مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ١٨ من ٧٩
- ج ٩ ص ٢٦
وعندَ ابنِ شِهابٍ أيضًا في هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، رواهُ عنهُ مالكٌ وغيرُهُ، إلّا أنَّهُ محفُوظٌ عن (٤) ابنِ أبي ذِئبٍ (٥) ، عن الزُّهريِّ. وغيرُ محفُوظٍ عن مالكٍ، إلّا من حديثِ (٦) خلَفِ بن سالم، عن مَعْنٍ، عن مالكٍ.
قال أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ: أخاف أن لا يكونَ محفُوظًا من حديثِ مالكٍ، ولعلَّهُ أن يكونَ معنٌ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ.
-
فأمّا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ في ذلكَ: فقرأتُهُ على أحمدَ بن فَتْح بن عبدِ الله، أنَّ حمزةَ بن محمدٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن سالم المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى، عن مالكٍ، عن
ج ٩ ص ٢٧الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من فاتَتَهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (١) .
-
وخالفهُ ابنُ أبي ذِئبٍ في هذا الإسنادِ، فجعلهُ عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، فيما رَوَينا من حديثِ أسَدٍ، حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قِراءةً مِنِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من فاتَتَهُ صلاة، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٢) . هكذا قال: "صَلاةٌ" فيما كتَبْنا عنهُ وقَرَأنا عليه.
-
وذِكرُ أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ في هذا الحديثِ خطأٌ من قائلِهِ، وإنَّما هُو أبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ. وليسَ ذلك من ابنِ أبي ذِئبٍ، وإنَّما الخَطأُ فيه من أسَدٍ، أو مِمَّن دونَ أسدٍ، وأمّا من ابنِ أبي ذِئبٍ فلا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من فاتَتهُ الصَّلاةُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" . قلتُ: ما هذه الصَّلاةُ؟ قال: صلاةُ العَصْرِ. قال: وسَمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الَّذي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣) . هكذا في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ: وسمِعتُ ابنَ عُمرَ.
- ج ٩ ص ٢٨
فإنَّ صحَّ هذا، فالحديثُ لابنِ شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نوفلِ بن مُعاويةَ وابنِ عُمرَ، جميعًا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وعن سالم أيضًا، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ومِمّا يُصحِّحُ ذلكَ: أنَّ محمدَ بن إسحاقَ رَوَى هذا الحديثَ عن يزيدَ بن أبي حَبيبِ، عن عِراكِ بن مالكٍ الغِفاريِّ، قال: سمِعتُ نَوْفلَ بنَ مُعاويةَ الدِّيليَّ وهُو جالِسٌ مع عبدِ الله بن عُمرَ بسُوقِ المدينةِ، يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "صلاةٌ من فاتَتهُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" . فقال عبدُ الله بن عُمر: قال رسُولُ الله: "هي العَصْرُ" (١) ؛ ذكَرهُ الطَّحاويُّ في "فَوائدِهِ" عن عليِّ بن مَعْبدٍ (٢) ، عن يَعقُوبَ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ، عن ابن إسحاقَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو عامِرٍ ويحيى بن أبي بُكير، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من فاتَتهُ صَلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" .
-
وهذا يدُلُّكَ على أنَّ قولَهُ في حديثِ نَوْفلٍ الدِّيليِّ: "من فاتَتهُ الصلاةُ" أراد صَلاةَ العصرِ، فيكونُ معناهُ ومعنى حديثِ ابنِ عُمرَ سَواءً، وتكونُ صَلاةُ العَصْرِ مخصُوصةً بالذِّكرِ، ويَدْخلُ (٤) في ذلك غيرُها بالمعنى.
- ج ٩ ص ٢٩
وقد ذهَبَ قومٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ حديثَ نَوْفلِ بن مُعاويةَ أعمُّ وأولَى بصحيح المعنَى من حديثِ ابنِ عُمر، وقالوا فيه: قولُهُ: "من فاتَتهُ الصَّلاةُ" أو "من (١) فاتَتَهُ صلاةٌ" ، يُريدُ: كلَّ صَلاةٍ؛ لأنَّ حُرمةَ الصَّلواتِ كلِّها سَواءٌ.
