مالك، عن موسى بن عقبة تابعي مدني ثقة

٧٤ فقرة، ج ٨ ص ٢٥٤

الصفحة ١ من ٢

  1. وهُو موسى (١) بن عُقبةَ بن أبي عيّاشٍ، يُكْنَى أبا محمدٍ، مولى الزُّبيرِ بن العوّام، كان الزُّبيرُ قد أعتَقَ جدَّهُ أبا عيّاشٍ. هكذا قال الواقِديُّ وغيرُهُ.

    وقال يحيى بن مَعين (٢) : موسى بن عُقبةَ، مولى أُمِّ خالدٍ بنتِ خالدِ بن سَعيدِ بن العاص.

    ج ٨ ص ٢٥٤
  2. وقد ذكَرْنا في بابِ إبراهيمَ بن عُقْبةَ، في صَدْرِ كِتابِنا هذا في نَسبِهِ، ووَلائهِ، ما هُو أكثرُ من هذا.

  3. وسمِعَ موسى بن عُقبةَ من أُمِّ خالدٍ بنتِ خالدِ بن سَعيدِ بن العاص، ورأى ابن عُمرَ، وسَهْل بن سعدٍ.

    قال: حَجَجتُ وابنُ عُمر بمكَّةَ، عامَ حَجَّ نَجْدةُ الحرُوريُّ، ورأيتُ سَهْل بن سعدٍ يتَخَطَّى، حتَّى تَوكَّأ على المِنبرِ، فسارَّ الإمامَ بشيءٍ.

  4. وكان موسى بن عُقْبةَ من ساكِني المدينةِ، وبها تُوفِّي سَنةَ إحْدَى وأربعينَ ومئةٍ، قبلَ خُرُوج محمدِ بن عبدِ الله بن حسنٍ، وكان مالكٌ يُثْني على موسى بن عُقبةَ، وكان لموسى عِلْمٌ بالمغازي والسِّير (٣) ، وهُو ثِقة فيما نقَلَ من أثَرٍ في الدِّينِ، وكان رَجُلًا صالحًا رحِمهُ الله.

  5. لمالكٍ عنهُ من حديثِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في "المُوطَّأ" حديثانِ مُسندانِ.

  6. حديثٌ أوَّلُ لموسى بن عُقبةَ

    مالكٌ (١) ، عن موسى بن عُقبةَ، عن كريبٍ مولى عبدِ الله بن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ، أنَّهُ سَمِعهُ يقولُ: دفَعَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عَرَفةَ، حتَّى إذا كان بالشِّعبِ، نزلَ فبالَ فتَوضَّأ، فلم يُسبغِ الوُضُوءَ، فقلتُ لهُ: الصَّلاةُ يا رسُولَ الله فقال: "الصَّلاةُ أمامكَ" . فركِبَ، فلمّا جاءَ المُزْدلفةَ، نزلَ فتوضَّأ فأسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى المغرِبَ، ثُمَّ أناخَ كلُّ إنسانٍ (٢) بَعِيرهُ في مَنْزِلهِ (٣) ، ثُمَّ أُقيمتِ العِشاءَ فصلّاها، ولم يُصلِّ بَيْنهُما شيئًا.

    قال أبو عُمر: هكذا رواهُ جَماعةُ الحُفّاظِ الأثباتِ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ (٤) ، إلّا أشْهبَ وابن الماجِشُونِ، فإنَّهُما رَوَياهُ عن مالكٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ؛ ذكَرهُ النَّسائيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا أشهبُ (٥) . وكذلكَ حدَّث به المُعافى، عن ابن الماجِشُونِ.

    ج ٨ ص ٢٥٥
  7. والصَّحيحُ في هذا الحديثِ، طرحُ ابن عبّاسٍ من إسنادِهِ، وإنَّما هُو لكُرَيبٍ، عن أُسامةَ بن زيد (١) . وكذلكَ رواهُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٢) ، وحمّادُ بن زيد (٣) ، عن موسى بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن أُسامَةَ. مِثل رِوايةِ مالكٍ سَواءً.

