مالك، عن مسلم بن أبي مريم وهو مدني ثقة

٤٨ فقرة، ج ٨ ص ٢٩١

الصفحة ١ من ٢

  1. روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيَينةَ، ووُهَيبُ بن خالدٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ.

    ج ٨ ص ٢٩١
  2. وكان مالكٌ يُثني عليه، ويقولُ: كان رَجُلًا صالحًا (٢) ، وكان يهابُ أن يرفَعَ الأحاديثَ (٣) .

  3. لمالكٍ عنهُ من حديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في "المُوطَّأ" ثلاثةُ أحاديث، أحدُها لم يَختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في رَفْعِهِ، والاثْنانِ جُمهُورُ رُواتِهِ على توقيفِهِما: يحيى بن يحيى وغيرُهُ، ورفَعَ ابنُ وَهْبٍ أحدهُما، ورفَعَ ابنُ نافِع الآخر، وهُما مرفُوعانِ من غيرِ رِوايةِ مالكٍ من وُجُوهٍ صِحاح كلُّها.

  4. حديثٌ أوَّلُ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ

    مالكٌ (١) ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن عليِّ بن عبدِ الرَّحمن (٢) المُعاويِّ، أنَّهُ قال: رآني عبدُ الله بن عُمرَ وأنا أعْبَثُ بالحَصْباءِ في الصَّلاةِ، فلمّا انْصَرفتُ نَهاني، وقال: اصنَعْ كما كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصْنعُ. فقلتُ: وكيفَ كان رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) يصنعُ؟ قال: كان إذا جلَسَ في الصَّلاةِ، وضَعَ كفَّهُ (٤) اليُمْنَى، على فَخِذِهِ اليُمْنَى، وقبَضَ أصابِعهُ كلَّها، وأشارَ بإصبَعِهِ التي تَلي الإبهامَ، ووضَعَ كفَّهُ اليُسْرَى، على فَخِذِهِ اليُسْرَى. وقال: هكذا كان يفعلُ.

    قال أبو عُمر: عليٌّ المُعاويُّ، منسُوبٌ إلى بني مُعاويةَ، فَخِذٍ من الأنصارِ.

    ج ٨ ص ٢٩٢
  5. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: أنَّهُ لا يجُوزُ العَبَثُ في الصَّلاةِ بالحَصْباءِ.

  6. وهُو أمرٌ مُجتمعٌ عليه، وكذلكَ غيرُ الحَصْباء (٥) ، لا يجُوزُ العَبَثُ في الصَّلاةِ بالحصباءِ، ولا بغيرِها، وأنَّ ذلكَ على أيِّ وَجْهٍ كان إذا كثُرَ وطالَ، وشغَلَ عن الصَّلاةِ، أفسدَ الصَّلاةَ، وإنَّما لم يأمُرِ ابنُ عُمر عَليًّا هذا بالإعادةِ، والله أعلمُ، لأنَّهُ كان ذلك منهُ يسيرًا.

  7. وقد جاءَ في حديثِ أبي ذرّ: أنَّهُ كرِهَ مَسْحَ الحَصْباءِ في الصَّلاةِ، إلّا مرَّةً واحِدةً (٦) . كَراهيةَ العمَلِ في الصلاةِ، فكيفَ العَبَثُ بها في الصَّلاةِ.

  8. وقد رَوَى الزُّهريُّ، عن أبي الأحْوَصِ، شيخ من أهلِ المدينةِ، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مِثْلُه بمَعْناه (١) .

    ج ٨ ص ٢٩٣
  9. ورُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلُ ذلك أيضًا، من حديثِ مُعَيقيب (٢) ، وحُذيفةَ بن اليَمان (٣) .

  10. وقد مَضَى القولُ فيما يجُوزُ من العمَل، وما لا يجُوزُ منهُ في الصَّلاةِ، في بابِ زَيْدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا.

  11. وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على أنَّ على اليَدَينِ عَملًا في الصَّلاةِ تَشْتغِلانِ به فيها، وذلكَ ما وصفَ ابنُ عُمر في الجُلُوسِ، وهيئَتِهِ.

  12. وأمّا القيامُ، فالسُّنَّةُ أن يضَعَ كفَّهُ اليُمْنَى على كُوعِهِ.

