شرح نظم اللؤلؤ المكنون (٨)
١٤٢ فقرة، ج ٨ ص ١
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٨ ص ٥
هل يصح وصف الله -عز وجل- بأنه مخالفٌ للحوادث؟ هم يقصدون بالحوادث المخلوقات، الأمور الحادثة بعد الله -عز وجل-، الأمور الحادثة، ويقصدون بذلك المخلوقات، والله -جل وعلا- هو الخالق، وهو الأول بلا بداية، الأول وليس قبله شيء.
-
من هم المتكلمة؟
-
هم طوائف المبتدعة الذين بنوا مسائل العقائد على علم الكلام.
-
يقول: التبريد شديد عند النساء، نرجو ضبط المكيفات بحيث يكون متوسطاً؟
-
يقول: على القول بتحريم التصوير بشتى أنواعه ما الحكم إذا كانت الصورة غير ثابتة كالموجود في شاشة التلفاز، فبمجرد انتهاء المحاضرة أو البرنامج تزول الصورة؟
- ج ٨ ص ٦
إذا كانوا لا يستطيعون إعادته مرةً ثانية، بمعنى أنه على الهواء وانتهى، إذا كانوا لا يستطيعون إعادته مرةً ثانية لم يسجل عندهم على شريط فهذا ليس بتصوير، يعني مثل الكاميرات التي تراقب الأسواق مثلاً، أو الكاميرات التي في الحرمين وغيرها من المجامع الكبيرة التي يراقب منها الناس من بعد بحيث لا تثبت صورها.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ وَسَابِقٌ دُرِي ... عُيِّنَ نَسْخُ حُكْمِهِ بِالآخِرِ
وَيُعْرَفُ النَّسْخُ بِنَصِّ الشَّارِعِ ... أَوْ صَحْبِهِ ثُمَّ بِتَارِيخٍ فَعِ
وَلَيْسَ الإجماع عَلَى تَرْكِ العَمَلْ ... بِنَاسِخٍ لكنْ علَى النَّاسِخِ دَلّ
وَعِنْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ بِالْمُقَدَّمِ ... فَأَرْجَحُ النَّصَّيْنِ فَلْيُقَدَّمِ
كَكَوْنِهِ أَشْهَرَ أَوْ أَصَحَّ أَوْ ... نَاقِلُهُ أَجَلُّ عِنْدَ مَنْ رَوَوْا
أَوْ حُكْمُهُ فِيمَنْ رَوَاهُ قَدْ أَتَى ... وَمَنْ نَفَى قَدِّمْ عَلَيْهِ الْمُثْبِتَا
كَذَاكَ مَا خَصَّ عَلَى الْعُمُومِ ... وَقَدِّمِ الْمَنْطُوقَ عَنْ مَفْهُومِ
إِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ هَذِهِ شَيئًا فَقِفْ ... فِي شَأْنِهِ حَتّى عَلَى الْحَقِّ تَقِفْ
وَدُونَ بُرْهَانٍ بِنَصٍّ لاَ تَرُدّْ ... نَصًّا فَإِنَّ بَعْضَهَا بعْضًا يَشُدّ
وَلاَ تُسِيءُ الظَنَّ بِالشَّرْعِ وَلاَ ... تُحَكِّمَنَّ العَقْلَ فِيمَا نُقِلاَ
إِيَّا كَ والْقَولَ عَلَى اللهِ بِلاَ ... عِلْمٍ فَلاَ أَعْظَمَ مِنْهُ زَللاَ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ج ٨ ص ٧
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر ما ذكر من وجوه الجمع والتوفيق بين النصوص مع الإمكان، إذا أمكن الجمع تعين؛ لأنه عملٌ بالنصوص كلها، فيحمل أحد النصين على حال، والنص الآخر على حال، ولو كان الجمع بحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد؛ لأن ذلك وإن كان رفعاً جزئياً للحكم إلا أنه أسهل من الرفع الكلي الذي يكون بالنسخ؛ لأن النسخ رفعٌ كلي للحكم، وأما التخصيص والتقييد فهو رفعٌ جزئي، كما تقدم بيانه والتمثيل له.
