محمد بن عبد الرحمن، أبو الرجال، يكنى أبا عبد الرحمن

١٠٧ فقرة، ج ٨ ص ٢٢٠

الصفحة ١ من ٣

  1. وإنَّما قيلَ لهُ أبو الرِّجال، وغلبَ ذلك عليه، لولَدِهِ، كانوا عَشْرةً، رِجالًا، ذُكُورًا، فكُنِيَ أبا الرِّجال.

    ج ٨ ص ٢٢٠
  2. وهُو محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن حارِثةَ بن النُّعمانِ الأنصاريُّ، من بني مالكِ بن النَّجّارِ، وقد ذكَرْنا حارِثةَ بن النُّعمانِ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا.

  3. وأُمُّ محمدٍ هذا، عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرَّحمنِ بن سَعْدِ بن زُرارةَ بن عُدُسِ بن عُبيدِ بن ثَعْلبةَ بن غَنْم بن مالكِ بن النَّجّارِ، أنصاريَّةٌ أيضًا، تابِعيَّةٌ ثِقةٌ، وابنُها أبو الرِّجال هذا مدَّنيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ: مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، ومحمدُ بن إسحاق، وغيرُهُم. ورَوَى عنه يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ.

  4. ولأبي الرِّجال ابنٌ مُحدِّثٌ أيضًا، يُسمَّى حارِثةَ بن أبي الرِّجال. وهُو ضَعِيفٌ فيما نقَلَ عن أبيهِ، وعن غَيرهِ (٣) ، وأمّا أبو الرِّجال فثِقةٌ.

  5. لمالكٍ عنهُ في المُوطَّأ أربعةُ أحاديث مراسِل، كلُّها تتَّصِلُ من وُجُوهٍ.

  6. حديثٌ أوَّلُ عن أبي الرِّجالِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن: أنَّها أخْبَرتهُ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" .

    قال أبو عُمر: زاد بعضُهُم عن مالكٍ في هذا الحديثِ، بهذا الإسناد: يَعْني فَضْلَ مائها. وهُو تفسير لم يُختلَفُ في جُملتِهِ، واختُلِفَ في تفسيرِهِ.

    ج ٨ ص ٢٢١
  7. ولا أعلمُ أحدًا من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، أسند عنهُ هذا الحديث، وهُو مُرسلٌ عِندَ جميعِهِم فيما عَلِمتُ هكذا (٢) .

  8. وذكَرهُ الدّارقُطنيُّ (٣) عن ابن (٤) صاعِدٍ، عن أبي عليٍّ الجَرْميِّ، عن أبي صالح كاتِبِ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ بن سَعْدٍ، عن سَعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحيِّ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن حارِثةَ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ.

  9. وهذا الإسنادُ، وإن كان غريبًا عن مالكٍ، فقد رواهُ أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن مالك (٥) . أيضًا كذلكَ، إلّا أنَّهُ في "المُوطَّأ" مُرسلٌ عِندَ جميع رُواتِهِ، واللّه أعلمُ.

  10. وقد أسْنَدهُ عن أبي الرِّجال: محمدُ بن إسحاقَ، وغيرُهُ (١) .

    ج ٨ ص ٢٢٢
  11. أخبرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرو (٢) . وحدَّثنا عُبيدُ بن محمد (٣) ، ومحمدُ بن عبدِ الملكِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قالا جميعًا (٤) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجرٍ الجُرجانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ. يعني فضلَ مائها.

  12. هكذا جاءَ هذا التَّفسيرُ في نَسقِ الحديثِ مُسندًا، وهُو كما جاءَ فيه، لا خِلافَ في ذلكَ بين العُلماءِ فيما عَلِمتُ، على ما قال ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ.

  13. وفيما أذِنَ لنا أبو الحسنِ محمدُ بن أحمد بن العبّاسِ الإخْمِيميُّ أن نَرْويهُ عنهُ، وأجازَ لنا ذلك، وأخبرنا به بعضُ أصحابِنا عنهُ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بن موسى بن أبي مالكٍ المعافِريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داود البُرُلُّسيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن

    ج ٨ ص ٢٢٣عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُمنَعَ نَقْعُ الماءِ يعني فَضْلَ الماء (١) .

