محمد بن عبد الرحمن، أبو الأسود لمالك عنه أربعة أحاديث مسندة، أحدها مرسل

٣٦ فقرة، ج ٨ ص ١٩٣

  1. وهُو محمدُ (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل بن الأسودِ بن نَوْفل (٢) بن خُوَيلدِ بن أسدٍ، القُرَشيُّ الأسَدِيُّ (٣) ، يُكْنَى أبا الأسْوَدِ، يُعرَفُ بيتيم عُرْوةَ، لأنَّهُ كان يتيمًا في حَجرِهِ، سكنَ المدينةَ، ثُمَّ سكنَ مِصرَ في آخِرِ أيّام بني أُميَّةَ، وهُو من جِلَّةِ المُحدِّثين بها، ثِقةٌ حُجَّةٌ فيما نقلَ.

    قال يحيى بن معين: هُو أحبُّ إليَّ من هشام بن عُروةَ.

    قال مالك: كان أبو الأسودِ محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ صاحِب عُزلةٍ، وحَجٍّ، وغزوٍ. قال: وكان النّاسُ أصحابَ عُزلةٍ.

    ج ٨ ص ١٩٣
  2. حديثٌ أوَّلُ لأبي الأسْوَدِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل، أنَّهُ قال: أخْبَرني عُروةُ بن الزُّبير، عن عائشةَ أمِّ المُؤمِنينَ، عن جُدامَةَ (٢) بنتِ وَهْبٍ الأسديَّةِ، أنَّها أخْبَرتها، أنَّها سَمِعت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لقد هَمَمتُ أن أنْهَى عنَ الغِيْلةِ (٣) ، حتَّى ذَكرتُ أنَّ الرُّومَ وفارِسَ يَصْنعُونَ ذلكَ، فلا يَضُرُّ أولادَهُم" .

    قال أبو عُمر: هكذا هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جماعة الرُّواةِ (٤) ، إلّا أبا عامرٍ العَقَديَّ، فإنَّهُ جَعلهُ: عن عائشةَ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. لم يذكُر جُدامَةَ، وكذلكَ رواهُ

    ج ٨ ص ١٩٥القَعْنبيُّ (١) في سَماعِهِ من مالكٍ، في غيرِ "المُوطَّأ" . ورواهُ في "المُوطَّأ" كما رَواهُ سائرُ الرُّواةِ عن عائشةَ، عن جُدامةَ.

    ج ٨ ص ١٩٤
  3. وهذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ.

  4. وفيه رِوايةُ الصّاحِبِ، عن الصّاحِبِ، ورِوايةُ المرءِ، عَمَّن هُو دُونهُ في العِلْم.

  5. وجُدامةُ هذه، هي أُمُّ قَيْسٍ بنتُ وَهْبِ بن محِصنٍ، أخي عُكاشةَ بن محِصَنٍ الأسديِّ، وقد ذكَرْناها في كِتابِنا في الصحابةِ (٢) بما فيه كِفايةٌ.

  6. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا خلفُ بن هشام البزّارُ. وحدَّثنا خلفُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن بكرٍ البالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ عبدُ الله بن محمدِ بن ثُفيلٍ النُّفيليُّ الحرّانيُّ (٣) ، قالا جميعًا: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن نَوْفل، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن جُدامةَ الأسديَّةِ قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقَدْ هَمَمتُ أن أنْهَى عن الغِيْلةِ، حتَّى بَلَغني أنَّ الرُّومَ وفارِسَ تفعلُهُ" . قال النُّفيليُّ: "فلا يضُرُّهُم" . وقال خلفٌ: "فلا يضُرُّ أولادَهُم ذلكَ" (٤) .

  7. وأمّا الغِيْلةُ، فقد فسَّرها مالكٌ في "مُوطَّئهِ" إثْرَ هذا الحديثِ، ذكرهُ القَعْنبيُّ وغيرُهُ، عن مالكٍ قال: والغِيْلةُ أن يمسَّ الرَّجلُ امرأتهُ وهي تُرضِعُ، حَمَلتْ، أو لم (٥) تحمِلْ.

    ج ٨ ص ١٩٦قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ وأهلُ اللُّغةِ في معنى الغِيلةِ، فقال منهُم قائلُون: كما قال مالكٌ: معناها أن يَطأ الرَّجُلُ امرَأتهُ وهي تُرضِعُ.

    وقال الأخفشُ: الغِيلةُ والغيلُ سواءٌ، وهُو أن تَلِدَ المرأةُ، فيَغْشاها زَوْجُها وهي تُرضِعُ فتَحمِلُ، فإذا حَمَلتْ، فسدَ اللَّبنُ على الصَّبيِّ، ويَفسُدُ به جسدُهُ، وتضعُفُ قُوَّتُهُ، حتَّى رُبَّما كان ذلك في عَقلهِ.

