الرسالة الأشعرية) معلقا (بغير سند) لكنه لم يجزم به كما فعل المؤلف بل قال روى (وأورده الحليمي) الحسين بن الحسن الإمام أبو عبد الله أحد أئمة الدهر وشيخ الشافعية بما وراء النهر في كتاب الشهادات من تعليقه (والقاضي حسين) أحد أركان مذهب الشافعي ورفعائه (وإمام الحرمين) الأسد بن الأسد والسبكي وولده التاج (وغيرهم) قال السبكي وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا) وأسنده في المدخل وكذا الديلمي في مسند الفردوس كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ اختلاف أصحابي رحمة واختلاف الصحابة في حكم اختلاف الأمة كما مر لكن هذا الحديث قال الحافظ العراقي سنده ضعيف وقال ولده المحقق أبو زرعة رواه أيضا آدم بن أبي إياس في كتاب العلم بلفظ اختلاف أصحابي لأمتي رحمة وهو مرسل ضعيف وفي طبقات ابن سعد عن القاسم بن محمد نحوه

    ج ١ ص ٢١٢٢٨٩ - (أخذ الأمير) يعني الإمام ونوابه (الهدية) وهي لغة ما أتحف به وعرفا تمليك ما يبعث غالبا بلا عوض كما مر (سحت) بضم فسكون وبضمتين أي حرام يسحت البركة أي يذهبها قال الزمخشري: اشتقاقه من السحت وهو الإهلاك والاستئصال ومنه السحت لما لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة وفي خبر أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور ثم جاءه يتحاكم مع آخر فقال يا أمير المؤمنين اقض لي قضاء فصلا كما فصل الفخذ من البعي. فقال عمر: الله أكبر اكتبوا إلى جميع الآفاق هدايا العمال سحت (وقبول القاضي الرشوة) بتثليث الراء ما يعطاه ليحق باطلا أو يبطل حقا من رشا الفرخ إذا مد عنقه لأمه لتزقه (كفر) إن استحل وإلا فهو زجر وتهويل على حد خبر: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وبالجملة فإعطاء الرشوة وأخذها من الكبائر وإنما كان القاضي أفظع حالا من الأمير لأن الأمير أخذ لا لشيء يصنعه بل للميل ونحوه والقاضي أخذ لتغيير حكم الله قال النووي: ومن خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم أن له قبول الهدية بخلاف غيره من الحكام فإن قلت: ما سر تعبيره في الأمير بالأخذ وفي القاضي بالقبول وهلا عكس أو عبر فيهما بالأخذ أو القبول معا؟ قلت: لعل حكمته الإشارة إلى لحوق الوعيد للقاضي بمجرد القبول بلفظ أو إشارة أو كتابة أو أخذ عياله لها فغلظ فيه أكثر من الأمير

  4. (حم في) كتاب (الزهد الكبير عن علي) أمير المؤمنين رمز المولف لحسنه

    ج ١ ص ٢١٢٢٩٠ - (أخذنا فألك) بالهمز وتركه أي كلامك الحسن أيها المتكلم (من فيك) وإن لم تقصد خطابنا قال الزمخشري: الفأل أن تسمع الكلمة الطيبة فتتيمن بها وتقول دون الغيب أقفال لا يفتحها الزجر والفأل وفي القاموس ضد الطيرة كأن يسمع مريض يا سالم أو طالب ضالة يا واجد ويستعمل في الخير والشر وهذا قاله لما خرج في عسكر فسمع قائلا يقول يا حسن أو لما خرج لغزو خيبر فسمع عليا يقول يا خضرة فقال أخذنا فألك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة فما سل فيها سيف ولا مانع من التعدد

  5. (د عن أبي هريرة) الدوسي (ابن السني وأبو نعيم معا في) كتاب (الطب) ⦗٢١٣⦘ النبوي (عن كثير) بمثلثة ضد القليل (ابن عبد الله عن أبيه عن جده) عمرو بن عوف قال خرج المصطفى صلى الله عليه وسلم لغزاة فسمع عليا يقول يا خضرة فذكره ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عنه أيضا قال الهيتمي: وكثير ضعيف جدا وبقية رجاله ثقات وفي التقريب كأصله وأبوه مقبول (فر) وكذا أبو الشيخ [ابن حبان] (عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلمة فأعجبته فقاله ورواه العسكري في الأمثال والخلعي في فوائده عن سمرة رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده وإلا فقد سمع القول في كثير على أن فيه أيضا من لا يخلو عن مقال

    ج ١ ص ٢١٣٢٩١ - (أخر) بالبناء للمفعول (الكلام في القدر) محركا أي في نفيه (أي في نفي كون الأشياء كلها بتقدير الله سبحانه وتعالى) (لشرار أمتي) وفي رواية لشرار هذه الأمة وأول من تكلم فيه معبد الجهني وأبو الأسود الدؤلي أو سيبويه أو رجل آخر عند احتراق الكعبة فقال قائل هذا من قضاء الله تعالى فقال آخر ما هو من قضائه (في آخر الزمان) أي زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فزمنهم هو الزمان لكونه خير الأزمان وهذه من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه إخبار عن غيب وقع قال الطيبي: مذهب الجبرية إثبات القدرة لله سبحانه وتعالى ونفيها عن العبد أصلا ومذهب المعتزلة بخلافه وكلاهما في الإفراط والتفريط على شفا جرف هار والطريق المستقيم القصد انتهى والزمان مدة قابلة للقسمة تطلق على قليل الوقت وكثيره

  6. (طس ك) في التفسير (عن أبي هريرة) قال الحاكم على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بأن فيه عنبسة بن مهران ثقة لكن لم يرويا له وأورده في الميزان في ترجمة عنبسة وقال قال أبو حاتم منكر الحديث

    ج ١ ص ٢١٣٢٩٢ - (أخروا) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (الأحمال) إلى وسط ظهر الدابة ولا تبالغوا في التأخير بل اجعلوها متوسطة بحيث يسهل حملها على الدابة لئلا تتأذى بالحمل (فإن الأيدي) أي أيدي الدواب المحمول عليها (مغلقة) بضم الميم وسكون المعجمة أي مثقلة بالحمل كأنها ممنوعة من إحسان السير لما عليها من الثقل كأنه شبه بالباب إذا أغلق فإنه يمنع من الدخول والخروج أو من قولهم استغلق عليه الكلام إذا ارتج عليه (والأرجل موثقة) بضم فسكون أي كأنها مشدودة بوثاق من أوثقه شده بوثاق والوثاق ما يشد به من نحو قيد وحبل فينبغي جعل الحمل في وسط ظهر الدابة فإنه إن قدم عليها أضر بيديها وإن أخر أضر برجليها وإنما أمر بالتأخير فقط لأنه رأى بعيرا قد قدم عليه حمله فأمر بالتأخير وأشار إلى مقابله بقوله والأرجل موثقة لئلا يبالغ في التأخير فيضر وفيه الرفق بالدابة وحفظ المال وتعليم الإخوان ما فيه الخير لهم ولدوابهم وتدبر العواقب والنظر لخلق الله سبحانه وتعالى بالشفقة ويحرم إدامة تحميل الدابة ما لا تطيقه دائما وضربها عبثا

  7. (د في مراسيله عن) محمد بن مسلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي (الزهري) بضم الزاي المدني أحد الأعلام وعالم الحرمين والشام تابعي جليل سمع من أكثر من عشرين صحابيا قيل لمكحول: من أعلم من رأيت قال: ابن شهاب قيل: ثم من قال: ابن شهاب قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب مرسلا (ووصله البزار) في مسنده (ع طب عنه) أي الزهري (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء أشهر من كسرها المخزومي أحد الأعلام والفقهاء الكمل روى عن عمر وعثمان وسعد وعنه الزهري وخلق (عن أبي هريرة نحوه) رمز المؤلف لحسنه ولعله بالنظر إلى تعدد طرقه وإلا ففيه قيس بن الربيع الأزدي ضعفه كثيرون ورواه الترمذي في العلل مرسلا بلفظ إذا حملتم فأخروا فإن الرجل موثقة واليد مغلقة وقال: سألت محمدا يعني البخاري عنه فلم يعرفه وقال فيه قيس بن الربيع لا أكتب حديثه ولا أروي عنه

    ج ١ ص ٢١٤⦗٢١٤⦘ ٢٩٣ - (أخرجوا) بفتح فسكون فكسر إرشادا من الإخراج. قال الحراني: وهو إظهار من حجاب (منديل) بكسر أوله ويفتح (الغمر) أي الخرقة المعدة لمسح أيديكم من وضر اللحم والدسم. قال ابن الأنباري: والمنديل مذكر ولا يجوز تأنيثه لعدم العلامة في التصغير والجمع فلا يوصف بمؤنث فلا يقال منديل حسنة والغمر بفتح الغين المعجمة والميم زهومة اللحم وما تعلق باليد منه (من بيوتكم) يعني من الأماكن التي تبيتون فيها (فإنه مبيت) بفتح فكسر مصدر بات أي حيث يبيت ليلا (الخبيث) الشيطان والمراد الجنس (ومجلسه) لأنه يحب الدنس ويأوي إليه وقد يغفل المرء عن المأثور الذي يطرده فأمر بإبعاده بكل ممكن والخبيث في الأصل ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أو معقولا ذكره الراغب

  8. (فر عن جابر) بن عبد الله وفيه عمير بن مرداس قال في اللسان يغرب وسعيد بن خيثم أورده الذهبي في الضعفاء وقال الأزدي منكر الحديث وقال ابن عدي ما يرويه غير محفوظ وحرام بن عثمان قال ابن حبان غال في التشيع يقلب الأسانيد وقال ابن حجر متروك

