مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٣٤ من ٧٩

  1. وذكر أبو التَّمّام، قال: قال مالكٌ: زكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ. وبه قال أهلُ العِلم، كلُّهُم، إلّا بعضَ أهلِ العِراقِ، فإنَّهُ قال: سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ.

    قال أبو عُمر: اختلَفَ المُتأخِّرُون من أصحابِ مالكٍ في هذه المسألةِ، فقال بعضُهُم: هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقال بعضُهُم: هي فرضٌ واجِبٌ (٢) . ومِمَّن ذهَبَ إلى مذاهِبِهِم: أصْبغُ بن الفَرج.

    ج ٩ ص ٢١٥
  2. وكذلكَ اختلفَ أصحابُ داود بن عليٍّ فيها أيضًا على قولينِ، أحدُهُما: أنَّها فرضٌ واجِبٌ، والآخِرُ: أنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ. وسائرُ العُلماءِ على أنَّها واجِبةٌ (٣) .

  3. وأمّا قولُ ابنِ عُمرَ في هذا الحديثِ: فرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقةَ الفِطْر (٤) . فإنَّهُ يحتمِلُ وجهينِ: أحدُهُما، وهُو الأظْهَرُ فرضَ، بمعنَى: أوجبَ. والآخرُ فرضَ، بمعنى: قدَّرَ، من المِقدارِ، كما تقولُ: فرضَ القاضي نَفَقةَ اليتيم، أي: قَدَّرها وعرَّف مِقْدارها.

  4. والذي أذهَبُ إليه، أنْ لا يُزالُ قولُهُ: "فرضَ" على معنى الإيجابِ، إلّا بدليلِ الإجماع، وذلك معدُومٌ في هذا الموضِع، وقد فهِمَ المُسلِمُونَ من قولِهِ

    ج ٩ ص ٢١٦عزَّ وجلَّ: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: ١١] ، ونحوِ ذلك: أَنَّهُ شيءٌ أوْجَبهُ، وقدَّرهُ، وقَضَى به، وقال الجميعُ للشَّيءِ الذي أوْجَبهُ الله: هذا فرضٌ.

  5. وما أوجَبهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فعَنِ الله أوجَبهُ، وقد فرضَ اللهُ طاعَتهُ، وحذَّرَ عن مُخالفتِهِ، ففرضُ الله، وفَرْضُ رسُولِهِ سَواءٌ، إلّا أن يقومَ الدَّليلُ على الفَرْقِ بين شيءٍ من ذلكَ، فيُسلَّمَ حينَئذٍ للدَّليلِ الذي لا مدفَعَ فيه، وباللّه التَّوفيقُ.

  6. والقولُ بوُجُوبِها من جِهةِ اتِّباع سبيلِ المُؤمِنينَ واجِبٌ أيضًا؛ لأنَّ القولَ بأنَّها غيرُ واجِبةٍ شُذُوذٌ، أو ضربٌ من الشُّذُوذِ.

  7. ولعلَّ جاهِلًا أن يقولَ: إنَّ زَكاةَ الفِطْرِ لو كانت فَرِيضةً، لكَفَرَ من قال: إنَّها ليست بفَرْضٍ، كما لو قال في زَكاةِ المالِ المفرُوضةِ، أو في الصَّلاةِ المفرُوضةِ: إنَّها لَيْست بفَرْض: كَفَرَ.

  8. فالجوابُ عن هذا ومِثلِهِ: أنَّ ما ثبتَ فرضُهُ من جِهَةِ الإجماع، الذي يَقْطعُ العُذرَ، كُفِّرَ دافعُهُ؛ لأنَّهُ لا عُذرَ لهُ (١) .

  9. وكلُّ فَرْضٍ ثبتَ بدليل، لم يُكَفَّر صاحِبُهُ، ولكِنَّهُ يُجهَّلُ ويُخطَّأُ، فإن تمادَى بعدَ البيانِ (٢) هُجِرَ، وإن لم يَبِن لهُ عُذرٌ بالتَّأويلِ.

  10. ألا تَرَى أنَّهُ قد قامَ الدَّليلُ الواضِحُ على تحريم المُسْكِرِ، ولسنا نُكفِّرُ من قالَ بتَحْليلِهِ؟ وقد قامَ الدَّليلُ على تحريم نِكاح المُتْعةِ، ونكاح المُحْرم (٣) ، ونِكاح السِّرِّ، والصلاةِ بغيرِ قِراءةٍ، وبيع الدِّرْهم بالدِّرهمينِ يدًا بيدٍ، إلى أشياءَ يطُولُ ذِكرُها من فَرائضِ الصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، وسائرِ الأحْكام، ولَسْنا

    ج ٩ ص ٢١٧نُكفِّرُ من قال بتحليلِ شيءٍ من ذلكَ؛ لأنَّ الدَّليلَ في ذلكَ يُوجِبُ العملَ، ولا يقطَعُ العُذْرَ، والأمرُ في هذا واضِحٌ لمن فهِم.