  13. وقد قيلَ: إنَّ المقصِدَ في وَضْع كَفِّهِ (٤) اليُمْنَى على كُوعِهِ الأيْسَرِ، تَسْكينُ يَدَيهِ، لأنَّ إرسالهما لا يُؤمَنُ معَهُ العَبَثُ بهما، وذلك أيضًا سُنَّةٌ.

  14. وقد قال ابنُ عُمرَ: اليَدانِ تَسْجُدانِ، كما يَسْجُدُ الوَجْهُ (٥) . فكان يُخرجُ يَدَيهِ في البَرْدِ، فيُباشرُ بهما، ما يُباشرُ بوَجْهِهِ في سجُودِهِ، فكأنَّ ابن عُمرَ قال لهُ: أشْغِلْ يدَيْكَ (٦) بما في السُّنَّةِ من العمَلِ بهما (٧) في الصَّلاةِ (٨) ، ولا تَعْبَث بهما.

  15. وسيأتي القولُ في وضع اليُمنى على اليُسْرَى في قيام الصَّلاةِ، في بابِ عبدِ الكَريم إن شاءَ الله.

    ج ٨ ص ٢٩٤
  16. وما جاءَ في هذا الحديثِ من صِفَةِ الجُلُوسِ، ورُتبةِ اليَدَينِ، على ما وصفَ ابنُ عُمرَ رحِمهُ الله، هُو قولُ مالكٍ، وسائرِ الفُقهاءِ، وعليه العملُ.

  17. وفيه الإشارةُ بالسَّبّاحَةِ والسَّبّابةِ، وكِلاهُما اسمٌ للإصْبَع التي تِلي الإبهامَ.

  18. ورُوي مِثلُ ذلكَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ عامرِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومن حديثِ مالكِ بن نُمَيرٍ الخُزاعيِّ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  19. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابن عَجْلانَ، عن عامرِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلَسَ يدعُو، وضَعَ (٢) يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويدهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، وأشارَ بإصبعِهِ السَّبّابةِ، ووضَعَ إبهامهُ على إصْبعِهِ الوُسْطَى، ويُلقِمُ كفَّهُ اليُسْرَى رُكْبَتَهُ.

  20. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحيم البزّازُ (٤) ، قال: حدَّثنا عفّانُ،

    ج ٨ ص ٢٩٥قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زياد (١) ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عامرُ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعَدَ في الصَّلاةِ، جعَلَ قَدَمهُ اليُسْرَى، تحتَ فَخِذِهِ وساقِهِ، وفرَشَ (٢) قدمَه اليُمنى، ووضَعَ يدَهُ اليُسْرَى على رُكبتِهِ اليُسْرَى، ووضَعَ يَدَهُ اليُمنى على فَخِذِهِ اليُمنى، وأشارَ بإصْبَعِهِ.

  21. ورواهُ ابنُ جُريج، عن زيادِ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن عامرٍ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُشيرُ بإصْبَعِهِ، ولا يُحرِّكُها (٣) .

  22. ورواهُ رَوْحُ بن القاسم، عن ابن عَجْلانَ (٤) بإسنادِهِ، وقال فيه: ووضَعَ يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمنى، وقال بإصْبَعِهِ هكذا، لم يمُدَّها، ولم يَعْقُفها (٥) .

  23. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦) : حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عِصامُ بن قُدامةَ (٧) ، قال: حدَّثنا مالكُ بن نُمَيرٍ الخُزاعيُّ، من أهل البَصْرةِ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ رأى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٨ ص ٢٩٦قاعِدًا في الصَّلاةِ، واضِعًا ذِراعهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، رافِعًا إصْبَعهُ السَّبّابةَ، قد حَناها شيئًا، وهُو يدعُو. ورواهُ جماعةٌ عن عِصام بن قُدامَةَ (١) .

    قال أبو عُمر: لم نَذْكُر في هذا البابِ (٢) إلّا وضَعَ اليَدَينِ على الرُّكْبَتينِ في الجُلُوسِ، وَهيئَتها في ذلكَ، والإشارةَ بالإصْبَع لا غيرُ.