قال: وتَخْصيصُ ابن عُمرَ لصَلاةِ العَصْرِ، هُو كلامٌ خرجَ على جوابِ السّائلِ، كأنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أجابَ من سألَهُ عن صَلاةِ العَصْرِ، بأنْ قال له: "الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالهُ" . ولو سُئلَ عن الصُّبح وغيرِها، كانَ (٢) كذلكَ جَوابُهُ أيضًا واللّه أعلمُ، بدليلِ حَديثِ نَوْفلِ بن مُعاويةَ: "الَّذي تفُوتُهُ الصَّلاةُ - أو: تفُوتُهُ صلاةٌ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" .
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِير، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُديكٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن ابنِ شِهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن نَوْفلِ بن مُعاويةَ الدِّيليِّ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من فاتَتَهُ الصَّلاةُ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ: تعظيمٌ لعَملِ الصلاةِ في وَقْتِها، وهي خيرُ أعمالِنا، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "واعلموا أنَّ (٤) خيرَ أعمالكم الصَّلاةُ" (٥) . وقد سُئل - صلى الله عليه وسلم -، عن أيِّ الأعمالِ
ج ٩ ص ٣٠أحبُّ إلى الله، فقال: "الصلاةُ في وَقْتِها" (١) ، ورُوي: "في أوَّلِ وَقْتِها" .
-
وفيه: تحقير للدُّنيا، وأنَّ قليلَ عَملِ البِرِّ خيرٌ من كَثيرٍ من الدُّنْيَا، فالعاقِلُ العالِمُ بمِقدارِ هذا الخِطابِ، يحزَنُ على فَواتِ صَلاةِ العَصْرِ إن لم يُدرِكْ منها ركعةً قبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ، أو قبلَ اصفِرارِها، فوقَ حُزنِهِ على ذِهابِ أهلِهِ ومالِهِ، وما توفيقي إلّا بالله.
-
وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في آخِرِ وقتِ العَصْرِ من الأقوالِ والاعْتِلالِ في بابِ زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.
-
وحُكمُ صلاةِ الصبح وسائرِ الصلواتِ في فَواتِها كذلكَ إن شاءَ الله. وقد يحتمِلُ أن يكونَ هذا الحديثُ خرجَ على جَوابِ السّائلِ عمَّن تَفُوتُهُ صلاةُ العصرِ، فلا يكونَ غيرُها بخِلافِ حُكمِها في ذلكَ. ويحتمِلُ أن يكونَ خُصَّت بالذِّكرِ لأنَّ الإثمَ في تَضْييعِها أعظمُ، والتَّاويلُ الأوَّلُ أُولى، والله أعلمُ.
-
وقدِ احتجَّ بهذا الحديثِ من ذهَبَ إلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى صَلاةُ العصِر، فقال: خصَّها رسُولُ الله بالذِّكرِ، من أجْلِ أنَّ الله خَصَّها بقولِهِ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] فجمَعَها في قولِهِ: {الصَّلَوَاتِ} ثُمَّ خصَّها بالذِّكرِ تَعْظيمًا لها، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ}
- ج ٩ ص ٣١
فعمَّ النَّبيِّينَ، ثُمَّ قال: {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم} [الأحزاب: ٧] فخصَّ هؤُلاءِ تعظيمًا لهم، وهُم أُولُو العَزْم من الرُّسُلِ.
-
وقدِ اختلف العُلماءُ، من الصَّحابةِ والتّابِعين وسائرِ عُلماءِ المُسلِمينَ، في الصَّلاةِ الوُسْطَى على حَسَبِ ما قد بيَّنّاهُ في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" ، فمعناهُ عندَ أهلِ العِلم: فكأنَّما أُصيبَ (١) بأهلِهِ ومالِهِ، وكأنَّما ذهَبَ أهلُهُ (٢) ومالُهُ. والمعنى في ذلكَ، ذَهابُ الأجرِ والثَّوابِ؛ لأنَّ الأهلَ والمالَ باقِيانِ، لكِنَّ ذَهابَ الأجرِ على ذي العَقْلِ والدِّينِ، كذهابِ الأهْلِ والمالِ.
