النوع السادس والعشرون في صفة رواية الحديث، وشرط أدائه، وما يتعلق بذلك

٩٧ فقرة، ج ١ ص ٢٠٨

الصفحة ٢ من ٣

  1. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ، وَكَأَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ، أَوْ لِسَانِهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: " لَفْظَةٌ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ غَيَّرْتُهَا بِرَأْيِي، فَفُعِلَ بِي هَذَا " .

    ج ١ ص ٢١٩
  2. وَكَثِيرًا مَا نَرَى مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأً - وَرُبَّمَا غَيَّرُوهُ - صَوَابًا ذَا وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ خَفِيَ، وَاسْتُغْرِبَ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَتَشَعُّبِهَا.

  3. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: " كَانَ إِذَا مَرَّ بِأَبِي لَحْنٌ فَاحِشٌ غَيَّرَهُ، وَإِذَا كَانَ لَحْنًا سَهْلًا تَرَكَهُ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ الشَّيْخُ " .

  4. وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَشَياخِنَا: عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ عِيَاضٍ بِمَا مَعْنَاهُ، وَاخْتِصَارُهُ: " أَنَّ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأَشْيَاخِ أَنْ يَنْقُلُوا الرِّوَايَةَ كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُغَيِّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى فِي أَحْرُفٍ

    ج ١ ص ٢٢٠مِنَ الْقُرْآنِ، اسْتَمَرَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا فِي الْكُتُبِ عَلَى خِلَافِ التِّلَاوَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي الشَّوَاذِّ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، وَ " الْمُوَطَّأِ " ، وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُمْ يُنَبِّهُونَ عَلَى خَطَئِهَا عِنْدَ السَّمَاعِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَفِي حَوَاشِي الْكُتُبِ، مَعَ تَقْرِيرِهِمْ مَا فِي الْأُصُولِ عَلَى مَا بَلَغَهُمْ.

  5. وَمِنْهُمْ مَنْ جَسَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْكُتُبِ، وَإِصْلَاحِهَا، مِنْهُمْ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنَانِيُّ الْوَقَشِيُّ، فَإِنَّهُ - لِكَثْرَةِ مُطَالَعَتِهِ وَافْتِتَانِهِ، وَثُقُوبِ فَهْمِهِ، وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ - جَسَرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ كَثِيرًا، وَغَلِطَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ.

  6. فَالْأَوْلَى سَدُّ بَابِ التَّغْيِيرِ، وَالْإِصْلَاحِ، لِئَلَّا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ، وَهُوَ أَسْلَمُ مَعَ التَّبْيِينِ، فَيَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ السَّمَاعِ كَمَا وَقَعَ، ثُمَّ يَذْكُرُ وَجْهَ صَوَابِهِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَهُ، أَوَّلًا عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ قَالَ: " وَقَعَ عِنْدَ شَيْخِنَا، أَوْ فِي رِوَايَتِنَا، أَوْ مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا " . وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، كَيْلَا يَتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ.

  7. وَأَصْلَحُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِصْلَاحِ أَنْ يَكُونَ مَا يُصْلَحُ بِهِ الْفَاسِدُ قَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ، فَإِنْ ذَاكَرَهُ آمِنٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّلًا

    ج ١ ص ٢٢١عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  8. الْعَاشِرُ: إِذَا كَانَ الْإِصْلَاحُ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ قَدْ سَقَطَ:
  9. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُغَايَرَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَذَلِكَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " أَرَأَيْتَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَادُ فِيهِ الْوَاوُ وَالْأَلِفُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا " .

  10. وَإِنْ كَانَ الْإِصْلَاحُ بِالزِّيَادَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى مُغَايِرٍ لِمَا وَقَعَ فِي الْأَصَلِ تَأَكَّدَ فِيهِ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ يَذْكُرُ مَا فِي الْأَصْلِ مَقْرُونًا بِالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا سَقَطَ، لِيَسْلَمَ مِنْ مَعَرَّةِ الْخَطَأِ، وَمِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى شَيْخِهِ مَا لَمْ يَقُلْ.

  11. حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ: " عَنْ بُحَيْنَةَ " ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: إِنَّمَا هُوَ " ابْنُ بُحَيْنَةَ " ، وَلَكِنَّهُ قَالَ " بُحَيْنَةَ " .

