مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٣٢ من ٧٩

  1. وعن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: من تركَ مالًا يَسِيرًا، فليدَعَهُ لورَثتِهِ، فهُو أفضَلُ (٨) .

    ج ٩ ص ١٨٩
  2. وعن عائشةَ، فيمَنْ تركَ ثمانِ مئةِ دِرْهم: لم يترُك خيرًا فلا يُوصي. أو نحو هذا من القولِ.

  3. وهذا كلُّهُ يدُلُّك على أنَّ الأمرَ بالوصيَّةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ على النَّدبِ، لا على الإيجاب، ولو كانتِ الوَصِيَّةُ واجِبةً في الكِتابِ للوالِدينِ والأقْرَبينَ، كانت مَنْسُوخةً بآيةِ المواريثِ، ثُمَّ ندَبَ رسُولُ الله إلى الوَصِيَّةِ لغيرِ الوالِدينِ، وحضَّ عليها، وقال: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ" (١) . فاستقامَ الأمرُ وبانَ، واللّه المُستعانُ.

    ج ٩ ص ١٩٠
  4. فالوَصيَّةُ مندُوبٌ إليها، مرغُوبٌ فيها، غيرُ واجِبٍ شيءٌ منها.

  5. واتَّفقَ فُقهاءُ الأمْصارِ على أنَّ الوصيَّةَ جائزةٌ في كلِّ مالٍ، قلَّ أو كثُرَ، وقد مَضَى القولُ في الوصيَّةِ بالثُّلُثِ، وأنَّهُ لا يُتَعَدَّى، ولا يُتَجاوَزُ في الوصيَّةِ وما اسْتُحبَّ من ذلكَ، وتلخيصُ وُجُوهِ القولِ فيه مُسْتوعِبًا، في بابِ ابن شِهاب (٢) ، عن عامِرِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.

  6. قرأتُ على عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حُسينِ بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: ١٨٠] ، فكانتِ الوصيَّةُ كذلكَ، حتَّى نسَخَتها آيةُ الميراثِ.

  7. وقرأتُ على أحمد بن قاسم وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن (٤) صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقولُهُ:

    ج ٩ ص ١٩١{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فكان لا يرِثُ مع الوالِدينِ غيرُهُم إلّا وصيَّةً، إن كان للأقْربينَ، فأنزلَ اللهُ بعد هذا: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: ١١] فبيَّن سُبحانهُ ميراثَ الوالِدينِ، وأقرَّ وصيَّةَ الأقْرَبينَ في ثُلُثِ مالِ الميِّت (١) .

    قال أبو عُمر: مذهبُ مالكٍ وسائرِ الفُقهاءِ، أنَّ الوَصِيَّةَ نَسَختِ الوارثينَ خاصَّةً، الوالِدينِ منهُم، والأقربينَ، وبقي منها ما كان لغيرِ الوارثينَ، والِدَينِ كانوا، أو أقربينَ.

  8. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢) . وحدَّثنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ الدِّمشقيُّ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) :

    ج ٩ ص ١٩٢حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن نَجْدةَ؛ قالوا كلُّهُم: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاش (١) ، عن شُرَحبيل بن مُسلِم، سَمِعهُ يقولُ: سَمِعتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يقولُ: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في خُطْبتِهِ عامَ حَجَّةِ الوَداع: "إنَّ الله قد أعْطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" . اللَّفظُ لحديثِ ابن أبي شيبةَ.

  9. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادِ بن الأعْرابيِّ أبو سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن محمدٍ بن الصَّبّاح الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم والحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن غَنم، عن عَمرِو بن خارِجةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبهُم وهُو على راحِلتِهِ، فقال: "إنَّ اللهَ قد قَسَمَ لكلِّ وارِثٍ نَصِيبَهُ من الميراثِ، فلا تجُوزُ وَصِيَّة لوارِثٍ" (٢) .

  10. وأخبرنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسين (٣) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن الهيثم النّاقِدُ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ القَطِيعيُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ،

    ج ٩ ص ١٩٣عن ابن جُرَيج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ، إلّا أن يُجيزَها الوَرَثةُ" (١) (٢) .

    قال أبو عُمر: لا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ الوَصِيَّةَ للأقارِبِ أفضَلُ من الوصيَّةِ لغيرِهِم إذا لم يكونُوا وَرَثةً وكانوا في حاجَةٍ، وكذلك لا خِلافَ عَلِمتهُ بين العُلماءِ في جَوازِ وصيَّةِ المُسلِم لقرابتِهِ الكُفّارِ؛ لأنَّهُم لا يَرِثُونهُ، وقد أوصَتْ صفيَّةُ بنتُ حُيَيّ لأخ لها يهُوديٍّ (٣) .

