باب ما جاء في كراهية التزعفر والخلوق للرجال

٢٤ فقرة، ج ٨ ص ٨١

  1. قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْخَلُوقُ طِيبٌ مَعْرُوفٌ مُرَكَّبٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَقَدْ وَرَدَ تَارَةً بِإِبَاحَتِهِ وَتَارَةً بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ طِيبِ النِّسَاءِ وَكُنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا لَهُ مِنْهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ نَاسِخَةٌ انْتَهَى

    ج ٨ ص ٨١
  2. قَوْلُهُ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ) أَيْ عَنِ اسْتِعْمَالِ الزَّعْفَرَانِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الرَّجُلِ الزَّعْفَرَانَ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ وَلَهُمَا أَحَادِيثُ أُخْرَى صَحِيحَةٌ وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ وَدَلِيلُهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ

  3. وَعَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ

  4. وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ مُطْلَقًا أَصَحُّ وَأَرْجَحُ

  5. فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَسَأَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرُهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً الْحَدِيثَ

  6. وَفِي رِوَايَةٍ وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّزَعْفُرِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ

  7. قُلْتُ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الْجَمْعِ بِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلْمُتَزَوِّجِ وَأَحَادِيثَ النَّهْيِ لِغَيْرِهِ حَيْثُ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ بَابُ الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ

  8. وَقَالَ الْحَافِظُ إِنَّ أَثَرَ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَكَانَ

    ج ٨ ص ٨٢ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ قَالَ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِوُجُوهٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ

  9. فَإِنْ قُلْتَ روى الشيخان عن بن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ

  10. فَيُسْتَفَادُ مِنْ ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ لِغَيْرِهِ

  11. قُلْتُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ جَوَابَ سُؤَالِهِمْ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ أَسْفَلُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِهَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ فَقَالَ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ إِلَى آخِرِهِ انْتَهَى

  12. قُلْتُ وَالْأَوْلَى في الجواب أن يقال إن الجواز للحلال مستفاد من حديث بن عُمَرَ بِالْمَفْهُومِ وَالنَّهْيُ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِالْمَنْطُوقِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ

  13. فَإِنْ قُلْتَ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عبد الله بن زيد عن أبيه عن بن عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ

  14. قُلْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصُّفْرَةِ

  15. قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (قَالَ وَمَعْنَى كَرَاهِيَةِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ يَعْنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ بِهِ) كَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ

  16. وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلُهُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الزَّعْفَرَانِ مُطْلَقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَفِي الْبَدَنِ كَانَ أَوْ فِي الثوب

    ج ٨ ص ٨٣قَوْلُهُ (سَمِعْتَ أَبَا حَفْصِ بْنِ عُمَرَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الْكُنَى أبو حفص بن عمرو وقيل بن عُمَرَ وَقِيلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَفْصٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ انْتَهَى

  17. وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ رَوَى عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلُوقِ وَعَنْهُ عَطَاءُ بْنُ السائب قاله بن عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ

  18. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْهُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو وَقِيلَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ

  19. وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى

  20. وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصٍ وَقِيلَ حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ مِنَ الرَّابِعَةِ

  21. قَوْلُهُ (أَبْصَرَ رَجُلًا مُتَخَلِّقًا) أَيْ مَطْلِيًّا بِالْخَلُوقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (فَاغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَاغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ قَالَ الْمُظْهِرُ أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَقِيلَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ لَوْنُهُ إِلَّا بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا (ثُمَّ لَا تَعُدْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ لَا تَرْجِعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالرِّجَالِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ)

  22. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (وَقَدِ اخْتَلَفَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ (بِأَخَرَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ أَيْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ

  23. قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ

  24. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلْمٍ الْعَلَوِيِّ عَنْهُ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَلَّمَا كَانَ يُوَاجِهُ أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ وَسَلْمٌ هَذَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ فِيهِ لِينٌ