    ج ١ ص ٢١٤٢٩٤ - (أخسر الناس صفقة) أي من أشد المؤمنين خسرانا للثواب وأعظمهم حسرة يوم المآب والخسران انتقاص رأس المال ثم استعمل في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه وأكثر استعماله في النفيس منها كصحة وسلامة وعقل وإيمان وثواب وهو المراد هنا ذكره الراغب. قال الزمخشري: ومن المجاز خسرت تجارته وربحت ومن لم يطع الله فهو خاسر قال الزمخشري: والصفقة في الأصل ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة ومن المجاز له وجه صفيق (رجل) وصف طردي والمراد مكلف (أخلق) من قولهم حجر أخلق أي أملس لا شيء عليه والأخلق الفقير وأخلق الثوب لبسه حتى بلي والمراد هنا أتعب (يديه) وأفقرهما بالكد والجهد وعبر بهما لأن المزاولة بهما غالبا (في) لو (آماله) جمع أمل وهو الرجاء وأكثر استعماله في مستبعد الحصول (ولم تساعده) أي لم تعاونه (الأيام) أي الأوقات (على) بلوغ (أمنيته) أي حصول مطلوبه من المال والمناصب والجاه ونحوها بل عاكسته وغذته فهو لا يزال يتشبث بالطمع الفارغ والرجاء الكاذب ويتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته قال بعض العارفين: أماني النفس حديثها بما ليس عندها ولها حلاوة إذا استصحبها عبد لا يفلح أبدا وأهل الدنيا فريقان فريق يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه وكثير منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة فصاروا أخسر الناس صفقة وأما المؤمن المتقي فقد حاز مراده وهو غني القلب المؤدي لغنى الآخرة فما يبالي أوتي حظا من الدنيا أو لا فإن أوتي منها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده فهو أربح الناس صفقة واشتقاق الأمنية من مني إذا قدر لأن التمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه (فخرج من الدنيا) بالموت (بغير زاد) يوصله إلى المعاد وينفعه يوم يقوم الأشهاد ويفصل بين العباد لأن خير الزاد إلى الآخرة إتقاء القبائح وهذا قد تلطخ بأقذارها القبيحة الخبيثة الروائح فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل وهجره للعمل حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة وغلب عليه زين القسوة ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني فلم يزل مغمورا مقهورا مغموما إلى أن فرق ملك الموت بينه وبين آماله وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته فهي تجاذبه إلى الدنيا ومخاليب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة التي لا يريدها (وقدم على الله تعالى بغير حجة) أي معذرة يعتذرها وبرهان يتمسك به على تفريطه بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث خسيس وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خلق لأجلها {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} قال الغزالي ومن كان هذا حاله فهو كالأنعام بل هو ⦗٢١٥⦘ أضل إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد الشهوات وهذا قد خلق له وعطله فهو الناقص عقلا المدبر يقينا وقيل في المعنى:

    ولم أر في عيوب الناس عيبا. . . كنقص القادرين على التمام

  9. وفي الحديث إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وتنبيه على إيثار التلذذ والتنعم مما يؤدي إلى طول الأمل وتعطل العمل وهذا هجيرا (قوله هجيرا: قال في النهاية: الهجير والهجيرا: الدأب والعادة والديدن: أه) أكثر الناس ليست من أخلاق المؤمنين ومن ثم قيل التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين ذكره كله الزمخشري

  10. (ابن النجار) محب الدين (في تاريخه) تاريخ بغداد (عن عامر بن ربيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن كعب بن مالك العنزي بفتح المهملة وسكون النون وبزاي حليف أل الخطاب من المهاجرين الأولين شهد بدرا وما بعدها (وهو مما بيض له الديلمي) لعدم وقوفه له على سند

    ج ١ ص ٢١٥٢٩٥ - (أخشى ما خشيت على أمتي) أي أخوف ما خفت عليهم. قال الزمخشري: الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علمه بما يخشى منه ولهذا خص العلماء بها فقال {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (كبر البطن) يعني الانهماك في الأكل والشرب والذي يحصل منه كبرها ومن كانت همته ما يدخله بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه إذ لا فرق بين إدخال الطعام إلى البطن وبين إخراجه فهما ضروريان في الجبلة فكما لا يكون قضاء الحاجة من همتك التي تشغل بها قلبك فلا ينبغي كون تناول الطعام من همتك التي تشغل بها قلبك فمن زاد على ثلث بطنه وصرف همته وبهمته لتحصيل لذيذ الأطعمة ولم يقنع بما يتفق فهو من المخوف عليهم قال الغزالي والخوف رعدة تحصل في القلب عن ظن مكروه يناله والخشية نحوه لكن الخشية تقتضي ضربا من الاستعظام والمهابة (ومداومة النوم) المفوت للحقوق المطلوبة شرعا الجالب لغضب الرب وقسوة القلب قال الغزالي قال عبد الله بن الحسن كنت معجبا بجارية رومية لي ففقدتها من محلها في الليل فطلبتها فإذا هي ساجدة تقول بحبك لي إلا ما غفرت لي فقلت لها لا تقولي بحبك لي وقولي بحبي لك قالت لا يا مولاي بحبه لي أخرجني من الكفر إلى الاسلام وبحبه لي أيقظني وكثير من خلقه نيام (والكسل) بالتحريك التقاعس عن النهوض إلى معاظم الأمور وكفايات الخطوب وتحمل المشاق والمتاعب في المجاهدة في الله ولله والفتور عن القيام بالطاعات الفرضية والنفلية الذي من ثمراته قسوة القلب وظلمة اللب ففي الحديث للديلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ثلاث خصال تورث قسوة القلب حب الطعام وحب النوم وحب الراحة ومن ثم تشمر لذلك السلف حق التشمير وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة وجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فظهرت السيما في وجوههم وترامى أمرهم إلى خدمة ربهم فخفف عنهم. قال الراغب: ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة فحب الهوينا يكسب النصب وقد قيل إن أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب وقيل إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على الحق وما أحسن ما قيل:

    علو الكعب بالهمم العوالي. . . ومن رام العلى من غير كد. . . أضاع العمر في طلب المحال

  11. <تنبيه> قال بعض العارفين السهر نتيجة الجوع فلذا ذكره عقبه والسهر سهر عين وسهر قلب فسهر القلب انتباهه من نومات الغفلة طلبا للمشاهدة وسهر العين رغبة في إلقاء الهمة في القلب لطلب المسامرة إذ العين إذا نامت بطل عمل القلب فإذا كان القلب غير نائم منع نوم العين فغايته مشاهدة سهره المتقدم فقط وأما أن يلحظ غير ذلك فلا ففائدة السهر استمرار عمل القلب وارتقاء المنازل العلية (وضعيف اليقين) أي استيلاء الغفلة على القلب المانعة من ولوج النور فيه وإيمان العبد على قدر يقينه ومن ثم كان الأنبياء أوفر حظا في اليقين ومطالعتهم أمور الآخرة بقربهم أكثر

  12. (قط في) كتاب (الأفراد) بفتح الهمزة وكذا الديلمي (عن جابر) بن عبد الله وفيه محمد بن ⦗٢١٦⦘ القاسم الأزدي قال الذهبي كذبه أحمد والدارقطني

    ج ١ ص ٢١٦٢٩٦ - (اخضبوا) بكسر الهمزة اصبغوا ندبا (لحاكم) بكسر اللام أفصح جمع لحية أي بغير سواد (فإن الملائكة) الحفظة أو ملائكة الأرض أو أعم (تستبشر) تسر (بخضاب المؤمن) لما فيه من اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب أما الخضاب بالسواد في غير الجهاد فحرام على الرجل

  13. (عد عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف لكن له شواهد

    ج ١ ص ٢١٦٢٩٧ - (اخفضي) بكسر الهمزة خطابا لأم عطية التي كانت تخفض الجواري بالمدينة أي تختنهن (ولا تنهكي) بفتح المثناة فوق وسكون النون وكسر الهاء لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع بل أبقي ذلك الموضع. قال الزمخشري: وأصل النهك المبالغة في العمل (فإنه أنضر) بفتح الهمزة والمعجمة (للوجه) أي أكثر لمائه ودمه وأبهج لبريقه ولمعته (وأحظى عند الزوج) ومن في معناه من كل واطئ كسيد الأمة يعني أحسن لجماعها عنده وأحب إليه وأشهى له لأن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فكرهت الجماع فقلت حظوتها عند حليلها كما أنها إذا تركتها بحالها فلم تأخذ منها شيئا بقيت غلمتها فقد لا تكتفي بجماع زوجها فتقع في الزنا فأخذ بعضها تعديل للشهوة والخلقة قال حجة الاسلام انظر إلى جزالة هذا اللفظ في الكناية وإلى إشراق نور النبوة من مصالح الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى مصالح الدنيا حتى انكشفت له وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره وتطاير من غب عاقبته شرره وتولد منه أعظم القبائح وأشد الفضائح فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجمع لهم ببعثته مصالح الدارين؟ وفيه أنه لا استحياء من قول مثل ذلك للأجنبية فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ومع ذلك قاله تعليما للأمة ومن استحيا من فعل فعله أو قول قاله فهو جاهل كثيف الطبع ولعله يقع في عدة كبائر ولا يستحي من الله ولا من الخلق

  14. (طب ك عن الضحاك) بالتشديد (ابن قيس بفتح القاف وسكون المثناة تحت الفهري قال كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تختن الجواري فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والفهري قال الذهبي يقال له صحبة قتل يوم راهط انتهى وما ذكر من أن الضحاك هذا هو الفهري هو ما ذكره الحاكم وأبو نعيم حيث أورد الحديث في ترجمته ويخالفه ما رواه البيهقي وغيره عن الفضل العلائي قال سألت ابن معين عن هذا فقال الضحاك هذا ليس بالفهري قال ابن حجر: وهذا الحديث رواه أبو داود في السنن وأعله بمحمد بن حسان فقال مجهول ضعيف وتبعه ابن عدي في تجهيله وخالفهم عبد الغني فقال هو محمد بن سعيد المصلوب وحاله معروف وكيفما كان سنده ضعيف جدا وممن جزم بضعفه الحافظ العراقي وقال ابن حجر في موضع آخر له طريقان كلاهما ضعيف وقال ابن المنذر ليس في الختان خبر يعول عليه ولا سنة تتبع