  14. أخبرنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ. وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمانَ. قالا: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ بئرٍ. يعني فضلَ الماء (٢) .

  15. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا خارِجةُ بن عَبدِ الله بن سُليمانَ، عن أبي الرِّجال، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ زَوْج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ نَهَى أن يُمنَعَ نَقْعُ ماءِ بئر (٣) .

    قال أبو عُمر: كان ابنُ عُيينةَ يقولُ، في قولِ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ" : هُو أن لا يُمنَعَ الماءُ قبلَ أن يُسْتَقَى (٤) .

    ج ٨ ص ٢٢٤وقال ابن وَهْب: تَفْسيرُ قوله: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" : هُو ما يَبْقَي (١) فيها من الماءِ، بعدَ مَنْفعةِ صاحِبِها.

    قال أبو عُمر: وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن بيع فَضْلِ الماءِ من (٢) وُجُوهٍ أيضًا صِحاح. والمعنى فيها كلِّها مُتقارِبٌ.

  16. فمِن ذلكَ، حديثُ أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بَيع فَضلِ الماءِ، يُمنعُ به الكَلأُ (٣) .

  17. ومنها حديثُ جابر: حدثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤) : حدَّثنا وكيعٌ، عن ابن (٥) جُريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ قال: نهى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فضل الماءِ.

  18. ومنها حديثُ داودَ العَطّارِ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن أبي المِنْهال، عن إياسِ بن عَبد، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع فَضل الماءِ. هكذا قال داودُ العطّارُ. وخالَفهُ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرٍو بإسنادِهِ، فقال: "عن بَيْع الماءِ" .

  19. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦) : حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا داودُ العَطّارُ،

    ج ٨ ص ٢٢٥قال: حدَّثنا عَمرٌو، عن أبي المِنْهال (١) ، عن إياسِ بن عَبد (٢) ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع فَضْلِ الماء (٣) .

  20. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤) : حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرٍو، أخبرهُ أبو المِنْهال، أنَّ إياسَ بن عَبْدٍ قال لرجُل: لا تَبِع الماءَ، فإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع الماء.

  21. وأخبرنا خلَفُ (٥) بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ (٦) العسكريُّ، قال: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، قال: أخبرنا الشّافِعيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن أبي المِنْهال، عن إياسِ بن عَبْدٍ، أنَّهُ

    ج ٨ ص ٢٢٦قال: لا تَبِيعُوا الماءَ، فإنِّي سَمِعتُ (١) رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعْ الماءِ. قال سفيانُ: لا يَدْرِي عَمرٌو أيَّ ماءٍ هُو (٢) .

  22. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٣) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، عن الأعْمَش: سمِعتُ أبا صالح، يقولُ: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ الله إليهم يومَ القيامةِ، ولا يُزكِّيهِم، ولهم عَذاب أليمٌ: رَجُلٌ كان لهُ فضلُ ماءٍ، فمَنَعهُ من (٤) ابن السَّبيلَ ... " وذكَرَ الحديثَ.

  23. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَسْعُودٍ الزَّنْبريُّ (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ. قالا جميعًا: أخبرنا الشّافِعيُّ، بمعنًى واحِدٍ، قال: مَعْنَى حديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن بيع الماءِ، وعن بيع فَضل الماءِ، وأنَّهُ نَهَى عن منع فضلِ الماءِ، هُو واللّهُ أعلمُ، أن يُباع الماءُ في المَواضِع التي جَعَلهُ الله فيها، وذلكَ أن يأتيَ

    ج ٨ ص ٢٢٧الرَّجُلُ الرَّجُلَ لهُ البِئرُ، أوِ العينُ، أوِ النَّهرُ ليَشْربَ من مائهِ ذلكَ، وليَسْقي دابَّتهُ، وما أشْبَه هذا، فيمنعُهُ ذلكَ، فهذا هُو المنهيُّ عنهُ، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ" .