  11. واختلفُوا فيمَنْ أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ الذين لا يرثُونَ، فرُوِيَ عن عُمرَ: أنَّهُ أوصى لأُمَّهاتِ أولادِهِ، لكلِّ واحدةٍ بأربعةِ آلاف (٤) ، ورُوِيَ عن عائشةَ: أنَّها أوصَتْ لمولاةٍ لها بأثاثِ البيتِ. ورُوِيَ عن سالم مِثلُ ذلك.

    قال الضَّحّاكُ: إن أوصى لغيرِ قَرابتِهِ، فقد ختَمَ عملهُ بمَعْصيةٍ.

    وقال طاوُوسٌ: من أوْصَى فسمَّى غيرَ قَرابتِهِ، وترَكَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ، رُدَّت وصيَّتُهُ على قَرابتِهِ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ. وهُو مشهُورٌ عن طاوُوسٍ. ورُوَي عن الحسنِ البصريِّ مِثلُهُ.

    وقال الحسنُ أيضًا، وجابرُ بن زيدٍ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وتَرَكَ قرابتَهُ، فإنَّهُ يُرَدُّ إلى قَرابتِهِ ثُلُثا الثُّلُثِ، ويُمضَى ثُلُثُهُ لمن أوْصَى لهُ.

  12. أخبرنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا المُثنَّى بن أحمد، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن الحسنِ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وجابرِ بن زيدٍ، فذكرهُ (١) ؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوية. ذكرهُ إسحاقُ الكوسجُ عنهُ، حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدِ بن أحمد وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، عن إسحاقَ، فذَكَرهُ.

    وقال مالكٌ، وسُفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم: إذا أوْصَى لغيرِ قَرابتِهِ، وتركَ قَرابتَهُ محُتاجين أو غيرَ مُحتاجينَ، جازَ مما صنَعَ، وبِئسَ ما فَعَل، إذا تركَ قَرابتَهُ مُحتاجينَ وأوصى لغيرِهِم. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٢) .

    ج ٩ ص ١٩٤
  13. وهُو قولُ عُمرَ، وعائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادةَ، وسَعيدِ بن جُبَير (٣) . وجُمهُورُ أهلِ العِلم.

  14. واحتجَّ الشّافِعيُّ، وغيرُهُ، في جَوازِ الوصيَّةِ لغيرِ الأقارِبِ، بحديثِ عِمرانَ بن حُصَينٍ، في الذي أعتَقَ سِتّةَ أعبُدٍ لهُ عندَ موتِهِ في مَرضِهِ، لا مالَ لهُ غيرُهُم، فأقَرَعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينهُم، فأعتَقَ اثْنَينِ، وأرقَّ أربعةً (٤) .

  15. فهذه وصيَّةٌ لهم في ثُلُثِهِ؛ لأنَّ أفعالَ المريضِ كلَّها وصيَّةٌ في ثُلُثِهِ، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابِتِهِ.

  16. وحسبُك بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحديثِ يُجيزُونَ الوصيَّةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لكَ المُرادَ من معاني الكِتابِ، وباللّه العِصمةُ والتَّوفيقُ.

    ج ٩ ص ١٩٥
  17. ذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَتادةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، في رجُلٍ أوْصَى بثُلُثِهِ في غيرِ قَرابتِهِ، قال: يُمضَى حيثُ أوْصَى.

  18. وذكر حمّادُ بن سَلَمةَ أيضًا، عن حُميدٍ الطَّويلِ: أنَّ ثُمامةَ بن عبدِ الله كتَبَ إلى خالدٍ (١) يسألُهُ عن رجُلٍ أوصى بثُلُثِهِ في غيرِ قرابتِهِ، فكتَبَ خالدٌ: أنْ أمضِهِ كما قال، وإن أمر بثُلُثِهِ أن يُلقى في البحرِ. قال حُميدٌ: وقال محمدُ بن سيرينَ: أمّا في البحرِ فلا، ولكِن يُمضى كما قال (٢) .

  19. وذكَرَ وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامِرٍ، قال: للرَّجُلِ ثُلُثُهُ عندَ موتِهِ يطرحُهُ في البحرِ إن شاءَ (٣) .

