مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ١٣ من ٧٩

  1. وأبو إسحاقَ مع فَضْلِهِ، وأبو حُذيفةَ، يُخطِئانِ كثيرًا في الحديثِ.

    ج ٨ ص ٤٧٥
  2. فأمّا محمدُ بن إسحاقَ فأوضَحَ هذا المعنى، إلّا أنَّهُ جعَلَ القاسم لهذه القِسْمةِ، رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ تَنْفيلِ أميرِهِم إيّاهُمُ البَعِيرَ.

  3. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا يَعْلَى بن عُبيدٍ الطَّنافِسيُّ، قال حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَريَّةٍ، فأصَبْنا نَعَمًا كثيرةً، فنُفِّلْنا بَعِيرًا بعيرًا، فلمّا قَدِمنا، أعْطانا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سُهماننا، فأصابَ كلُّ واحدٍ

    ج ٨ ص ٤٧٦مِنّا اثنَيْ عشَرَ بَعِيرًا، سِوَى البَعِيرِ الذي نُفِّلَ، فما عابَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما صَنَعنا، ولا على الذي أعْطانا (١) .

  4. وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا هنّادُ بن السَّريِّ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ بن سُليمان، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: بعَثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سريَّةً إلى نَجْدٍ، فخرَجتُ معَها، فأصَبْنا نَعَمًا كثيرةً، فنَفَّلنا أميرُنا بعيرًا بعيرًا، لكلِّ إنسانٍ. قال: ثُمَّ قَدِمنا على رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقَسَمَ بَيْننا غَنِيمَتَنا، فأصابَ كُلُّ إنسانٍ مِنّا اثنَيْ عشَرَ بعيرًا بعدَ الخُمسِ، وما حاسَبَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي أعْطانا صاحِبُنا، ولا عابَ عليه ما صنَعَ، فكان لكلِّ واحدٍ مِنّا ثَلاثةَ عشَرَ بعيرًا بنَفْلِهِ.

    قال أبو عُمرَ: ظاهِرُ هذه الرِّواياتِ كلِّها عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَة أنَّ سُهمانهُم وقِسمَتَهُم ونَفْلَهُم كان من أميرِهِم، وأنَّهُ نفَّلهم بعد القِسْمةِ، وهذا يُوجِبُ أن يكونَ النَّفلُ من الخُمسِ، على هذا يتَّفِقُ ظاهِرُ معنى هذا (٣) الحديثِ في رِوايةِ مالكٍ، واللَّيثِ، وشُعَيبِ بن أبي حَمْزةَ، وإسماعيلَ بن أُميَّةَ، وعُبيدِ الله بن عُمر، وأيُّوبَ السَّخْتيانيِّ.

  5. وخالَفهُم محمدُ بن إسحاقَ، فجعَلَ النَّفل من رأسِ الغَنِيمةِ، ثُمَّ جعَلَ القِسمةَ بعدُ، وقولُ هؤُلاءِ أولَى من قولِ محمدِ بن إسحاقَ، لأنَّهُم جماعةٌ حُفّاظٍ.

  6. واتَّفقَ هؤُلاءِ كلُّهُم على أنَّ الذي حصَلَ في السُّهمانِ لأهلِ السَّريَّةِ سِوَى البَعيرِ الذي نُفِّلُوا، اثْنا عشَرَ بعيرًا، لم يَشُكَّ في ذلك أحدٌ من الرُّواةِ عن نافِع، غير مالكٍ وحدَهُ.

  7. وكذلك اتَّفقُوا كلُّهُم عن نافِع في هذا الحديثِ، على أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَثَ السَّريَّةَ، وأنَّ سُهمان أهلِ السَّريَّةِ، هي السُّهمانُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، وأنَّهُم نُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا مع ذلك. حاشا شُعَيبِ بن أبي حمزةَ وحدَهُ، فإنَّهُ انفردَ بأن قال: بعَثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَيْشًا قِبَلَ نَجْدٍ، فانْبَعثت منهُ هذه السَّريَّةُ. فجعَلَ السَّريَّةَ خارِجةً من العسكرِ، وليس ذلك في حديثِ غير، وإنَّما قال غيرُهُ: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَثَ سريَّةً.