  24. وأمّا قولُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ (١) ، ليُمنَعَ به الكَلأُ" . فمعنى ذلكَ، أن يأتي الرَّجُلُ بدابَّتِهِ، وماشيتِهِ إلى الرَّجُل لهُ البِئرُ، وفيها فَضْلٌ عن سَقْيِ ماشيتِهِ، فيَمْنعُهُ صاحِبُ البِئرِ السَّقيَ، يُريدُ بيعَ فَضْل مائهِ منهُ، فذلكَ الذي نُهيَ عنهُ من بَيْع فضل الماءِ، وعليه أن يمنَحَ غيرَهُ فَضْلَ مائهِ ليَسْقي ماشيتهُ، لأنَّ صاحِبَ الماشيةِ إذا مُنِعَ أن يَسْقي ماشيتهُ، لم يَقْدِر على المُقام ببلدٍ لا يَسْقي فيه ماشِيَتهُ، فيكونُ بَيْعه الماءَ الذي يملِكُ، منعًا للكلأ الذي لا يَمْلِكُ.

  25. ودلَّتِ السُّنَّةُ، على أنَّ مالكَ الماءِ، أحقُّ بالتَّقدُّم في السَّقيِ من غيرِهِ، لأنَّهُ إنَّما (٢) أُمِرَ بأن لا يَمنَعَ الفَضْلَ، والفضلُ، هُو الفضلُ عن الكَفافِ والكِفايةِ.

  26. ودلَّتِ السُّنَّةُ، على أنَّ المنعَ الذي ورَدَ في فَضْلِ الماءِ، هُو مَنع شِفاهِ النّاسِ، والمَواشيَ، أن يشربُوا فَضْلًا عن حاجةِ صاحِبِ المِلكِ من الماءِ، وأن ليسَ لصاحِبِ الماءِ مَنْعُهُم.

  27. وأحاديثُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلكَ مُتَّفِقةٌ تُفسِّرُها السُّنَّةُ المُجتَمعُ عليها، وإن كانتِ الأحاديثُ بألفاظٍ شَتَّى.

    قال: وإذا كان هذا في ماءِ البِئرِ، كان فيما هُو أكَثرُ من ماءِ البِئرِ أوْلَى أن لا يُمنَعَ من الشَّفَةِ.

    ج ٨ ص ٢٢٨قال: ولو أنَّ رَجُلًا أرادَ من رجُلٍ لهُ بئرٌ، فضلَ مائهِ في تلك البِئرِ، ليَسْقِي بذلكَ زَرْعهُ، لم يكُن ذلك له، وكان لمالكِ البِئرِ مَنْعُهُ من ذلكَ، لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أباحَهُ في الشِّفاهِ، التي يُخافُ في منع الماءِ منها التَّلفُ عَليها، ولا تلَفَ على الأرضِ، لأنَّها ليست برُوح، فليسَ لصاحِبِها أن يَسْقي، إلّا بإذنِ ربِّ الماءِ.

    قال: وإذا حمَلَ الرَّجُلُ الماءَ على ظَهْرِهِ، فلا بأسَ أن يَبْيعهُ من غيِر، لأنَّهُ مالكٌ لما حملَ منهُ، وإنَّما يبيعُ تَصرُّفهُ بحَمْلهِ.

    قال: وكذلكَ لو جاءَ رجُلٌ على شَفيرِ بئرٍ، فلم يستطِع أن ينزعَ بنَفْسِهِ، لم يكُن بأسٌ أن يُعطِي رجُلًا أجرًا، وينزعَ لهُ، لأنَّ نَزْعهُ الماءَ (١) إنَّما هُو إجارةٌ ليست عليه. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ.

  28. وأمّا جُملةُ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في هذا البابِ فذلكَ: أنَّ كلَّ من حفَرَ في أرضِهِ، أو دارِهِ بئرًا، فلهُ بيعُها، وبيعُ مائها كلِّهِ، ويبيعُ فضلِ مائها (٢) ولهُ مَنعُ المارَّةِ من مائها، إلّا بثمنٍ. إلّا قومًا لا ثمَنَ معهُم، وإن تُرِكُوا إلى أن يرِدُوا ماءً غيرَهُ هَلَكُوا، فإنَّهُم لا يُمنَعُونَ، ولهم جِهادُهُ إن مَنَعهُم ذلك (٣) .