    قال: وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّهُ ليُدرِكُ الفارِسَ فيُدعثِرُهُ (١) عن سَرْجِهِ" (٢) . أي: يضعُفُ، فيسقُطُ عن السَّرج.

    قال الشّاعِرُ:

    فَوارِسُ لم يُغالُوا في رَضاعٍ ... فتنبُو في أكُفِّهِمُ السُّيُوفُ

    يُقالُ: قد أغالَ الرَّجُلُ ولدهُ، وأُغِيلَ الصَّبيُّ، وصبيٌّ مُغالٌ ومُغْيَلٌ، إذا وطِئَ أبوهُ أُمَّهُ في (٣) رَضَاعِهِ.

    قال امرُؤُ القَيْس (٤) :

    فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيَلِ

    وقال أبو كَبير (٥) الهُذليُّ:

    ومُبرَّأً من كلِّ غُبَّرِ (٦) حَيْضةٍ ... وفسادِ مُرضِعةٍ وداءٍ مُغْيَلِ

    ج ٨ ص ١٩٧وأمّا الحديثُ الذي ذَكَرهُ الأخفشُ، فهُو حديثُ أسماءَ بنتِ يزيد بن السَّكن (١) ؛ ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غَنيّةَ (٢) ، عن محمدِ بن مُهاجِرٍ، عن أبيهِ، عن أسماءَ بنتِ يزيد، قالت: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تقتُلُوا أولادكُم سِرًّا، فإنَّ الغَيْلَ يُدرِكُ الفارِس فيُدعثِرُهُ عن ظَهرِ فَرسِه" (٣) .

  8. وروَى حمّادُ بن خالدٍ الخيّاطُ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن مُهاجِرٍ مولَى أسماءَ بنتِ يزيدَ، قال: سمِعتُ أسماءَ تقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقتُلُوا أولادَكُم سِرًّا" . فذكَرَ نحوهُ، إلّا أنَّهُ قال: "والذي نَفْسي بيدِهِ، إنَّ الغَيْلَ رُبَّما أدركَ الفارِسَ، أو إنَّهُ ليُدرِكُ الفارِسَ فيُدعثِرُهُ" (٤) .

    وقال بعضُ أهل العِلم، وأهل اللُّغة: الغَيْلُ، أن تُرضِعَ المرأةُ وَلَدها وهي حامِلٌ.

    وقال (٥) بعضُ أهل العلم أيضًا: الغَيْلُ: نفسُه الرَّضاع، وجمعُه: مغايل.

    ج ٨ ص ١٩٨وقال الأصْمَعيُّ: الغَيْلُ لبنُ الحامِل. ويُقالُ: الغيلُ الماءُ الجاري على وَجْهِ الأرضِ. ويُقالُ: الغَيْلُ نيلُ مِصرَ الذي تبتُ عليه زُرُوعُهُم.

  9. وفي هذا الحديثِ إباحَةُ الحديثِ عن الأُمم الماضينَ (١) بما يفعلُونَ.

  10. وفيه دليلٌ على أنَّ من نَهيِهِ عليه السلام ما يكونُ أدَبًا ورِفقًا وإحسانًا لأُمَّتِهِ، ليسَ من بابِ الدِّيانةِ، ولو نَهَى عن الغِيْلةِ، كان ذلك وَجْه نهيِهِ عنها، واللهُ أعلمُ.

  11. وقال ابنُ القاسم وابنُ الماجِشُونِ، وحَكاهُ ابنُ القاسم عن مالكٍ، ولم يَسْمعهُ منهُ، في الرَّجُل يتزوَّجُ المرأةَ وهي تُرضِعُ، فيُصيبُها وهي تُرضِعُ: أنَّ ذلكَ اللَّبن لهُ، وللزَّوج قبلهُ، لأنَّ الماءَ يُغيِّرُ اللَّبن، ويكونُ فيه الغِذاءُ، واحتجَّ بهذا الحديث: "لقَدْ هَمَمتُ أن أنْهَى عن الغِيلَةِ" (٢) .

    قال ابنُ القاسم: وبَلَغني عن مالك: إذا وَلَدتِ المرأةُ من الرَّجُل، فاللَّبنُ منهُ بعدَ الفِصالِ وقَبلهُ، ولو طَلَّقها وتَزوَّجَتْ وحَمَلت من الثّاني، فاللَّبنُ منهُما جَميعًا أبدًا، حتَّى يَتَبيَّن انقِطاعُهُ من الأوَّل.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والشّافِعيُّ: اللَّبنُ من الأوَّلِ في هذه المسألةِ، حتَّى تَضَعَ، فيكونُ من الآخرِ. وهُو قولُ ابن شهاب.