    ج ٨ ص ٤٧٧
  8. وبيَّن الوليدُ بن مُسلِم هذا المعنى عن شُعَيبٍ، فقال في حديثهِ هذا: بعَثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ نَجْدٍ أربعةَ آلافٍ، فانْبَعثت منهُ هذه السَّريَّةُ. وقال شُعيبٌ أيضًا: إنَّ سُهمان ذلكَ الجيشِ كان اثنَيْ عشَرَ بعيرًا، اثني عشَر بعيرًا، ونُفِّلَ أهلُ السَّريَّةَ خاصَّةً بعيرًا بعيرًا.

  9. وهذا لم يقُلهُ غيرُهُ، وإن كان المعنى فيه صحيحًا، لأنَّهُ (١) لا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ السَّريَّةَ إذا خَرَجت (٢) من العَسْكرِ فغَنِمت، أنَّ أهل العَسْكرِ شُركاؤُهُم فيها، إلّا أنَّ هذه مَسْألةٌ وحُكمٌ لم يذكُرهُ في هذا الحديثِ غيرُ شُعَيبِ بن أبي حمزةَ، عن نافِع، إلى ما انفردَ به شُعيبٌ أيضًا، من أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَثَ جيشًا، فانْبَعثَتْ منهُ تلكَ السَّريَّةُ. ولم يذكُرِ الإذنَ لها، ولهذا، والله أعلمُ قال ابنُ المُباركِ للوليدِ بن مُسلِم: إنَّ شُعيبًا هذا ومن ذُكِرَ مَعهُ، يعني ابن أبي (٣) فَرْوةَ (٤) ، لا يُعدَلُ بمالكِ بن أنَس. وصدقَ ابنُ المُباركِ.

    قال أبو عُمرَ: فهذا تمهيدُ نَقْلِ هذا الحديثِ، وتهذيبُ إسنادِهِ وألفاظِهِ.

  10. وأمّا مَعانيهِ، فإنَّ فيه من الفِقهِ: إرسالَ (١) السَّرايا إلى أرضِ العدُوِّ، وذلك عندَ أهلِ العِلْم مردُودٌ إلى إذْنِ الإمام واجْتِهادِهِ، على قَدْرِ ما يعلمُ من قُوَّةِ العَدُوِّ وضعفِهِ.

    ج ٨ ص ٤٧٨
  11. وفيه: أنَّ ما يَحصُلُ عليه المُسلِمُون ويُفيدُونَهُ من أموالِ العدُوِّ، يُسمَّى غَنِيمةً، وفي هذا ومِثلِهِ قال الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآيةَ [الأنفال: ٤١] .

  12. وفيه: أنَّ ما غَنِمهُ المُسلِمُونَ من أموالِ المُشْرِكينَ يُقْسَمُ بينهُم بعدَ إخراج خُمُسِهِ سُهمانًا، وما حصَلَ من ذلك بأيديهِم، فهُو مالٌ من أموالِهم، من أطْيَبِ كسبِهِم، إذا سلِمَ من الغُلُولِ، وأُخرِجَ خُمُسِه (٢) .

  13. وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} دليلٌ على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الغَنائم لأهْلِها الغانِمين لها، والمُوجِفينَ (٣) عليها بالخيلِ (٤) والرِّكاب والرَّجْلِ، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لمّا أضافَ الغَنِيمةَ إليهم بقولِهِ: {غَنِمْتُمْ} ، وأخبَرَ أنَّ الخُمسَ خارِجٌ عنهُم لمن سَمَّى في الآيةِ، علِمَ العُلماءُ استِدلالًا ونَظَرًا صحيحًا، أنَّ الأربعةَ الأخْماسِ المسكُوتِ عنها لهم، وأنَّها (٥) مقسُومةٌ بينهُم، وهذا ما لا خِلافَ فيه، ألا ترَى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: ١١] فلمّا جعَلَ الأبوَينِ الوارثينِ، وأخبَرَ أنَّ للأُمِّ الثُّلُث، اسْتَغْنى عن أن يقول: وللأبِ الثُّلُثانِ.