  29. وأمّا ما حُفِرَ (٤) من الآبارِ في غيرِ مِلكٍ مُتَعَيَّن (٥) لماشيةٍ أو شَفَةٍ، وما حُفِرَ في الصَّحاري، كمَواجِل (٦) المغرِبِ، وأنطابُلُس (٧) ، وأشباهِ ذلكَ، فلا يُمنَعُ أحدٌ

    ج ٨ ص ٢٢٩فضلَها، وإن مَنعُوهُ حلَّ لهم قِتالهم، فإن لم يَقْدِرِ المُسافِرُونَ على دَفْعِهِم، حتَّى ماتُوا عَطَشًا فموتاهُم (١) على عَواقِل المانِعينَ، والكفّارةُ عن كلِّ نَفْسٍ على كلِّ حالٍّ (٢) من أهلِ الماءِ (٣) المانِعينَ، مع وجيع الأدَبِ.

  30. وكرِهَ مالكٌ بيعَ فَضْل ماءِ مِثل هذه الآبارِ، من غيرِ تحريم. قال: ولا بأسَ ببيع فضلِ ماءِ الزَّرع، من بِئرٍ، أو عينٍ، وبيع رِقابِهِما.

    قال: ولا يُباعُ أصلُ بئرِ الماشيةِ، ولا ماؤُها، ولا فَضْلُهُ. يعني الآبار التي تُحفرُ في الفَلاةِ للماشيةِ والشِّفاهِ، قال: وأهلُها أحقُّ بريِّهِم، ثُمَّ النّاسُ سَواءٌ في فَضْلها، إلّا المارَّةَ والشَّفةَ، أوِ الدَّوابَّ، فإنَّهُم لا يُمنَعُونَ.

    قال أبو عُمر: أمّا البِئرُ تنهارُ للرَّجُل، ولهُ عليها زرعٌ، أو نحوُهُ من النَّباتِ الذي يَهْلكُ بعدَم الماءِ الذي اعْتادهُ، ولا بُدَّ لهُ منهُ، وإلى جَنْبِهِ بئرٌ لجارهِ يُمكِنُهُ أن يَسْقي منها زَرْعهُ، فقد قال مالكٌ وأصحابُهُ: إنَّ صاحِبَ تلك البِئرِ يُجبَرُ على أن يَسْقي جارُهُ بفَضْلِ مائهِ زَرْعهُ الذي يخافُ هَلاكهُ، إذا لم يَكُن على صاحِبِ الماءِ فيه ضَررٌ بيِّنٌ.

  31. وعلى هذا المعنى، تأوَّلَ مالكٌ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" . يعني: بئرَ الزَّرع.

  32. واختلَفَ أصحابُهُ، هل يكونُ ذلكَ بثمَنٍ، أو بغيرِ ثمنٍ؟ فقال بعضُهُم: يُجبَرُ ويُعطَى الثَّمن. وقال بعضُهُم: يُجبَرُ ولا ثمَنَ لَهُ. وجَعلُوهُ كالشِّفاهِ من الآدَميِّينَ والمَواشِي.

  33. فتدَبَّرَ ما أوردتُهُ عن الشّافِعيِّ، ومالكٍ، تقِفْ على المعنى الذي اخْتَلفا فيه من ذلكَ.

  34. وقول أبي (١) حَنِيفةَ وأصحابُهُ في هذا البابِ، كقَولِ الشّافِعيِّ سَواءً،

    وقالوا: لكلِّ من لهُ بئرٌ في أرْضِهِ المنعُ من الدُّخُولِ إليها، إلّا أن يكونَ للشِّفاهِ والحَيَوانِ، إذا لم يَكُن لهم ماءٌ يَسْقيهِم.

    قالوا: وليس عليه سَقْيُ زَرْع جارِهِ.

    وقال (٢) سُفيانُ الثَّوريُّ: إنَّما جاءَ الحديثُ في مَنعْ الماءِ لشِفاهِ الحَيَوانِ، وأمّا الأرضُونَ، فليسَ يجِبُ ذلك على الجارِ في فضلِ مائهِ.