  11. وقد ذكَرَ أبو داودَ (١) ، وغيرُهُ من حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرةً للصّائم من اللَّغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمَساكينِ، من أدّاها قبلَ الصَّلاةِ فهي زكاةٌ مقبُولةٌ، ومن أدّاها بعدَ الصَّلاةِ فهي صَدَقةٌ من الصَّدَقاتِ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُ ابن عبّاسٍ (٢) في هذا الحديثِ: فمن أدّاها قبلَ الصَّلاةِ، فقد رُوِي مِثلُهُ عن ابن عُمرَ أيضًا، رواهُ موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بزَكاةِ الفِطْرِ أن تُؤَدَّى قبلَ أن يخرُجَ النّاسُ إلى الصَّلاةِ. قال: وكان عبدُ الله بن عُمرَ يُؤَدِّيها قبلَ ذلك باليوم واليومين (٣) .

  12. واختلَفَ الفُقهاءُ في الوقتِ الذي بإدراكِهِ، تجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ على مُدْرِكِهِ (٤) ، فذكَرَ أبو التَّمّام (٥) قال: تَجِبُ زَكاةُ الفِطرِ عندَ مالكٍ بإدراكِ أوَّلِ جُزءٍ من يوم الفِطْر. في إحدى الرِّوايتينِ عنهُ.

    ج ٩ ص ٢١٨قال: وقال العِراقيُّ: تجِبُ بآخِرِ جُزءٍ من ليلةِ الفِطْرِ، وأوَّلِ جُزءٍ من يوم الفِطْرِ.

    قال: وقال الشّافِعيُّ: لا تُجِبُ حتَّى يُدرِكَ جُزءًا من آخِرِ نهارِ رمضانَ، وجُزءًا من ليلةِ الفِطْر (١) .

    قال أبو عُمر: أمّا نُصُوصُ أقوالِهِم في الوَقْتِ الذي تجِبُ فيه زَكاةُ الفِطْرِ، فقال مالكٌ: في رِوايةِ ابن القاسم، وابنِ وَهْبٍ، وغيرِهِما عنهُ: تَجِبُ بطُلُوع الفجرِ من يوم الفِطْر (٢) .

  13. وذكرُوا عنهُ مسائلَ، إن لم تكُن على الاسْتِحبابِ، فهي تُناقِضُ على أصلِهِ هذا، منها:

    أنَّهُم روَوْا عنهُ في المولُودِ يُولَدُ ضُحى يوم الفِطرِ، أَنَّهُ يُخرِجُ عنهُ أبوهُ زَكاةَ الفِطْرِ. رواهُ أشهبُ، وغيرُهُ عنهُ.

    وقال ابنُ وَهْب عنهُ: لو أدَّى زَكاةَ الفِطرِ صَبِيحةَ يوم الفِطرِ، ثُمَّ وُلدَ لهُ في ذلكَ اليوم مولُودٌ، أوِ اشْتَرى عبدًا، رأيتُ أن يُخرِجَ عن المولُودِ والعبدِ زَكاةَ الفِطْرِ. قال: وهُو في الوَلدِ أبينُ. قال: ومن أسلمَ يومَ الفِطْرِ، فعليهِ صَدَقةُ الفِطْر (٣) .

  14. واختلف قولُهُ في العبدِ يُباعُ يومَ الفِطْرِ، فقال مرَّةً: يُزكِّي عنهُ المُبتاعُ. ثُمَّ قال: بلِ البائعُ. واختار ابنُ القاسم (٤) .

  15. ولم يختلِف قولُهُ: أنَّ من وُلِدَ لهُ مولُودٌ بعدَ يوم الفِطْرِ، أنَّهُ لا يَلْزمُهُ فيه شيءٌ. وهذا إجماعٌ منهُ، ومِن سائرِ العُلَماءِ.

    ج ٩ ص ٢١٩وقال اللَّيثُ: إذا وُلِد المولُودُ بعدَ صلاةِ الفِطْرِ، فعَلَى أبيهِ عنهُ زكاةُ الفِطرِ. قال: وأُحِبُّ ذلكَ للنَّصرانيِّ يُسلِمُ ذلكَ الوقتَ، ولا أراهُ واجِبًا عليه (١) .

  16. وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، فلم يختلِف قولُهُم أنَّها (٢) تجِبُ بطُلُوع الفَجْرِ من يوم الفِطْر. وهُو قولُ الطَّبَريِّ، فكلُّ من كان عِندهُ مِمَّن يَلْزمُهُ عنهُ زَكاةٌ الفِطْرِ قبلَ طُلُوع الفَجْرِ من ذلكَ اليوم، فقد وَجَبت عليه الزَّكاةُ عنهُ، ومن جاءَ بعد طُلُوع الفَجْرِ، فلا شيءَ عليه.

    وقال الشّافِعيُّ: إنَّما تَجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ عَمَّن كان عندَهُ، وكان حيًّا، في شيءٍ من اليوم الآخِرِ من رمضانَ، وغابَتْ عليه الشَّمسُ من ليلةِ شوّالٍ، فإن وُلِدَ لهُ، أو مَلَك عبدًا بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ من ليلةِ الفِطْرِ، فلا زَكاةَ في شيءٍ من ذلكَ.