    ج ٨ ص ٢٥٦
  8. ولم يُختلَف (٤) فيه على موسى بن عُقبةَ فيما عَلِمتُ.

  9. ورَواهُ إبراهيمُ بن عُقبةَ، واختُلِفَ عليه فيه:
  10. فَرواهُ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ ومحمدِ بن أبي حَرْملةَ، جميعًا عن كُريبٍ، عن ابن عبّاس، عن أُسامَةَ بن زيدٍ، مثلَهُ بمَعْناه (٥) . أدْخَلا بينَ كُريبٍ وبين أُسامَةَ: عبد الله بن عبّاسٍ.

  11. ورواهُ حمّادُ بن زَيْدٍ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن أُسامَةَ (٦) .

  12. ورواهُ إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن محمدِ بن أبي حَرْملةَ، عن كُرَيبٍ، عن أُسامَةَ (٧) . لم يذكُرِ ابن عبّاسٍ.

  13. وكذلكَ رَواهُ ابنُ المُباركِ، عن إبراهيمَ بن عُقْبةَ (١) . مِثلَ رِوايةِ حمّادِ بن زَيْدٍ.

    ج ٨ ص ٢٥٧
  14. فدلَّ ذلك كلُّهُ على ضَعْفِ رِواية ابن عُيينةَ، وصِحَّةِ رِواية مالكٍ ومن تابَعهُ، وأن ليسَ لابنِ عبّاسٍ في هذا الحديثِ ذِكر صَحِيح، واللّه أعلمُ.

  15. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: الوُقُوفُ بعَرَفةَ يومَ عرفةَ، ثُمَّ الدَّفعُ منها بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ، على يَقِينٍ من مَغيبِها ليلةَ النَّحرِ إلى المُزدلفةِ.

  16. وهذا ما لا خِلافَ فيه، والوُقُوفُ المعرُوفُ بعَرَفةَ، بعد صَلاةِ الظُّهرِ والعَصْرِ في مَسجِدِ عرفةَ جميعًا، في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.

  17. والمسجدُ معرُوفٌ، ومَوْضِعُ الوُقُوفِ بجِبالِ الرَّحمةِ معرُوفٌ، وليسَ المسجدُ موضِع وُقُوفٍ، لأنَّهُ فيما (٢) أحسَبُ من بَطنِ عُرَنةَ، الذي أُمِر الواقِفُ بعَرَفةَ أن يرتفِعَ عنهُ، وهذا كلُّهُ أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا موضِعَ للقولِ فيه.

  18. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "نزلَ فبالَ، فتوضَّأ فلم يُسبغِ الوُضُوءَ" . فوَجْهُهُ (٣) عِندي، واللّهُ أعلمُ، أنَّهُ اسْتَنجى بالماءِ، أوِ اغتسلَ به من بَوْلهِ، وذلكَ يُسمَّى وُضُوءًا في كلام العَرَبِ، لأنَّهُ من الوَضاءةِ، التي هي النَّظافةُ.

  19. ومعنى قوله: "لم يُسْبغِ الوُضُوءَ" . أي: لم يُكمِل وُضُوءَ الصَّلاةِ، لم يَتَوضَّأ للصَّلاةِ، والإسباغُ: الإكمالُ، فكأنَّهُ قال: لم يَتَوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ولكنَّهُ تَوضَّأ من البَوْل. هذا وجهُ هذا الحديثِ عِندي، واللّه أعلمُ.

  20. وقد قيلَ: إنَّهُ تَوضَّأ وُضُوءًا خَفِيفًا، ليسَ بالبالغِ، وُضُوءًا بين وُضُوءَينِ.