  14. وفيه: أنَّ للإمام، وللأميرِ على الجَيْشِ، أن يُنفِّلَ من الغَنائم ما شاءَ، على قَدْرِ اجتِهادِهِ.

    ج ٨ ص ٤٧٩
  15. وفي رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ مِمَّن تابَعهُ على هذا الحديثِ، ما يدُلُّ على أنَّ النَّفلَ لم يكُن من رأسِ الغَنِيمةِ، وإنَّما كان من الخُمُسِ.

  16. وفي رِوايةِ محمدِ بن إسحاقَ، ما يدُلُّ على أنَّ ذلك كان من رأسِ الغَنيمةِ، ومالك (١) أثبت وأحفظ وقد تابعه حُفّاظ أئمة الحديث، والقلب يسكن إلى روايتهم.

  17. وهذا موضِعٌ اختَلَف فيه العُلماءُ، وتنازَعُوا قديمًا وحديثًا (٢) .

  18. والنَّفلُ يكونُ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها أن يُريد الإمامُ تَفْضيلَ بعضِ الجيشِ، لشيءٍ يَراهُ من غَنائهِ (٣) وبأسِهِ وبلائهِ، أو لمكرُوهٍ تَحمَّلهُ دُونَ سائرِ الجَيْشِ، فيُنَفِّلهُ من الخُمُسِ، لا من رأسِ الغَنيمةِ، أويجعلُ لهُ سَلَب قتيلِهِ.

  19. وسيأتي القولُ في سَلَبِ القتيلِ، في بابِ يحيى بن سعيدٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.

  20. والوَجْهُ الآخرُ: أنَّ الإمامَ إذا بعَثَ سريَّةً من العَسْكرِ، فأرادَ أن يُنَفِّلها مِمّا غَنِمَت دُونَ أهلِ العَسْكرِ، فحقُّهُ أن يُخمِّس ما غَنِمت، ثُمَّ يُعطي السَّريَّةَ مِمّا بَقِي بعد الخُمُسِ ما شاءَ، رُبعًا، أو ثُلُثًا، ولا يزيدُ على الثُّلُثِ، لأنَّهُ أقْصىَ ما رُوِيَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَفَّلهُ، ويَقْسِمَ الباقي بين جَميع أهلِ العَسْكرِ، وبين السَّريَّةِ على السَّويَّةِ، للفارِسِ ثلاثةُ أسهُم، وللرّاجِلِ سَهْمٌ واحدٌ.

  21. والوجهُ الثّالثُ: أن يُحرَّضَ الإمامُ، أو أميرُ الجَيْشِ أهل العَسْكرِ على القِتالِ قَبْل لقاءِ العدُوِّ، ويُنفِّل جميعهُم مِمّا يصيرُ بأيديهِم، ويفتحهُ الله عليهم: الرُّبُع، أوِ الثلُثَ قبلَ القَسْم، تحريضًا منهُ على القِتالِ.

    ج ٨ ص ٤٨٠
  22. وهذا الوجهُ كان مالكٌ يَكْرهُهُ ولا يراهُ.

  23. وكان يقولُ: قِتالُهُم على هذا الوجهِ، إنَّما يكونُ للدُّنيا (١) . وكان يكرَهُ ذلك ولا يُجيزُهُ، وأجازَهُ جماعةٌ من أهلِ العِلم.

  24. وأمّا اختِلافُهُم في هذا البابِ، فإنَّ جُملةَ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أن لا نفلَ إلّا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمةِ، ولا نفلَ إلّا من الخُمُسِ، والنَّفلُ عندَهُم أن يقولَ الإمامُ: من قتَلَ قتيلًا فلَهُ سلَبُهُ. قال مالكٌ: ولم يقُلها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلّا بعدَ أن بَرَدَ القِتالُ. وكرِهَ مالكٌ أن يُقاتِلَ أحدٌ على أنَّ لهُ كذا (٢) .