  12. وقد رُوِيَ عن الشّافِعيّ: أنَّهُ منهُما حتَّى تَلِدَ (٣) فيكونَ من الثّاني.

  13. وقد مَضَى القولُ في لَبنِ الفَحْل، في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ، والحمدُ لله.

  14. حديثٌ ثانٍ لأبي الأسْوَدِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّهُ أخبرَهُ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمنينَ قالت: خَرَجنا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حَجَّةِ الوَداع، فمِنّا من أهلَّ بعُمرةٍ، ومنّا من أهلَّ بحَجٍّ وعُمرةٍ، ومنّا من أهَلَّ بالحجِّ (٢) ، وأهلَّ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ، فأمّا من أهلَّ بعُمرةٍ فحَلَّ، وأمّا من أهَلَّ بالحجِّ، أو جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، فلم يحِلُّوا، حتَّى كان يومُ النَّحرِ.

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ.

    ج ٨ ص ١٩٩
  15. وقد رَوَى يحيى (٣) ، عن مالك (٤) ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سُليمانَ بن يَسار: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حَجَّةِ الوَداع، خرجَ إلى الحجِّ، فمِنْ أصْحابِهِ من أهلَّ بحَجٍّ، ومنهُم من جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، ومنهُم من أهلَّ بعُمْرةٍ، فأمّا من أهلَّ بحَجٍّ، أو جمَعَ الحجَّ والعُمْرةَ، فلم يحِلَّ، وأمّا من كان أهلَّ بعُمْرةٍ فحَلَّ.

  16. وهذا الحديثُ المُرْسلُ داخِلٌ في مُسندِ أبي الأسوَدِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، هذا.

  17. وفيه خُرُوجُ النِّساءِ في سَفَرِ الحجِّ مع أزواجِهِنَّ، وهذا ما (٥) لا خِلاف فيه بين العُلماءِ.

  18. واختلفُوا في المرأةِ لا يكونُ لها زوجٌ، ولا ذُو مَحْرم منها، هل تخرُجُ إلى الحَجِّ دُونَ ذلك معَ النِّساءِ، أم لا؟ وهل المَحْرمُ من الاسْتِطاعةِ، أم لا؟

  19. وسنذكُرُ الاختِلافَ في ذلك إن شاءَ الله، في بابِ سعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، من كِتابِنا هذا، عِندَ قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ، تُسافِرُ مَسِيرةَ يوم وليلةٍ، إلّا معَ ذي مَحْرم منها" . رواهُ مالكٌ (١) ، عن سعيدِ (٢) بن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٨ ص ٢٠٠
  20. وفي هذا الحديثِ أيضًا، أعْني الحديثَ المذكُورَ في هذا البابِ، عن أبي الأسْوَدِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: إباحَةُ إفْرادِ الحَجِّ، وإباحَةُ (٣) التَّمتُّع بالعُمْرةِ إلى الحجِّ، وإباحَةُ القِرانِ، وهُو جمعُ الحجِّ مع العُمرةِ.

  21. وهذا ما لا خِلافَ بين العُلماءِ فيه، وإنَّما اختَلفُوا في الأفْضَلِ من ذلك، وكذلك اختلفُوا فيما كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - به مُحرِمًا في خاصَّتِهِ في عامِ حَجَّةِ الوَداع.

  22. وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ، وذكَرْنا الآثار المُوجِبةَ لاخْتِلافِهِم فيه، وأوَضْحنا ذلكَ كُلَّهُ بما فيه كِفايةٌ، في بابِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ (٤) ، من كِتابِنا هذا. وفي بابِ ابن شِهاب، عن محمدِ بن عبد الله بن الحارِثِ بن نَوْفل (٥) ، والحمدُ لله.

  23. وفيه أنَّ من كان قارِنًا، أو مُفْرِدًا، لا يحِلُّ دُونَ يوم النَّحرِ.

  24. وهذا معناهُ بطَوافِ الإفاضَةِ، فهُو الحِلُّ كلُّهُ لمن رَمَى جَمْرةَ العقبةِ قبلَ ذلكَ يوم النَّحرِ ضُحًى، ثُمَّ طافَ الطَّواف المذكُور، وهذا أيضًا لا خِلافَ فيه.

  25. حديثٌ ثالثٌ لأبي الأسودِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبير، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أفْرَدَ الحجَّ (٢) .

