(٢٠٥٥) - (عن مجاهد قال: " جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس. وإن الله قال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وإنك لم تتق الله , فلم أجد لك مخرجا.

١٠٨ فقرة، ج ٧ ص ١٢٠

الصفحة ٣ من ٣

  1. وبقى فى القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة , يترجح بها على القسم الآخر , لاسيما وهى فى حكم المرفوع لأن معناها أن عبد الله بن عمر عمل بما فى المرفوع , فلا شك أن ذلك مما يعطى المرفوع قوة على قوة كما هو ظاهر.

    ج ٧ ص ١٣٣
  2. والوجه الآخر: قوة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحة لا تقبل التأويل , بخلاف القسم الآخر فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعى " ولم يرها شيئا " أى صوابا.

  3. وليس نصا فى أنه لم يرها طلاقا , بخلاف القسم الأول فهو نص فى أنه رآها طلاقا فوجب تقديمه على القسم الآخر , وقد اعترف ابن القيم رحمه بهذا , لكنه شك فى صحة المرفوع من هذا القسم فقال: (٤/٥٠) : " وأما قوله فى حديث ابن وهب عن ابن أبى ذئب فى آخره: " وهى واحدة " فلعمر الله , لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمنا عليها شيئا ولصرنا إليها بأول وهلة , ولكن لا ندرى أقالها ابن وهب من عنده , أم ابن أبى ذئب أو نافع , فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يتيقن أنه من كلامه , ويشهد به عليه , ونرتب عليه الأحكام , ويقال: هذا من عند الله بالوهم والإحتمال " .

    قلت: وفى هذا الكلام صواب وخطأ:

    أما الصواب , واعترافه بكون هذه اللفظة نص فى المسألة يجب التسليم

    ج ٧ ص ١٣٤بها والمصير إليها لو صحت.

  4. وأما الخطأ , فهو تشككه فى صحتها , ورده لها بدعوى أنه لا يدرى أقالها ابن وهب من عنده....

  5. وهذا شىء عجيب من مثله , لأن من المتفق عليه بين العلماء أن الأصل قبول رواية الثقة كما رواها , وأنه لا يجوز ردها بالإحتمالات والتشكيك , وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيم لأن يرد حديثه " فردها على ولم يرها شيئا " بمثل الشك الذى أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن فى أبى الزبير ونحو ذلك من الشكوك , وقد فعل ذلك بعض المتقدمين كما تقدمت الإشارة إلى ذلك , وكل ذلك مخالف للنهج العلمى المجرد عن الإنتصار لشىء سوى الحق.

  6. على أن ابن وهب لم يتفرد بإخراج الحديث بل تابعه الطيالسى كما تقدم فقال: حدثنا ابن أبى ذئب عن نافع عن ابن عمر: " أنه طلق امرأته وهى حائض فأتى عمر النبى صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فجعله واحدة " .

  7. وتابعه أيضا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبى ذئب به.

  8. أخرجه الدارقطنى من طريق محمد بن (أمشكاب) [١] أخبرنا يزيد بن هارون.

  9. ومحمد بن إشكاب لم أعرفه الآن , وبقية الرجال ثقات.

  10. ثم عرفته فهو محمد بن الحسين بن إبراهيم أبو جعفر بن إشكاب البغدادى الحافظ من شيوخ البخارى ثقة.

  11. وتابع ابن أبى ذئب ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هى واحدة " .

  12. أخرجه الدارقطنى أيضا عن عياش بن محمد أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج.

    قلت: ورجاله ثقات كلهم , وعياش بن محمد هو ابن عيسى الجوهرى ترجمه الخطيب وقال (١٢/٢٧٩) : " وكان ثقة " , فهو إسناد صحيح إن كان

    ج ٧ ص ١٣٥ابن جريج سمعه من نافع.

  13. وتابع نافعا الشعبى بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: " ثم يحتسب بالتطليقة التى طلق أول مرة " وهو صحيح السند كما تقدم.

  14. وكل هذه الروايات مما لم يقف عليها ابن القيم رحمه الله تعالى , وظنى أنه لو وقف عليها لتبدد الشك الذى أبداه فى رواية ابن وهب , ولصار إلى القول بما دل عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض.

  15. والله تعالى هو الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد.

  16. (تنبيه) : من الأسباب التى حملت ابن القيم وغيره على عدم الاعتداد بطلاق الحائض ما ذكره من رواية ابن حزم عن محمد بن عبد السلام الخشنى: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال فى رجل يطلق امرأته وهى حائض؟ قال ابن عمر: لا يعتد بذلك.

    وقال الحافظ فى " الفتح " (٩/٣٠٩) : " أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح " .

    وقال أيضا: " واحتج بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روى عن الشعبى قال: إذا طلق الرجل امرأته وهى حائض لم يعتد بها فى قول ابن عمر.

    قال ابن عبد البر: وليس معناه ما ذهب إليه , وإنما معناه لم تعتد المرأة بتلك الحيضة فى العدة ".

  17. ثم ذكر الحافظ عقبه رواية ابن حزم وقال: " والجواب عنه مثله " .