-
"وحيث لم يمكن" التوفيق بين النصوص على ما سبق تفصيله "وسابقٌ دري" يعني عرف المتقدم من النصين.
-
"عين نسخ حكمه بالآخر" يعني تعين حكم المتقدم بالمتأخر، ولا يلجأ إلى النسخ ولا الترجيح إلا إذا لم يمكن الجمع، فإذا لم يمكن الجمع وعرف المتقدم من المتأخر حكم بالنسخ، والنسخ رفع حكم شرعي ثابت بدليل بخطابٍ آخر، بدليل آخر متراخٍ عنه، رفع الحكم بالكلية يسمى نسخ، وجاء في تعبير السلف عن التخصيص بأنه نسخ، نعم هو نسخٌ جزئي لا نسخٌ كلي، وأما الاصطلاح عند المتأخرين وهو الذي استقر عليه العمل عند أهل العلم أنه الرفع الكلي، فإذا تعذر وانسدت جميع المسالك مسالك الجمع يلجأ حينئذٍ إلى القول بالنسخ، فإذا وجدنا نصاً يعارضه نصٌ آخر، وعرفنا المتقدم من المتأخر حكمنا بأن المتأخر ناسخ للمتقدم.
-
فمثلاً في حديث شداد بن أوس يقول: ((أفطر الحاجم والمحجوم) ) وجاء في بعض طرق الحديث أنه كان في عام الفتح، وفي حديث ابن عباس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- احتجم وهو محرم، وفي رواية: "احتجم وهو صائم ومحرم" دلت الروايات الأخرى أنه كان في حجة الوداع، كان في حجة الوداع، ومعلومٌ أن حجة الوداع متأخرة عن عام الفتح، فمع هذا التعارض الذي يفيد حديث شداد بن أوس أن الحجامة تفطر الصائم، والذي يفيده حديث ابن عباس أن الحجامة لا تفطر الصائم، فالناسخ هو المتأخر وهو حديث ابن عباس لأنه في آخر عمره -عليه الصلاة والسلام-، والمنسوخ حديث شداد، وبهذا حكم الإمام الشافعي، وبهذا حكم الإمام الشافعي.
- ج ٨ ص ٨
هل لقائلٍ أن يقول: هذا من قوله -عليه الصلاة والسلام- والقول ينتابه العموم وذاك من فعله -عليه الصلاة والسلام- والفعل لا عموم له فيحمل على أنه خاصٌ به؟ أو كما يعبر بعضهم أنه قضية عين لا عموم لها، ويبقى: ((أفطر الحاجم) ) بالنسبة لعموم الأمة، وهذا خاص به -عليه الصلاة والسلام- كونه احتجم، هذا يلجأ إليه بعضهم، لكن لنعلم أن كلَّ كمالٍ يطلب من البشر لا سيما إذا اقترن بعبادة التي طلب من المسلمين تعظيمها كالصيام مثلاً فإذا طلب من الأمة هذا الكمال ألا يكون الأولى به النبي -عليه الصلاة والسلام- أن ينزه صومه الذي نهى عن غيره ينزه صومه على أن يخدش بمثل هذا؟ لا بد.
-
لأن بعض الناس عند التعارض تعارض القول مع الفعل يقول: الفعل خاص به -عليه الصلاة والسلام-، أولاً: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، الأمر الثاني: أنه ينبغي أن نستحضر أن كل كمال يطلب من الأمة فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به.