  25. ومِن الحُجَّةِ لمالكٍ في ذلك، ما رَواهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، وابنُ أبي شيبةَ، عن زيدِ بن الحُبابِ، عن رَجاءِ بن أبي سَلَمةَ، قال: سمِعتُ عَمرو بن شُعيبٍ يُحدِّثُ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: لا نفلَ بعدَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، يَرُدُّ قويُّ المُسلِمينَ على ضعيفهِم. قال رجاءٌ (٣) : سَمِعْتُ سُليمان بن موسى الدِّمشقيَّ، وهُو معنا جالِسٌ يقولُ: سَمِعتُ مكحُولًا يقولُ، عن زيادِ (٤) بن جاريةَ، عن حَبيبِ بن مَسْلَمةَ (٥) :

    ج ٨ ص ٤٨١أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نفَّل في البَداءةِ الرُّبُع، وحينَ قفَلَ الثُّلُث. فقال عَمرُو بن شُعيب: تُراني أحدِّثُكَ عن أبي، عن جدِّي، وتُحدِّثُني عن مَكْحُول (١) .

  26. ففي حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ هذا: أن لا نفلَ، ليرُدَّ قَويُّ المُسلِمينَ على ضعيفِهِم. وهُو حُجَّةٌ لمالكٍ، وأمّا السَّلَبُ بعدَ أن يبرُد القِتالُ، فمَخصوصٌ (٢) ومعمُولٌ به، لما فيه من حَديثِ أبي قَتادةَ (٣) وغيم، والله أعلمُ.

  27. ورأى مالكٌ رحِمهُ الله تَنْفيلَ السَّلَبِ من الخُمُسِ (٤) ، لأنَّ الخُمُسَ مردُودٌ قِسْمتُهُ عندَهُ إلى اجتِهادِ الإمام، وأهلُهُ غيرُ مُعيَّنين، ولم يَرَ النَّفلَ من رأسِ الغَنِيمةِ، لأنَّ أهلها مُعيَّنُونَ، وهُمُ الموجِفُونَ.

    وقال الشّافِعيُّ: جائزٌ للإمام أن يُنَفِّلَ قبلَ إحْرازِ الغَنيمةِ وبَعْدها، على وَجْهِ الاجتِهاد (٥) .

    قال الشّافِعيُّ: وليسَ في النَّفلِ حَدٌّ. قال: وقد رَوَى بعضُ الشّاميِّينَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نفَّلَ في البَداءةِ والرَّجْعةِ الثُّلُث في واحدةٍ، والرُّبُع في الأُخْرَى.

    وقال: في رِوايةِ ابنِ عُمرَ ما يدُلُّ على أنَّهُ نفَّلَ نِصفَ السُّدُسِ.

    قال: فهذا يدُلُّ على أنَّهُ ليسَ للنَّفلِ حَدٌّ لا يَتَجاوزُهُ الإمامُ، وأكثرُ مَغازي رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُن فيها إنفالٌ، قال: فيَنْبغي أن يكونَ ذلكَ على الاجتِهادِ من الإمام غير محدُود (٦) .

    ج ٨ ص ٤٨٢قال الشّافِعيُّ (١) : وحديثُ ابنِ عُمرَ يدُلُّ على أنَّهُم أُعطُوا في سُهمانِهِم ما يجِبُ لهم مِمّا أصابُوا، ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بعيرًا، والنَّفلُ هُو شيءٌ زيدُوهُ غيرُ الذي كان لهم.

    قال (٢) : وقولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ: كان النّاسُ يُعطَونَ النَّفل من الخُمُس (٣) . كما قال، وذلك من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهمُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    قال: وأمّا السَّلَبُ فيَخرُجُ من رأسِ الغَنيمةِ قبلَ أن يُخمَّسَ.

  28. وكان أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام يقولُ في حديثِ ابنِ عُمر هذا: النَّفلُ الذي ذكرَهُ بعد السِّهام، ليسَ لهُ وجهٌ، إلّا أن يكون من الخُمُس (٤) .

    وقال غيرُهُ: النَّفلُ الذي في خَبرِ ابنِ عُمر، إنَّما هُو تَنْفيلُ السَّرايا، كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُنَفِّلُ في البَداءةِ الثُّلُث والرُّبُع، الذي كان يُنفِّلُ في القُفُولِ.