    قلت: ويؤيده أمران:

    الأول: ان ابن أبى شيبة قد أخرج الرواية المذكورة بلفظ آخر يسقط الاستدلال به وهو:

    ج ٧ ص ١٣٦نا عبد الوهاب الثقفى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فى الذى يطلق امرأته وهى حائض؟ قال: " لا تعتد بتلك الحيضة " .

  18. وهكذا أخرجه ابن الأعرابى فى " معجمه " (ق ١٧٣/٢) عن ابن معين: أخبرنا الثقفى به (١) .

    1. (١)وكذلك رواه البيهقى (٧/٤١٨) عن ابن معين به بلفظ: عن ابن عمر إذا طلقها وهى حائض لم تعتد تلك الحيضة. وقال: " قال يحيى: وهذا غريب ليس يحدث به إلا الثقفى ". [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] {كذا فى الأصل , والصواب: و} [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] {كذا فى الأصل , والصواب: حمية} [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] {كذا فى الأصل , والصواب: صغدى} [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] قال صاحب التكميل ص / ١٤١: وقفت عليه عن ابن عباس , رواه أبو عبيد القاسم بن سلام , ومن طريقه ابن حزم فى " المحلى ": (١٠ / ٢١٧) . قال أبو عبيد: نا سعيد بن عفير: حدثنى الفضل بن المختار عن أبى حمزة قال: سمعت ابن عباس يقول: " إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهى طالق ". قلت: وهذا منكر , وإسناده ضعيف جدا من أجل الفضل بن المختار , قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول , وأحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل , نقله عنه ابنه أبو محمد في " الجرح والتعديل ": (٣ / ٢ / ٦٩) . وقال ابن عدى فى " الكامل ": (٦ / ٢٠٤٢) بعد أن ساق أحاديث له: (وللفضل بن المختار غير ما ذكرت من الحديث , وعامته مما لا يتابع عليه إما إسنادا وإما متنا) انتهى. ونقل فى " الميزان ": (٣ / ٣٥٨) أن الأزدى قال: منكر الحديث جدا. وقال الحافظ في " التلخيص ": (١ / ١١٨) على حديث: " الوضوء مما يدخل وليس مما يخرج ": (في إسناده الفضل بن المختار , وهو ضعيف جدا) انتهى. وأبو حمزة هو عمران بن أبى عطاء له فى مسلم رواية عن ابن عباس قال أحمد: ليس به بأس صالح الحديث. وأما شيخ أبى عبيد فمعروف من شيوخ البخاري ومسلم فى " صحيحيهما ". [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] قال صاحب التكميل ص / ١٤٣: سكت عنه المخرج (٧ / ١٦٠) ولم يتكلم عليه بشىء. وقد رواه ابن حزم فى " المحلى ": (١٠ / ٢٥٥) قال: نا محمد بن سعيد بن نباتة: نا عياش (هكذا فى طبعة " المحلى " , وصوابه: عباس بن أصبغ كما فى " تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس " لابن الفرضى: (١ / ٣٤٢) , ط. العطار) بن أصبغ: نا محمد بن قاسم بن محمد: نا محمد بن عبد السلام الخشنى: نا محمد بن المثنى: نا عبد الأعلى: نا سعيد - وهو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن خلاس بن عمرو أن رجلا طلق امرأته وأعلمها , وأرجعها وأشهد شاهدين وقال: اكتما على , فكتما حتى انقضت عدتها , فارتفعوا إلى على بن أبى طالب , فأجاز الطلاق وجلد الشاهدين واتهمهما. قلت: وإسناده صحيح إلا أن قتادة مدلس , وخلاس بن عمرو حدث عن علي من كتابه فإنه لم يسمع منه , ويشبه أن تكون روايته هذه مرسلة , وسعيد بن أبى عروبة ثقة ثبت فى قتادة , وعبد الأعلى سمع منه قبل اختلاطه. وقد روى عبد الرزاق: (٦ / ٣٢٦) عن معمر عن قتادة نحوه , لم يذكر خلاسا. ورواه أيضا عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن عليا فذكر نحوه. [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] قال صاحب التكميل ص / ١٤٥: سكت عنه المخرج (٧ / ١٧٦) ولم يتكلم عليه. وقد وقفت على إسناد الأثرم , رواه من طريقه ابن حزم فى " المحلى ": (١٠ / ٥٤) قال الأثرم: نا أحمد بن حنبل: نا هشيم: أنا المغيرة - وهو ابن مقسم - عن إبراهيم النخعى أن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله قالت: إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو على كظهر أبى (في طبعة " المحلى ": أمى , وليس بجيد , وفى رواية سعيد عن هشيم مثله) . فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة. قلت: ورواه سعيد: (٣ / ٢ / ٤٣ / ١٨٤٨) عن هشيم به نحوه. ورواه عبد الرزاق فى " مصنفه ": (٦ / ٤٤٤) , ووكيع فى " مصنفه " , ومن طريقه ابن حزم: (١٠ / ٥٤) من طريق الثورى عن المغيرة عن إبراهيم أن عائشة ظاهرت فذكر نحوه. قلت: وهذا إسناد صحيح , وللخبر أوجه أخرى عن عائشة , طالعها فى مصنف عبد الرزاق , ومحلى ابن حزم , وسنن سعيد , وغيرها. [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] [١] قال صاحب التكميل ص / ١٤٧: وقفت على إسناده , رواه الإمام أحمد قال: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن أبى زيد المدنى قال: فذكره بحروفه. ذكر الإسناد ابن قدامة فى الصيام من " المغنى ": (٣ / ١٣٠) ط. المنار الثالثة. وعزاه السيوطى بنحوه فى " الدر المنثور ": (٦ / ١٨١) إلى عبد بن حميد , وقال عن أبى زيد المدنى رضى الله عنه , فظاهر ذلك أن أبا زيد صحابى. ولكنى لم أجد فى الصحابة أبا زيد المدنى , وإنما يعرف من التابعين أبو يزيد المدنى روى له البخارى والنسائى , روى عنه أيوب , وثقه يحيى بن معين وأحمد.
  19. فهو بهذا اللفظ نص على أن الاعتداد المنفى ليس هو الطلاق فى الحيض , وإنما اعتداد المرأة المطلقة بتلك الحيضة , فسقط الاستدلال المذكور.