-
يعني مثل ما قالوا في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببولٍ أو غائط، ثبت النهي من قوله -عليه الصلاة والسلام-، وثبت من فعله من حديث ابن عمر أنه استدبر الكعبة واستقبل الشام وهو يقضي حاجته، منهم من يقول: هذا خاص به -عليه الصلاة والسلام-، نقول: تعظيم الجهة جهة القبلة من تعظيم شعائر الله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به من غيره، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به من غيره، فكيف نقول: إن للنبي -عليه الصلاة والسلام- أن ينتهك مثل هذه الأشياء والأمة تنزه عنه؟!
-
للعلماء وجوه كثيرة للجمع بين هذه النصوص، لكني مثلت بها لنكون على علمٍ من هذا، ما هو كل ما اختلف عندنا هذا وهذا قلنا: هذا خاص بالنبي وهذا .. ، الخصوصية تحتاج إلى دليل، وينبغي أن نفهم ما يليق به -عليه الصلاة والسلام-، يعني كمال يطلب من الأمة والنبي -عليه الصلاة والسلام- ينتهك هذا الكمال؟!
- ج ٨ ص ٩
يعني مثل ما قيل في حديث جرهد: ((الفخذ عورة) ) ((غط فخذك) ) وحسر النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أنس عن فخذه، قالوا: حسر الفخذ خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن يقال: أيهما أكمل تغطية الفخذ أو حسره؟ أيهما أكمل؟ التغطية، ولذا غطى النبي -عليه الصلاة والسلام- لما دخل عثمان واستحيا منه، فهذا أكمل بلا شك، فهل نقول: إن الكمال يطلب من الأمة ودون الكمال يطلب من نبيها؟ نقول: لا يا أخي، فلا نلجأ إلى مثل هذا إلا إذا دل الدليل على الخصوصية، وكان الفعل الذي يختص به -عليه الصلاة والسلام- لائقاً به، نعم، لو كان العكس قلنا: مقبول.
ويعرف النسخ بنص الشارعِ ... . . . . . . . . .
-
النسخ يعرف بأمور، منها: أن ينص الشارع في الخبر نفسه أو بخبرٍ آخر ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) ) فـ (كنت) دل على أنه نهاهم في الماضي وهذا مستقبل؛ لأن الأمر متحمضٌ للاستقبال، والماضي للزمن الماضي، فدل على أن النهي متقدم على الأمر، فهذا يعلم أن النهي منسوخ بنصه -عليه الصلاة والسلام- "بنص الشارع" .
-
"أو صحبه" أو بنص الصحابي، كقوله: "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار" ، "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار" ، فدل على أنه كان في السابق، أول الأمرين كان يتوضأ مما مست النار ثم ترك.
-
ترْك الوضوء مما مست النار مفهومه: أنه كان في أول الأمرين يتوضأ مما مست النار، دلالة هذا الحديث على عدم الوضوء مما مست النار بما في ذلك لحم الإبل، دلالته على ذلك بالعموم، وهو مخصوصٌ بما جاء في لحم الإبل على وجه الخصوص.
- ج ٨ ص ١٠
ومثل هذه المسائل فيها بحوث دقيقة جداً، الآن عندنا في هذا الحديث: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء" ، بعمومه يتناول الإبل وغير الإبل، فدل على أن أول الأمرين بمفهومه .. ، دل بمفهومه على أن أول الأمرين الوضوء مما مست النار بما في ذلك لحم الإبل، فالحديث بعمومه متناول للحم الإبل، لكن جاء حديث بخصوصه يدل على أن لحم الإبل ناقض ولو مسته النار، فعندنا استدلال بالعموم مع العلم بكونه متأخر: "كان آخر الأمرين" واستدلال بالخصوص مع الجهل بتقدمه أو تأخره فهل نقول: بحمل العام على الخاص أو نقول: بالنسخ لعلمنا بالمتأخر؟ نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
نقول بالنسخ؟ يعني الوضوء من لحم الإبل منسوخ بحديث: "كان آخر الأمرين" ، "وحيث لم يمكن" متى يلجأ إلى القول بالنسخ؟ إذا لم نستطع الجمع، ومن وجوه الجمع حمل العام على الخاص على ما تقدم، إذاً يحمل العام على الخاص ولا نلجأ إلى القول بالنسخ، والسبب في ذلك أن النسخ رفع كلي للحكم، إلغاء للحكم بالكلية، بينما التخصيص رفع جزئي للحكم.