  24. وسنذكُرُ هَيْئةَ (٣) الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، ومن قال: يَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَثْني اليُسْرَى، ويُفضِي بوَرِكِهِ إلى الأرضِ، ومن قال غيرَ ذلك، ونذكُرُ الآثار، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوال، في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.

  25. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، قال: أخبرني عليُّ بن عبدِ الرَّحمنِ المُعاويُّ، قال: صلَّيتُ إلى جَنْبِ ابن عُمرَ، فقلَّبتُ الحَصباءَ، فلمّا انصرفَ، ومرَّةً قال: فرَغَ من صلاتِهِ، قال: لا تَقْلبِ الحَصْباءَ، فإنَّ تَقْليبَ الحَصْباء من الشَّيطانِ، وافْعَلْ كما رأيتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ (٤) . قلتُ: وكيفَ رأيتَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَفْعلُ؟ فوَضَعَ يدهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمنى، وضَمَّ أصابِعَهُ الثَّلاثةَ، ونصبَ السَّبّابةَ، ووضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسرى، وبَسَطها. قال سُفيانُ: وكان يحيى بن سَعيدٍ قد حدَّثنا عنهُ أوَّلًا، ثُمَّ لَقِيتُهُ فسمِعتُهُ منهُ، وزادَني فيه مُسلمٌ، وقال: هي مُدْيَةُ الشَّيطانِ، لا يَسْهُو أحدُكُم ما دامَ يُشيرُ بإصْبَعِهِ، ويقولُ هكذا (٥) .

  26. حديثٌ ثانٍ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ

    مالكٌ (١) ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ كلَّ (٢) جُمُعةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثنينِ، ويوم الخميسِ، فيُغفَرُ لكلِّ عَبْدٍ مُؤمِنٍ، إلّا عبدًا كانت بَيْنهُ وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: اترُكُوا هَذَينِ حتَّى يَفِيئا، أوِ ارْكُوا (٣) هذينِ حتَّى (٤) يفيئا (٥) .

    قال أبو عُمر: هكذا رَوَى يحيى بن يحيى هذا الحديثَ موقُوفًا على أبي هُريرةَ، وتابَعهُ عامَّةُ رُواةِ "المُوطَّأ" وجُمهُورُهُم على ذلكَ (٦) ، ورواهُ ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، مرفُوعًا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بإسنادِهِ هذا، وذكَرْناهُ في كِتابِنا على شَرْطِنا أن نذكُرَ فيه كلَّ ما يُمكِنُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من قولهِ.

    ج ٨ ص ٢٩٧
  27. ومعلُومٌ أنَّ هذا ومِثلهُ، لا يجُوزُ أن يكونَ رأيًا من أبي هُريرةَ، وإنَّما هُو تَوْقيفٌ، لا يشُكُّ في ذلك أحد لهُ أقلُّ فَهْم، وأدنى مَنْزِلةٍ من العِلْم، لأنَّ مِثلَ هذا لا يُدرَكُ بالرَّأيِ، فكيفَ وقد رواهُ ابنُ وَهْب، وهُو من أجلِّ أصحابِ مالكٍ، عن مالكٍ مرفُوعًا، ورُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرفُوعًا من وُجُوهٍ.

  28. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قِراءَةً مِنِّي عليه، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ ومحمدُ بن محمدِ بن أبي دُلَيم وأحمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم ومحمدُ بن يحيى بن عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُمرَ،

    ج ٨ ص ٢٩٨قال: حدَّثنا الحارِثُ بن مِسْكينٍ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال (١) : حدَّثنا مالكٌ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ ... " . فذَكَرهُ حرفًا بحَرْفٍ.

    قال أحمدُ بن خالد: وحدَّثناهُ ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرَهُ (٢) .

  29. وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بن محمد (٣) ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، فذكرهُ بإسنادِهِ مِثلَهُ مرفُوعًا.

  30. وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن جَعْفرٍ الوَكِيعيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن سوّاد (٥) . قال (٦) : وحدَّثنا خَلَف، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أحمد، قال: حدَّثنا مكحُولٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن وَهْب، قال: حدَّثنا عَمِّي عبدُ الله بن وَهْب، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تُعرَضُ أعمالُ النّاسِ في كلِّ جُمُعةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثْنَينِ، ويومَ الخَمِيسِ، فيُغفَرُ لكلِّ مُؤمِنٍ، إلّا عَبْدًا كانت بَيْنهُ وبينَ أخيهِ

    ج ٨ ص ٢٩٩شَحْناءُ، فيُقالُ (١) : اترُكُوا هَذَينِ حتَّى يَفِيئا " (٢) .