    ج ١ ص ٢١٦٢٩٨ - (أخلص) بفتح فسكون فكسر (دينك) بكسر الدال إيمانك عما يفسده من شهوات النفس أو طاعتك بتجنب دواعي الرياء ونحوه بأن تعبده امتثالا لأمره وقياما بحق ربوبيته لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره ولا للسلامة من المصائب الدنيوية (يكفك) بالجزم جواب الأمر وفي نسخ يكفيك بياء بعد الفاء ولا أصل لها في خطه (القليل من العمل) لأن الروح إذا خلصت من شهوات النفس وأسرها ونطقت الجوارح وقامت بالعبادة من غير أن تنازعه النفس ولا القلب ولا الروح فكان ذلك صدقا فيقبل العمل وشتان بين قليل مقبول وكثير مردود وفي التوراة: ماأريد به وجهي فقليله كثير وما أريد غير وجهي فكثيره قليل قال بعض العارفين لا تتسع في إكثار الطاعة بل ⦗٢١٧⦘ في إخلاصها وقال الغزالي: أقل طاعة سلمت من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص بكون لها عند الله تعالى من القيمة ما لا نهاية له وأكثر طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة لها إلا أن يتداركها الله تعالى بلطفه كما قال علي كرم الله وجهه: لا يقل عمل البتة وكيف يقل عمل مقبول؟ وسئل النخعي عن عمل كذا ما ثوابه فقال إذا قبل لا يحصى ثوابه ولهذا إنما وقع بصر أهل البصائر من العباد في شأن الإخلاص واهتموا به ولم يعتنوا بكثرة الأعمال وقالوا الشأن في الصفوة لا في الكثرة وجوهرة واحدة خير من ألف خرزة وأما من قل عمله وكل في هذا الباب نظره جهل المعاني وأغفل ما في القلوب من العيوب واشتغل بإتعاب النفس في الركوع والسجود والإمساك عن الطعام والشراب فغره العدد والكثرة ولم ينظر إلى ما فيها من المنح والصفوة وما يغني عدد الجوز ولا لب فيه وما ينفع رفع السقوف ولم تحكم مبانيها وما يعقل هذه الحقائق إلا العالمون إلى هنا كلام الغزالي وقال ابن الكمال: الإخلاص لغة ترك الرياء في الطاعة واصطلاحا تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدر لصفائه وكل شيء تصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمي خالصا. قال الإمام الرازي: والتحقيق فيه أن كل شيء يتصور أن يشوبه وخلص لله سمي خالصا وسمى الفعل المصفى خالصا إخلاصا ولا شك أن كل من أتى بفعل اختياري فلا بد فيه من غرض فمهما كان الغرض واحدا سمي الفعل إخلاصا فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو غير مخلص أو محض التقرب لله فهو مخلص لكن جرت العادة بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب من جميع الشوائب فالباعث على الفعل إما أن يكون روحانيا فقط وهو الإخلاص أو شيطانيا فقط وهو الرياء أو مركبا وهو ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكونا سواء أو الروحاني أقوى أو الشيطاني أقوى فإذا كان الباعث روحانيا فقط ولا يتصور إلا في محبة الله تعالى مستغرق القلب به بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه مقر حتى لا يأكل ولا يشرب إلا لضرورة الجبلة فهذا عمله خالص وإذا كان نفسانيا فقط ولا يتصور إلا من محب النفس والدنيا مستغرق الهم بهما بحيث لم يبق لحب الله تعالى في قلبه مقر فتكتسب أفعاله تلك الصفة فلم يسلم له شيء من عبادته وإذا استوى الباعثان يتعارضان ويتناقضان فيصير العمل لا له ولا عليه وأما من غلب أحد الطرفين عليه فيحبط منه ما يساوي الآخر وتبقى الزيادة موجبة أثرها اللائق بها وتحقيقه أن الأعمال لها تأثيرات في القلب فإن خلا المؤثر عن المعارض خلا الأثر عن الضعف وإن اقترن بالمعارض فتساويا تساقطا وإن كان أحدهما أغلب فلا بد أن يحصل في الزائد بقدر الناقص فيحصل التساوي بينهما أو يحصل التساقط ويبقى الزائد خاليا عن المعارض فيؤثر أثرا ما فكما لا يخلو مثقال ذرة من طعام أو دواء في البدن لا يضيع مثقال ذرة من خير أو شر عن أثر التقريب من الله تعالى والتبعيد عنه

  15. (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب فضل (الإخلاص) في العمل وكذا الديلمي (ك) في النذر (عن معاذ) ابن جبل قال لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قلت أوصني فذكره قال الحاكم صحيح ورده الذهبي وقال العراقي رواه الديلمي من حديث معاذ وإسناده منقطع

    ج ١ ص ٢١٧٢٩٩ - (أخلصوا أعمالكم لله) فإن الإخلاص هو كمال الدين وأعم ذلك البراءة من الشرك بأن لا تتخذ مع الله إلها آخر لأن الشرك في الإلهية لا تصح معه المعاملة بالعبادة وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الخفي بأن لا يرى لله تعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة فإن الشرك في أسمائه تعالى لا يصح معه قبول كما قال (فإن الله لا يقبل) من الأعمال (إلا ما) أي عملا (خلص له) من جميع الأغيار فالإخلاص شرط لقبول كل طاعة ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله لا من العبد وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله لا من العبد المجاهد قال الله تعالى {وما النصر إلا من عند الله} وكذا سائر الأعمال. وأساس ذلك طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينتها بشيء سواه فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير الله ردت جميع عبادتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكان عبد الرياء والمراء وما المرء إلا عبد ربه تعس عبد الدينار ⦗٢١٨⦘ والدرهم والخميصة وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون {إنا لله وإنا إليه راجعون} قال الإمام الغزالي: سبيل النجاة أن تخلص عملك وتجرد إرادتك لله والقلوب والنواصي بيده سبحانه وتعالى فهو يميل إليك القلوب ويجمع لك النفوس ويشحن من حبك الصدور فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك وإن لم تفعل وقصدت رضا المخلوق دونه صرف عنك القلوب ونفر منك النفوس وأسخط عليك الخلق فتكون من الخاسرين

  16. (قط عن الضحاك بن قيس) بن خالد الفهري الأمير المشهور ولم يرمز له بشيء

    ج ١ ص ٢١٨٣٠٠ - (أخلصوا عبادة الله تعالى) بين به أن المراد بالعمل في الخبر قبله العبادة من واجب ومندوب (وأقيموا خمسكم) التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إقامتها إلا المحافظة على جميع حدودها ومن ذلك عدم الاصغاء إلى وسواس الشيطان وخشوع الجوارح والهدوء في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة وفيه إشارة إلى أن جمع الخمس على هذه الهيئة من خصوصياتنا وورد أن الصبح لآدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس ولا يعارضه قول جبريل عقب صلاته بالمصطفى صلى الله عليه وسلم الخمس صبيحة الإسراء وهذا وقتك ووقت الأنبياء من قلبك لأن المراد أنه وقتهم إجمالا وإن اختص كل منهم بوقت ولما ذكر ما يزكي البدن ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال (وأدوا زكاة أموالكم) المفروضة وفي الاقتصار فيها على الأداء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا مع الإخلاص فيطابق المقطع المطلع (طيبة) بنصبه على الحال (بها أنفسكم) وفي رواية قلوبكم بأن تدفعوها إلى مستحقيها بسماح وسخاء نفس ومن كمال ذلك أن يتناول المستحق بنفسه كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتناول السائل بنفسه ولا يكله لغيره (وصوموا شهركم) رمضان بأركانه وشروطه وآدابه ومنها السحور مؤخرا والفطر معجلا وصوم الأعضاء كلها عن العدوان وترك السواك بعد الزوال والأخذ فيه بشهوات العيال والإضافة للتخصيص على ما مر بما فيه (وحجوا بيتكم) أضافه إليهم لأن أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بنياه ومن مطلوباته زيادة اليقين واستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد رب العباد لا على حاصل ما بيد العبد وتزويد التقوى والرفق على الرفيق وبالظهر وتسكين الأخلاق والارفاق في الهدى وهو الثج والاعلان بالتلبية وهو العج وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعاره على معلوم السنة لا على معهود العادة (تدخلوا) بجزمه جواب الأمر (جنة ربكم) أي المحسن إليكم بالهداية إلى الإخلاص وبيان طريق النجاة والخلاص وخص الرب تذكيرا بأنه المربي والمصلح والموفق والهادي والمنعم أولا وآخرا وجعل الدخول بالأعمال لما جرت به العادة الإلهية من الدخول بها فلشدة ملازمتها كانت كأنها سبب الدخول وإلا فالدخول بالرحمة وهذا الحديث موافق لقوله تعالى {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} <فائدة> قال ابن عطاء الله لون الله تعالى لنا الطاعات من صلاة وصوم وحج وغيرها لئلا تسأم نفوسنا تكرما وفضلا لأن النفس لو كلفت بحالة واحدة في زمن واحد ملت ونفرت وبعدت من الانقياد للطاعة فرحمها الله سبحانه وتعالى بالتنويع وحجر علينا الصلاة في أوقات ليكون همنا إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم

  17. (طب عن أبي الدرداء) قال الهيتمي فيه يزيد بن فرقد ولم يسمع من أبي الدرداء

    ج ١ ص ٢١٨٣٠١ - (اخلعوا) بكسر الهمزة واللام أي انزعوا (نعالكم) وإن كانت طاهرة يقال خلع نعله إذا نزعه وفي القاموس الخلع كالمنع النزع إلا أنه فيه مهانة (عند الطعام) أي عند إرادة أكله (فإنها) أي هذه الخصلة التي هي النزع (سنة) أي طريقة وسيرة (جميلة) أي حسنة مرضية لما فيه من راحة القدم وحسن الهيئة والأدب مع الجليس ⦗٢١٩⦘ وغير ذلك والأمر للإرشاد بدليل خبر الديلمي عن ابن عمر مرفوعا أيها الناس إنما خلعت نعلي لأنه أروح لقدمي فمن شاء فليخلعها ومن شاء فليصل فيهما. والنعل كما في المصباح وغيره الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة ولما كانت السنة تطلق على السيرة جميلة كانت أو ذميمة بين أنها جميلة هنا أي حسنة مرضية محبوبة وبذلك علم أن المراد بالسنة هنا المعنى اللغوي وإلا لما احتاج لوصفها بما ذكر وخرج بحالة الأكل حالة الشرب فلا يطلب فيها نزع النعل كما هو ظاهر ومثل النغل القبقاب ونحوه لا الخف فيما يظهر

