مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٣٠ من ٧٩

  1. وابنُ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (٥) .

    ج ٩ ص ١٦٦
  2. فذكرُوا كلُّهُمُ الحُكمَ في المُوسِرِ: أَنَّهُ يُقَوَّمُ، ويعتِقُ عليه إن كان لهُ مالٌ، وسَكتُوا عن الحُكم في المُعْسِرِ، فلم يقولُوا: وإن لم يكُن لهُ مالٌ فقد عتقَ منهُ ما عتقَ. كما قال مالكٌ، وعُبيدُ الله، ولم يزيدُوا على حُكم المُوسِرِ.

  3. وفي رِوايةِ معمر، عن الزُّهريِّ: "عَتقَ ما بَقِي في مالِهِ، إذا كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمن العبدِ" . وبعضُهُم يقولُ فيه عن عبدِ الرَّزّاقِ: "أُقيمَ ما بَقِيَ" . والمعنى واحدٌ، وهذا لفظٌ يُوجِبُ تَقْويمَهُ على أنَّهُ مُعتَقٌ نِصفُهُ، أو مُعتَقٌ بعضُهُ.

    ج ٩ ص ١٦٧
  4. وأمّا ما ذكَرْنا من اختِلافِ الآثارِ في هذه الكلِمةِ، المُوجِبةِ لنُفُوذِ عِتْقِ نصيبِ المُعتِقِ المُعْسِرِ، دُونَ شيءٍ من اسْتِسعاءٍ وغيرِهِ، فإنَّ أبا هُريرةَ رَوى في هذا المعنى، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خِلافَ ما رواهُ ابنُ عُمر، واختُلِفَ في حديثهِ أيضًا في ذلكَ أكثرَ من الاختِلافِ في هذا، وهُو حديثٌ يدُورُ على قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، واختَلَفَ أصحابُ قَتادةَ عليه في الاسْتِسعاءِ، وهُو الموضِعُ المُخالِفُ لحديثِ ابن عُمرَ من رِوايةِ مالكٍ، وغيرِهِ.

  5. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن سَعيدِ بن أبي عَرُوبةَ ويحيى بن صُبَيح، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أيُّما عَبْدٍ كان بينَ رَجُلينِ، فأعتَقَ أحدُهُما نَصِيبَهُ، فإن كان مُوسِرًا، قُوِّمَ عليه، وإلّا سَعَى العبدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه" .

  6. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعتقَ شِقْصًا من مملُوكٍ، فعَلَيهِ خَلاصُهُ من مالِهِ، فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، قُوِّمَ المملُوكُ قِيمةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتَسْعى غيرَ مَشْقُوقٍ عليه" (٢) .

  7. وكذلك رواهُ يزيدُ بن زُريع (١) ، وعَبْدةُ بن سُليمان (٢) ، وعليُّ بن مُسهِر (٣) ، ومحمدُ بن بِشْرٍ (٤) ، ويحيى (٥) ، وابنُ (٦) أبي عَدِيٍّ (٧) ، عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ.

    ج ٩ ص ١٦٨
  8. كما رواهُ رَوْحُ بن عُبادةَ سَواءً، حرفًا بحرفٍ.

  9. ولم يُختَلَف على سعيدِ بن أبي عرُوبةَ في هذا الحديثِ، في ذِكْرِ السِّعايةِ فيه، على حَسَبِ ما ذكَرْنا.

  10. وتابَعهُ أبانُ العطّارُ، عن قَتادةَ، على مِثلِ ذلك؛ حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٨) : حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانُ، يعني العَطّارَ، قال: حدَّثني قَتادةُ، عن النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في مملُوكٍ، فعليه أن يُعْتِقَهُ كلَّهُ إن كان لهُ مالٌ، وإلّا اسْتُسعِيَ العَبْدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه" . قال أبو داود (٩) : ورواهُ جَريرُ بن حازِم وموسى بن خلفٍ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، وذكَرا (١٠) فيه السِّعايةَ.

  11. رواهُ هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وشُعبةُ، وهمّامٌ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، لم يذكُرُوا فيه السِّعايةَ.

    ج ٩ ص ١٦٩
  12. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (١) . وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، عن نَبِيِّ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من أعتَقَ شِقْصًا من مملُوكٍ، عتَقَ من مالِهِ إن كان لهُ مالٌ" .