  20. ووكيعٌ، عن طَلْحةَ بن عَمْرٍو الحضرميِّ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكُم بثُلُثِ أموالِكُم عندَ وفاتِكُم، زيادةً لكُم في أعمالكُم" (٤) .

  21. والمُباركُ بن حسّانٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ابنَ آدمَ، اثْنَتانِ لم يَكُن لكَ واحدةٌ منهُما، جَعَلتُ لكَ

    ج ٩ ص ١٩٦نَصِيبًا من مالكَ حينَ أخَذتُ بكَظَمِكَ (١) لأُطهِّرَكَ وأُزكِّيَكَ، وصَلاةُ عِبادي عليكَ " (٢) .

  22. ودُرُستُ بن زيادٍ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، قال: كُنّا عندَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسُولَ الله، ماتَ فُلانٌ، قال: "أو ليسَ كان عندَنا آنِفًا؟ "، قالوا: بَلَى، قال: " سُبحانَ الله، أَخْذَةَ أسفٍ على غَضبٍ، المحرُومُ من حُرِمَ وصيَّتَهُ" (٣) .

  23. وثورُ بن يزيد، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: إنَّ اللهَ تصدَّقَ علينا بثُلُثِ أموالِنا، زيادةً في أعمالِنا.

    قال أبو عُمر: تَرَكتُ الأسانيدَ بيني وبينَ رُواةِ هذه الأحاديثِ، وهي أحاديثُ حِسانٌ، ولَيْست فيها حُجَّةً من جِهةِ الإسنادِ؛ لأنَّ في نَقَلتِها ضعفًا، وأصَحُّ منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال:

    ج ٩ ص ١٩٧حدَّثنا بَكْرُ بن حمّادٍ؛ قالا (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ عَمرِو بن جريرٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله، أيُّ الصَّدقةِ أفْضَلُ؟ قال: "أن تصدَّقَ وأنتَ صَحِيحٌ حريصٌ، تأمُلُ البَقاءَ، وتخشى الفقر، ولا تُمهِلْ حتَّى إذا بَلَغتِ الحُلقُوم، قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا" . زاد عبدُ الوارثِ: "وقد كان لفُلانٍ" .

  24. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن مُطرِّفٍ، عن أبيهِ، قال: أتيتُ النَّبيَّ عليه السَّلامُ وهُو يقرأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: ١] ، فقال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وما لكَ من مالكَ إلّا ما أكلتَ فأفْنَيتَ، أو لبِستَ فأبْلَيتَ، أو تَصدَّقتَ فأمْضَيتَ" (٢) .

  25. ورواهُ شُعبَةُ (٣) ، وسعيدُ بن أبي عَرْوبةَ (٤) ، عن قتادةَ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، مِثلهُ سَواءً.

  26. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، قال: أخْبَرني ابنُ أبي ذِئبٍ، عن شُرَحبيلَ بن سعدٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأنْ يَتَصدَّقَ المرءُ في حَياتِهِ بدِرهم، خيرٌ من أن يَتَصدَّقَ بمئةٍ عندَ موتِهِ" .

    ج ٩ ص ١٩٨
  27. وروى موسى بن عُقْبةَ وشُعبةُ (٢) والثَّوريُّ (٣) ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي حَبِيبةَ الطّائيِّ، قال: سمِعتُ أبا الدَّرداءِ، يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله يقولُ: "مَثَلُ الذي يُعتِقُ عندَ الموتِ، مَثَلُ الذي يُهدي إذا شَبِعَ" .

  28. ورواهُ أبو الأحوصِ، وجماعةٌ، عن أبي إسحاقَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ (٤) .

  29. ومِن حديثِ أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ (٥) .

  30. وذكَرَ وكيعٌ، عن الثَّوريِّ والأعمشِ، عن زُبَيْد (٦) ، عن مُرَّةَ، عن عَبدِ الله بن

    ج ٩ ص ١٩٩مَسْعُودٍ، في قولِهِ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: ١٧٧] ، قال: أن تُؤتيَهُ وأنتَ صحيحٌ شَحِيحٌ، تأمُلُ العيشَ، وتخشَى الفقرَ (١) .

  31. وذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: من أوْصَى بوَصيَّةٍ، فلم يُضارَّ فيها، ولم يَجْنِفْ (٢) كانت بمَنزِلةِ ما لو تصدَّقَ بها وهُو صَحِيحٌ (٣) .

  32. حدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: الإضْرارُ في الوَصيَّةِ من الكَبائرِ (٤) . ثُمَّ قرأ: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} إلى قولِهِ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: ١٢ - ١٤] . قال: في الوصيَّةِ. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: ١٣] قال: في الوَصيَّة (٥) .