  18. (ك) في المناقب (عن أبي عبس) بفتح المهملة وسكون الموحدة كفلس (ابن جبر) بفتح وسكون الموحدة ابن زيد الأنصاري وقد مر وظاهر صنيع المؤلف أن الصحابي الذي رواه عنه الحاكم هو أبو عبس والأمر بخلافه بل الحاكم إنما رواه عن أنس فقال عن يحيى بن العلاء عن موسى بن محمد التيمي عن أبيه عن أنس قال دعا أبو عبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخلعوا إلى آخره ورواه من طريق آخر بلفظ آخر وتعقبه الذهبي على الحاكم وأن فيه يحيى وشيخه متروكان وإسناده مظلم انتهى لكنه اكتسب بعض قوة بوروده من طريق أخرى ضعيفة

    ج ١ ص ٢١٩٣٠٢ - (اخلفوني) بضم الهمزة واللام أي كونوا خلفائي (في أهل بيتي) علي وفاطمة وابنتهما وذريتهما فاحفظوا حقي فيهم وأحسنوا الخلافة عليهم بإعظامهم واحترامهم ونصحهم والإحسان إليهم وتوقيرهم والتجاوز عن مسيئهم {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال المجد اللغوي وما احتج به من رمي عوامهم بالابتداع وترك الاتباع لا ينجع فإنه إذا ثبت هذا في معين لم يخرج عن حكم الذرية فالقبيح عمله لا ذاته وقد منع بعض العمال على الصدقات بعض الأشراف لكونه رافضيا فرأى تلك الليلة أن القيامة قد قامت ومنعته فاطمة من الجواز على الصراط فشكاها لأبيها فقالت منع والدي رزقه قاعتل بأنه يسب الشيخين فالتفتت فاطمة إليهما وقالت أتؤاخذان ولدي قالا: لا فانتبه مذعورا في حكاية طويلة ولما جرى للإمام أحمد بن حنبل من الخليفة العباسي ما جرى ندم وقال اجعلني في حل فقال ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقرابتك منه (وحكى) المقريزي عن بعض العلماء أنه كان يغض من بعض أشراف المدينة لتظاهرهم بالبدع فرأى المصطفى صلى الله عليه وسلم في النوم فعاتبه فقال يا رسول الله حاش لله ما أكرههم إنما كرهت تعصبهم على أهل السنة فقال مسألة فقهية أليس الولد العاق يلحق بالنسب قال نعم قال هذا ولد عاق قال السيد السمهودي وحكى لي شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة يحيى المناوي أن شيخه الشريف الطباطبي كان بخلوته بجامع عمرو بمصر فتسلط عليه تركي يسمى قرقماس الشعباني وأخرجه منها فقال له رجل رأيتك الليلة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ينشدك هذين البيتين:

    يا بني الزهراء والنور الذي. . . ظن موسى أنه نار قبس

  19. لا أوالي الدهر من عاداكم. . . إنه آخر سطر في عبس

  20. إشارة إلى قوله تعالى {أولئك هم الكفرة الفجرة} ثم أخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم عذبة سوط بيده فعقدها ثلاث عقد. قال شيخ الاسلام: فكان من تقدير الله تعالى أن ضربت رأس قرقماس فلم تقطع إلا بثلاث ضربات فكان ذلك السوط من قبيل قوله تعالى {فصب عليهم ربك سوط عذاب}

  21. (طس عن ابن عمر) بن الخطاب وقال إن ذلك آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الهيتمي فيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف

    ج ١ ص ٢١٩٣٠٣ - (أخنع) بفتح الهمزة والنون بينهما معجمة ساكنة وفي رواية أخنى أي أفحش (الأسماء) أي أقتلها لصاحبه ⦗٢٢٠⦘ وأهلكها له يعني أدخلها في النخوع وهو الذل والضعة والهوان ذكره الزمخشري (عند الله يوم القيامة) قيد به مع كونه في الدنيا كذلك إشعارا بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العذاب (رجل) أي اسم رجل قال الطيبي: لا بد من هذا التأويل ليطابق الخبر ويمكن أن يراد بالاسم المسمى مجازا أي أخنع الرجال رجل كقوله سبحانه وتعالى {سبح اسم ربك الأعلى} وفيه مبالغة لأنه إذا قدس اسمه عما لا يليق بذاته فذاته بالتقديس أولى وإذا كان الاسم محكوما عليه بالصغار والهوان فكيف المسمى به انتهى وما بحثه تقدمه إليه القرطبي فقال المراد بالاسم المسمى بدليل رواية أغيظ رجل وأخبثه ووقع في هذه الرواية وأغيظه معطوفا على أخبثه فجاء مكررا فزعم بعضهم أنه وهم وأن الصواب وأغنطه بالنون والطاء المهملة أي أشد والغنطة شدة الكذب ورده القرطبي أن تطريق الوهم إلى الحفاظ وهم لا ينبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه ويمكن حمله على إفادة تكرار عقوبة من تسمى به تغليظا كما قال الله تعالى {فباءوا بغضب على غضب} أي بعقوبة بعد عقوبة (تسمى) أي سمى نفسه أو سماه غيره فأقروه ورضي به (ملك) بكسر اللام (الأملاك) أو ما في معناه نحو شاه شاهان أو شاهان شاه والعجم تقدم المضاف إليه على المضاف وألحق به ملك شاه قيل وإذا امتنع التسمي بما ذكر فباسم من له هذا الوصف كالله والجبار والرحمن أولى وقيد فيما مر بالعندية إيذانا بشدة غضبه ومزيد عقابه لمن سمى بشيء من ذلك أو تسمى به والتزمه فلم يغيره وقال القرطبي وحاصل الحديث أن من تسمى بهذا الاسم انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق لما ثبت في الفطرة أنه (لا مالك) لجميع الخلائق (إلا الله) فلا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلا عليه سبحانه وتعالى فعوقب على ذلك من الاذلال والاسترذال بما لم يعاقب به مخلوق والمالك من له الملك والملك أمدح والمالك أخص وكلاهما واجب لله تعالى انتهى وقال الطيبي قوله لا مالك إلى آخره استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية فنفى جنس الملاك بالكلية لأن المالك الحقيقي ليس إلا هو ومالكية الغير مستردة إلى مالك الملوك فمن تسمى بذلك نازع الله سبحانه وتعالى في رداء كبريائه واستنكف أن يكون عبده لأن وصف المالكية مختص بالله لا يتجاوز والمملوكية بالعبد لا تتجاوزه فمن تعدى طوره فله في الدنيا الخزي والعار وفي الآخرة الإلقاء في النار انتهى ومن العجائب التي لا تخطر بالبال ما نقله ابن بريدة عن بعض شيوخه أن أبا العتاهية كان له ابنتان سمى إحداهما الله والأخرى الرحمن وهذا من أعظم القبائح وأشد الجرائم والفضائح وقيل إنه تاب وألحق بعض المتأخرين بملك الأملاك حاكم الحكام وقد شدد الزمخشري النكير عليه فقال في تفسير قوله تعالى {وأنت أحكم الحاكمين} رب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمننا قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر انتهى واعترضه ابن المنير بأن خبر أقضاكم علي يؤخذ منه جواز أن يقال لأعدل القضاة وأعلمهم في زمنه قاضي القضاة ورد عليه وشنع العلم العراقي منتصرا للزمخشري ومن النوادر أن العز بن جماعة رأى أباه في النوم فسأله عن حاله فقال ما كان علي أضر من هذا الاسم فنهى الموقعين أن يكتبوا له في الاسجال قاضي القضاة بل قاضي المسلمين ومنع الماوردي من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك مع أن الماوردي كان يقال له أقضى القضاة ولعل الفرق الوقوف مع الخبر وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة وقال ابن أبي جمرة يلحق بملك الأملاك قاضي القضاة وإن اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان خلافه وفيه مشروعية الأدب في كل شيء قال ابن القيم وتحرم التسمية بسيد الناس وسيدة الكل كما تحرم بسيد ولد آدم فإن ذا ليس لأحد إلا للرسول عليه الصلاة والسلام فلا يحل إطلاقه على غيره قال ولا تجوز التسمية بأسماء الله الحسنى كالأحد والصمد ولا تسمية الملوك بالظاهر والقاهر والقادر وظاهر الوعيد يقتضي التحريم الشديد هبه قصد أنه ملك على ملوك الأرض أو بعضها لكن القاضي أبا الطيب من أكابر الشافعية يجوزه بالقصد المذكور وخالفه الماوردي كما مر ويأتي

  22. (ق د ت عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وفي الباب غيره أيضا انتهى

    ج ١ ص ٢٢١⦗٢٢١⦘ ٣٠٤ - (إخوانكم) جمع أخ وهو الناشئ مع أخيه من منشأ واحد على السواء بل بوجه ما قال الحراني (خولكم) بفتح المعجمة والواو وضم اللام أي خدمكم جمع خائل أي خادم سمي به لأنه يتخول الأمور أي يصلحها ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان والتخويل التمليك وأخبر عن الأخوة بالخول مع أن القصد عكسه اهتماما بشأن الإخوان أو الحصر الخول في الإخوان أي ليسوا إلا لإخوانكم أي من جهة تفرع الكل عن أصل واحد وهو آدم عليه الصلاة والسلام ومن قال في الدين لم يصب إذ يلزم قصر طلب المواساة في الأرقاء على المسلمين مع عمومها وحينئذ ففي الكلام معنى التشبيه أو إخوانكم مبتدأ و (جعلهم الله) خبره فعليه إخوانكم مستعار لطي المشبه وجوز جمع نصب إخوانكم بفعل مقدر أي احفظوا إخوانكم وخولكم نعت له قال أبو البقاء وهو أجود من الرفع في تخصيص الإخوان بالذكر إشعارا بعلة المواساة وأن ذلك مندوب لأنه وارد على منهج التلطف والتعطف ومعاملتهم بالشفقة والمناصحة والمسامحة وغير ذلك من ضروب الإحسان مما يعود الطبع إليه من مناصحة الإخوان والخلان وهو غير واجب (قنية) بكسر القاف وتضم أي ملكا (تحت أيديكم) يعني قدرتكم فاليد الحسية كناية عن اليد الحكيمة (فمن كان أخوه تحت يده) أي فمن كان مملوكه في قبضته وتحت حكمه وسلطانه وفي رواية للبخاري يديه بلفظ التثنية (فليطعمه) بضم المثناة التحتية فيه وفيما بعده أي وجوبا والأفضل كونه (من طعامه) الذي يأكله هو (وليلبسه) مما يليق (من لباسه) قال الرافعي لا مناقضة بينه وبين الخبر الآتي للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف لأن ما هنا في حق العرب الذين طعامهم وطعام عبيدهم وكسوتهم متقاربة وذلك في حق المترفهين في الطعام واللباس فليس عليهم لمماليكهم إلا المتعارف لهم بالبلد سواء كان من جنس نفقة السيد أو فوقه أو دونه انتهى وخرج بما ذكر نحو عفاف القن فلا يؤمر به سيده والواجب الكفاية (ولا يكلفه) من التكليف وهو تحميل الشخص شيئا معه كلفة وقيل هو الأمر بما يشق أي لا يكلفه من العمل (ما يغلبه) أي ما لا يطيقه في بعض الأحيان (فليعنه) عليه بنفسه أو بغيره فيحرم على السيد أن يكلف قنه على الدوام ما لا يطيقه على الدوام وله تكليفه عملا شاقا في بعض الأحيان لكن عليه إعانته أي مساعدته ومثل القن نحو خادم وأجير ودابة ولم يصب في التعبير من قال كابن جماعة تدخل في الخول الرقيق والخادم الحر وكذا الدواب انتهى وما ذاك إلا لأن لفظ الخول في الحديث لا يشمل الدابة لوصفه بالأخوة فالشمول ممنوع وليس إلا القياس وفيه الأمر بالعطف على المملوك والشفقة عليه والتذكير بالنعمة والقيام بشكرها والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك

  23. (حم ق د ت هـ عن أبي ذر) قال ابن حجر وفيه قصة أي وذلك لأن المعرور بن سويد رأى أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها فسأله عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ فيك جاهلية أي خلق من أخلاقهم ثم ذكره

    ج ١ ص ٢٢١٣٠٥ - (أخوف) أي من أخوف (ما أخاف على أمتي) وفي رواية أحمد على هذه الأمة (كل منافق عليم اللسان) أي عالم للعلم منطلق اللسان به لكنه جاهل القلب فاسد العقيدة يغر الناس بشقشقة لسانه فيقع بسبب تباعه خلق كثير في الزلل وقد كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلا على أشرف أحواله خوفا أن يقتدي به فيها أو بسوء ظنه به فيها فلا ينتفع. قال الحراني: والخوف حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها قال صاحب الهداية:

    فساد كبير عالم متهتك. . . وأكبر منه جاهل يتنسك

  24. هما فتنة للعالمين عظيمة. . . لمن بهما في دينه يتمسك ⦗٢٢٢⦘

  25. وسبب تحديث عمر بذلك أن الأحنف سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوها فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ثم دعاه فقال تدري لم حبستك عني قال لا قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا فذكره ثم قال خشيت أن تكون منافقا عليم اللسان وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا منه وأرجو أن تكون مؤمنا فانحدر إلى مصرك

  26. (عد عن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه بإسناد ضعيف ورواه أيضا الطبراني في الكبير بل والإمام أحمد قال السيد السمهودي رواته محتج بهم في الصحيح انتهى فعدل المصنف عن الحديث الصحيح إلى الرواية الضعيفة واقتصر عليها

    ج ١ ص ٢٢٢٣٠٦ - (أخوف ما أخاف على أمتي) اتباع (الهوى) بالقصر وهو ميل النفس وانحرافها نحو المذموم شرعا على ما مر (وطول الأمل) بالتحريك رجاء ما تحبه النفس كما مر وذلك لأنه إذا أنس بالدنيا ولذتها ثقل عليه فراقها وأقلع عن التفكير في الموت الذي هو سبب مفارقتها فيمني نفسه أبدا بما يوافق مرادها وهو البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء بما يحتاجه من مال وخدم ودار وغيرها فيعكف قلبه على هذا الفكر فيلهو عن الموت ولا يحذر فوته فإن خطر بباله سوف وقال الأيام بين يديك فإلى أن تكبر تتوب فإذا كبر قال حتى أشيخ فإذا شاخ قال حتى أفرغ من بناء داري وعمارة ضيعتي وقهر عدوي الذي يشمت بي فلا يزال كذلك لا يفرغ من شغل إلا علق بتمام آخر إلى أن تخطفه منيته في وقت لا يحتسبه فمن ثم خافه المصطفى صلى الله عليه وسلم عليهم قال الحراني: أكبر الهم والاهتمام إنما هو من طول الأمل فلأجله يتكلف الأعمال والأشغال ويجمع ويدخر الأمول {الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده؟ كلا} ونبه بقوله وطول الأمل على أن المذموم الاسترسال فيه وعدم الاستعداد للآخرة أما أصله فلا ذم فيه إذ لولاه لم يتهن أحد بعيش ولولاه لم يصنف العلماء

  27. (عد عن جابر) قال الحافظ العراقي سنده ضعيف ورواه عنه أيضا الحاكم باللفظ المزبور وزاد أما الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ورواه أبو نعيم عن علي وزاد ألا وإن الدنيا ترجلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترجلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل

    ج ١ ص ٢٢٢٣٠٧ - (أخوك البكري) بكسر الموحدة أي الذي ولده أبواك أولا وهذا على المبالغة في التحذير أي أخوك شقيقك خفه واحذر منه (ولا تأمنه) فضلا عن الأجنبي فالتحذير منه أبلغ فأخوك مبتدأ والبكري نعته والخبر يخاف منه مقدرا وفيه إثبات الحذر واستعمال سوء الظن فيمن لم يتحقق فيه حسن السيرة. قال الديلمي: وهذه كلمة جاهلية تمثل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العسكري: هذا من الحكم والامثال

  28. (طس) من طريق زيد بن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه (عن عمر) بن الخطاب قال أسلم: خرجت في سفر فلما رجعت قال لي عمر: من صحبت قلت: رجلا من بكر بن وائل فقال: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره قال الهيتمي: أسلم وأبوه ضعيفان (د عن) عبد الله (بن عمر وابن الغفواء) عن أبيه والفغواء بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة وواو مخففة مع المد ويقال ابن أبي الفغواء قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراد أن يبعثني إلى أبي سفيان بمال يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح فقال: التمس صاحبا فجاءني عمرو بن أميه الضمري فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا قال: قلت: أجل قال: فأنا لك صاحب قال: فجئت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت له: قد وجدت صاحبا قال: من؟ فقلت: عمرو بن أمية الضمري فقال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل أخوك البكري ولا تأمنه ⦗٢٢٣⦘ فخرجت حتى إذا كنا بالأبواء قال: أريد حاجة إلى قومي بودان فتلبث لي قلت راشدا فلما ولى ذكرت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فشددت على بعيري ثم خرجت حتى إذا كنت بالاصافير إذا هو يعارضني في رهط قال: فأوضعت بعيري فسبقته فلما رآني قد فته انصرفوا وجاءني فقال: كان لي إلى قومي حاجة قال: قلت: أجل فمضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان انتهى وعبد الله قال ابن حبان مستور وقال الذهبي: تابعي مجهول وساقه في الضعفاء وقال في غيرها لا يعرف قال وعمر له صحبة ورواية وفي التقريب عمرو بن الفغواء الخزاعي صحابي في إسناد حديثه اختلاف انتهى يشير إلى هذا الحديث ورواه العسكري رحمه الله تعالى في الأمثال من حديث مسور مرفوعا هذا وقد رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده

    ج ١ ص ٢٢٣٣٠٨ - (أد) وجوبا من الأداء. قال الراغب: وهو دفع ما يحق دفعه وتأديته (الأمانة) هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه وقصر جمع لها على حق الحق وآخرين على حق الخلق قصور قال القرطبي: والأمانة تشمل أعدادا كثيرة لكن أمهاتها الوديعة واللقطة والرهن والعارية. قال القاضي: وحفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الإيمان نقصت الأمانة في الناس وإذا زاد زادت (إلى من ائتمنك) عليها وهذا لا مفهوم له بل غالبي والخيانة التفريط في الأمانة. قال الحراني: والائتمان طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفظه حتى يعاد إلى المؤتمن ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضايق الأمانة وربما تأولت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله (ولا تخن من خانك) أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقه إذ لا تعدي فيه أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنا بل قابله بالأحسن الذي هو العفو وادفع بالتي هي أحسن وهذا كما قاله الطيبي أحسن قال ابن العربي: وهذه مسألة متكررة على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال الأول لا تخن من خانك مطلقا الثاني خن من خانك قاله الشافعي الثالث إن كان مما ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه وإن كان ليس في يدك فخذ حقك منه قاله مالك الرابع إن كان من جنس حقك فخذه وإلا فلا قاله أبو حنيفة. قال: والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه أو غير جنسه إذا عدلت لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اضطررت

  29. (تخ د ت) في البيوع وقال ت حسن غريب (ك عن أبي هريرة) قال ابن الجوزي: فيه شريك قال يحيى ما زال مختلطا عن قيس قال أحمد كثير الخطأ (قط ك والضياء) المقدسي (عن أنس) قال الدارقطني: فيه أيوب بن سويد ضعفه أحمد وجمع (طب عن أبي أمامة) قال الهيتمي: وفيه يحيى بن عثمان المصري قال ابن أبي حاتم: يتكلمون فيه ورواه الطبراني أيضا في الصغير والكبير باللفظ المزبور عن أنس. قال الهيتمي: رجاله ثقات ورواه ابن عساكر من طريق مكحول قال رجل لأبي أمامة: الرجل أستودعه الوديعة أو يكون لي عليه شيء فيجحدني ثم يستودعني أو يكون له علي شيء أفأجحده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره قال ابن عساكر وغيره ومكحول لم يسمع من أبي أمامة وقال السخاوي: في أسانيده مقال لكن بطرقه يتقوى (د عن رجل من الصحابة) ولا يضر إبهامه لأن الصحابة كلهم عدول (قط عن أبي بن كعب) بدري سيد سند من فضلاء الصحابة روى عنه أنس وغيره وفي موته أقوال قال ابن الجوزي فيه محمد بن ميمون قال ابن حبان منكر الحديث جدا لا يحل الاحتجاج به وقال في المنار: فيه ثلاثة ولوا القضاء ساء حفظهم وقال أحمد حديث باطل وقال ابن حجر رواه (د ت ك) عن أبي هريرة تفرد به طلق بن غنام عن شريك واستشهد له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفيه أيوب بن سويد فيه خلف ورواه أبو داود بسند فيه مجهول وقد صحبه ابن السكن ورواه البيهقي عن أبي أمامة بسند ضعيف وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه

    ج ١ ص ٢٢٤⦗٢٢٤⦘ ٣٠٩ - (أد ما افترض الله) أي أوجب (عليك) ومنه السنة يقول فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أي سنه (تكن من أعبد الناس) أي المقبول عبادتهم يعني إذا أديت العبادة على أكمل الأحوال من ركن وشرط وسنة خالصة سالمة من الخلل تكن من أعبد الناس ممن لم يفعلها كذلك والعبادة تتفاوت رتبها في الكمال (واجتنب ما حرم الله عليك) أي لا تقربه فضلا عن أن نفعله فإن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها (تكن من أورع الناس) أي من أعظمهم كفا عن المحرمات وأكثر الشبهات قال النووي: والورع اجتناب الشبهات خوفا من الله تعالى وقال ابن القيم: ترك ما يخاف ضرره في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع فيها (وارض) اقنع (بما قسمه الله) قدره (لك) قال الله تعالى {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} (تكن من أغنى الناس) فإن من قنع بما قسمه الله له صار غني القلب زاهدا فيما في يد غيره والقناعة كنز لا يفنى قال أكتم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله علم أن من تمام السعادة وحسن التوفيق الرضا بالقضاء والقناعة بالقسم قال الحكماء: من قنع كان غنيا وإن كان فقيرا ومن تجاوز ما له من القناعة فهو فقير وإن كان غنيا وقال بعضهم: الرضا بالكفاف يؤدي إلى العفاف ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور وقالوا: ما كان لك من الدنيا أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ومن قطع رجاءه مما فات استراح بدنه والراحة كلها في الرضا بالمقسوم والاقتصار على حال الوقت والإعراض عما كان ويكون لأن ذلك كدر في الوقت وشغل بما لا يعني ولا يغني والهم كله في الأسف على الأمور الماضية والاهتمام بالأمور الآتية من الدنيا وعماد ذلك أن العبد يقبل ما أعطاه سيده في الوقت ولا يهتم بما بعد الوقت لا من أين ولا كيف ولا ماذا يعطيه لأنه ليس مما يعنيه (تتمة) قال الغزالي: للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط فالجائز يقال له حكم الشرع والأفضل والأحوط يقال له حكم الورع فافهم وبه يخرج الجواب عن قول من قال الورع موضوع على التشديد والشرع موضوع على اليسر والسماحة

  30. (عد عن ابن مسعود) قال ابن الجوزي قال الدارقطني رفعه وهم والصواب وقفه

    ج ١ ص ٢٢٤٣١٠ - (أدبني ربي) أي علمني رياضة النفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة وفي شرح النوابغ هو ما يؤدي بالناس إلى المحامد أي يدعوهم (فأحسن تأديبي) بإفضاله علي بالعلوم الكسبية والوهبية بما لم يقع نظيره لأحد من البشر. قال بعضهم: أدبه بآداب العبودية وهذبه بمكارم أخلاق الربوبية ولما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديته مرآة للعالم كقوله صلوا كما رأيتموني أصلي وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته وللصديقين في السير إليه {فاتبعوني يحببكم الله} وقال القرطبي: حفظه الله من صغره وتولى تأديبه بنفسه ولم يكله في شيء من ذلك لغيره ولم يزل الله يفعل به حتى كره إليه أحوال الجاهلية وحماه منها فلم يجر عليه شيء منها كل ذلك لطف به وعطف عليه وجمع للمحاسن لديه انتهى. وفي هذا من تعظيم شأن الأدب ما لا يخفى ومن ثم قالوا: الأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت وقالوا: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب لأن من ساء أدبه ضاع نسبه ومن ضل عقله ضل أصله وقالوا: زك قلبك بالأدب كما تزكي النار بالحطب وحسن الأدب يستر قبيح النسب. وقال في العوارف: بالأدب يفهم العلم وبالعلم يصلح العمل وبالعمل تنال الحكمة ولما ورد أبو حفص النيسابوري العراق جاءه الجنيد فرأى أصحابه وقوفا على رأسه يأتمرون بأمره فقال: أدبت أصحابك آداب الملوك. قال: لا ⦗٢٢٥⦘ ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن. وقال العارف ابن سلام: مددت رجلي تجاه الكعبة فجاءتني امرأة من العارفات فقالت: إنك من أهل العلم لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محى اسمك من ديوان القرب. وقال السقطي: مددت رجلي ليلة في المحراب فنوديت ما هكذا تجالس الملوك فقلت: وعزتك لا مددتها أبدا فلم يمدها ليلا ولا نهارا. قال في العوارف: وكل الآداب متلقيات عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه مجمعها ظاهرا وباطنا وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه فأذن فجلس متربعا فامتنع من إقرائه وقال: أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه وحكى عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده فلم يعجبه منهم أحد لحدة فهمه حتى إذا جاء شيخ الإسلام يحيى المناوي فجلس بين يديه وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم فشرع في القراءة فتأمل الشيخ فوجد أصبعا من أصابع رجله مكشوفا فانتهره وقال له بحال أنت قليل الأدب لا يجئ منك في الطلب غط أصبعك واستعمل الأدب فحم لوقته وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف بالناس ولزم دروسه حتى صار رأسا عظيما في العلم. وقال بعضهم: قد أدب الله تعالى روح نبيه صلى الله عليه وسلم ورباها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه الظاهر باللطف والهبة فتكامل له الإنس باللطف والأدب بالهيبة واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج باتصالها كمالات أخرى من القوة إلى الفعل وينال كل من الروح والبدن بواسطة الأخرى من الكمال ما يليق بالحال ويصير قدوة لأهل الكمال والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق وقيل الوقوف مع المستحسنات وقيل تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه وقيل: غير ذلك. قال الحراني: والربوبية إقامة المربوب لما خلق وأريد له فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده فرب المؤمن ربه وباه للإيمان ورب الكافر ربه ورباه للكفران ورب محمد صلى الله عليه وسلم ربه ورباه للحمد ورب العالمين رب كل عالم لما خلق له {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} فالربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه من عرف نفسه فقد عرف ربه

  31. (ابن السمعاني) الإمام أبو سعد (في) كتاب (أدب الإملاء) أي إملاء الحديث من جهة صفوان بن مفلس الحنطي عن محمد بن عبد الله عن سفيان الثوري عن الأعمش (عن ابن مسعود) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أدبني فأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} هذا سياق رواية السمعاني بحروفه فتصرف فيه المؤلف كما ترى. قال الزركشي: حديث أدبني ربي فأحسن تأديبي معناه صحيح لكنه لم يأت من طريق صحيح وذكره ابن الجوزي في الواهيات عن علي في ذيل حديث وضعفه وأسنده سبطه في مرآة الزمان وأخرجه بطرق كلها تدور على السدي عن ابن عمارة الجواني عن علي وفيه فقال يا رسول الله إنك تكلم الوفود بكلام أو لسان لا نفهم أكثره فقال إن الله أدبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعد فقال له عمر يا رسول الله كلنا من العرب فما بالك أفصحنا فقال: أتاني جبريل بلغة إسماعيل وغيرها من اللغات فعلمني إياها وصححه أبو الفضل بن ناصر قال المؤلف وأخرج العسكري عن علي قال قدم بنو فهد بن زبد على المصطفى صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتيناك من غور تهامة وذكر خطيبهم وما أجابهم المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: فقلت يا نبي الله نحن بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثره فقال: أدبني ربي إلى آخره وأخرج ابن عساكر أن أبا بكر قال: يا رسول الله طفت في العرب وسمعت كلام فصائحهم فما سمعت أفصح منك فمن أدبك قال: أدبني ربي ونشأت في بني سعد قال: وإسناده ضعيف وقال السخاوي: ضعيف وإن اقتصر شيخنا يعني ابن حجر على الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه. وقال ابن تيمية: لا يعرف له سند ثابت

    ج ١ ص ٢٢٥٣١١ - (أدبوا) خطابا للآباء والأجداد ويلحق بهم كل كافل ليتيم (أولادكم) أي دربوهم لينشأوا ويستمروا (على) ملازمة خصال (ثلاث) وخصها لأنها أهم ما يجب تعليمه للطفل (خصال) قالوا: وما هي. قال: (حب نبيكم) المحبة ⦗٢٢٦⦘ الإيمانية الطيبة لأنها غير اختيارية وهذا واجب لأن محبته تبعث على امتثال ما جاء به قال السمعاني: يجب على الآباء تعليم أولادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بمكة إلى كافة الثقلين ودفن في المدينة وأنه واجب الطاعة والمحبة. وقال ابن القيم: يجب أن يكون أول ما يقرع سمعهم معرفة الله تعالى وتوحيده وأنه يسمع كلامهم وأنه معهم حيث ما كانوا وكذلك كان بنو إسرائيل يفعلون ولهذا كان أحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن بحيث إذا عقل الطفل ووعى علم أنه عبد الله ثم يعرفه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبوجوب محبته (وحب أهل بيته) علي وفاطمة وبنيهما أو مؤمنو بني هاشم والمطلب (وقراءة القرآن) أي تلاوته ومدارسته وحفظه (فإن حملة القرآن) أي حفظته عن ظهر قلب المداومين لتلاوته العاملين بأحكامه يكونون (في ظل الله) أي في ظل عرشه كما صرح به في رواية أخرى (يوم لا ظل إلا ظله) أي يوم القيامة إذا دنت الشمس من الرؤوس واشتد عليهم حرها وقد يراد به ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها كما قال الله تعالى {وندخلهم ظلا ظليلا} وقيل: المراد بالظل الكرامة والكنف والأمن من المكاره في ذلك الموقف (مع أنبيائه وأصفيائه) أي يكونون في حزبه الذين اختارهم من خلقه وارتضاهم لجواره وقربه ومعنى كونه معهم أنه يكون رفيقا لهم هناك لاتصافه بصفتهم من حمل كتابه وفيه وجوب تأديب الأولاد وأنه حق لازم وكما أن للأب على ابنه حقا فللابن على أبيه كذلك بل وصية الله تعالى للآباء أبنائهم سابقة في التنزيل على وصية الأولاد بآبائهم فمن أهمل تعليم ولده وليدا ما ينفعه فقد أساء إليه وأكثر عقوق الأولاد آخرا بسبب الاهمال أولا ومن ثم قال بعضهم لأبيه: أضعتني وليدا فأضعتك شيخا

