مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ١ من ٧٩

  1. قال أبو عُمر: يُكْنَى نافِعٌ أبا عبدِ الله.

    قال ابنُ مَعين (٣) : كان دَيْلميًّا. وقال غيرُهُ: كان من أهل أبرشهرَ. وقيلَ: كان أصلُهُ من المغرِبِ، أصابَهُ عبدُ الله بن عُمرَ في غزاتِهِ.

    ج ٨ ص ٣٣٣
  2. وكان ثِقةً حافِظًا، ثبتًا فيما نقلَ، وكانت فيه لُكنةٌ، وكان يلحنُ أيضًا مع ذلكَ لحنًا كثيرًا. ذكَرَ مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن ابن عَوْنٍ قال: كانت في نافِع لُكنةٌ.

  3. وذكر الواقِديُّ قال: حَدَّثَنِي نافِعُ بن أبي نُعيم، وإسماعيلُ بن إبراهيمَ بن عُقبةَ، وأبو مَرْوان عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ بن أبي فَرْوةَ، قالوا: كان كِتابُ نافِع الذي سمِعَ من عبدِ الله بن عُمر في صَحِيفةٍ، فكُنّا نقرؤُها عليه، فنقُولُ: يا أبا عبدِ الله، إنّا (٤) قد قَرَأنا عليكَ، فنقُولُ: حَدَّثَنَا نافِعٌ. فيقولُ: نعم (٥) .

    قال: وسمِعتُ نافِع بن أبي نُعَيم يقولُ: من أخبركَ أنَّ أحدًا من أهلِ الدُّنيا قَرَأ عليه نافِعٌ، فلا تُصدِّقهُ، كان ألحنَ من ذلك (٦) .

    قال أبو عُمر: قد رَوَينا عن سُليمانَ بن موسى، قال: رأيتُ نافِعًا مولى ابن عُمرَ يُملَى عليه، ويُكتَبُ بين يديهِ.

  4. وذكر حمّادُ بن زيدٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ بعثَ نافِعًا إلى أهل مِصرَ يُعلِّمُهُمُ السُّننَ (١) .

    ج ٨ ص ٣٣٤
  5. وكان مالكٌ يقولُ: نشرَ نافِعٌ عن ابن عُمر عِلمًا جمًّا.

    وقال ابنُ عُيينةَ: أيُّ حديثٍ أوثقُ من حديثِ نافِعٍ!

    وقال يحيى بن مَعين: أثبتُ أصحابِ نافِع فيه (٢) : مالكُ بن أَنَسٍ، هُو عِندي أثبتُ من عُبيدِ الله بن عُمر، وأيُّوب.

    وقال يحيى بن سعيدٍ القطّانُ: أثبتُ أصحابِ نافِع؛ أيُّوبُ، وعُبيدُ الله، وابنُ جُريج، ومالكٌ. قال: وابنُ جُريج أثبتُ في نافِع من مالكٍ.

    قال أبو عُمر: هؤُلاءِ الثَّلاثةُ: عُبيدُ الله، ومالكٌ، وأيُّوبُ، أثبتُ النّاسِ في نافِع عندَ النّاسِ، وابنُ جُريج رابِعُهُم، إلّا أنَّ القطّان يُفضِّلُهُ، وليسَ يلحقُ بهؤُلاءِ الثَّلاثةِ في نافِع عندَهُم إذا خالفُوهُ.

  6. حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الميمُونِ، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرعةَ، قال (٣) : سمِعتُ سُليمانَ بن حَرْبٍ يقولُ: قال يحيى وعبدُ الرَّحمنِ بن مهديّ: عُبيدُ الله ومالكٌ أثبتُ من أيُّوب في نافِع. ثُمَّ تعجَّب.