-
فمثل هذه المسألة تدخل في قوله: "وحيث لم يمكن" وهنا أمكن الجمع بحمل العام على الخاص، فلا نلجأ إلى القول بالنسخ في مثل هذه الصورة، أظن هذا ظاهر؟ ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ والمسألة كما تعرفون خلافية بين أهل العلم، خلافية.
. . . . . . . . . ... أو بصحبه ثم بتاريخ فعِ
التاريخ، عرف تاريخ حديث شداد، وفيه قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أفطر الحاجم والمحجوم) ) حديث شداد: ((أفطر الحاجم والمحجوم) ) وحديث ابن عباس: "احتم النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو صائمٌ محرم" عرفنا التاريخ وحكمنا بالنسخ.
-
منهم من يحمل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أفطر الحاجم والمحجوم) ) بأن مآل الحاجم والمحجوم إلى الفطر، لا أنهما أفطرا حقيقةً، فالمحجوم يضعف بالحجامة فيضطر إلى الفطر، والحاجم قد يصل إلى جوفه شيء مما يمتصه من بدن المحجوم، فمعنى أفطر باعتبار ما سيكون، وما سيؤول إليه الأمر.
- ج ٨ ص ١١
ومنهم من حمل الحديث على حالةٍ خاصة، وهو أنه رأى حاجماً ومحجوماً يغتابان الناس، يغتابان الناس، فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم) ) لا بالحجامة وإنما بالغيبة، لكن ابن خزيمة يقول: لو سئل هذا القائل: هل الغيبة تفطر الصائم؟ لقال: لا؛ لأن هذا القائل لا يرى أن الغيبة تفطر الصائم، إذاً كيف يحمل الحديث على أنهما كانا يغتابان الناس؟ وعلى كل حال القول بالنسخ قال به الشافعي وجماعة من أهل العلم وهو متجه.
-
وبعضهم يرى أن الحجامة تفطر الصائم لحديث شداد بن أوس، وحديث ابن عباس أجابوا عنه بعضهم بالخصوصية، وبعضهم بـ .. ، على كل حال أجابوا عنه، منهم من رجح قال: إن المثبت للحجامة مقدم على النافي للفطر بها، على العموم وجوه الجمع كثيرة تطلب في مظانها، والحازمي في الاعتبار أطال في تقريرها.
وليس الإجماع على ترك العمل ... بناسخٍ لكن على الناسخ دل
وجدت حديث نقل الإجماع على ترك العمل به، وذكر أكثر من عشرين حديث وكلها صحيحة، كلها صحيحة من حيث الصناعة، نقل الإجماع على ترك العمل بها، ويقول الترمذي في علل جامعه: "وليس في الحديث مما أجمع العلماء على عدم العمل به إلا حديث: جمع النبي -عليه الصلاة والسلام- بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر، وقتل الشارب -حديث معاوية- في المرة الرابعة، قتل مدمن الخمر، وبهذا يقول: إن العلماء أجمعوا على ترك العمل بهذين الحديثين، وابن رجب في شرح العلل أضاف أحاديث كثيرة، والمعلق أيضاً أضاف أحاديث، فالإجماع على ترك العمل بخبر يقول:
وليس الإجماع على ترك العمل ... بناسخ. . . . . . . . .
-
لأن النسخ من خصائص النصوص، ما في نسخ إلا بدليل من كتاب أو سنة، النسخ لا يثبت بمجرد احتمال، ولا يثبت بقاعدة، ولا يثبت بإجماع وإن كان قطعياً، إنما الإجماع يدل على وجود ناسخ ولو لم نطلع عليه، يدل على وجود ناسخ ولو لم نطلع عليه.