    قال أبو عُمرَ: هذا يُخرَّجُ على رِوايةِ محمدِ بن إسحاقَ نصًّا، دُونَ غيرِهِ، من رُواةِ نافِع، وقد يُخرَّجُ تأويلًا من رِوايةِ شُعَيب، والحديثُ الذي ذكَرَ هذا القائلُ، قد زعَمَ عليُّ بنُ المدينيِّ، أنَّ الصَّحيح فيه: أنَّهُ نفَّلَ في البداءةِ الرُّبُع، وفي القَفْلةِ الثُّلُثُ. وضعَّفَ رِوايةَ من رَوَى في هذا الحديثِ عن مَكْحُول، عن زيادِ بن جاريةَ، عن حَبيبِ بن مَسْلمةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نفَّلَ الثُّلُث في بَدَأتِه (٥) .

  29. وقال أبو ثَوْرٍ، وذكَرَ نفلَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في البَداءةِ والرُّجُوع، وحديثُ ابنِ عُمرَ هذا، ثُمَّ قال: وإنَّما النَّفلُ قبلَ الخُمُس (١) .

    وقال الأوزاعيُّ وأحمدُ بن حَنْبل: جائزٌ للإمام أن يُنفِّلَ في البَداءةِ الرُّبُع بعدَ الخمُسَ، وفي الرَّجعةِ الثُّلثُ بعدَ الخُمُسِ. وهُو قولُ الحَسنِ البصريِّ (٢) ، وجَماعةٍ.

    وقال النَّخعيُّ: كان الإمامُ يُنفِّلُ السَّريَّةَ (٣) الثُّلُث والرُّبُع، يُضَرِّيهِم (٤) ، أو قال: يُحرِّضُهُم بذلكَ على القِتال (٥) .

    وقال مَكْحُولٌ والأوزاعيُّ: لا يُنفِّلُ بأكثرَ من الثُّلثِ. وهُو قولُ الجُمهُورِ من العُلماءِ: لا نفلَ أكثرُ من الثُّلثِ.

    وقال الأوزاعيُّ: فإن زادَهُم على ذلك فلْيَفِ لهم به، ويجعل ذلك من الخُمُس.

    وقال الثَّوريُّ في أميرٍ أغارَ، فقال: من أخذَ شيئًا، فهُو لهُ. هو (٦) كما قال، ولا بأسَ أن يقول الإمامُ: من جاءَ برأسٍ، فلهُ كذا، ومن جاءَ بأسيرٍ (٧) فلهُ كذا، يُضَرِّيهِم.

    قال الحسنُ البصريُّ رحِمهُ الله: ما نفَّل الإمامُ، فهُو جائزٌ (٨) .

    ج ٨ ص ٤٨٣
  30. ورُوِيَ عن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّهُ قالَ لجريرِ بن عبدِ الله البَجَليِّ لمّا قدِمَ

    ج ٨ ص ٤٨٤عليه في قَومِهِ، وهُو يُريدُ الشّام: هل لكَ أن تأتي الكُوفةَ، ولكَ الثُّلُثُ بعد الخُمُسِ من كلِّ أرْضٍ وشيء (١) .

    وقال جماعةُ فُقهاءِ الشّام، منهُم: رجاءُ بن حَيْوةَ، وعُبادةُ بن نُسَيٍّ، وعديُّ بن عديٍّ، ومكحُولٌ، والقاسمُ بن عبدِ الرَّحمنِ، ويزيدُ بن أبي مالكٍ، ويحيى بن جابرٍ، والأوزاعيُّ، قالوا: الخُمُسُ من جُملةِ الغَييمةِ، والنَّفلُ من بعدِ الخُمُسِ، ثُمَّ الغَنِيمةُ بين أهلِ العَسْكرِ بعد ذلك (٢) .

  31. وهُو قولُ إسحاق بن راهوية، وأحمد بن حَنْبل، وأبي عُبيدٍ.

    قال أبو عُبَيدٍ: والنّاسُ اليومَ على أن لا نَفْلَ من جُملةِ الغَنِيمةِ حتَّى تُخمَّس.

    وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ وطائفةٌ: إن شاءَ الإمامُ نفَّلهم قبلَ الخُمُسِ، وإن شاءَ بعد الخُمُس (٣) .

