(١٨٧٣) - (حديث: " أن الرسول صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت العبد " (ص ١٦٠ ـ ١٦١) .
٤٢ فقرة، ج ٦ ص ٢٧٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ٦ ص ٢٧٢
* صحيح.
-
وهو من حديث عائشة رضى الله عنها , وله طرق:
الأولى: عن عروة عنها فى قصة بريرة قالت: " كان زوجها عبدا , فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاختارت نفسها , ولو كان حرا , لم يخيرها " .
- ج ٦ ص ٢٧٣
أخرجه مسلم (٤/٢١٤) وأبو داود (٢٢٣٣) والنسائى (٢/١٠٢ ـ ٢٠٣) والترمذى (١/٢١٦) والطحاوى (٢/٤٨) والبيهقى (٧/٢٢١) من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة عن أبيه به.
-
إلا أن النسائى قال: " قال عروة , فلو كان حراما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
-
فدل على أن هذه الجملة الأخيرة منه مدرجة فيه من كلام عروة , وهو الذى جزم به الحافظ فى " الفتح " (٩/٣٣٨ ـ البهية) وسبقه الزيلعى فى " نصب الراية " (٣/٢٠٧) وقال: " وكذلك رواه ابن حبان فى " صحيحه " , وأخرجه أبو داود أيضا , وزاد فى آخره: إن قربك فلا خيار لك " .
قلت: هذه الزيادة عند أبى داود (٢٢٣٦) من طريق محمد بن إسحاق عن أبى جعفر , وعن أبان بن صالح عن مجاهد , وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: " أن بريرة أعتقت وهى عند مغيث ـ عبد لآل أبى أحمد فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال لها: " ... " فذكرها.
قلت: وإسناده جيد لولا عنعنة ابن إسحاق.
-
وتابعه يزيد بن رومان عن عروة به مختصرا جدا بلفظ: " كان زوج بريرة عبدا ".
-
أخرجه مسلم (٤/٢١٥) والنسائى وابن الجارود (٧٤٢) والبيهقى (٧/٢٢١) وتابعه الزهرى عن عروة به بلفظ: " كانت بريرة عند عبد فعتقت , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها بيدها ".
-
أخرجه البيهقى من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم الزهرى به.
قلت: وهذا سند حسن.
- ج ٦ ص ٢٧٤
الثانية: عن القاسم بن محمد عنها قالت: " كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار ـ فذكر الحديث فى الولاء وفى الهدية قالت: كانت تحت عبد , فلما عتقت , قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت تقرين تحت هذا العبد , وإن شئت تفارقينه " .
-
أخرجه البيهقى وأحمد (٦/١٨٠) عن عثمان بن عمر قال: ثنا أسامة بن زيد قال: حدثنا القاسم بن محمد به.
قلت: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم إن كان أسامة بن زيد هو الليثى وأما إن كان العدوى فهو ضعيف , وظاهر كلام الحافظ فى " الفتح " أنه الأول , فإنه قال (٩/٣٣٨) : " وأسامة فيه مقال " .
-
وقد تابعه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه به بلفظ: " أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان زوجها عبدا " .
-
أخرجه مسلم (٤/٢١٥) وأبو داود (٢٢٣٤) والنسائى والبيهقى وأحمد (٦/١١٥) من طريق سماك عن عبد الرحمن بن القاسم به.
-
ولم يتفرد به سماك كما يشعر به كلام بن التركمانى الحنفى , بل تابعه هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم به بلفظ: " إن بريرة حين أعتقتها عائشة , كان زوجها عبدا , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضها عليه , فجعلت تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس لى أن أفارقه؟ قال: بلى , قالت: فقد فارقته " .
-
أخرجه الدارمى (٢/١٦٩) والطحاوى (٢/٤٨) وأحمد (٦/٤٥ ـ ٤٦) من طرق ثلاثة عن هشام بن عروة به , واللفظ للدارمى.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
-
وتابعه أيضا شعبة عن عبد الرحمن به دون قوله: " فجعل يحضها عليه " , ولكنه قال عقب قوله: " وكان زوجها عبدا "
- ج ٦ ص ٢٧٥
" ثم قال بعد ذلك ما أدرى " .
-
أخرجه النسائى هكذا (٢/١٠٣) , ومسلم وكذا البخارى (٢/١٣٢) والبيهقى والطيالسى (١٤١٧) وأحمد (٦/١٧٢) إلا أنهم قالوا: " فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرا.
قال شعبة: ثم سألته عن زوجها فقال: لا أدرى ".
قلت: وفى هذه الروايات عن عبد الرحمن بن القاسم ما يدل على أنه كان يضطرب فى هذا الحرف , فتارة يجزم بأن الزوج كان عبدا كما فى رواية سماك وهشام بن عروة عنه , وكذا فى رواية شعبة عند النسائى.
-
وتارة يجزم بأنه كان حرا , كما فى رواية الجماعة عن شعبة عنه.
-
وتارة يتوقف فيقول: " لا أدرى " كما فى الرواية المذكورة.
-
ومما لاشك فيه عند أهل العلم أن الأخذ بقول الأول , أنه كان عبدا أولى لوجوه:
الأول: أنه اتفق على روايتها عنه ثقتان: سماك بن حرب وهشام بن عروة , بخلاف القول الآخر فإنه تفرد به عنه شعبة , والإثنان أحفظ من الواحد.
-
الثانى: أنه لم يشك فى روايتهما عنه.
-
الثالث: أنها موافقة لرواية عروة فى الطريق الأولى.
-
الرابع: أن لها شاهدا من حديث ابن عباس كما يأتى بخلاف القول الآخر.