  31. وهكذا رواهُ أحمدُ بن صالح، ويونُسُ بن عبدِ الأعْلَى (٣) ، وسُليمانُ بن داودَ (٤) ، كلُّهُم عن ابن وَهْب، مِثلهُ مُسْندًا.

  32. وقد رَوَى معنى هذا الحديثِ مرفُوعًا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مالكٌ (٥) وغيرُهُ، عن سُهَيل (٦) بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  33. وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "شحناءُ " فالشَّحناءُ، العداوةُ.

  34. وأمّا قولُهُ: "اركُوا (٧) هذينِ حتَّى يفيئا ". فمعناهُ، أخِّرُوا هَذينِ حتَّى يَرْجِعا، ويَنْصرِفا إلى الصُّحبةِ، على ما كانا عليه، تقولُ العربُ: أخِّر هذا، وأرْج هذا، وأركِ هذا، كلُّ ذلك بمعنًى واحِد، أي: اترُكهُ، قال ذلك الأصْمَعيُّ، وغيرُهُ (٨) .

  35. وقولُهُ: "حتَّى يَفِيئا" أي: يَرْجِعا ويَتَراجعان، والفيءُ في لسانِ العَرب: الرُّجُوعُ، يُقالُ: فاءَ الظِلُّ، أي: رجَعَ، وفاءَ الرَّجُلُ، أي: رجَعَ، ومِثلُهُ قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: ٢٢٦] أي: فإن رجعُوا إلى ما كانوا عليه من وَطْءِ أزواجِهِم، وحنَّثُوا أنفُسهُم، وقال جلَّ وعزَّ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: ٩] أي: تُراجِع أمرَ الله، وتَرْجِعَ إلى أمْرِ الله.

  36. حديثٌ ثالثٌ لمُسلم بن أبي مَرْيمَ

    مالكٌ (١) ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: نِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، لا يدخُلْنَ الجنّةَ، ولا يجِدنَ ريحَها، وريحُها يُوجَدُ من مَسيرةِ (٢) خمسِ مئةِ سَنةٍ.

    قال أبو عمر (٣) : هكذا رَوَى هذا الحديث يحيى موقُوفًا، من قول أبي هُريرةَ، وكذلك هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جماعة (٤) رُواتِه (٥) ، إلّا ابن نافِع، فإنَّهُ رَواهُ عن مالكٍ بإسْنادِهِ هذا، مرفُوعًا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٨ ص ٣٠٠
  37. ومعلُومٌ أنَّ هذا لا يُمكِنُ أن يكونَ من رأي أبي هُريرةَ، لأنَّ مِثلَ هذا لا يُدرَكُ بالرَّأي، ومُحالٌ أن يقولَ أبو هُريرةَ من رأيه: لا يَدْخُلنَ الجنّةَ، ويُوجَدُ رِيحُ الجنَّةِ من مَسيرةِ كذا. ومِثلُ هذا لا يُسَلَّم (٦) رأيًا، وإنَّما يكونُ تَوْقيفًا، مِمَّن لا يُدفعُ عن عِلْم الغَيْبِ - صلى الله عليه وسلم -.

  38. وقد رُوِيَ عن ابن بُكيرٍ، عن مالكٍ مُسندًا، وفي "المُوطَّأ" عن مالكٍ لابنِ بُكيرٍ غيرُ ذلك.

  39. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا

    ج ٨ ص ٣٠١مالكُ بن أنسٍ، عن مُسلم بن أبي مَرْيمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، لا يَدْخُلنَ الجنّةَ، ولا يجِدْنَ ريحَها، وريحُها يُوجَدُ من مَسيرةِ خمسِ مئةِ سَنة" (١) .

  40. هذا الإسنادُ (٢) لا مطعَنَ فيه عن ابن بُكَيرٍ، وكذلك رواهُ (٣) ابن نافِع.