  13. هكذا قال: ابنُ المُثنَّى: قَتادةُ، عن بَشيرِ بن نهيكٍ، لم يذكُرِ النَّضرَ بنَ أنسٍ، وهُو خطأٌ منهُ، أو من مُعاذِ بن هشام.

  14. ورَواهُ رَوْحُ بن عُبادَةَ وغيرُهُ، عن هشام، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ، عن بَشيرٍ، عن أبي هُريرةَ (٣) ، كما رواهُ سائرُ أصحابِ قتادةَ.

  15. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسائيُّ، قال (٤) : أخبرنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ،

    ج ٩ ص ١٧٠عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المملُوكِ بينَ الرَّجُلينِ، فيُعتِقُ أحدُهُما نَصِيبَهُ، قال: "يَضْمنُ" .

  16. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ بن داسةَ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: أخبرنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أنَس، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رَجُلًا أعتقَ شِقْصًا من غُلام، فأجازَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عِتْقَهُ، وغرَّمهُ بقيَّةَ ثَمنِهِ.

  17. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبانٍ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ سُوَيدِ بن مَنْجُوفٍ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ. قالا جميعًا: حدَّثنا هشامٌ، عن قَتادةَ، عن النَّضِر بن أنسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتَقَ شقصًا لهُ من مملُوكٍ، فهُو حُرٌّ من مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ" . وقال رَوْحٌ: "عتَقَ من مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ" .

    قال أبو عُمر: فاتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ وهمّامٌ، على تركِ ذِكْرِ السِّعايةِ في هذا الحديثِ، والقولُ قولُهُم في قَتادةَ عندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، إذا خالَفهُم في قتادةَ غيرُهُم، وأصحابُ قَتادةَ الذين هُم حُجَّةٌ فيه، هؤُلاءِ الثَّلاثةُ: شُعبةُ، وهشامٌ الدَّستُوائيُّ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، فإنِ اتَّفقُوا، لم يُعرَّج على من خالَفهُم في قَتادةَ، وإنِ اختلَفُوا نُظِرَ، فإنِ اتَّفقَ منهُمُ اثنانِ، وانفردَ واحدٌ، فالقولُ قولُ الاثنينِ، لا سيَّما

    ج ٩ ص ١٧١إن كان أحدُهُما شُعبةَ، وليسَ أحدٌ بالجُملةِ في قَتادةَ مِثلَ شُعبةَ؛ لأنَّهُ كان يُوقِفُهُ على الإسنادِ والسَّماع، وهذا الذي ذكرتُ لكَ قولُ جماعةِ أهلِ العِلم بالحديثِ.

  18. وقدِ اتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ في هذا الحديثِ على سُقُوطِ ذِكْرِ الاسْتِسعاءِ فيه، وتابَعهُما همّامٌ، وفي هذا تَقْويةٌ لحديثِ ابن عُمرَ، وهُو حديثٌ مدنيٌّ صحيحٌ، لا يُقاسُ به غيرُهُ، وهُو أولى ما قيلَ به في هذا البابِ، وباللّه التَّوفيقُ (١) .

  19. وقد رَوَى شُعبةُ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي بِشْرٍ العَنْبريِّ، عن ابن التِّلِبِّ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ رجُلًا أعتقَ نَصِيبهُ من مملُوكٍ، فلم يُضمِّنهُ النَّبيُّ عليه السَّلامُ (١) .

    ج ٩ ص ١٧٢
  20. وهذا عندَ جَماعةِ العُلماءِ على المُعسِرِ، لأنَّ المُوسِرَ لم يختلِفُوا في تَضْمينِهِ، وأنَّهُ يَلْزمُهُ فيه (٢) العِتقُ، إلّا ما لا يُلْتفتُ إليه من شُذُوذِ القولِ، ونحنُ نذكُرُ ما انتهى إلينا من اختِلافِ العُلماءِ في ذلك هُنا إن شاءَ الله.

  21. ومِثلُ حديثِ ابن التِّلِبِّ عن أبيهِ في هذا البابِ، قِصَّةُ أبي رافِع مولى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكَرْناها في بابِ أسلمَ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣) ، والحمدُ للّه.