  7. حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الميمُونِ، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرعةَ، قال (٤) : سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يُسالُ: من أثبتُ في نافِع: عُبيدُ الله، أم (٥) مالكٌ، أم (٦) أيُّوبُ؟

  8. فقدَّم عُبيد الله بن عُمر، وفضَّلهُ بلقاءِ سالم والقاسم (١) . قلتُ لهُ: فمالكٌ بعدهُ؟ قال: إنَّ مالكًا أثبتُ. قلتُ: فإذا اختلفَ مالكٌ وأيُّوب؟ فتوقَّف، وقال: ما نَجْترِيءُ على وأيُّوب. ثُمَّ عادَ في ذِكرِ عُبيدِ الله ففَضَّلهُ، وقال: شيخٌ من أهلِ البَلدِ جليلٌ. فقلتُ لهُ: إنَّهُم يُحدِّثُونَ عن شُعبةَ، قال: قدِمتُ المدينةَ بعد موتِ نافِع بسنةٍ، ولمالكٍ يَومَئذٍ حَلْقةٌ. أثبَتَ ذلك؟ قال: نعم.

    وقال الواقِديُّ: مات نافِعٌ بالمدينةِ سنةَ سبعَ عشْرَةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملك (٢) .

    ج ٨ ص ٣٣٥
  9. وذكَرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالح المِصْريُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إدريسَ الشّافِعيُّ، قال: أخبرني عَمِّي محمدُ بن عليِّ بن شافِع (٣) ، قال: شهِدتُ القاسم وسالمًا وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فقال كلُّ (٤) واحِدٍ منهُما لصاحبِه: تقَدَّمْ أنت أسنُّ، فتَدافَعاها، حتَّى قدَّما نافِعًا.

    قال: وحَدَّثَنَا بشرُ بن عُمر، قال: سمِعتُ مالكَ بن أَنَسٍ يقولُ: كُنتُ إذا سمِعتُ نافِعًا يُحدِّثُ حديثًا عن ابن عُمرَ، لم أُبالِ ألّا أسمعَهُ من غيم.

  10. لمالكٍ عنهُ في "موطَّئه" من حديثِ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمانُونَ حديثًا.

  11. حديثٌ أوَّلُ لنافِع، عن ابن عُمر

    مالكٌ (١) ، عن نافِع وعبدِ الله بن دينار، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سَألَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صَلاةِ اللَّيل، فقال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيلِ (٢) مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبحَ، صَلَّى رَكْعةً واحِدةً تُوتِرُ لهُ ما قد صَلَّى" (٣) .

    ج ٨ ص ٣٣٦
  12. لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في هذا الحديثِ، وكلُّ من رواهُ عنهُ فيما عَلِمتُ

    من رُواةِ "المُوطَّأ" وغيرِهِم، هكذا قالوا فيه عنهُ: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنى" (٤) ، إلّا الحُنَينيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ رَوَى هذا الحديث عن مالكٍ والعُمريِّ، جميعًا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنى مَثْنى" . فزادَ فيه ذِكرَ النَّهارِ، وذلكَ خطأٌ عن مالكٍ، لم يُتابِعهُ أحَدٌ عنهُ على ذلك.

  13. والحُنينيُّ ضعيفٌ، كثيرُ الوَهَم والخَطأ.

  14. والعُمَريُّ هذا، هُو عبدُ الله بن عُمرَ بن حَفْصِ بن عاصِم بن عُمرَ بن الخطّابِ، أخُو عُبيدِ الله بن عُمرَ، ضعيفٌ أيضًا، ليسَ بحُجَّةٍ عندَهُم، لتَخْليطِهِ في حِفْظِهِ.

  15. فأمّا أخُوهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، فثِقةٌ، أحدُ الجِلَّةِ من أصحابِ نافِع.

  16. ورِوايةُ عُبيدِ الله بن عُمرَ لهذا الحديثِ عن نافِع، كرِوايةِ مالك: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى" . لم يذكُر: النَّهار. وكذلك رِوايةُ أيُّوب السَّختيانيِّ لهُ أيضًا عن نافِع، لم يذكُر: النَّهار.

  17. وهؤُلاءِ الثلاثة (١) هُمُ الحُجَّةُ في نافِع.

    ج ٨ ص ٣٣٧
  18. فأمّا رِوايةُ عُبيدِ الله؛ فحَدَّثَنَا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالد بن سعد (٢) ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عَمرو (٣) بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَنْجرَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، عن عُبيدِ الله، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: سألَ رجُلٌ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهُو على المِنْبرِ عن صَلاةِ اللَّيل، فقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصبحَ، صلَّى واحِدةً، فأوتَرَتْ لهُ ما قد صَلَّى" (٤) .