- ج ٨ ص ١٢
النووي يقول: أجمع العلماء على ترك العمل بحديث ابن عباس بالجمع، ونقل أيضاً الإجماع على عدم قتل الشارب ولو تكرر منه ذلك، وكلٌ من الإجماعين مخدوش، أما بالنسبة لقتل الشارب فداود وابن حزم يقررون بأن الشارب يقتل إذا لم يردعه الحد في المرة الأولى والثانية والثالثة يقتل في الرابعة، ويرجحه السيوطي وأحمد شاكر، لكن لا يستدرك على النووي بمن تأخر عنه، ولا بالظاهرية لأنه لا يعتد بقولهم.
-
شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم يرون أن الشارب إذا لم يردعه الحد وتواطأ الناس على الشرب، وكثر الشرب في المجتمع الإسلامي ولم يرتدع الناس بالحد أن الشارب يقتل تعزيراً؛ لكي يرتدع هو وغيره، يرتدعون عن الشرب، فهو محكم وليس بمنسوخ.
وعند فقد العلم بالمقدمِ ... فأرجح النصين فليقدمِ
"وعند فقد العلم بالمقدمِ" عندنا نصان متعارضان في الظاهر، وما استطعنا أن نوفق بينهما بأي وجه من وجوه الجمع ولا عرفنا المتقدم من المتأخر ماذا نصنع؟ نرجح، "فأرجح النصين فليقدمِ" وجوه الترجيح كثيرة جداً بين النصوص، وجوه الترجيح كثيرةٌ جداً هي عند الحازمي بلغت الخمسين، وعند الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح زادت على المائة، والترجيح كما تعرفون إذا أمكن أولى من التوقف، وأحياناً يرجحون بالقشة، وكثير من المرجحات لا تنهض للترجيح، وكثيرٌ منها مختلفٌ فيها اختلافاً متبايناً.
-
فمثلاً: من وجوه الترجيح عندهم: إذا وجدنا نصاً يتضمن التيسير ونص يتضمن التشديد قال بعضهم: نرجح ما تضمن التيسير؛ لأن طبيعة الشريعة سهلة، والدين يسر، وقال بعضهم: العكس، نرجح ما تضمن التشديد؛ لأن الشريعة شريعة تكاليف وعبودية، والخروج من العهدة بيقين في الأشد، هذا مرجح عندهم.
-
المقصود أن هذه المرجحات الكثيرة التي ذكروها كثيرٌ منها مختلفٌ فيه، وكثيرٌ منها في غاية الضعف، لكن هناك وجوه للترجيح معروفة ومتفق عليها عند أهل العلم.
. . . . . . . . . ... فأرجح النصين فليقدمِ
"ككونه أشهر" ككونه أشهر، عندنا نص صحيح وجدنا آخر يعارضه صحيح أيضاً، لكن أحدهما أشهر، يعني يروى من طرق كثيرة متباينة سالمة من القوادح مثل هذا يرجح على غيره، وسبق أن قلنا: إن الشهرة قرينة على القطع بقبول الخبر.
- ج ٨ ص ١٣
"ككونه أشهر أو أصح" كونه أشهر يعني من حيث تعدد الطرق "أو أصح" ولو كان هذا من طريق واحد، وهذا من طريق واحد، لكن الأصحية مرجعها ومردها إلى ثقة الرواة واتصال الأسانيد، فإذا كان هذا أنظف إسناد، أو أقوى من جهة الاتصال رجحناه على غيره، وعملنا بهذا دون هذا.
-
فمثلاً: لو وجدنا حديث مروي بإسناد في صحيح البخاري مثلاً، وحديث آخر يعارضه بنفس الإسناد في سنن أبي داود نرجح الذي في البخاري، رجحناه لأن رواته أوثق؟ الرواة هم الرواة، رجحناه لأنه أشد اتصال؟ الاتصال هو الاتصال، لكن رجحناه برجحان الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول، وقد يكون هذا الراوي الذي خرج عنه البخاري وخرج عنه أبو داود لهذا الظرف أو بهذا الحديث أتقن وضبط أكثر من أحاديث أخرى، فالانتقاء عند أرباب الصحيح معروف عند أهل العلم.