    ج ٨ ص ٢٥٨
  21. وهذا ظاهرُه غيرُ الاسْتِنجاءِ، ولكنَّ الأصُولَ المُجتمَع عليها تَدْفعُ وضُوءَين (١) لصَلاةٍ واحِدةٍ، وليسَ هذا اللَّفظُ في حديثِ مالكٍ، ومالكٌ أثبتُ من رَواهُ، فلا وجهَ للاحْتِجاج برِوايةِ غير عليه.

  22. وقد قيلَ في ذلك: إنَّهُ تَوضَّأ على بعضِ (٢) أعْضاءِ الوُضُوءِ، فلم (٣) يُكمِل الوُضُوءَ للصلاةِ، على ما رُوِيَ عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان إذا أجْنَبَ ليلًا، وأرادَ النَّومَ، غسَلَ وَجْههُ ويَديهِ إلى المِرْفقينِ، ورُبَّما مسَحَ برأسِهِ، ونامَ، وهُو لم يُكمِلْ وضوءَه للصَّلاة (٤) . وهذا عِندي وَجْهٌ ضعيفٌ لا معنى لهُ، ولا يجِبُ أن يُضافَ مِثلُهُ إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولعلَّ الذي حَكاهُ عن ابن عُمر لم يَضْبِطهُ (٥) .

  23. والوُضُوءُ على الجُنُبِ عِندَ النَّوم غيرُ واجِبٍ، وإنَّما هُو نَدْبٌ، لا يرفعُ به حَدَثهُ، وفِعلُهُ سُنَّةٌ وخَيْرٌ.

  24. وليسَ من دفَعَ من عَرَفةَ إلى المُزدلفةِ يجِدُ من الفَراغِ ما يتوضَّأُ به وُضُوءًا يَشْتغِلُ به عن النُّهُوضِ إلى المُزْدلفةِ، والنُّهُوضُ إليها من أفضلِ أعمالِ البِرِّ، فكيفَ يشتغِلُ عنها بما لا معنَى لهُ؟

  25. ألا تَرى أنَّهُ لمّا حانَتْ (٦) تلك الصَّلاةُ في مَوْضِعِها، نزلَ فأسبَغَ الوُضُوءَ لها. أي: توضَّأ لها كما يجِبُ.

  26. فالوُضُوءُ الأوَّلُ عِندِي: الاستِنجاءُ بالماءِ، لأنَّهُ لم يُحفَظ عنهُ قطُّ، أنَّهُ تَوضَّأ لصَلاةٍ واحِدةٍ مرَّتينِ، وإن كان يَتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ.

    ج ٨ ص ٢٥٩
  27. وتحمِلُ قولُهُ: الصَّلاةُ. أي: توضَّأ لها، إذ رآهُ اقتصَرَ على الاسْتِنجاءَ، ويحتمِلُ غيرَ ذلكَ، واللّه أعلمُ.

  28. وقد رَوَى عبدُ الله بن أبي مُلَيكةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، قالت: بالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاتَّبعهُ عُمرُ بكُوزٍ من ماءٍ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لم أُومَرْ أن أتوضَّأ كلَّما بُلْتُ، ولو فَعَلتُ، لكانت سُنَّةً" (١) . وهذا على ما قُلنا، وباللّه التوفيق.

  29. ففي هذا الحديث: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتنجي بالماءِ، على حَسَبِ ما ذكرنا.

  30. ومن بينِ ما يُروَى في استِنجاءِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالماءِ، ما رَواهُ سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن مُعاذَةَ (٢) ، عن عائشةَ، أنَّها قالت لنِسْوةٍ عِندَها: مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغسِلُوا عنهُم أثرَ الغائطِ والبَوْل، فإنِّي أسْتَحيهُم، وإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَفعلُهُ. ذكرهُ يعقُوبُ بن شَيْبةَ، عن يزيدَ بن هارُون، عن سَعيد (٣) .