-
وأمّا أصلُ الكَلِمةِ من اللُّغةِ، فإنَّها مأخُوذةٌ من الوَتْرِ والتِّرة، وهُو: أن يَجْنيَ الرَّجُلُ على الرَّجُلِ (٣) جِنايةً في دَم أو مالٍ، فيَطلُبُهُ حتَّى يأخُذَ منهُ ذلكَ المالَ أو مِثلَهُ، ومثلَ ذلك الدَّم. وقلَّما يكونُ ذلكَ إلّا أكثرَ من الجِنايةِ الأولى، فيُذهبُ المالُ، ويُجحِفُ به وبالأهلِ، وقد يُسمَّى كلُّ واحدٍ منهُما مَوْتُورًا، لذهابِ مالِهِ وأهلِهِ، قال الأعْشَى (٤) :
عَلْقمُ ما أنتَ إلى عامِرٍ ... النّاقِضِ الأوتارِ والواتِرِ
وقال أعرابيٌّ:
كأنَّما الذِّئبُ إذ يَعْدُو على غَنَمي ... في الصبح طالِبُ وَتْرٍ كان فاتَّأرا
ج ٩ ص ٣٢وقال مُنقِذٌ الهِلاليُّ (١) :
وكذاكَ يفعلُ في تَصرُّفِهِ ... والدَّهرُ ليسَ ينالُهُ وَتْرُ
وإنَّما قال، واللّه أعلمُ، في هذا الحديثِ: "فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ (٢) " ، ولم يَقُل: ماتَ أهلُهُ، لأنَّ المَوْتُورَ (٣) يجتمِعُ عليه همّانِ: هَمُّ ذهابِ أهلِهِ، وهمُّ الطَّلبِ بثَأرِهِ ووَتْرِهِ. فالذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، فمُصيبتُهُ لو حصَّل وفَهِم، كمُصيبةِ هذا، والله أعلمُ.
-
وقد جاء عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، حديثٌ أشدُّ من هذا في ظاهِرِه، وليسَ على ظاهِرِه. والمعنى فيه عندَ أهلِ السُّنَّةِ، كالمعنى في هذا سَواءً.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا يزيدُ بن هارُون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى. قالا جميعًا: أخبرنا هشامُ بن أبي عبدِ الله الدَّستُوائيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، قال: حدَّثني أبو المليح، قال: كُنّا مع بُرَيدة (٥) في سَفَرٍ في يوم غَيْم، فقال: بَكِّرُوا
ج ٩ ص ٣٣بالعصرِ - وقال يحيى: بالصَّلاةِ - فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تَركَ صَلاةَ العَصرِ، فقد حَبِطَ عَملُهُ" . وقال يزيدُ: "من فاتَتهُ صَلاةُ العَصْرِ، حَبِطَ عَملُهُ" .
-
ورَواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن بُرَيدةَ (١) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ذكَرَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢) ، عن وكيع وعيسى بن يونُس، جميعًا عن الأوزاعيِّ.
قال أبو عُمرَ: معنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "حَبِطَ عملُهُ" ، أي: حبِط عملُهُ فيها، فلم يحصُلْ على أجْرِ من صلّاها في وَقْتِها. يعني: أنَّهُ إذا عَمِلها بعد خُرُوج وَقْتِها، فقد حَبِطَ (٣) أجرُ عَملِها في وَقْتِها وفضلُهُ، واللّه أعلمُ، لا أن يَحْبِطَ (٤) عملُهُ جُملةً في سائرِ الصلواتِ والإيمان (٥) ، وسائرِ أعمالِ البِرِّ، أعُوذُ بالله من مِثلِ هذا
ج ٩ ص ٣٤التَّأويل، فإنَّهُ مذهَبُ الخَوارِج، وإنَّما يُحبِطُ الأعمالَ الكُفرُ بالله (١) ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: ٥] . وقال عزَّ وجَلَّ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (٢) [الزمر: ٦٥] .