  22. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا البابِ، فإنَّ مالكا وأصحابَهُ يقولُونَ: إذا أعتقَ المليءُ المُوسِرُ شِقْصًا لهُ في عَبْدٍ، فلِشَريكِهِ أن يُعتِقَ بِتْلًا (٤) ، ولهُ أن يُقوَّمَ، فإن أعتقَ نَصِيبَهُ كما أعتقَ شريكُهُ قبلَ التَّقويم، كان الولاءُ بينهُما، كما كان المِلكُ بَيْنهُما، وما لم يُقوَّم، ويحكُم بعِتْقِهِ، فهُو في جميع أحكامِهِ كالعَبْدِ، وإن كان المُعتِقُ لنصيبِهِ من العَبْدِ عديمًا، لم يعتِقْ غيرَ حِصَّتِهِ، ونصيبُ الآخرِ رِقٌّ لهُ، ويخدِمُ العبدُ هذا يومًا، ويكسِبُ لنَفسِهِ يومًا، أو يُقاسمُهُ كَسْبهُ، وإن كان المُعتِقُ مليًّا ببعضِ نَصيبِ (٥) شَريكِهِ، قُوِّمَ عليه قدرَ ما مَعهُ، ورَقَّ بَقِيَّةَ النَّصيبِ لربِّهِ، ويُقْضَى عليه في ذلكَ، كما يُقْضَى في سائرِ الدُّيُونِ الثّابِتةِ اللّازِمةِ والجِناياتِ،

    ج ٩ ص ١٧٣ويُباعُ عليه شُوارُ (١) بَيْتِهِ، وما لهُ بالٌ من كِسْوتِهِ، والتَّقويمُ: أن يُقوَّمَ نصيبُ صاحِبِهِ يومَ العِتْقِ قِيمَةَ عدلٍ، ثُمَّ يعتِقُ عليه. (٢) .

  23. وكذلك قال داودُ، وأصحابُهُ في هذه المسألةِ، إلّا أنَّهُ لا يعتِقُ عليه حتَّى يُؤَدِّيَ القيمَةَ إلى شَريكِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ في القديم.

    وقال الشّافِعيُّ (٣) : من أعتقَ شِركًا لهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عليه قيمةَ عدلٍ، وأعطى شُركاءَهُ حِصَصهُم وعتَقَ العبدُ، وإلّا فقد عتقَ منهُ ما عتَقَ.

    قال: وهكذا روى ابنُ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    قال: ويحتمِلُ قولُهُ عليه السَّلامُ في عِتقِ المُوسِرِ مَعْنيينِ، أحدُهُما: أَنَّهُ يعتِقُ بالقولِ، مع دفع القيمةِ. والآخرُ: أَنَّهُ يعتِقُ إذا كان المُعتِقُ مُوسِرًا في حينِ العِتقِ، وسَواءٌ أعسرَ بعد ذلك قبلَ التَّقويم أم لا، ويكونُ العبدُ حُرًّا كلُّهُ بالعِتقِ، في حينِ العِتقِ، فإن قُوِّمَ عليه في الوَقْتِ، أخذَ مالَهُ، وإن تَركهُ حتَّى أعسَرَ، اتَّبَعهُ بما قد ضمِنَ.

  24. قال المُزنيُّ بالقولِ (٤) الأوَّلِ في كِتابِ الوَصايا، وقال في كِتابِ "اختِلافِ الحديثِ" : يعتِقُ كلُّهُ يومَ تكلَّمَ بالعِتقِ. وكذلكَ قال في اختِلافِ أبي حَنِيفةَ، وابن أبي ليلَى. وقال أيضًا: إن مات المُعتِقُ، أُخِذَ بما لزِمَه (٥) من رأسِ المالِ، لا يمنعُهُ الموتُ حقًّا لَزِمهُ، كما لو جَنَى جِنايةً، والعبدُ حُرٌّ في شَهادتِهِ، وحُدُودِهِ، وميراثِهِ، وجِناياتِهِ، قبلَ القيمةِ وبعدَها.

    قال المُزنيُّ (٦) : قد قطعَ بأنَّ هذا المعنى أصحُّ في أربعةِ مَواضِعَ، وهُو القياسُ

    ج ٩ ص ١٧٤على أصلِهِ. وقد قال: لو أعتقَ الثّاني، كان عِتقُهُ باطِلًا. وفي ذلك دليلٌ على زَوالِ مِلكِهِ؛ لأَنَّهُ لو كان مِلكُهُ ثابتًا، لنفَذَ عِتقُهُ.