  31. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن

    ج ٨ ص ٢٦٠إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، قال: سَمِعتُ سعيد بن الحُوَيرِثِ يقولُ: سَمِعتُ ابنُ عبّاسٍ يقولُ: كُنَّا عِندَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرَجَ من الغائطِ، فأتِيَ بطعام فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأُ؟ فقال: "ما أُصلِّي فأتوضَّأ" .

  32. وهذا يُبيِّنُ أنَّهُ كان - صلى الله عليه وسلم - لا يَتَوضَّأُ وُضُوءَ الصَّلاةِ، إلّا للصَّلاةِ، وأنَّهُ كان لا يتوضَّأُ كلَّما بالَ وُضُوءَ الصَّلاةِ.

  33. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقه: أنَّ الإمامَ إذا دفَعَ بالحاجِّ، والنّاسُ مَعهُ، لا يُصلُّونَ المغرِبَ في تلك اللَّيلةِ، إلّا معَ العِشاءِ في وَقْتٍ واحِدٍ بالمُزْدلفةِ، وهذا أمرٌ مُجتَمَعٌ عليه لا خِلافَ فيه.

  34. واختلَفَ العُلماءُ فيمَنْ لم يدفَعْ مع الإمام لعِلَّةٍ وعُذرٍ، ودفَعَ وحدهُ بعد دَفْع الإمام بالنّاسِ، هل لهُ أن يُصلِّي تلك الصَّلاتينِ في غيرِ (٢) المُزْدلفةِ أم لا (٣) ؟

    فقال مالكٌ: لا يُصلِّيهِما أحدٌ قبلَ جَمْع، إلّا من عُذرٍ، فإن صلّاهُما من عُذْرٍ، لم يجمَعْ بينهُما حتَّى يَغِيبَ الشَّفقُ.

    وقال الثَّوريُّ: لا يُصلِّيهِما حتَّى يأتي جَمْعًا، ولهُ السَّعَةُ في ذلكَ إلى نِصفِ اللَّيل، فإن صَلّاهُما دُونَ جَمْع أعادَ.

    وقال أبو حنيفةَ: إن صلّاهُما قبلَ أن يأتي المُزدلفةَ، فعليه الإعادةُ، وسَواءٌ صلّاهُما قبلَ مَغِيبِ الشَّفقِ، أو بعدَهُ، عليه أن يُعيدهُما، إذا أتَى المُزدلفةَ.

  35. وحُجَّةُ هؤُلاءِ كلِّهِم، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ لأُسامةَ: "الصَّلاةُ أمامَكَ" . يعني بالمُزدلفةِ.

    ج ٨ ص ٢٦١
  36. واختُلِفَ عن أبي يُوسُف ومحمدٍ، فرُوِيَ عنهُما مِثلُ قولِ أبي حَنِيفةَ، ورُوِيَ عنهُما: لو صلّاهُما (١) بعَرَفاتٍ، أجْزَأهُ.

  37. وعلى مَذْهبِ الشّافِعيّ: لا يَنْبغي أن يُصلِّيهُما قبلَ جَمْع، فإن فعلَ أجْزَأهُ. وبه قال أبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ.

  38. ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، وعُروةَ، وسالم، والقاسم (٢) ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ.

  39. ورُوِيَ عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: لا صَلاةَ إلّا بجَمْع (٣) . ولا مُخالَفَ لهُ من الصَّحابةِ فيما عَلِمتُ.

    قال أبو عُمر: قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "الصَّلاةُ أمامَكَ" . يدُلُّ على أنَّهُ لا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّيهُما إلّا هُناكَ.

  40. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عنِّي مَناسِككُم" (٤) . ولم يُصلِّهِما إلّا بالمُزدلفةِ، فإن كان لهُ عُذرٌ، فعَسَى الله أن يعذُرهُ، وأمّا من لا عُذَرَ لهُ، فواجِبٌ أن لا تُجزِئَهُ صلاتُهُ قبلَ ذلك المَوْضع على ظاهِرِ هذا الحديثِ.