  32. وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ يقولُ: لا تكونُ الأنفالُ إلّا في الخُمُسِ. وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّ ذلك في خُمُسِ الخُمُس (٤) .

    وقال مالكٌ عنهُ (٥) : إنَّ النَّفل من الخُمُس (٦) .

    وقال محمدُ بن جريرٍ: لا نفلَ إلّا بعدَ إخراج الخُمُسِ منهُ، على حديثِ حبيبِ بن مَسْلمةَ (٧) .

    ج ٨ ص ٤٨٥قال: وكلُّ ما وقعَ عليه اسمُ غنيمةٍ خُمسَ إلّا السَّلَب، فإنَّهُ خرجَ بما يجِبُ التَّسليمُ لهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ.

  33. واحتجُّوا أيضًا مع حديثِ ابنِ مَسْلمةَ، بحديثِ مَعْنِ بن يزيد السُّلميِّ، قال: سمِعتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا نَفْلَ إلّا بعدَ الخُمُسِ" (١) .

    قال محمدُ بن جريرٍ: ولا نفلَ بعد إحرازِ الغَنيمةِ، إلّا من سَهْم النَّبيِّ عليه السَّلامُ، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُنفَّلَ من أموالِ المُوجِفينَ، أو من سَهْم ذي القُربَى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ.

    قال: وإنَّما النَّفلُ قبلَ الغَنيمةِ، وذلك أن يَرَى الإمامُ من المُسلِمين ضعفًا، ومِن المُشرِكينَ نشاطًا، وهُو مُحاصِرٌ حِصنًا، فيُحرِّضُ من مَعهُ على عدُوِّهِم، فيقولُ: من طلَعَ إلى الحِصْنِ، أو هَدَمَ هذا السُّور، أو دخلَ هذا النَّقْب، أو فعلَ كذا، فلهُ كذا وكذا. على ما كان من قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - يوم بدرٍ وغير بدرٍ، إغراءً منهُ بالعدُوِّ. وقال: والسَّلَبُ غيرُ النَّفلِ.

    قال أبو عُمرَ: سيأتي القولُ في السَّلَبِ وحُكْمِهِ، وهل يُخمَّسُ أم لا؟ في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، عندَ ذِكرِ حديثِ أبي قَتادةَ (٢) في ذلكَ، في بابِ يحيى بن سَعيدٍ، إن شاءَ الله.

  34. واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في النَّفلِ في أوَّلِ مَغْنم، وفي النَّفلِ في العَيْنِ من الذَّهَبِ والفِضَّة (٣) ، فذهَبَ الشّاميُّون إلى أن لا نفلَ في أوَّلِ مَغْنم. رُوي ذلك عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، وعُبادةَ بن نُسيٍّ، وعديِّ بن عديٍّ الكِنْديٍّ، ومَكْحُولٍ،

    ج ٨ ص ٤٨٦وسُليمان بن موسى، ويزيد بن يزيد بن جابرٍ، ويحيى بن جابرٍ، والقاسم بن (١) عبدِ الرَّحمنِ، ويزيد بن أبي مالكٍ، والمُتوكِّلِ بن اللَّيثِ، وأبي عُيَينةَ المُحارِبيِّ (٢) .

    وقال الأوزاعيُّ: السُّنَّةُ عندَنا: أن لا نفلَ في ذهَبٍ، ولا فِضَّةٍ، ولا لُؤلُؤٍ، ولا في أوَّلِ غَنيمةٍ (٣) ولا في سَلَبٍ، ولا في يوم هَزِيمةٍ، ولا في وَقْتِ فتح.

  35. ومِمَّن قال: لا نفلَ في العينِ المعلُومةِ، الذَّهَبُ والفِضَّةُ: سُليمانُ بن موسى والأوزاعيُّ، وسعيدُ بن عبدِ العزيزِ، وعبدُ الرَّحمنِ بن يزيد بن جابر (٤) .

    وقال سليمانُ بن موسى: لا نفلَ في أوَّلِ شيءٍ يُصابُ من المَغْنم.

  36. وأنكرَ أحمدُ بن حَنْبل هذا، وقال: النَّفلُ يكونُ من كلِّ شيءٍ. وبه قال إسحاقُ.