-
وفى هذا النَّصِّ دليلٌ واضِحٌ، أنَّ من لم يَكْفُرْ بالإيمانِ، لم يَحْبَطْ عَملُهُ.
-
وقدِ اختُلِفَ في تأويلِ قولِهِ: "فقد حَبِطَ عملُهُ" بما قد ذكَرْناهُ في كِتابِ "المُرتدِّ" .
-
ورِوايةُ مَن روَى في هذا الحديثِ: "ترَكَ صلاةَ العَصْرِ" أوْلَى من رِوايةِ مَن رَوى: "فاتَتهُ" ، وقد يكونُ المعنى: فاتَهُ تركُهُ لها، فحبِطَ عَملُهُ فيها، فلا يكونُ في ذلكَ تناقُضٌ. ولا يُسمَّى النّاسي لها، والنّائمُ عنها، والمحبُوسُ عن القِيام إليها، تارِكًا لها؛ لأنَّ الفاعِلَ: من فعَلَ التَّرك واختارَهُ بقَصْدٍ منهُ إليه وإرادة (٣) لهُ، وليسَ كذلكَ من وصَفْنا حالَهُ من النّاسي، والنّائم، والمغلُوبِ.
-
وقد ذكَرْنا أحكامَ تارِكِ الصَّلاةِ عامِدًا، وما للعُلماءِ في ذلكَ من المذاهِبِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، والحمدُ لله.
-
ومن ترَكَ صلاةَ العَصْرِ أوغيرها جُحُودًا بها، فهُو كافِرٌ، قد حبِطَ عَملُهُ عندَ الجميع، وبالله التَّوفيقُ.
- ج ٩ ص ٣٥
حديثٌ ثانٍ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمر (٢) ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَتَحرَّى (٣) أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمسِ، ولا عندَ غُرُوبها" .
-
لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديثِ، وكذلكَ رواهُ الشّافِعيُّ وغيرُهُ، عن مالكٍ (٤) .
-
حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيم إسماعيلُ بن يحيى المُزَنيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إدريسَ الشّافِعيُّ، قال (٦) : أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتَحرَّى أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمْسِ، ولا عندَ غُرُوبِها" .
قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحديثِ: "لا يتحرَّى" دليلٌ على أنَّ المُرادَ والمقصُودَ به صلاةُ التَّطوُّع، لا صلاةُ الفَرْضِ.
- ج ٩ ص ٣٦
وقد يجُوزُ أن يكونَ النَّهيُ عن ذلكَ قُصدَ به إلى ألّا يترُكَ المرءُ صَلاةَ العصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، ولا يترُكَ صَلاةَ الصُّبح إلى حينِ طُلُوعِها، ثُمَّ يقومَ فيُصلِّي في ذينِكَ الوَقْتينِ، أو أحَدِهِما، قاصِدًا لذلكَ عامِدًا مُفرِطًا، وليسَ ذلك لمن نامَ أو نَسِيَ فانْتَبه، أو ذكَرَ في ذلك الوَقْتِ؛ لأنَّ مَن عَرضَ لهُ مِثلُ ذلك، فليس بمُتَحرٍّ للصَّلاةِ في ذلك الوقتِ، ولا قاصِدًا إليها، وإنَّما هُو رَجُل ذكَرَها بعد (١) نِسيانٍ، أوِ انْتَبهَ إليها، ولم يتَحرَّ (٢) القَصْدَ بصلاتِهِ ذلك الوقت، وإنَّما المُتحرِّي بصلاتِهِ ذلكَ الوقتَ المُتطوِّعُ بالصَّلاةِ في ذلكَ الوقتِ، أوِ التّارِكُ عامِدًا صَلاتَهُ إلى ذلك (٣) الوقتِ، وعن هذا جاءَ النَّهيُ مُجرَّدًا، وعليه اجتمَعَ عُلماءُ المُسلِمينَ، فأمّا الفَرْضُ في غيرِ تَفْريطٍ، فليس بداخِلٍ في هذا البابِ، بدليلِ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرَكَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ، فقد أدركَ الصُّبح، ومن أدركَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدرَكَ العَصْرَ" (٤) ، ومعلُومٌ أنَّ من أدركَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ الطُّلُوع، أو رَكْعةً من العصرِ قبل الغُرُوبِ، فقد صلَّى صَلاتهُ عندَ طُلُوع الشَّمسِ، وعندَ غُرُوبِها.