  19. وأمّا رِوايةُ أيُّوب؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن يزيدَ المُعلِّمُ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن محمدٍ، عن إسماعيلَ ويزيدَ بن زُريع، جميعًا عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكر مِثلهُ سَواءً (٥) . لم يذكُر: النَّهار.

  20. ولا يصِحُّ عن نافِع في هذا الحديثِ غيرُ ذلك. وكذلك عبدُ الله بن دينارٍ، لا (٦) يصِحُّ عنهُ غيرُ ذلك أيضًا، كما قال مالكٌ عنهُ.

  21. حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ، قال (١) : حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ يقولُ: سَمِعتُ رَجُلًا يسألُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهُو على المِنْبر: كيفَ يُصلِّي أحدُنا باللَّيل؟ فقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ، تُوتِرْ لكَ ما مَضَى من صلاتِكَ" . قال سُفيانُ: وهذا أجودُها.

    قال أبو عُمر: عندَ سُفيان بن عُيينةَ في هذا الحديثِ أسانيدُ، منها:

    عَمرُو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عُمرَ (٢) .

    ج ٨ ص ٣٣٨
  22. وعبدُ الله بن أبي لَبيدٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن ابن عُمرَ (٣) .

  23. والزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (٤) .

    وقال في حديثِهِ هذا: عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ أجودُها.

  24. وذلك، لأنَّ فيه: سمِعتُ، وحَدَّثَنَا، ولأنَّهُ فيه أعلى من غيرِهِ، واللّه أعلمُ.

  25. وليس لمالكٍ هذا الحديثُ عن الزُّهريِّ، إلّا من رِوايةِ الوليدِ بن مُسلم خاصَّةً.

    ج ٨ ص ٣٣٩
  26. وقد رَوَى هذا عن ابن عُمر جماعةٌ، منهُم: نافِعٌ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وسالم، وطاوُوسٌ، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومحمدُ بن سيرين، وحَبِيبُ بن أبي ثابتٍ، وحُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وعبدُ الله بن شقِيقٍ، كلُّهُم قال فيه: عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" (١) . لم يذكُرُوا النَّهار.

  27. ورواهُ عليُّ بن عبدِ الله الأزديُّ البارِقيُّ، عن عبدِ الله بن عُمرَ (٢) ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣) . فزادَ فيه ذِكرَ: النَّهارِ. ولم يَقُلهُ أحدٌ عن ابن عُمرَ غيرُهُ، وأنكرُوهُ عليه.

  28. واختلَفَ الفُقهاءُ في صلاةِ التَّطوُّع باللَّيل والنَّهارِ (٤) : فقال مالكٌ واللَّيثُ بن سَعدٍ، والشّافِعيُّ، وابنُ أبي ليلي، وأبو يُوسُف، ومحمدُ بن الحسن: صَلاةُ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنى. وهُو قولُ أبي ثورٍ، وأحمد بن حَنْبل (٥) .

    وقال أبو حنيفةَ والثَّوريُّ: صلِّ باللَّيل والنَّهارِ، إن شِئتَ ركعتينِ، وإن شِئتَ أربعًا، أو سِتًّا، أو ثمانيًا.

    وقال الثَّوريُّ: صلِّ ما شِئتَ بعد أن تقعُدَ في كلِّ رَكْعتينِ. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ.

    ج ٨ ص ٣٤٠وقال الأوزاعيُّ: صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، وصَلاةُ النَّهارِ أربعًا. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ. ذكَرَه (١) ابنُ أبي عَرُوبةَ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثْنَى، والنَّهارِ أربعُ رَكَعاتٍ، إن شاءَ لا يُسلِّمُ إلّا في أَخِرِهِنَّ (٢) .

    وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سَمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمد بن حَنْبل، يُسألُ عن صَلاةِ اللَّيلِ والنَّهارِ في النّافِلةِ، فقال: أمّا الذي أختارُ، فمَثْنَى مَثْنى، وإن صلَّى أربعًا، فلا بأسَ، وأرجُو أن لا يُضيَّقَ عليه. فذُكِرَ لهُ حديثُ يَعْلى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزْدِيِّ، فقال: لو كان ذلك الحديثُ يثبُتُ، ومع هذا حديثُ ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُصلِّي رَكْعتينِ في تَطوُّعِهِ بالنَّهارِ: رَكْعتينِ (٣) قبلَ الظُّهرِ، وركعتينِ بعدها، والفِطْرَ (٤) ، والأضْحَي، وإذا دخَلَ المسجدَ صلَّى رَكْعتينِ، فهذا أحبُّ إليَّ، وإن صلَّى أربعًا، فقد رُوِيَ عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُصلِّي أربعًا بالنَّهار (٥) .

    وقال ابنُ عَوْن: قال لي نافِع: أمّا نحنُ فنُصلِّي بالنَّهارِ أربعًا. قال: فذَكَرتُهُ لمحمدٍ، فقال: لو صلَّى مَثْنَى، كان أجْدَرَ أن يُحفَظ.

  29. وحَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو طالبٍ محمدُ بن زكريّا المَقْدِسيُّ ببيتِ المَقْدِسِ، قال: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ مُضرُ بن محمدٍ، قال: سألتُ يحيى بن مَعينٍ عن صَلاةِ اللَّيل والنَّهارِ، فقال: صَلاةُ النَّهارِ أربعٌ، لا يُفصَلُ بينهُنَّ، وصَلاةُ اللَّيل رَكْعتان. فقلتُ لهُ: إنَّ أبا عبدِ الله أحمد بن حَنْبل يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى

    ج ٨ ص ٣٤١مَثْنى. فقال: بأيِّ حديثٍ؟ فقلتُ: بحديثِ شُعبَةَ، عن يَعْلَى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزديِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (١) . فقال: ومن عليٌّ الأزديُّ حتَّى أقبلَ منهُ هذا، أدعُ يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريَّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يتَطوَّعُ بالنَّهارِ أربعًا، لا يفصِلُ بينهُنَّ، وأَخُذُ بحديثِ عليٍّ الأزديِّ؛ لو كان حديثُ عليٍّ الأزديِّ صحيحًا، لم يُخالفهُ ابنُ عُمر (٢) . قال يحيى: وقد كان شُعبةُ يتَّقي (٣) هذا الحديث، ورُبَّما لم يَرْفعهُ.

    قال أبو عُمر: قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" : خرجَ (٤) على جَوابِ السّائل، كأنهُ قال لهُ: يا رسُولَ الله كيفَ نُصلِّي باللَّيل؛ فقال: مَثْنَى مَثْنَى، ولو قال لهُ: بالنَّهار: جازَ أن يقولَ له (٥) كذلك أيضًا مَثْنَى مَثْنَى، وما خرجَ على جَوابِ السّائل فليسَ فيه دليلٌ على ما عداهُ، وسكتَ عنهُ؛ لأنَّهُ جائز أن يكونَ مِثلهُ، وجائز أن يكونَ بخِلافِهِ.

  30. وهذا أصَلٌ عَظِيم من أُصُولِ الفِقهِ، فصَلاةُ النَّهارِ موقُوفة على دَلائلها، فمِن الدَّليلِ على أنَّها وصلاةَ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى جميعًا: أَنَّهُ قد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قال: "الصلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشهُّدٌ في كلِّ ركعتَيْنِ" ، لم يخُصَّ ليلًا من نهار (٦) .

  31. حَدَّثَنَاهُ (٧) عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داود،

    ج ٨ ص ٣٤٢قال (١) : حَدَّثَنَا محمدُ بن المُثنَّي، قال: حَدَّثَنَا مُعاذٌ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عبدِ ربِّهِ بن سَعيد (٢) ، عن أنسِ بن أبي أَنَسٍ، عن عبدِ الله بن نافِع، عن عبدِ الله بن الحارِثِ، عن المُطَّلبِ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشهُّدٌ (٣) في كلِّ ركعتَيْنِ" ، وذكر الحديث.