  32. (أبو نصر) عبد الكريم بن محمد (الشيرازي) نسبة إلى شيراز بلدة (في فوائده) الحديثية (فر وابن النجار) في تاريخه (عن علي) لم يرمز له بشيء وهو ضعيف لأن فيه شيء وصالح بن أبي الأسود له مناكير وجعفر ابن الصادق قال في الكشاف عن القطان في النفس منه شيء انتهى

    ج ١ ص ٢٢٦٣١٢ - (أدخل الله) بصيغة الماضي دعاء وقد يجعل خبرا وعبر عنه بالماضي إشعارا بتحقق الوقوع (الجنة) دار الثواب وقدم الجزاء لمزيد التشويق والترغيب (رجلا) يعني إنسانا ذكرا أو أنثى والمراد كل مؤمن (كان سهلا) أي لينا في حال كونه (مشتريا وبائعا وقاضيا) أي مؤديا ما عليه (ومقتضيا) طالبا ماله ليأخذه والقصد بالحديث الإعلام بفضل اللين والسهولة في المعاملات من بيع وشراء وقضاء واقتضاء وغير ذلك وأنه سبب لدخول الجنة موصل للسعادة الأبدية وخص المذكورات لغلبة وقوعها وكثرة المضايقة فيها حتى في التافه لا لإخراج غيرها فجميع العقود والحلول كذلك

  33. (حم) عن وهب (عن عثمان بن عفان) رضي الله تعالى عنه رمز المؤلف رحمه الله لصحته

    ج ١ ص ٢٢٦٣١٣ - (ادرؤا) بكسر الهمزة وسكون المهملة وفتح الراء ادفعوا (الحدود) أي إيجابها أن تنظروا وتبحثوا عما يمنع من ذلك جمع حد وهو لغة المنع وعرفا عقوبة مقدرة على ذنب (عن المسلمين) والملتزمين للأحكام فالتقييد غالبي أو للتنبيه على أن الدرء عن المسلم أهم (ما استطعتم) أي مدة استطاعتكم ذلك بأن وجدتم إلى الترك سبيلا شرعيا فلا تحدوا أحدا منهم إلا بأمر متيقن لا يتطرق إليه التأويل (فإن وجدتم للمسلم مخرجا) عن إيجاب الحد (فخلوا سبيله) أي طريقه يعني اتركوه ولا تحدوه وإن قويت الريبة وقامت قرينة تغلب على الظن صدق ما يرمى به كوجود رجل مع أجنبية ⦗٢٢٧⦘ في فراش واحد وكلامه شامل لما بعد الإقرار. قال ابن العربي: ومن السعي في الدرء الإعراض عنه والتعريض له كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم بماعز لعلك قبلت لعلك فاخذت وكما قال لمن اتهم بالسرقة ما إخالك سرقت وقوله لآخر: أبك جنون؟ هل أحصنت (فإن الإمام) يعني الحاكم (لأن) بلام التأكيد وفي رواية أن (يخطئ في العفو خير من أن يخطئ بالعقوبة) أي خطؤه في العفو خير من خطئه في العقوبة واسم التفضيل على غير بابه إذ لا خير في الخطأ بالعقوبة وإنما مراده الترهيب من المؤاخذة مع قيام أدنى شبهة والخطاب في قوله ادرؤا للأئمة. قال الطيبي: فالإمام مظهر أقيم مقام المضمر على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة حثا له على إظهار الرأفة والرحمة يعني من حق إمام المسلمين وقائدهم أن يرجح سبيل العفو ما أمكن والكلام في غير خبيث شرير متظاهر بالإيذاء والفساد أما هو فلا يدرأ عنه بل يتعين السعي في إقامته بدليل الخبر المار أترعون عن ذكر الفاجر أذكروا الفاجر بما فيه والخطأ كما قال الحراني هو الزلل عن الحق من غير تعمد بل مع عزم الاصابة أو ودان لا يخطئ

  34. (ش ت ك هق) في كتاب الحدود (عن عائشة) رضي الله عنها مرفوعا وموقوفا. وقال الحاكم: صحيح ورده الذهبي في التلخيص بأن فيه يزيد بن زياد شامي متروك وقال في المهذب: هو واه وقد وثقه النسائي انتهى وسبقه الترمذي فقال في العلل: فيه يزيد بن زياد سألت عنه محمدا يعني البخاري فقال منكر الحديث ذاهبه. وقال ابن حجر: فيه يزيد بن زياد ضعيف وقال فيه البخاري منكر الحديث (وش) متروك قال الذهبي رحمه الله: وأجود ما في الباب خبر البيهقي ادرؤا الحد والقتل عن المسلمين ما استطعتم. قال هذا موصول جيد انتهى

    ج ١ ص ٢٢٧٣١٤ - (ادرؤا الحدود) ادفعوا إقامتها جمع حد. قال الحراني: وحقيقة الحاجز بين شيئين متقابلين فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن (بالشبهات) بضمتين جمع شبهة بالضم وهي كما في القاموس الإلباس. وقال الزمخشري: تشابهت الأمور واشتبهت التبست لاشتباه بعضها ببعض وشبه عليه الأمر لبس عليه (وأقيلوا الكرام) أي خيار الناس ووجوههم نسبا وحسبا وعلما ودينا وصلاحا (عثراتهم) أي زلاتهم بأن لا تعاقبوهم عليها ولا تؤاخذوهم بها يقال للعثرة زلة لأن العثور السقوط والزلة سقوط في الإثم. قال الزمخشري: من المجاز أقال الله عثرتك وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره عليه أطلعه وأعثر به عند السلطان قدح فيه وطلب توريطه (إلا في حد من حدود الله) فإنه لا يجوز إقالتهم فيه إذا بلغ الإمام وثبت عنده وخلى عن الشبهة ولم يجد إلى دفعه عنه سبيلا وطلب منه إقامته فيما يتوقف على الطلب وزاد قوله من حدود الله تفخيما وتأكيدا فلا مفهوم له

  35. (عد) قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي خرجه أبو أحمد بن عدي (في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة) من رواية ابن لهيعة (عن ابن عباس) قال الحافظ ابن حجر في تخريج المختصر وهذا الإسناد إن كان من بين ابن عدي وابن لهيعة مقبول فهو حسن وذكر البيهقي في المعرفة أنه جاء من حديث علي مرفوعا وذكر التاج السكي في شرح المختصر أن أبا محمد الحارثي ذكره في مسند أبي حنيفة من حديث ابن عباس ووهم من أخذ كلامه فنسبه إلى أبي محمد الدارمي فكأنه تحرف عليه انتهى (وروى صدره) فقط وهو قوله ادرؤوا الحدود بالشبهات (أبو مسلم الكجي) بفتح الكاف وشد الجيم نسبة إلى الكج وهو الجص لقب به لأه كان كثيرا ما يبني به (وابن السمعاني) أي وروى صدره فقط ابن السمعاني (في الذيل) أي ذيل تاريخ بغداد (عن) أبي حفص (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين الخليفة العادل الراشد المجمع ⦗٢٢٨⦘ على وفور فضله وعقله وعلمه وورعه وزهده وعدله (مرسلا) قال ابن حجر: وفي سنده من لا يعرف وفيه قصة (ومسدد) بضم الميم وفتح المهملة وشد المهملة ابن مسرهد البصري ثقة حافظ (في مسنده) الذي هو أول مسند صنف في البصرة قيل اسمه عبد الملك ومسدد لقبه (عن) عبد الله (بن مسعود موقوفا) بلفظ إدرؤوا الحدود بالشبهة بلفظ الإفراد. وقال ابن حجر في شرح المختصر وهو موقوف حسن الإسناد انتهى. وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع

    ج ١ ص ٢٢٨٣١٥ - (ادرؤا الحدود) جمع حد قال الراغب: سميت العقوبة حدا لكونه يمنع الفاعل من المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع أو الإشارة إلى المنع ولذا سمي البواب حدادا قال وتطلق الحدود ويراد بها المعاصي كقوله تعالى {تلك حدود الله فلا تقربوها} وعلى فعل فيه شيء مقدر ومنه {ومن يتعد حدود الله} وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدود إذ الحد الحاجز فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر عن الزيادة عليه والنقص منه (و) لكن (لا ينبغي) مع ذلك (للإمام) ونوابه أي لا يجوز (تعطيل الحدود) أي ترك إقامة شيء منها بعد ثبوته على وجه لا مجال للشبهة فيه فالمراد لا تفحصوا عنها إذا لم تثبت عندكم وبعد الثبوت فإن كان ثم شبهة فادرؤا بها وإلا فأقيموها وجوبا ولا تعطلوها فإن تعطيلها يجر إلى اقتحام القبائح وارتكاب الفضائح والتجاهر بالمعاصي وخلع ربقة أحكام الشريعة <تنبيه> أخذ الكرخي من هذه الأخبار أنه لا يجب العمل بخبر الواحد في الحدود لما أنه لا يفيد العلم إلا بقرينة وذلك شبهة وألزم بأن ذلك موجود في شهادة الواحد

  36. (قط هق عن علي) وضعفه البيهقي. وقال السخاوي: فيه المختار بن نافع قال البخاري منكر الحديث انتهى نعم هو حسن بشواهده وعليه يحمل رمز المؤلف لحسنه