  20. والآخر: أن عبيد الله قد روى أيضا عن نافع عن ابن عمر فى حديثه المتقدم فى تطليقه لزوجته قال: عبيد الله: " وكان تطليقه إيها فى الحيض واحدة , غير أنه خالف السنة " .

  21. أخرجه الدارقطنى (٤٢٨) .

  22. والطرق بهذا المعنى عن ابن عمر كثيرة كما تقدم , فإن حملت رواية عبيد الله الأولى على عدم الإعتداد بطلاق الحائض تناقضت مع روايته هذه , والروايات الأخرى عن ابن عمر , ونتيجة ذلك أن ابن عمر هو المتناقض , والأصل فى مثله عدم التناقض , فحينئذ لابد من التوفيق بين الروايتين لرفع التناقض , والتوفيق ما سبق فى كلام ابن عبد البر , ودعمناه برواية ابن أبى شيبة , وإن لم يمكن فلا مناص من الترجيح بالكثرة والقوة , وهذا ظاهر فى رواية عبيد الله الثانية ولكن لا داعى للترجيح , فالتوفيق ظاهر والحمد لله.

  23. (فائدة) كان تطليق ابن عمر لزوجته إطاعة منه لأبيه عمر رضى الله عنه , فقد روى حمزة بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: " كانت تحتى امرأة أحبها , وكان أبى يكرهها , فأمرنى أبى أن أطلقها , فأبيت , فذكرت للنبى صلى الله عليه وسلم (وفى رواية: فأتىعمر النبى صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له) فقال: يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك [قال: فطلقتها] " .

  24. أخرجه أبو داود (٥١٣٨) والترمذى (١/٢٢٣ ـ ٢٢٤) وابن ماجه (٢٠٨٨) والطيالسى (١٨٢٢) وأحمد (٢/٢٠ , ٤٢ , ٥٣ , ١٥٧) من طريق ابن أبى ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن حمزة.

    وقال الترمذى: " حديث حسن صحيح " .

    قلت: ورجاله رجال الشيخين غير الحارث بن عبد الرحمن القرشى وهو صدوق.

    ج ٧ ص ١٣٧
  25. ثم وقفت على طريق أخرى عن ابن عمر تؤيد ما سبق من الروايات الراجحة وهو ما أخرجه ابن عدى فى ترجمة حبيب بن أبى حبيب صاحب الأنماط من " الكامل " (١٠٣/٢) عنه عن عمرو بن هرم قال: قال جابر بن زيد: " لا يطلق الرجل امرأته وهى حائض , فإن طلقها , فقد جاز طلاقه , وعصى ربه , وقد طلق ابن عمر امرأته تطليقة وهى حائض فأجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأمره أن يراجعها , فإذا طهرت طلقها إن شاء , فراجعها ابن عمر , حتى إذا طهرت طلقها " .

  26. وإسناده هكذا: حدثنا عمر بن سهل حدثنا يوسف حدثنا داود بن شبيب حدثنا حبيب بن أبى حبيب به.

  27. وهذا إسناد رجاله معروفون من رجال التهذيب لا بأس بهم , غير يوسف وهو ابن ماهان , لم أجد له ترجمة , وعمر بن سهل وهو ابن مخلد أورده الخطيب فى " تاريخه " (١١/٢٢٤) وكناه بأبى حفص البزار , وقال: " حدث عن الحسن بن عبد العزيز الجروى , روى عنه عبد الله بن عدى الجرجانى , وذكر أنه سمع منه ببغداد " .

  28. (فائدة أخرى هامة) روى أبو يعلى فى " حديث ابن بشار " عقب حديث ابن عمر بلفظ ٠ " فمه " (الطريق الرابعة) :

    ج ٧ ص ١٣٨عن ابن عون عن محمد (يعنى ابن سيرين) قال: " كنا ننزل قول ابن عمر فى أمر طلاقه على (نعم) " .

    قال ابن عون: " وكنا ننزل قول محمد: " لا أدرى " على الكراهة " .