  33. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا عبدَةُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا (٧)

  34. نصرُ بن عليٍّ الحُدّانيُّ، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ بن جابرٍ الحُدّانيُّ، قال: حدَّثنا شَهْرُ بن حَوْشبٍ، أنَّ أبا هُريرةَ حدَّثهُ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ، أوِ المرأةَ، بطاعَةِ الله سِتِّينَ أو سبعينَ سنةً، ثُمَّ يحضرُهُما الموتُ، فيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ، فتَجِبُ لهما النّارُ" . وقَرَأ أبو هُريرةَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: ١٢] .

    ج ٩ ص ٢٠٠
  35. وفي (١) روايةِ مَعْمَر: إنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بعَمَل أهلِ الشّرِّ سبعينَ سَنَة ثم يَعدِلُ في وصيتِهِ، فيُختمُ له بخيرِ عَمَلِه، فيدخُلُ الجنةَ. ولم يقل معمر: ابن جابرٍ الحُدّاني.

  36. ورَوَى الثَّوريُّ ومَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: الجَنَفُ، أن يُوصيَ لابنِ ابْنتِهِ وهُو يُريدُ أبنتَهُ. ويقولُ طاوُوسٌ: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (٢) .

  37. ورُوي عن ابن عبّاسٍ في تفسيرِ الجَنَفِ مِثلُ قولِ طاوُوس (٣) .

    وقال الحسنُ: هُو أن يُوصِيَ للأجانِبِ، ويترُكَ الأقارِبَ. وأصلُ الجَنَفِ في اللُّغةِ: الميلُ، ومعناهُ في الشَّريعةِ: الإثمُ.

    قال أبو عُمر: جُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ الوَصيَّةَ لا تجُوزُ لوارِثٍ، على حالٍ من الأحوالِ، إلّا أن يُجيزَها الوَرَثةُ بعد مَوْتِ المُوصِي، فإن أجازَها الوَرَثةُ بعد الموتِ، فجُمهُورُ العُلَماءِ على جَوازِها.

  38. ومِمَّن قال ذلكَ: مالكٌ، وسُفيانُ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.

    وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: اختلَفَ أصحابُنا في الوصيَّةِ للوارِثِ، فقال بعضُهُم:

    ج ٩ ص ٢٠١هي وصيَّةٌ صَحِيحةٌ، وللوارِثِ الخيارُ في إجازَتها أو رَدِّها، فإن أجازُوا، فإنَّما هُو تنفيذٌ لِما أوصى به الميِّتُ. وقال بعضُهُم: لَيْست وصيَّةً صحيحةً، فإن أجازُوا فهي عَطِيَّةٌ منهُم مُبتَدأةٌ (١) .

    وقال المُزنيُّ، وداودُ، وأهلُ الظّاهِرِ: لا تجُوزُ وإن أجازَها الوَرَثةُ، وحسبُهُم أن يُعطُوهُ من أموالِهِم ما شاؤُوا (٢) . وحُجَّتُهُم أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا وَصِيَّةَ لوارِثٍ" (٣) ، ولم يَقُل: إلّا أن يُجِيزَها الوَرَثةُ.

  39. وسائرُ العُلَماءِ من التّابِعينَ ومن بعدَهُم من الخالِفينَ يُجيزُونها؛ لأنَّهُم يَرَونَها عطيَّةً من الوَرَثةِ، بعضِهم لبعضٍ، فلذلك اعتَبرُوا فيها الجَوازَ بعدَ موتِ المُوصي؛ لأنَّهُ حينئذٍ يَصِحُّ مِلكُهُم، وتَصِحُّ عطيّتهُم.

  40. واختلفَ الفُقهاءُ في إجازَةِ الوَرَثةِ الوصيَّةَ في حياةِ المُوصي إذا أوصَى لوَرثتِهِ، أو بأكثرَ من ثُلُثِهِ واسْتَأذَنهُم في ذلكَ وهُو مَريضٌ، فقال مالكٌ: إذا كان مريضًا واستأذِنَ وَرَثتَهُ في أن يُوصيَ لوارِثٍ، أو يُوصِيَ بأكثرَ من ثُلُثِهِ، فأذِنُوا لهُ وهُو مريضٌ محجُوبٌ (٤) عن أكثرَ من ثُلُثِهِ، لَزِمهُم ما أجازُوا من ذلك (٥) .