  12. وَإِذَا كَانَ مِنْ دُونِ مَوْضِعِ الْكَلَامِ السَّاقِطِ مَعْلُومًا أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَنْ بَعْدَهُ، فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُلْحَقَ السَّاقِطُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكِتَابِ مَعَ كَلِمَةِ (يَعْنِي) كَمَا فَعَلَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ، إِذْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ

    ج ١ ص ٢٢٢عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ " .

    قَالَ الْخَطِيبُ: " كَانَ فِي أَصْلِ ابْنِ مَهْدِيٍّ " عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ "، فَأَلْحَقْنَا فِيهِ ذِكْرَ عَائِشَةَ إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَحَامِلِيَّ كَذَلِكَ رَوَاهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ كِتَابِ شَيْخِنَا أَبِي عُمَرَ، وَقُلْنَا فِيهِ: " تَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَمْ يَقُلْ لَنَا ذَلِكَ، وَهَكَذَا رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا يَفْعَلُ فِي مِثْلِ هَذَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ... سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: إِنَّا لَنَسْتَعِينُ فِي الْحَدِيثِ بِـ " يَعْنِي "

    قُلْتُ: وَهَذَا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ رَوَاهُ لَهُ عَلَى الْخَطَأِ. فَأَمَّا إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ لَا مِنْ شَيْخِهِ، فَيَتَّجِهُ هَاهُنَا إِصْلَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِهِ مَعًا.

  13. ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي (حَجَّاجٌ، عَنْ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) يَجُوزُ لِي أَنْ أُصْلِحَهُ (ابْنَ جُرَيْجٍ) ؟ فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ "، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .

  14. وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا إِذَا دَرَسَ مِنْ كِتَابِهِ بَعْضُ الْإِسْنَادِ، أَوِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، إِذَا عَرَفَ صِحَّتَهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّاقِطُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِيمَا رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْهُ، قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ: " وَلَوْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي حَالِ الرِّوَايَةِ كَانَ أَوْلَى " .

    ج ١ ص ٢٢٣
  15. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي اسْتِثْبَاتِ الْحَافِظِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِنْهُمْ عَاصِمٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

  16. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُبَيِّنُ مَا ثَبَّتَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَقُولُ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَثَبَّتَنِي فُلَانٌ " كَمَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: " أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، وَثَبَّتَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ " .

  17. وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ كَلِمَةً مِنْ غَرِيبِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهَا، وَيَرْوِيَهَا عَلَى مَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ. رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  18. الْحَادِيَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الرَّاوِي عَنِ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَبَيْنَ رِوَايَتِهِمَا تَفَاوُتٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي

    ج ١ ص ٢٢٤الْإِسْنَادِ، ثُمَّ يَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، وَيَقُولُ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ، أَوْ وَهَذَا لَفْظُ فُلَانٍ، قَالَ، أَوْ قَالَا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ " ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ.

  19. وَلِمُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَعَ هَذَا فِي ذَلِكَ عِبَارَةٌ أُخْرَى حَسَنَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ " . فَإِعَادَتُهُ ثَانِيًا ذِكْرَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً إِشْعَارٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لَهُ.

  20. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَخُصَّ لَفْظَ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ، بَلْ أَخَذَ مِنْ لَفْظِ هَذَا، وَمِنْ لَفْظِ ذَاكَ، وَقَالَ " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ " فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.

  21. وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - صَاحِبِ السُّنَنِ -: " حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَبُو تَوْبَةَ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ " مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا فِي كِتَابِهِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ لِمُسَدَّدٍ، وَيُوَافِقُهُ أَبُو تَوْبَةَ فِي الْمَعْنَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ لَفْظَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً، بَلْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَنْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَقْرُبُ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبَانٌ " .

  22. وَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ جَمَاعَةِ رُوَاةٍ قَدِ اتَّفَقُوا فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ

    ج ١ ص ٢٢٥لَفْظَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا عِيبَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.