-
ودليلٌ آخرُ، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "من نامَ عن صَلاة (٥) أو نَسِيها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرَها، فذلكَ وقتُها، فإنَّ اللهَ يقولُ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (٦) [طه: ١٤] ، لم يخُصَّ وقتًا من وقتٍ.
- ج ٩ ص ٣٧
وهذا كلُّهُ يُوضِّحُ أنَّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتحرَّى أحدُكُم فيُصلِّي عندَ طُلُوع الشَّمسِ، ولا عندَ غُرُوبِها" إنَّما أرادَ به التَّطوُّعَ والنَّوافِلَ، والتَّعمُّدَ لتركِ الفرائضِ، فاعلَمْهُ. وقد مَضَى القولُ مُسْتوعبًا في هذا المعنى، بما للعُلماءِ في ذلكَ من التَّنازُع، ووُجُوهِ أقوالِهِم، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، في مَوْضِعينِ منهُ، أحدُهُما: عن بُسرِ بن سَعِيدٍ والأعرج وعطاءِ بن يَسارٍ عن أبي هُريرةَ، والآخَرُ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ عن الصُّنابِحيِّ، ومَضَى القولُ في الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح والعصرِ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من (١) ذلك هاهُنا.
-
ولا أعلمُ خِلافًا بين العُلماءِ، المُتقدِّمينَ منهُم والمُتأخِّرينَ: أنَّ صَلاةَ التَّطوُّع والنَّوافِل، كلُّها غَيرُ جائزٍ شيءٌ منها أن تُصلَّى عندَ طُلُوع الشَّمسِ ولا عندَ غُرُوبِها، وإنَّما اختَلَفُوا في الصَّلواتِ المفرُوضاتِ المُتعيِّناتِ، والمفرُوضاتِ على الكفاية (٢) ، والصَّلواتِ المَسْنُوناتِ، مِمّا كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُواظِبُ عليه ويَفْعلُهُ، ويندُبُ أُمَّتَهُ إليه، هل يُصلَّى شيءٌ من ذلك عندَ طُلُوع الشَّمسِ وغُرُوبِها أوِ اصْفِرارِها، وبعدَ (٣) الصُّبح والعَمْرِ، أم لا؟ وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ في المَواضِع الَّتي سَمَّيناها (٤) من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
- ج ٩ ص ٣٨
حديثٌ ثالِثٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن (٢) عُمرَ، أن رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّما مَثلُ صاحِبِ القُرآنِ كمثَلِ صاحِبِ الإبِلِ المُعقَّلةِ، إن عاهَدَ عليها أمْسَكَها، وإن أطْلَقَها ذهَبَتْ" .
-
في هذا الحديث: التَّعاهُدُ للقُرآنِ، ودَرْسُهُ، والقيامُ به.
-
وفيه: الإخبارُ أنَّهُ يَذْهبُ عن صاحِبِهِ ويَنْساهُ، إن لم يتَعاهَدْ عليه ويَقْرأْهُ، ويُدمِنْ تِلاوَتهُ.
-
وقد جاءَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - وَعِيدٌ شديدٌ فيمَنْ (٣) حفِظَ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيهُ، كلُّ ذلكَ حَضٌّ منهُ على حِفْظِهِ والقيام به.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسَعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثَنا (٤) عُثمانُ بن عُمرَ بن فارِسٍ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: سَمِعتُ رجُلًا من أهلِ الجَزِيرةِ يُقالُ لهُ: عيسَى، يُحدِّثُ عن سَعْدِ بن عُبادةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "من تَعلَّمَ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيهُ، لَقِيَ الله يومَ القِيامَةِ وهُو أجذَمُ" (٥) .