محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني
٢٠ فقرة، ج ٨ ص ٢١٣
- ج ٨ ص ٢١٣
مدنيٌّ ثِقةٌ، تُوفِّي سنةَ تِسع وثلاثين ومئةٍ.
-
لمالكٍ عنهُ حديثان.
-
حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ
مالكٌ (٢) ، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ الأنصاريِّ ثُمَّ المازِنيِّ، عن أبيه (٣) عن أبي سَعيدٍ الخُدريّ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُقٍ مِنَ التَّمرِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ (٤) صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ من الإبِلِ صَدَقةٌ" .
قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ عِندَ جَميع الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" (٥) .
-
وفي "المُوطَّأ" (٦) أيضًا لمالكٍ عن عَمرِو بن يحيى المازِنيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلُهُ سَواءٌ.
- ج ٨ ص ٢١٤
وهذا الإسْنادُ عِندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ أصحُّ من الأوَّل، لأنَّهُ اختُلِفَ على محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ في حديثِهِ، ولم يُختَلَف على عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ.
-
والحديثُ (١) ليحيى بن عُمارةَ، والدِ عَمرِو بن يحيى، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ محفُوظٌ، ولم يروِ هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) أحَدٌ من الصَّحابةِ بإسْنادٍ صحيح، غيرُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٣) . وحديثُهُ الصَّحيحُ عنهُ، ما رواهُ عَمرو بن (٤) يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ.
-
وأمّا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، وأبوهُ، وأخُوهُ عبدُ الرَّحمنِ، فليسُوا بالمشاهيرِ، ولم يُخرِّج أبو داود، ولا البُخاريُّ حديث مالكٍ، عن محمدِ بن عبد الله بن (٥) عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ هذا، في الزَّكاةِ، للاختِلافِ عليه فيه، وخرَّجا (٦) حديث عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري، من رِوايةِ مالكٍ وغيرهِ.
-
ومن اضْطِرابِ هذا الحديثِ (٧) ، واختِلافِ إسْنادِه:
ج ٨ ص ٢١٥ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا محمدُ بن منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن يحيى بن حَبّان ومحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، وكانا ثِقةً، عن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حَسَنٍ وعبّادِ بن تميم، وكانا ثِقةً، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْس ذَوْد (٢) من الإبِلِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُق (٣) صَدَقةٌ" .
-
وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبرنا هارُونُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عن
ج ٨ ص ٢١٦الوليدِ بن كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا صَدَقةَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوْساق (١) من التَّمرِ، ولا فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ، ولا فيما دُونَ خَمْسٍ من الإبِل" .
قال أبو عُمر: اتَّفقَ ابنُ (٢) إسحاقَ والوليدُ بن كثيرٍ، على مُخالَفةِ مالكٍ في هذا الحديثِ، فجَعلاهُ: عن محمدٍ هذا، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سعيدٍ. وجعلهُ مالكٌ: عن محمدٍ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ. وهُو عِندَ أكثرِ أهل العِلم بالحديثِ وهمٌ من مالكٍ، واللّهُ أعلمُ (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ جليلةٌ اختلَفَ الفُقهاءُ فيها، وسنَذكُرُها على ما يجِبُ من ذِكْرِها إن شاءَ الله تعالى، في بابِ عَمرِو بن يحيى (٤) ، من كِتابِنا هَذا، وباللّه توفيقُنا.
-
ونذكُرُ هُناك أيضًا ما فيه من شرح غريبٍ، أو معنًى مُستغلقٍ، إن شاءَ الله.
-
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن (٥) أسَدٍ، قال: سَمِعتُ حَمْزةَ بن محمدٍ الحافِظ يقولُ: لا تَصِحُّ هذه السُّنَّةُ عن أحَدٍ من أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، إلّا عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ.
ج ٨ ص ٢١٧قال: وقد رَوَى هذا الحديث: محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورواهُ مَعْمرٌ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبي صالح (١) ، عن أبي هُريرةَ. وليسا بصحيحينِ.
قال أبو عُمر: أمّا حديثُ محمدِ بن مُسلم، فحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ موسى بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلم الطّائفيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ قال: كان جابرُ بن عبدِ الله يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخل، أوِ الكرم، حتَّى يكونَ خَمْسةَ أوسُقٍ، ولا (٢) في الرِّقَّةِ، حتَّى تبلُغ مِئَتي دِرْهَم" (٣) .
-
انفردَ به محمدُ بن مُسلم من بينِ أصحابِ عَمرِو بن دينارٍ، وما انفردَ به، فليسَ بالقويِّ.
-
وأمّا حديثُ مَعْمرٍ، فذكرَهُ عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن مَعْمرٍ.
- ج ٨ ص ٢١٨
حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمن بن أبي صعصعةَ
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عبد الرحمن (٢) بن أبي صَعْصعةَ، قال: سَمِعتُ أبا الحُبابِ سَعيد بن يَسارٍ، يقولُ: سَمِعتُ أبا هُريرةَ، يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يُرِدِ الله به خيرًا، يُصِبْ منهُ" .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ، ومعناهُ، والحمدُ للّه واضِحٌ، وذلك أنَّ مَن أرادَ الله به خيرًا، وخيرُ الله في هذا المَوْضِع رحمتُهُ، ابْتَلاهُ بمَرَضٍ في جِسْمِهِ، أو بموتِ (٣) وَلَدٍ يحزَنُ لهُ (٤) ، أو بذَهابِ مالٍ يشُقُّ عليه، فيأجُرهُ على ذلكَ كلِّهِ، ويكتُبُ لهُ إذا صبَرَ واحْتَسبَ، بكلِّ شَيءٍ منهُ، حَسَناتٍ يجِدُها في ميزانِهِ لم يَعْمَلها، أو يجِدُها كفّارةً لذُنُوبٍ قد عَمِلها، فذلكَ الخيرُ المُرادُ به في هذا الحديثِ، واللّهُ أعلمُ.
-
رَوَينا عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ - رضي الله عنهُ - من وُجُوهٍ شتَّى: أنَّهُ لمّا نزلَتْ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: ١٢٣] بَكَى وحَزِنَ لذلكَ، وقال: يا رسُولَ الله، أنُجازى بكلِّ ما نَعْملُ؟ فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا بكرٍ، ألَسْتَ تَمْرضُ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تُصيبُكَ اللَّأواءُ؟ " قال: بَلَى، قال: "فذلكَ ما تُجزونَ به في الدُّنيا" (٥) .
- ج ٨ ص ٢١٩
وروينا من حديثِ مُعاويةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "إذا أرادَ الله بعَبْدٍ خيرًا، صرَفَ المُصيبةَ عن نفسِهِ إلى مالهِ ليَأجُرهُ" .
-
فسُبحانَ المُتفضِّل المُنعِم، لا شريكَ لهُ.
-
والآثارُ في هذا المعنى كَثِيرةٌ جِدًّا، لا وجهَ لاجْتِلابِها، ومن طلَبَ العِلمَ للّه، فالقليلُ يَكْفيه، ومن طَلبهُ (١) للنّاسِ، فحوائجُ النّاسِ كثيرةٌ.