  23. وَإِذَا سَمِعَ كِتَابًا مُصَنَّفًا مِنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَابَلَ نُسْخَتَهُ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَهُمْ فِي الْإِسْنَادِ، وَيَقُولَ: " وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ " كَمَا سَبَقَ، فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بِنَصِّهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ بِلَفْظِهِ.

  24. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِكَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ حَتَّى يُخْبِرَ عَنْهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ مَنْ نَسَبَ اللَّفْظَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُوَافَقَتِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  25. الثَّانِيَ عَشَرَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي نَسَبٍ مَنْ فَوْقَ شَيْخِهِ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ مُدْرِجًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ مُمَيَّزٍ، فَإِنْ أَتَى بِفَصْلٍ جَازَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: (هُوَ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ) أَوْ (يَعْنِي: ابْنَ فُلَانٍ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

  26. وَذَكَرَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ (اللُّقَطِ) لَهُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: إِذَا حَدَّثَكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَلَمْ يَنْسِبْهُ، فَأَحْبَبْتَ أَنْ تَنْسِبَهُ، فَقُلْ: (حَدَّثَنَا فُلَانٌ، أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، حَدَّثَهُ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  27. وَأَمَّا إِذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ ذَكَرَ نَسَبَ شَيْخِهِ، أَوْ صِفَتَهُ، فِي أَوَّلِ كِتَابٍ

    ج ١ ص ٢٢٦أَوْ جُزْءٍ عِنْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ، وَاقْتَصَرَ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ الشَّيْخِ، أَوْ بَعْضِ نَسَبِهِ، مِثَالُهُ: أَنْ أَرْوِيَ جُزْءًا عَنِ الْفُرَاوِيِّ، وَأَقُولَ فِي أَوَّلِهِ: " أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ " ، وَأَقُولُ فِي بَاقِي أَحَادِيثِهِ: " أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ " ، فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنِّي أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي الْأَحَادِيثَ الَّتِي بَعْدَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مُتَفَرِّقَةً، وَيَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا: " أَنَا فُلَانٌ، قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفُرَاوِيُّ، قَالَ: أَنَا فُلَانٌ) وَإِنْ لَمْ أَذْكُرْ لَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِي لَهُ أَوَّلًا؟ فَهَذَا قَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ ". وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ اسْمُ الرَّجُلِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ قَالَ " يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ ".

  28. وَرُوِيَ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ هَكَذَا رَأَى أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيَّ - نَزِيلَ نَيْسَابُورَ - يَفْعَلُ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الْمُجَوِّدِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَوَاهَا لَهُ قَالَ فِيهَا: " أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ: أَنَّ أَبَا يَعْلَى أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيَّ أَخْبَرَهُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي ِّ: أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ،

    ج ١ ص ٢٢٧وَأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ: أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُحَمَّدَ بْنَ سُفْيَانَ الصَّفَّارَ أَخْبَرَهُمْ "، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهَا أَحَادِيثُ سَمِعَهَا قِرَاءَةً عَلَى شُيُوخِهِ فِي جُمْلَةِ نَسْخٍ، نَسَبُوا الَّذِينَ حَدَّثُوهُمْ بِهَا فِي أَوَّلِهَا، وَاقْتَصَرُوا فِي بَقِيَّتِهَا عَلَى ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ.

    قَالَ: وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ "، ثُمَّ يَسُوقُ نَسَبَهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ.

    قَالَ: " وَهَذَا الَّذِي أَسْتَحِبُّهُ ; لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا أُجِيزَ لَهُمْ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ: أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُمْ " .

    قُلْتُ: جَمِيعُ هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ، وَأَوْلَاهَا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ يَعْنِي ابْنَ فُلَانٍ) ، ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: (إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ) ، ثُمَّ أَنْ يَذْكُرَ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  29. الثَّالِثَ عَشَرَ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَذْفِ (قَالَ) ، وَنَحْوِهِ، فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ خَطًّا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ لَفْظًا.

  30. وَمِمَّا قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ) ، فَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: (قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ) ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ) ، فَهَذَا يَذْكُرُ فِيهِ (قَالَ) ، فَيُقَالُ (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قَالَ: ثَنَا فُلَانٌ) ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ خَطًّا هَكَذَا فِي بَعْضِ مَا رُوِّينَاهُ.

