باب ما جاء في قصر الأمل
٢٧ فقرة، ج ٦ ص ٥١٥
- ج ٦ ص ٥١٥
[٢٣٣٣] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ) هُوَ الزُّبَيْرِيُّ قَوْلُهُ (بِبَعْضِ جَسَدِي) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِمَنْكِبَيْ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَنُكْتَةُ الْأَخْذِ تَقْرِيبُهُ إِلَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ مَا يُلْقَى لَدَيْهِ قَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ قَالَ الطِّيبِيُّ لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ
-
ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ بَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنُ لَمْحَةً وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ إِلَخْ وَبِقَوْلِهِ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ
-
فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يَكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يَفُوتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
-
وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ انْتَهَى
-
وَعُدَّ نَفْسَكَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ اجْعَلْهَا مَعْدُودَةً مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَاحِدَةً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أن تحاسبوا فقال لي بن عُمَرَ هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْ قَالَ لِي بن عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ إِلَخْ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَكَانَ بن عُمَرَ يَقُولُ إِذَا
ج ٦ ص ٥١٦أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ أَيْ زَمَنِ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ قَبْلَ مَرَضِكَ
-
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِمَرَضِكَ وَالْمَعْنَى اشْتَغِلْ فِي الصِّحَّةِ بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِيرٌ فِي الْمَرَضِ لَيُجْبَرُ بِذَلِكَ مَا اسْمُكَ غَدًا قَالَ الْحَافِظُ أَيْ هَلْ يُقَالُ لَهُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَلَمْ يُرِدِ اسْمَهُ الْخَاصَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ هَلْ يُقَالُ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ انْتَهَى
-
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
-
قَوْلُهُ وَقَدْ رَوَى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد عن بن عُمَرَ نَحْوَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ
-
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ
-
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن بن عمر زاد أحمد والترمذي وبن ماجة وعد من نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ
-
[٢٣٣٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ) هو بن نَصْرٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) ثِقَةٌ مِنْ الرَّابِعَةِ
-
قَوْلُهُ هَذَا بن آدَمَ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ حِسِّيَّةٌ إِلَى صُورَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَكَذَا قَوْلُهُ وَهَذَا أَجَلُهُ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قُدَّامِهِ فِي مِسَاحَةِ الْأَرْضِ أَوْ فِي مِسَاحَةِ الْهَوَاءِ بِالطُّولِ أَوِ العرض وقال هذا بن آدَمَ ثُمَّ أَخَّرَهَا وَأَوْقَفَهَا قَرِيبًا مِمَّا قَبْلَهُ وَقَالَ هَذَا أَجَلُهُ (وَوَضَعَ يَدَهُ) أَيْ عِنْدَ تلفظه بقوله هذا بن آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ (عِنْدَ قَفَاهُ) أَيْ فِي عَقِبِ الْمَكَانِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ (ثُمَّ بَسَطَهَا) أَيْ نَشَرَ يَدَهُ عَلَى هَيْئَةِ فَتْحٍ لِيُشِيرَ بِكَفِّهِ وَأَصَابِعِهِ أَوْ مَعْنَى بَسَطَهَا وَسَّعَهَا فِي الْمَسَافَةِ مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ فَقَالَ وَثَمَّ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ هُنَالِكَ وَأَشَارَ إِلَى بُعْدِ مَكَانِ ذَلِكَ (أَمَلُهُ) أَيْ
ج ٦ ص ٥١٧مَأْمُولُهُ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ للاختصاص والاهتمام كذا شرح القارىء هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ هَذَا مَا سَنَحَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ تَوْضِيحِ الْمَرَامِ
-
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِي قَوْلِهِ وَهَذَا أَجَلُهُ لِلْجَمْعِ مُطْلَقًا فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا مُرَكَّبٌ فَوَضَعَ الْيَدَ عَلَى قَفَاهُ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتْبَعُهُ أَجَلُهُ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ وَبَسْطُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنْ مَدِّهَا إِلَى قُدَّامٍ انْتَهَى
-
وَقَالَ الشَّيْخُ عبد الحق في ترجمة المشكاة (هذا بن آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ) أين أدمى ست وأين أجل إوست يَعْنِي نزديك است بوي (وَوَضَعَ يده عند قفاه) ونهاد انحضرت أزيرلي تصوير وتمثيل قرب موت رابا دمى دستخودرانزدقاي خود يَعْنِي مركدر قفاي ادمي ست وقريب بوي (ثُمَّ بَسَطَ) يس تربكشا دود رازكرد انحضرت دست داود ورد أشت ازقفا أزبراي نمودن درازي أمل (فَقَالَ وَثَمَّ أَمَلُهُ) وانجاست يَعْنِي بجاي دور أمل واميداو يَعْنِي أجل نزديك امد وامل دور رفته أست انْتَهَى بِلَفْظِهِ
-
قلت كل من المغنيين اللذين ذكرهما القارىء وَالشَّيْخُ مُحْتَمَلٌ
-
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ثُمَّ غَرَزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ ثُمَّ قَالَ هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ وَهَذَا أَمَلُهُ
-
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْأَحَادِيثُ مُتَوَافِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَمَلِ
-
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ الترمذي وبن حبان في صحيحه ورواه النسائي أيضا وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ انْتَهَى
-
[٢٣٣٥] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي السَّفَرِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يُحْمِدَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْهَمْدَانِيُّ الثَّوْرِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
-
قَوْلُهُ (وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخُصُّ بِالضَّمِّ الْبَيْتُ مِنَ الْقَصَبِ أَوِ الْبَيْتُ يُسْقَفُ بِخَشَبَةٍ كَالْأَزَجِ جَمْعُهُ خِصَاصٌ وَخُصُوصٌ انْتَهَى
-
وَقَالَ فِيهِ الْأَزَجُ مُحَرَّكَةٌ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ
-
وَالْمَعْنَى نُصْلِحُ بَيْتًا لَنَا
-
وَفِي رِوَايَةٍ وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي أَنَا وَأُمِّي (قَدْ وَهِيَ) أَيْ ضَعُفَ قَالَ فِي الصُّرَاحِ وَهِيَ ضَعِيفٌ شدن ونزديك شدن ديواربافتادن
-
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ
ج ٦ ص ٥١٨الْوَهْيُ الشَّقُّ فِي الشَّيْءِ جَمْعُهُ وُهِيٌّ وَأَوْهِيَةٌ وَهَى كَوَعَى وَوَلِيَ تَخَرَّقَ وَانْشَقَّ وَاسْتَرْخَى رِبَاطُهُ (فَقَالَ مَا أَرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ مَا أَظُنُّ (الْأَمْرَ) أَيِ الْأَجَلَ (إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذلك) وفي رِوَايَةٍ قَالَ الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ الْأَجَلُ أَقْرَبُ مِنْ تَخَرُّبِ هَذَا الْبَيْتِ أَيْ تُصْلِحُ بَيْتَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْهَدِمَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ وَرُبَّمَا تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَنْهَدِمَ فَإِصْلَاحُ عَمَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِصْلَاحِ بَيْتِكَ
-
قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْ كَوْنُنَا فِي الدُّنْيَا كَعَابِرِ سَبِيلٍ أَوْ رَاكِبٍ مُسْتَظِلٍّ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَسْرَعَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِكَ بِالْبِنَاءِ انْتَهَى
-
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وبن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