-
الطريق الثالثة: عن عمرة عن عائشة مختصرا بلفظ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها , وكان زوجها مملوكا " .
-
أخرجه البيهقى من طريق عثمان بن مقسم عن يحيى بن سعيد عن عمرة.
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل عثمان بن مقسم وهو البرى , قال الذهبى: " أحد الأعلام , على ضعف فى حديثه " .
- ج ٦ ص ٢٧٦
الرابعة: عن الأسود عنها: " أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت , وأنها خيرت , فقالت: ما أحب أن أكون معه , وإن لى كذا وكذا " .
-
أخرجه البخارى (٤/٢٨٩) وأبو داود (٢٢٣٥) والسياق له والنسائى (٢/١٠٢) والترمذى (١/٢١٦) والدارمى (٢//١٦٩) وابن ماجه (٢٠٧٤) والطحاوى (٢/٤٨) والبيهقى (٧/٢٢٣) وأحمد (٦/٤٢ و١٧٠ , ١٧٥ , ١٨٦) من طريق إبراهيم عنه به إلا أن البخارى جعل قوله " كان حرا " من قول الأسود , وليس من قول عائشة فإنه قال بعد قوله: " وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه " .
-
" قال الأسود: وكان زوجها حرا " .
وقال عقبه: " قول الأسود منقطع , وقول ابن عباس: " رأيته عبدا " أصح " .
قلت: ومعنى قول البخارى هذا أن قول الأسود المذكور مدرج فى الحديث ليس من قول عائشة , وهو الذى استظهره الحافظ فى " الفتح " (٩/٣٦٠) , وعلى هذا فلا يصح معارضة الطريق الأولى وفيها أن الزوج كان عبدا بطريق الأسود هذه , لكونها معلولة بالإدراج.
قال الحافظ: " وعلى تقدير أن يكون موصولا , فيرجح رواية من قال: كان عبدا " بالكثرة , وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه , فإن القاسم (يعنى الطريق الثانية) ابن أخى عائشة , وعروة (يعنى الطريق الأولى) ابن أختها , وتابعهما غيرهما , فروايتهما أولى من رواية الأسود , فإنهما أقعد بعائشة , وأعلم بحديثها ".
قلت: أضف إلى ذلك أن حديث الأسود ليس له شاهد , بخلاف حديث عروة وغيره , فله شواهد , فلنذكر ما صح منها:
الأولى: عن ابن عباس: " أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث , كأنى أنظر إليه يطوف خلفها يبكى
ج ٦ ص ٢٧٧ودموعه تسيل على لحيته , فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة , ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه؟ قالت: يا رسول الله تأمرنى؟ قال: إنما أنا شافع , قالت: لا حاجة لى فيه ".
-
أخرجه البخارى (٣/٤٦٧) وأبو داود (٢٢٣١) والدارمى (٢/١٦٩ ـ ١٧٠) وابن الجارود (٧٤١) والبيهقى (٧/٢٢١ ـ ٢٢٢) وأحمد (١/٢١٥ , ٢٨١ , ٣٦١) وابن سعد فى " الطبقات " (٨/١٩٠) ولفظه: " كان زوج بريرة يوم خيرت مملوكا لبنى المغيرة يقال له مغيث ... ".
قلت: وإسناده صحيح.
-
وفيه حجة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوى وتبعه ابن التركمانى من تصحيح رواية كونه كان حرا , والجمع بينها وبين الروايات القائلة بأنه كان عبدا , بأنه كان حرا آخر الأمر فى وقت ما خيرت بريرة , عبدا قبل ذلك!
-
فإن رواية ابن سعد هذه صريحة فى أنه كان عبدا فى الوقت المذكور , فبطل الجمع المزعوم , وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدمة , وقد روى البيهقى (٧/٢٢٤) عن الحافظ إبراهيم بن أبى طالب: " خالف الأسود بن يزيد الناس فى زوج بريرة , فقال: إنه حر , وقال الناس: إنه كان عبدا ".
-
الثانى: عن صفية بنت أبى عبيد: " أن زوج بريرة كان عبدا ".
-
أخرجه البيهقى (٧/٢٢٢) عن وهيب حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عنها وقال: " هذا إسناد صحيح ".
-
وكذا قال الحافظ فى " الفتح " (٩/٣٦١) إلا أنه عزاه للنسائى , فلعله يعنى " السنن الكبرى " له [١] .
-
وقد عارضه ما روى ابن سعد (٨/١٩٠) : أخبرنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله ابن عمر به إلا أنه قال:
ج ٦ ص ٢٧٨" حرا " مكان " عبدا " !
-
وهذا سند صحيح أيضا , فإحدى الروايتين خطأ , ويرجح الأولى أن صفية هذه هى زوجة عبد الله بن عمر , وقد روى عنه ما يوافق هذه الرواية , فقال الشافعى (١٦١٣) : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: " أن زوج بريرة كان عبدا " .
-
لكن القاسم هذا قال الحافظ فى " التقريب " : " متروك رماه أحمد بالكذب " .
-
إلا أنه روى بإسناد آخر خير من هذا , يرويه أبو حفص الأبار عن ابن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر به , أخرجه البيهقى (٧/٢٢٢) .
-
وابن أبى ليلى سيىء الحفظ.
-
ثم إن فى تصحيح البيهقى والحافظ لإسناد صفية المذكورة نظرا , يدل عليه قول الحافظ نفسه فى ترجمتها من " التقريب " : " زوج ابن عمر , قيل لها إدراك , وأنكره الدارقطنى , وقال العجلى: ثقة " .