  25. وتحصيلُ مذهبِ الشّافِعيِّ، ما قالهُ في الجديدِ: أَنَّهُ إذا كان المُعتِقُ لِحِصَّتِهِ من العبدِ مُوسِرًا، عتَقَ جميعُهُ حينَ أعتَقهُ، وهُو حُرٌّ من يَومِئذٍ، ويُورَثُ، ولهُ ولاؤُهُ، ولا سبيلَ للشَّريكِ على العَبْدِ، وعليه قيمَةُ نصيبِ شَريكِهِ، كما لو قتَلهُ، وجُعل عِتقُهُ إتلافًا. هذا كلُّهُ إن كان مُوسِرًا في حينِ العِتْقِ للشِّقصِ، وسَواءٌ أعطاهُ القِيمَةَ، أو مَنعهُ، وإن كان مُعسِرًا، فالشَّريكُ على مِلْكِهِ، يُقاسمُهُ كَسْبَهُ، أو يَخْدِمُهُ يومًا، ويُخلي لنَفْسِهِ يومًا، ولا سعايةَ عليه (١) .

    قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى قولِ الشّافِعيِّ هذا: قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أيُّوب، عن نافع، عن ابن عُمرَ: "من أعتقَ نَصِيبًا لهُ في عبدٍ، فإن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثَمنهُ بقيمةِ عَدْل، فهُو عَتِيقٌ" (٢) . وحديثُ ابن أبي ذِئبٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعتقَ شِرْكًا في مملُوكٍ، وكان للذي يُعتِقُ نصيبُهُ ما يبلُغُ ثَمنهُ، فهُو يعتِقُ كلُّهُ" (٣) . ومنهُم من يقولُ: عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في عبدٍ، ضمِنَ لشريكِهِ في مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ" .

    قالوا: فقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "فهُو يعتِقُ كلُّهُ" ، وقولُهُ: "فهُو عتيق" ، يُوجِبُ أن يكونَ عتيقًا كلُّهُ في وَقْتِ وُقُوع العِتْقِ، ولا يُنتَظرُ به قَضاءٌ ولا تقويمٌ، إذا كان المُعتِقُ مُوسِرًا، لتثبُت لهُ حُرمةُ الحُرِّيَّةِ من ساعتِهِ في جميع أحكامِهِ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ في ذلك؛ لأَنَّهُ معلُومٌ أنَّ التَّقويمَ والحُكمَ به إنَّما هُو تنفيذٌ لِما قد وجبَ بالعِتقِ في حينِهِ.

  26. ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن تابَعهُ على ما ذكَرْنا من قولِهِ في هذا البابِ في العَبْدِ المُعتَقِ بعضُهُ: أَنَّهُ لا يعتِقُ على مُعتِقٍ حِصَّتهُ منهُ حتَّى يُقوَّم ويُحكمَ بذلك عليه، فإذا تمَّ ذلكَ، نفَذَ عِتقُهُ حينَئذٍ.

    ج ٩ ص ١٧٥
  27. فمِن حُجَّتِهِم في ذلكَ: قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: "من أعتَقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ، وكان لهُ مالٌ يبلُغُ ثمنَ العبدِ، قُوِّمَ عليه قيمَةُ عَدْلٍ فأعطَى شُركاءَهُ حِصَصهُم، وأعتَقَ عليه العبدُ" . قالوا: فلم يقضِ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعِتقِ العَبدِ إلّا بعد أن يأخُذ الشُّركاءُ حِصَصهُم، فمن (١) أعتَقهُ قبل ذلك فقد خالفَ نصَّ السُّنَّةِ في ذلكَ.

    قالوا: ومعلُومٌ أَنَّهُ يعتِقُ على الإنسانِ ما يَمْلِكُهُ، لا مِلكُ غيرِهِ، وإنَّما يملِكُهُ بأداءِ القِيمَةِ إلى شَريكِهِ إذا طلَبَ الشَّريكُ ذلكَ، ألا تَرَى أَنَّهُ لو كان مُعسِرًا، لا يُحكَمُ عليه بعِتق؟

  28. وفي ذلك دليلٌ واضِحٌ على اسْتِقرارِ مِلْكِ الذي لم يعتِقْ بغيرِ عِتْقِ شَريكِهِ لنَصيبِهِ، وإذا كان مِلكُهُ ثابتًا مُسْتقِرًّا، استحالَ أن يعتِقَ على الآخرِ ما لم يَمْلِكهُ، فإذا قُوِّمَ عليه، وحُكِمَ بأداءِ القيمَةِ إليه، مَلَكهُ، ونفَذَ عِتقُ جميعِهِ بالسُّنَّةِ في ذلك.