  32. ورواهُ اللَّيثُ عن عبدِ ربِّهِ، فخالَفَ شُعبَةَ في إسنادِهِ، وقد ذكَرْنا حديث اللَّيثِ في بابِ موسى بن مَيْسرةَ (٤) .

  33. ودليلٌ آخرُ، وهُو ما رَواهُ عليُّ بن عبدِ الله الأزديُّ البارِقيُّ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّهُ قال: "صَلاةُ اللَّيل والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" . فزادَ زيادةً لا تَدْفعُها الأُصُولُ وتعضُدُها فُتيا ابن عُمرَ، الذي رَوَى الحديث، وعلِمَ مخرجهُ، فإنَّهُ كان يُفتي بأنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والنَّهار: مَثْنَى مَثْنَى.

  34. حَدَّثَنَا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥) : حَدَّثَنَا وكيعٌ وغُندَرٌ، عن شُعبَةَ، عن

    ج ٨ ص ٣٤٣يعلَى بن عَطاءٍ، عن عليٍّ الأزْدِيِّ، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ، رَكْعتينِ رَكْعتين (١) " . وقال غُندرٌ: مَثْنَى مَثْنَى.

  35. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ عليًّا الأزديَّ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ يُحدِّثُ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ" (٢) .

  36. وذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٣) أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ عبد الله بن عُمرَ كان يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسلِّمُ من كلِّ رَكْعتينِ. فهذه فتيا ابن عُمرَ، وهُو رَوَى عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى" ، وعلِمَ مَخْرجهُ، وفهِمَ مُرادهُ.

  37. وحديثُ مالكٍ هذا، وإن كان من بَلاغاتِهِ، فإنَّهُ مُتَّصِلٌ عن ابن عُمرَ، رواهُ ابنُ وَهْب، قال (٤) : أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، عن بُكَيرِ (٥) بن عبدِ الله بن الأشجِّ، [عن ابن أبي سلَمَة] (٦) ، أنَّ محمد بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ يقولُ: صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى. يعني التَّطوُّع.

  38. ومن الدَّليلِ أيضًا على أنَّ صلاةَ النَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، كصلاةِ اللَّيل سواءٌ: أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدها رَكْعتينِ، وبعدَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ، وبعد المغرِبِ رَكْعتين (١) ، ورَكْعتي الفَجْر (٢) . وكان إذا قدِمَ من سَفرٍ صَلَّى في المَسجدِ رَكْعتينِ قبلَ أن يدخُل بيتهُ (٣) . وصلاةُ: الفِطْرِ، والأضْحَى (٤) ، والاسْتِسقاء (٥) ، وقال: "إذا دخَلَ أحدُكُمُ المَسجدَ، فليَرْكع رَكْعتين" (٦) . ومِثلُ هذا كثيرٌ.

    ج ٨ ص ٣٤٤
  39. ودليلٌ آخرُ: أنَّ العُلماءَ لمّا اختلَفُوا في صَلاةِ النّافِلةِ بالنَّهارِ، وقامَ الدَّليلُ على حُكم صَلاةِ النّافِلةِ باللَّيل، وجبَ ردُّ ما اختلفُوا فيه، إلى ما أجمعُوا عليه، قياسًا.

  40. واختلَفَ العُلماءُ القائلُونَ بأنَّ صَلاةَ اللَّيل يُجلَسُ في كلِّ رَكْعتينِ منها، في قول رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" : هل يَقْتضي مع الجُلُوسِ تَسْليمًا، أم لا؟ فقال منهُم قائلُونَ: لا يَقْتضي قولُهُ هذا إلّا الجُلُوسَ دُونَ التَّسليم، فمن شاءَ أوتَرَ بثلاثٍ، ومن شاءَ أوتَرَ بخَمْس، ومن شاءَ أوتَرَ بسبع، ومن شاءَ أوتَرَ بتِسع، ومن شاءَ أوتَرَ بإحدى عَشْرةَ ركعةً، لا يُسلِّمُ إلّا في أَخِرِهِنَّ.