  31. وَإِذَا تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ (قَالَ) كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ " حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ " ، حَذَفُوا إِحْدَاهُمَا فِي الْخَطِّ، وَعَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهِمَا جَمِيعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  32. الرَّابِعَ عَشَرَ: النُّسَخُ الْمَشْهُورَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أَحَادِيثَ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، كَنُسْخَةِ " هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " ، رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَنَحْوِهَا مِنَ النُّسَخِ، وَالْأَجْزَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ يُجَدِّدُ ذِكْرَ الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا، وَيُوجَدُ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ، وَذَلِكَ أَحْوَطُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِذِكْرِ الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهَا، أَوْ فِي أَوَّلِ كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ سَمَاعِهَا، وَيُدْرِجُ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ: " وَبِالْإِسْنَادِ " ، أَوْ " وَبِهِ " ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ.

    ج ١ ص ٢٢٨
  33. وَإِذَا أَرَادَ مَنْ كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَفْرِيقَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَرِوَايَةَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِهَا، جَازَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، فَالْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ فِي أَبْوَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  34. وَمِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ أَبَى إِفْرَادَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُدْرَجَةِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَرَآهُ تَدْلِيسًا. وَسَأَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيَّ الْفَقِيهَ الْأُصُولِيَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " لَا يَجُوزُ " .

  35. وَعَلَى هَذَا مَنْ كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ، وَيَحْكِيَ

    ج ١ ص ٢٢٩ذَلِكَ كَمَا جَرَى، كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي صَحِيفَةِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ. . . . الْحَدِيثَ " . وَهَكَذَا فَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  36. الْخَامِسَ عَشَرَ: إِذَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَتْنِ عَلَى الْإِسْنَادِ، أَوْ ذِكْرَ الْمَتْنِ، وَبَعْضَ الْإِسْنَادِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِسْنَادَ عَقِيبَهُ عَلَى الِاتِّصَالِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا) ، أَوْ يَقُولَ: (رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا) ، ثُمَّ يَقُولُ: (أَخْبَرَنَا بِهِ فُلَانٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ) وَيَسُوقُ الْإِسْنَادَ حَتَّى يَتَّصِلَ بِمَا قَدَّمَهُ، فَهَذَا يَلْتَحِقُ بِمَا إِذَا قَدَّمَ الْإِسْنَادَ فِي كَوْنِهِ يَصِيرُ بِهِ مُسْنِدًا لِلْحَدِيثِ لَا مُرْسِلًا لَهُ.

  37. فَلَوْ أَرَادَ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ هَكَذَا أَنْ يُقَدِّمَ الْإِسْنَادَ وَيُؤَخِّرَ الْمَتْنَ، وَيُلَفِّقَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ.

    قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ نَحْوُ الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ مَتْنِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى لَا تَجُوزُ، وَالْجَوَازَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ

    ج ١ ص ٢٣٠الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى تَجُوزُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  38. وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، أَوِ الْجُزْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَوَّلًا، فَهَذَا لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي إِفْرَادِ كُلِّ حَدِيثٍ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ رِوَايَتِهَا، لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ مُتَّصِلًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدًا، وَاحْتِيَاطًا، وَيَتَضَمَّنُ إِجَازَةً بَالِغَةً مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  39. السَّادِسَ عَشَرَ: إِذَا رَوَى الْمُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِإِسْنَادٍ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَقَالَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ " مِثْلَهُ " فَأَرَادَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِسْنَادِ الثَّانِي، وَيَسُوقَ لَفْظَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَقِيبَ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، فَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ.

  40. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: " كَانَ شُعْبَةُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ " .

    وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجُوزُ ذَلِكَ، إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ ضَابِطٌ مُتَحَفِّظٌ يَذْهَبُ إِلَى تَمْيِيزِ الْأَلْفَاظِ وَعَدِّ الْحُرُوفِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا رَوَى مِثْلَ هَذَا يُورِدُ الْإِسْنَادَ، وَيَقُولُ: (مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلَهُ مَتْنُهُ كَذَا وَكَذَا) ، ثُمَّ يَسُوقُهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ قَدْ قَالَ: (نَحْوَهُ) . قَالَ: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ) .