    قال أبو عُمرَ: لا فرقَ عندَ جماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلِ النَّظرِ والأثَرِ بينَ أوَّلِ مغنم وغير، وجائزٌ للإمام أن يُنفِّلَ من العينِ وغيرِها، على قدرِ اجتِهادِهِ، ولا حُجَّةَ لمن جعلَ ذلك في أوَّلِ مَغْنم، أو نَفاهُ عن أوَّلِ مَغْنم، إلّا التَّحكُّم، وليسَ قولُهُ في ذلك بشيءٍ.

  37. وأمّا قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآيةَ [الأنفال: ٤١] فجعلَ الخُمُس لمن سمَّى فيها، وجعلَ الأربعةَ أخماسٍ للمُوجِفينَ، فإنَّ العُلماءَ وإنِ اختلفُوا في تفصيلِ معاني هذه الآيةِ، وقَسْم الخُمُسِ فيها، وحُكم الأنفالِ، على حسَبِ ما ذكَرْنا، فإنَّهُم لم يختلِفُوا في أنَّ الآيةَ ليست على ظاهِرِها، وأنَّها يدخُلُها الخُصُوصُ، فمِمّا خَصُّوها به بإجماع، أن قالوا: سَلَبُ المقتُولِ لقاتِلِهِ، إذا نادَى الإمامُ بذلك. ومنهُم من يجعلُ السَّلَب للقاتِلِ على كلِّ حالٍ، نادَى الإمامُ

    ج ٨ ص ٤٨٧به أو لم يُنادِ، لا يَشْرَكُهُ فيه غيرُهُ من المُوجِفينَ، ولا يُخَمَّسُ (١) السَّلبُ عندَ أكثرِهِم، وسَنُبيِّنُ ذلكَ ووُجُوههُ في بابِ يحيى بن سَعيدٍ، إن شاءَ الله.

  38. ومعلُومٌ أنَّ السَّلَبَ من الغَنِيمةِ، فدلَّ ما ذكَرْنا عنهُم، أَنَّهُ مخصُوصٌ عندَهُم من جُملةِ ما غَنِمُوا.

  39. ومن ذلك أيضًا النَّفلُ، قد أجمعُوا أنَّ الآيةَ مخصُوصةٌ بما فعلَ رسُولُ - صلى الله عليه وسلم - من الأنفالِ في غَزَواتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا، فقال قائلُون: الأنفالُ من الخُمُسِ، لأنَّ المُوجِفينَ قدِ اسْتَحقُّوا الأربعةَ أخماسٍ. وهذا قولُ مالكٍ وغيرِه (٢) .

    قالوا: لا يكونُ النَّفلُ من رأسِ الغَنِيمةِ، ولا قبلَ القِتالِ، لأنَّهُ قِتالٌ على الدُّنيا.

    قالوا: وإذا كان من رأسِ الغَنيمةِ، كان من مالِ المُوجِفينَ وأهلِ الخُمُسِ جميعًا.

    وقال آخرُونَ: لا يكونُ النَّفلُ إلّا من خُمُسِ الخُمُسِ، سَهْمِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، وهذا مذهبُ الشّافِعيِّ (٣) وجماعةٍ، ذَهبُوا إلى أنَّ الخُمُس مَقْسُومٌ على خَمْسةِ أسهُم، أحدُها خُمُسُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    وقال آخرُونَ: لا نفلَ إلّا من رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ أن تُحرَز الغَنيمةُ، فإذا أُحْرِزتِ اسْتَحقَّها أهلُها المُوجِفُونَ وأهلُ الخُمُسِ، وهُو قولُ الكُوفيِّين وجَماعةٍ قد ذكَرْناهُم.

    وقال آخرُونَ: النَّفلُ جائزٌ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمةِ وبَعْدها، لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد فعَلَ ذلك كلَّهُ، وأجازَهُ (٤) لمن فَعلهُ، وثبتَ ذلك عنهُ.

  40. وممَّن قال بهذا: الأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ (١) ، وجماعةٌ من الشّاميِّين والعِراقيِّينَ.

    ج ٨ ص ٤٨٨