-
على كل حال المرجحات كثيرة، ومنها الترجيح بالشهرة، والترجيح بالقوة لكونه أصح، أو ناقله أجل، جاءنا حديث من طريق سالم عن ابن عمر، وجانا آخر من طريق نافع عن ابن عمر، الأكثر يرجحون ما يرويه سالم؛ لأنه أجل من نافع، ناقله أجل عند من رووا عند أهل العلم، عند أهل العلم الناقل هذا أجل إذاً يرجح على صاحبه وإن كان السند صحيحاً نظيفاً، قد يرد على كلامهم هذا أنه قد يعرض أحياناً للمفوق ما يجعله فائقاً، فنقف على حديث في صحيح مسلم أرجح من حديث في صحيح البخاري، لكن المسألة إجمالاً، المسألة إجمالية، وأما النظر في آحاد الأحاديث المتعارضة فينزل وينظر في كل حديث على حدة.
-
فقد يرجح حديث في صحيح مسلم على حديث في صحيح البخاري، ورجح الأئمة أحاديث على أحاديث لأنها احتف بها ما يرجحها، وقد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً.
أو حكمه فيمن رواه قد أتى ... . . . . . . . . .
-
حكمه فيمن رواه قد أتى بأن يكون الراوي صاحب القصة، إذا كان الراوي صاحب القصة يرجح على غيره؛ لأنه أدرى بقصته، فمثلاً: ميمونة لما قالت: تزوجها النبي -عليه الصلاة والسلام- وهما حلالان معارضٌ بحديث ابن عباس وهو في الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- تزوجها وهو محرم، يرجح حديثه على حديث ابن عباس وإن كانت خالته، لأنها هي صاحبة الشأن، وصاحب الشأن يضبط أكثر من غيره.
- ج ٨ ص ١٤
ابن عمر لما روى حديث اقتناء الكلب، ولم يذكر فيه كلب الزرع، أبو هريرة -رضي الله عنه- روى حديث الاقتناء وأضاف الزرع في روايته، هل الإضافة من عنده؟ ابن عمر -رضي الله عنه- يقول: "وكان صاحب زرع" يعني أبا هريرة، فما دام صاحب زرع وهو يحتاج إلى الكلب وسمع هذه الكلمة من النبي -عليه الصلاة والسلام- ضبطها وأتقنها.
-
أنت بحاجة إلى معاملة من المعاملات مثلاً، بحاجة ماسة إليها، وعندك زملاء مثلاً جالسين في مجلس ويسمعون مثلاً نورٌ على الدرب، ما لهم علاقة بهذه المسألة، مرت هذه المسألة، سئل عنها أحد المشايخ فأفتى بها، تتصور إخوانك ذولا اللي يسولفون يبي يضبطونها مثل ما تضبطها أنت لأنك محتاجٌ إليها؟
-
يعني نظير لو اجتمع فئام من الناس ينتظرون إعلان النتيجة، إعلان النتيجة، واحد يقرأ النتيجة بورقة ومكبر ويسمعون، فلان ابن فلان وفلان ابن فلان، تبي تضبط اسمك لأنه مر، لكن لو سئلت عن غيرك احتمال، على حسب اهتمامك لهذا الشخص تبي تضبط اسمه، وهنا نقول:
أو حكمه فيمن رواه قد أتى ... . . . . . . . . .
-
لا شك أن هذا سوف يضبط ما يتعلق به، ولذا رجح حديث ميمونة على حديث ابن عباس، ورجح حديث أبي هريرة على حديث ابن عمر الذي ليس فيه الكلمة، وإن كانت هذه مقبولة من باب قبول زيادة الثقة.