    ج ٨ ص ٢٠١
  26. وهذا الحديثُ مُستخرجٌ من الحديثِ الذي قَبْلهُ، أخرجهُ مالكٌ رَحِمهُ الله حُجَّةً لهُ في مَذْهبِهِ، لأنَّهُ يَذْهبُ إلى أنَّ الإفرادَ أفْضَلُ، وأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حَجِّهِ مُفرِدًا.

  27. وقد مَضَى القولُ في هذا، في بابِ ابن شِهاب، عن عُرْوةَ (٣) . من كِتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِهِ ها هُنا.

  28. حديثٌ رابعٌ لأبي الأسودِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الأسْوَدِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، عن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ زوج النَّبيِّ (٢) ، أنَّها قالت: شَكَوتُ إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنِّي أشْتَكِي، فقال: "طُوفي من وَراءِ النّاسِ، وأنتِ راكِبةٌ" . قالت: فطُفتُ راكبةً بَعِيري (٣) ، ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينئذٍ يُصلِّي إلى جانِبِ البيتِ، وهُو يقرأُ بالطُّورِ وكتاب مَسْطُور.

    قال أبو عُمر: هذا ما (٤) لا خِلافَ فيه بينَ أهل العِلْم، كلِّهِم يقولُ: إنَّ من كان لهُ عُذرٌ، أوِ اشْتَكى (٥) مَرضًا، أنَّهُ جائزٌ لهُ الرُّكُوبُ في طَوافِهِ بالبيتِ، وفي سَعْيِهِ بين الصَّفا والمَرْوةِ.

    ج ٨ ص ٢٠٢
  29. واختلفُوا في جَوازِ الطَّوافِ راكِبًا، لمن لم يَكُن لهُ عُذرٌ، أو مرضٌ، على ما ذكَرْنا عنهُم في بابِ جعفرِ بن محمد (٦) ، من كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادَتِهِ ها هُنا.

  30. وكلُّهُم يَكْرهُ الطَّواف راكِبًا للصَّحيح الذي لا عُذرَ لهُ، وفي ذلكَ ما يُبيِّنُ أنَّ طَوافَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - راكِبًا في حَجَّتِهِ إن صَحَّ ذلكَ عنهُ، كان لعُذرٍ، واللهُ أعلمُ. وقد أوضَحْنا ذلكَ، ومَضَى القولُ فيه هُناك، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ.

  31. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقه: أنَّ النِّساءَ في الطَّوافِ يَكُنَّ خلفَ الرِّجال، كهيئَةِ الصَّلاةِ.

  32. وفيه الجَهرُ بالقِراءةِ في التَّطوُّع بالنَّهارِ.

  33. وقد قيلَ: إنَّ طوافَ أُمِّ سَلَمةَ كان سَحَرًا، وقد ذكَرْنا الاختِلافَ في رَمْيِها ذلكَ اليوم، وطَوافِها بعدهُ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ ابن شِهاب، عن عيسى بن طَلْحةَ (١) ، والحمدُ لله.

    ج ٨ ص ٢٠٣
  34. وفيه إباحَةُ دُخُولِ البَعِيرِ المسجد، وذلك والله أعلمُ، لأنَّ بَوْلهُ طاهِرٌ، ولو كان بَوْلُهُ نَجِسًا، لم يكُن ذلك، لأنَّهُ لا يُؤمَنُ منهُ (٢) أن يبُولَ.

  35. وقيل: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما صَلَّى إلى جانِبِ البيتِ يومئذٍ، من أجْلِ أنَّ المقامَ كان حينَئذٍ مُلصَقًا بالبيتِ، قبلَ أن ينقُلهُ عُمرُ بن الخطّابِ من ذلكَ المكانِ، إلى المَوْضِع الذي هُو فيه اليومَ من صَحْنِ المسجدِ.

    قال أبو عُمر: ما أدري ما وَجْهُ هذا القول، لأنَّ جَعْفر بن محمدٍ رَوَى عن أبيهِ، عن جابر: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا طافَ في حَجَّتِهِ، أَتَى المَقامَ، فصلَّى عِندَهُ ركعتينِ، ثُمَّ أَتَى الحَجَرَ فاسْتَلَمهُ، ثُمَّ خرجَ إلى الصَّفا فبَدَأ منها بالسَّعيِ. وقد ذكَرْنا هذا الحديث من طُرُقٍ، في بابِ بَلاغاتِ مالكٍ، من هذا الكِتابِ.

  36. والوَجْهُ عِندي في صلاتِهِ إلى جانِبِ البيتِ، لأنَّ البيتَ كلَّهُ قِبْلةٌ، وحَيْثُما صلَّى المُصلِّي منهُ، إذا جَعَلهُ أمامهُ، كان حَسَنًا جائزًا، والله أعلمُ.