    ج ١ ص ٢٢٨٣١٦ - (ادعوا) بهمزة وصل مضمومة (الله) المنفرد بالإعطاء والمنع والضر والنفع فذكره هنا أنسب من ذكر الرب أي اسألوه من فضله من الدعاء وهو استدعاء العبد ربه العناية واستمداده منه المعونة وحقيقته إظهار الإفتقار إليه والتبرؤ من الحول والقوة وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية وبه رد على من كره الدعاء من الصوفية وقال الأولى السكوت والرضا والجمود تحت جريان الحكم والقضاء وهذا الحديث نص في رده والذي عليه جمهور الطوائف أن الدعاء أفضل مطلقا لكن بشرط رعاية الأدب والجد في الطلب والعزم في المسألة والجزم بالإجابة كما أشار إليه بقوله (وأنتم موقنون) جازمون (بالإجابة) بأن تكونوا على حال تستحقون فيه الإجابة بخلوص النية وحضور الجنان وفعل الطاعات بالأركان وتجنب المحظور والبهتان وتفريغ السر عما سوى الرحمن أما سمعته يقول {وجاء بقلب منيب} أي راجع إليه عما سواه من إظهار الانكسار والاضطرار ورفض الحول والقوة وغلبة ظن الإجابة بحيث تكون أغلب على القلب من الرد لأن الداعي إذا لم يكن جازما لم يكن رجاؤه صادقا وإذا لم يصدق الرجاء لم يخلص الدعاء إذ الرجاء هو الباعث على الطلب ولا يتحقق الفرع بدون تحقق الأصل ولأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو أو بخله أو عدم علمه بالابتهال وذلك كله على الحق تقدس محال. قال الطيبي: وقيد الأمر بالدعاء باليقين والمراد النهي عن التعرض بما هنا مناف للإيقان من الغفلة واللهو والأمر بضدهما من إحضار القلب كما تقرر أولا والجد في الطلب بالعزم في المسألة فإذا حصل حصل اليقين ونبه على ذلك بقوله (واعلموا أن الله) زاد في رواية الترمذي تبارك وتعالى (لا يستجيب) أي لا يجيب قال في النهاية: المجيب الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء (دعاء) بالمد (من قلب غافل) بالإضافة ويجوز عدمها وتنوينها (لاه) أي لا يعبأ بسؤال سائل غافل عن الحضور مع ⦗٢٢٩⦘ مولاه مشغوف بما أهمه من دنياه ونظيره قوله تعالى {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} نهاهم عن الموت على غير دين الإسلام وليس بمقدورهم لكنه أمر بالثبات عليه بحيث إذا أدركهم الموت على تلك الحالة والتيقظ والجد في الدعاء من أعظم آدابه قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل النفع عديم الأثر. قال: وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة ولا بحالة مخصوصة <تنبيه> قال الكمال ابن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والإشنغال بتحريات النغم إظهارا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال اعجبوا من حسن صوتي وتحريري ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان

  37. (ت) في الدعوات واستغربه عن أبي هريرة قال في الأذكار: وإسناده فيه ضعف (ك) في الدعاء والذكر (عن أبي هريرة) قال الحاكم مستقيم الإسناد تفرد به صالح المزي أحد زهاد البصرة انتهى ورده الذهبي فقال صالح متروك تركه (س) هذا رمز الذهبي ومراده به النسائي وعبارة المتولي قال المنذري: تركه أبو داود والنسائي انتهى فما في النسخ هن نقط السين خطأ ينشأ من توهم أن رمز الذهبي كرمز المؤلف وغيره له هنا قال (خ) منكر الحديث. وقال أحمد: صاحب قصص لا يعرف الحديث وجرى على منواله الحافظ العراقي ثم تلميذه الحافظ ابن حجر فقالا: صالح وإن كان صالحا ضعيف في الحديث ومن ثم تركه جمع فمن زعم حسنه فضلا عن صحته فقد جازف

    ج ١ ص ٢٢٩٣١٧ - (ادفعوا الحدود عن عباد الله) أضافهم إليه تذكيرا بأن الدفع عنهم من تعظيم مالكهم (ما وجدتم له) أي للحد الذي هو واحد الحدود أو للدفع المفهوم من ادفعوا أي لا تقيموها مدة دوام وجودكم لها (مدفعا) كمصرع أي تأويلا يدفعها لأن الله تعالى كريم عفو يحب العفو والسر {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} ومن ثم ندب للحاكم إذا أتاه نادم أقر بحد ولم يفسره أن لا يستفسره بل يأمره بالستر فإن كان مما يقبل الرجوع عرض له به كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن هذا مقيد بما إذا لم يكن الفاعل معروفا بالأذى والفساد فعدم الإغضاء عنه أولى كما مر بل قد يجب عدم الستر عليه لأن الستر يطغيه نص عليه مالك وغيره قال الحراني: والدفع رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها

  38. (هـ) من حديث إسحاق بن إسرائيل عن وكيع عن إبراهيم بن الفضل عن المقبري (عن أبي هريرة) قال ابن حجر في تخريج المختصر: إبراهيم مدني ضعيف وقد خرجه ابن عدي فعده من منكراته وقال: هذا رجل اتهمه سفيان الثوري انتهى وبه يعرف سقوط رمز المصنف رحمه الله تعالى لحسنه إلا أن يراد أن ما مر يعضده

    ج ١ ص ٢٢٩٣١٨ - (ادفنوا) أيها المسلمون (موتاكم) المسلمين (وسط) بفتح السين وسكونها وهو أفصح (قوم صالحين) جمع صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته والوسط بمعنى المتوسط بين جماعة من الأموات. لكن ليس المراد هنا حقيقة التوسيط وهو جعل الشيء في الوسط بل الدفن بقرب قبر صالح أو بمقبرة الصلحاء ولو في طرفها فيكره الدفن بقرب قبر مبتدع أو فاسق والأفضل بأفضل مقبرة البلد ويحرم دفن مسلم في مقبرة كفار وعكسه كما أشار إليه بقوله (فإن الميت يتأذى) يتضرر (بجار السوء) بالفتح والإضافة أي بسبب جوار جار السوء الميت وتختلف مراتب الضرر بإختلاف أحوال المتضرر منه لنحو شدة تعذيب أو نتن ريح أو ظلمة أو غير ذلك فليس المراد بالتأذي مدلوله اللغوي ⦗٢٣٠⦘ وهو الضرر بقيد كونه يسيرا فحسب إذ في القاموس الأذى السوء اليسير (كما يتأذى الحي بجار السوء) الحي وفي رواية قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة قال: هل ينفع في الدنيا قالوا: نعم قال: كذلك ينفع في الآخرة. قال السخاوي: وما روي أن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا إنما يقدس المرء عمله قد لا ينافيه قال عبد الحق في العاقبة: فيندب لولي الميت أن يقصد به قبور الصالحين ومدافن أهل الخير فيدفنه معهم وينزله بإزائهم ويسكنه في جوارهم تبركا وتوسلا بهم وأن يجتنب به قبور من يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله كما جاء في أثر أن امرأة دفنت بقبر فأتت أهلها في النوم فجعلت تعتبهم وتقول ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الخبز فلما أصبحوا لم يجدوا بقرب القبر فرن خبز لكن وجدوا رجلا سيافا لابن عامر دفن بقربها. ورأى بعضهم ولده بعد موته فقال: ما فعل الله بك قال: ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقا فروعني ما يعذب به من أنواع العذاب ولو تعارض شرف البقعة وسوء حال المقبورين فاحتمالان رجح بعضهم تقديم الدفن بجوار الصلحاء على الدفن بالبقعة المقدسة وفيه حث على العمل الصالح والبعد عن أهل الشر والزجر عن فعله والنهي عن أذى الجار

  39. (حل) من حديث محمد بن عمران بن الجنيد عن شعيب بن محمد الهمداني عن سلمان بن عيسى عن نافع عن عمه نافع بن مالك عن أبيه (عن أبي هريرة) ثم قال غريب من حديث مالك وأقول سليمان ابن عيسى قال في اللسان هالك وقال أبو حاتم كذاب وابن عدي وضاع ومن ثم أورد الجوزقاني الحديث في الموضوعات وكذا ابن الحوزي وتعقبه المؤلف وغاية ما أتى به أن شاهدا حاله كحاله

    ج ١ ص ٢٣٠٣١٩ - (ادفنوا القتلى) بفتح فسكون أي قتلى أحد والحكم عام (في مصارعهم) وفي رواية في مضاجعهم أي في الأماكن التي قتلوا فيها والصريع من الأغصان ما تهدل وسقط إلى الأرض ومنه قيل للقتيل صريع وهذا قاله لما نقلوا بعضهم ليدفنوه بالبقيع مقبرة المدينة ولا يصح تعليله لكونه محل الشهادة والأرض تشهد لمن قتل فيها لأن الشهادة لا تتوقف منها على الدفن ولعله لبقاء دمائهم ودفنها معهم قال في المطامح والصحيح أن ذلك كان قبل دفنهم وحينئذ فالأمر للندب

  40. (٤ عن جابر) قال الترمذي رحمه الله حسن صحيح ولهذا رمز المؤلف رحمه الله تعالى لصحته

    ج ١ ص ٢٣٠٣٢٠ - (أدمان) تثنية أدم بضم الهمزة والدال المهملة وتسكن جمع إدام وقيل هو بالسكون المفرد وبالضم الجمع أي لبن وعسل (في إناء) واحد (لا آكله ولا أحرمه) صريح في حله خلافا لمن وهم لأنه من الطيبات المأذون في تناولها وإنما لم يأكله لأنه كان يكره التلذذ والتبسط بنعيم الدنيا ويحب التقلل منه تركا للتعمق في التنعم ورفضا لفضول الدنيا كما ورد في عدة أخبار وبين مراده به في خبر عائشة رضي الله عنها وغيره وأكله من برمة فيها سمن وعسل لبيان الجواز أو للإيناس أو جبرا لخاطر من قدمه أو لكونه المتيسر في ذلك الوقت أو للتعديل كالجمع بين حار وبارد أو رطب ويابس أو غير ذلك من المقاصد التي لا تنافي الزهد <تنبيه> قال الغزالي: هذا الحديث نبه به على أنه ينبغي للإنسان أن لا ينهمك في الشهوات فيكفي إسرافا أن يأكل كلما يشتهيه ويفعل كلما يهواه فلا يعطي نفسه شهوتين دفعة فتقوى عليه وقد أدب عمر ولده عبد الله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن فعلاه بالدرة وقال: لا أم لك كل يوما هذا ويوما هذا وإذا كان حد الاعتدال المطلوب خفيا في كل شخص فالحزم أن لا يترك في كل حال وأكل أدم في يوم هو الاعتدال وخلافه إسراف وإفراط ومخالفته إقتار وكان بين ذلك قواما. قال: وإذا اشتهى فاكهة فينبغي أن يترك الخبز ويأكلها بدلا عنه ليكون قوتا لئلا يجمع بين شهوة وعادة