    ج ٨ ص ٢٣٠
  35. وذكَرَ ابنُ حَبِيب (٣) ، قال: ومِمّا يدخُلُ أيضًا في معنى "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ" . و "لا يُمنَعُ رهو (٤) بئرٍ" . البِئرُ تكونُ بين الشَّرِيكينِ يَسْقي منها هذا يومًا، وهذا يومًا وأقلَّ، وأكثَرَ، فيَسْقي أحدُهُما يومهُ، فيروي نَخْلهُ، أو زَرْعهُ في بعضِ يومِهِ، ويستغني عن السَّقيِ في بَقيَّةِ اليوم، أو يَسْتغني في يومِهِ كلِّهِ عن السَّقي، فيُريدُ صاحِبُهُ أن يَسْقي في يَومِهِ ذلك، فإنَّ ذلك لهُ، وليسَ لصاحِبِ اليوم أَن يَمْنعهُ من ذلكَ، لأنَّهُ ليسَ لهُ منعُهُ مِمّا لا يَنْفعُهُ حبسُهُ، ولا يضُرُّهُ تركُهُ.

    قال أبو عُمر: قولُ ابنُ حبيبٍ هذا حَسن، ولكنَّهُ ليسَ على أصلِ مالكٍ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلم، إلّا عن طِيبِ نَفْسٍ منهُ" (٥) .

  36. وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، وما للعُلماءِ فيه من التَّنازُع، في بابِ ابن شِهاب، عن الأعْرَج، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.

    ج ٨ ص ٢٣١قال ابنُ حبيب: ومن ذلكَ أيضًا: أن تكونَ البِئرُ لأحَدِ الرَّجُلينِ في حائطِهِ، فيحتاجُ جارُهُ، وهُو لا شرِكةَ لهُ في البِئرِ، إلى أن يَسْقي حائطهُ بفَضْلِ مائها، فذلكَ ليسَ لهُ، إلّا أن تكونَ بئرُهُ تَهوَّرت، فيكونَ لهُ أن يَسْقي بفضلِ ماءِ جارِهِ، إلى أن يُصلِحَ بئرهُ، ويُقضَى لهُ بذلك، ويدخُلُ حينَئذٍ في تأويلِ الحديث: لا يُمنَعُ نقعُ بِئْرٍ.

    قال: وليسَ للَّذي تَهوَّرتْ بئرُهُ أن يُؤَخِّر إصلاحَ بئرِهِ، ولا يُتركُ والتَّأخير، وذلكَ في الزَّرع الذي يخافُ عليه الهلاك إن مُنِعَ السَّقيُ، إلى أن يُصلِحَ البِئرَ.

    قال: فأمّا أن يُحدِثَ على البِئرِ عَملًا، من غَرْسٍ أو زَرْع ليَسْقيهُ بفَضْلِ ماءِ جارِهِ، إلى أن يُصلِحَ بئرَهُ، فليسَ ذلك لهُ.

    قال: وهكذا فسَّرهُ لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشُونِ عن مالكٍ، وفسَّرهُ لي أيضًا ابنُ عبدِ الحَكَم وأصْبَغُ بن الفَرج، وأخبرني أنَّ ذلكَ قولُ ابن وَهْب، وابنِ القاسم، وأشْهَب، ورِوايتُهُم عن مالكٍ.

  37. واختلفُوا أيضًا في التَّفاضُلِ في الماءِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ ببَيعْ الماءِ بالماءِ مُتفاضِلًا، وإلى أجَل. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ، وأبي يُوسُفَ (١) .

    وقال محمدُ بن الحسن: هُو مِمّا يُكالُ، ويوزَنُ، فعَلَى هذا القول، لا يجُوزُ عِندَهُ فيه التَّفاضُلُ، ولا النَّساء، وذلكَ عِندَهُ فيه رِبًا، لأنَّ عِلَّتهُ في الرِّبا: الكَيْلُ والوَزْنُ.

    وقال الشّافِعيُّ: لا يجُوزُ بيعُ الماءِ مُتفاضِلًا، ولا يجُوزُ فيه الأجَلُ. وعِلَّتُهُ في الرِّبا أن يكونَ مأكُولًا جِنسًا.

  38. وقد مَضى القولُ في أُصُولهِم، في عِللِ (٢) الرِّبا، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.

  39. حديثٌ ثانٍ لأبي الرِّجال

    مالكٌ (١) ، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن حارِثةَ بن النُّعمانِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ.

    قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ في إرسالِ هذا الحديثِ (٢) .

    ج ٨ ص ٢٣٢
  40. وقد رُوي مُسندًا من هذا الوَجْهِ وغَيرِهِ.