  29. والسُّنّةُ في هذا، كالسُّنَّةِ في الشُّفعةِ؛ لأنَّ ذلكَ كلَّهُ نَقْلُ مِلكٍ بعِوَضِ على غيرِ تَراضٍ، أحْكَمتهُ الشَّريعةُ وخصَّتهُ، إذا طلَبَ الشَّريكُ أوِ الشَّفيعُ ما لهما من ذلك.

  30. وليسَ ما رواهُ أيُّوبُ، من قولِهِ: "فهُو عِتقٌ" مُخالِفًا لِما رواهُ مالكٌ، بل هُو مُجملٌ، فسَّرهُ مالكٌ في رِوايتِهِ، ومُبهمٌ أُوضَحَهُ؛ لأنَّهُ يحتمِلُ قولَهُ: "فهُو عَتِيقٌ كلُّهُ" ، أو "فهُو مُعتقٌ كلُّهُ" ، أي: بعدَ دفع القيمَةِ إلى الشُّركاءِ.

  31. وأكثرُ أحوالِهِم في ذلك، أن يحتمِلَ الحديثُ الوجهينِ جميعًا، فإذا احتملهما، فمعلُومٌ أنَّ العبدَ رقيقٌ بيَقينٍ، ولا يعتِقُ إلّا بتقينٍ، واليَقِينُ ما اجتمَعَ عليه من حُرِّيَّتِهِ بعدَ دفع القِيمَةِ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ.

  32. ولم يختلِفْ قولُ الشّافِعيِّ: أنَّ المُعتِقَ لِحِصَّتِهِ من عبدٍ بينهُ وبين غيرِهِ، وهُو مُعسِرٌ في حينِ تكلَّمَ بالعِتقِ، أنَّهُ لا شيءَ عليه من سِعايةٍ ولا غيرِها، وأنَّهُ لا يعتِقُ من العبدِ غيرَ تلكَ الحِصَّة (١) . وهُو قولُ مالكٍ في عِتْقِ المُعْسِرِ، وقولُ أحمد بن حَنْبل، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرِ، وأبي عُبَيدٍ وداود، والطَّبريِّ.

    وقال مالكٌ: إن ماتَ المُعتِقُ المُوسرُ قبلَ أن يُحكَمَ عليه بعِتقِ الباقي، لم يُحكَم على وَرَثتِهِ بعِتقِ ذلك.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : يُحكَمُ بعِتْقِهِ إذا ماتَ، ولو أتَى على ترِكتِهِ، إلّا أن يعتِقَ في المَرَضِ، فيقوَّمُ في الثُّلُثِ.

    وقال سُفيانُ: إن كان للمُعتِق حِصَّتهُ من العَبدِ مالٌ، ضمِنَ نصيبَ شَريكِهِ، ولم يرجِعْ به على العَبدِ، ولا سِعايةَ على العبدِ، وكان الوَلاءُ لهُ، وإن لم يكُن لهُ مالٌ فلا ضمانَ عليه، وسَواءٌ نقصَ من نصيبِ الآخرِ أو لم ينقُصْ، ويَسْعَى العبدُ في نِصفِ قيمَتِهِ حِينَئذٍ (٣) . وكذلكَ قال أبو يوسُف، ومحمدُ بن الحسنِ.

    ج ٩ ص ١٧٦
  33. وفي قولِهِم يكونُ العبدُ كلُّهُ حُرًّا ساعةَ أعتَقَ الشَّريكُ نصيبَهُ، فإن كان مُوسِرًا ضمِنَ لشريكِهِ قيمَةَ نِصفِ عبدِهِ، وإن كان مُعسِرًا، سَعَى العبدُ في ذلك الذي لم يعتِقْ، ولا يرجِعُ على أحَدٍ بشيءٍ، والولاءُ كلُّهُ للمُعتقِ، وهُو بمَنْزِلةِ الحُرِّ في جميع أحكامِهِ، ما دامَ في سِعايتِهِ، من يوم أُعتِقَ، يرِثُ ويُورَثُ.

  34. وعنِ ابن شُبرُمةَ وابنِ أبي ليلى (٤) مِثلُهُ، إلّا أنَّهُما جَعَلا للعبدِ أن يرجِعَ على المُعتِقِ بما سَعَى فيه مَتَى أيسَرَ.

  35. وقد جاءَ عن ابن عبّاسٍ: أَنَّهُ جعَلَ المُعتَقَ بعضُهُ، حُرًّا في جميع أحكامِه (١) .

    وقال أبو حنيفةَ (٢) : إذا كان العبدُ بين اثْنَينِ، فأعتَقَ أحدهُما نصيبهُ وهُو مُوسِرٌ، فإنَّ الشَّريكَ بالخيارِ، إن شاءَ أعتَقَ نصيبهُ، كما أعتَقَ صاحِبَهُ، وكان الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ اسْتَسْعَى في نِصفِ قيمتِهِ، ويكونُ الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ ضمَّنَ شَرِيكَه نِصفَ قِيمتِهِ، ويرجِعُ الشَّريكُ بما ضُمِّنَ من ذلكَ على العبدِ، يَسْتسعيهِ فيه إن شاءَ، ويكونُ الولاءُ كلُّهُ للشَّريكِ وهُو عبدٌ ما بَقِي عليه من السِّعايةِ شيءٌ، وإن كان المُعتِقُ مُعسِرًا، فالشَّريكُ الآخَرُ بالخيارِ، إن شاءَ ضمَّنَ العبدُ نِصفَ قيمتِهِ يُسْعَى (٣) فيها، الولاءُ بينهُما، وإن شاءَ أعْتَقهُ كما أعتَقَ صاحِبَهُ، والولاءُ بينهُما.

    وقال أبو حنيفةَ: العبدُ المُسْتَسعى ما دامَ عليه سِعايةٌ، بمَنزِلةِ المُكاتبِ في جميع أحكامِهِ، فإن ماتَ أُدِّي من مالِهِ لسِعايتِهِ، والباقي لوَرثتِه (٤) .

    ج ٩ ص ١٧٧
  36. وقد ذكَرْنا الاختِلافَ في هذه المسألةِ في المُكاتَبِ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ، في قِصَّةِ بَرِيرةَ.

    قال زُفَرُ: يعتِقُ العبدُ كلُّهُ، على المُعتِق حِصتهُ، ويُتبعُ بقيمةِ (٥) حِصَّةِ شَرِيكِهِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا (٦) . وقد رُوي عن زُفَر مِثلُ قول أبي يوسُفَ.

    قال أبو عُمر: لم يقُل زُفرُ بحديثِ ابن عُمرَ، ولا بحديثِ أبي هُريرةَ في هذا البابِ، وكذلكَ أبو حَنِيفةَ لم يقُل بواحدٍ من الحَدِيثينِ على وجهِهِ، وكلُّ قولٍ خالَفَ السُّنَّةَ فمردُودٌ، واللّه المُستعانُ.

  37. وقد قيلِ في هذه المسألةِ أقوالٌ غيرُ ما قُلنا شاذَّةٌ، ليسَ عليها أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ أهل الفُتيا اليومَ، منها: قولُ ربيعةَ بن أبي (١) عبدِ الرَّحمنِ، قال: فمَنْ أعتَقَ حِصَّةً لهُ من عبدٍ، أنَّ العِتقَ باطِلٌ، مُوسِرًا كان المُعتِقُ أو مُعسِرًا (٢) .

    ج ٩ ص ١٧٨
  38. وهذا تجريدٌ لردِّ الحديثِ أيضًا، وما أظُنُّهُ عرفَ الحديث؛ لأَنَّهُ لا يليقُ بمثلهِ ذلك.

  39. وقد ذكر محمدُ بن سيرين، عن بعضِهِم: أنَّهُ جعلَ قِيمةَ حِصَّةِ الشَّريكِ في بيتِ المالِ. وهذا أيضًا خِلافُ السُّنَّة (٣) .

  40. وعنِ الشَّعبيِّ، وإبراهيم، أنَّهُما قالا: الولاءُ للمُعتَقِ ضمِنَ أو لم يَضْمن، وهذا أيضًا خِلافُ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمنْ أعْطَى الثَّمنَ" (٤) .