  17. وكذلكَ رَوَى أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تجِبُ بغُرُوبِ الشَّمسِ، من (٣) ليلةِ الفِطر.

  18. وقال اللَّيثُ في هذه المسألةِ نحوَ قولِ مالكٍ في رِوايةِ ابن القاسم على ما تقدَّم.

    وقال الأوزاعيُّ: من أدركَ ليلةَ الفِطْرِ، فعليه زكاةُ الفِطْرِ.

  19. وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ ببغدادَ: إنَّما تَجِبُ زكاةُ الفِطرِ بطُلُوع الفجرِ من يوم الفِطرِ. ثُمَّ رجعَ إلى ما ذكَرْنا عنهُ بمصرَ.

  20. ومِثلُ قولِهِ البغداديِّ قال أبو ثَوْرٍ.

  21. وقال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَةَ بقولِهِ المِصريِّ سواءً.

    ج ٩ ص ٢٢٠وقال بعضُ أهلِ العِلم: تَجِبُ زكاةُ الفِطْرِ في المولُودِ والعَبْدِ وغيرِهِم، إلى أن تُصلَّى صَلاةُ العيدِ، فمَنْ وُلِدَ لهُ، أو كسَبَ مملُوكًا بعد ذلكَ، في ذلك اليوم، فلا شيءَ عليه فيه.

  22. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في وُجُوبِها على الفُقَراءِ (١) ، فرَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، أنَّهُ قال في رَجُلٍ لهُ عبدٌ لا يَملِكُ غيرَهُ، قال: عليه فيه زَكاةُ الفِطْرِ. قال مالكٌ: والذي ليسَ لهُ إلّا مَعِيشةُ خمسةَ عشَرَ يومًا أو نحوِها، والشَّهرِ ونَحْوِهِ، عليه زكاةُ الفِطْرِ. قال مالكٌ (٢) : وإنَّما هي زَكاةُ الأبْدان (٣) .

  23. ورَوَى عنهُ أشهبُ: أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ لا تجِبُ على من ليسَ عندَهُ. ورُوي عن مالكٍ أيضًا: أنَّ عليه صَدَقةَ الفِطْرِ، وإن كان مُحتاجًا. ورُوي عنهُ: أنَّهُ من كان لهُ أن يأخُذَ صَدَقةَ الفِطْرِ، فليسَ عليه أن يُؤَدِّيَ عن نَفسِهِ.

  24. وذكَرَ أبو التَّمّام، قال مالكٌ: زَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ على الفَقِيرِ الذي يفضُلُ عن قُوتِهِ صاعٌ، كوُجُوبِها على الغنيِّ. قال: وبه قال الشّافِعيُّ.

    قال أبو عُمر: وذكَرَ الطَّحاويُّ: قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا تجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ على من يحِلُّ لهُ أخَذُ الصَّدقةِ المفرُوضةِ. ويحِلُّ عندَهُم أخذُها لمنْ ليسَ لهُ مِئَتا دِرْهم، على ما ذكَرْنا عنهُم، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، فلا تَلْزمُ زَكاةُ الفِطْرِ عندَهُم، إلّا على من ملكَ مِئَتي دِرْهم.

    وقال الشّافِعيُّ (٤) : من مَلكَ قُوتَهُ وقُوتَ من يَمُونُهُ يومَهُ ذلكَ، وما يُؤَدِّي به عنهُ وعنهُم زكاةَ الفِطْرِ، أدّاها عنهُ وعنهُم، فإن لم يكُن عندَهُ بعدَ قُوتِ اليوم

    ج ٩ ص ٢٢١إلّا ما يُؤَدِّي عن بعضٍ، أدَّى عن بعضٍ، وإن لم يَكُن عندَهُ إلّا قُوتُ يوم دُونَ فَضْلٍ، فلا شيءَ عليه. وهُو قولُ الطَّبَريِّ.

    قال عُبيدُ الله بن الحسن: إذا أصابَ فَضْلًا عن غدائهِ وعَشائهِ، فعليه أن يأخُذَ ويُعطيَ صَدَقةَ الفِطْر (١) .

    وقال ابنُ عُليَّةَ: زَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ على كلِّ من كان عندَهُ فَضْلٌ، عن نفسِهِ، وعمَّن يَمُونُ من أهلِهِ.

    قال: وهي واجِبةٌ على الأطفالِ، والصِّغارِ (٢) والكِبارِ، من العبيدِ والأحرارِ.

    قال: وهي واجِبةٌ على الرَّجُلِ في كلِّ من يَمُونُ من عيالِهِ وعَبيدِهِ.

  25. وقد رُوي من حديثِ الزُّهْريِّ، عن ثعلَبةَ بن عبدِ الله بن أبي صُعَيرٍ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقةُ الفِطْرِ صاعٌ من بُرٍّ بين اثْنَينِ، أو صاع من تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، على كلِّ رأسٍ، صغيرًا كان أو كبيرًا، غنيًّا كان أو فقيرًا، حُرًّا أو عَبْدًا، فأمّا غَنيُّكُم فيُزكِّيهِ الله، وأمّا فَقِيرُكُم فيرُدُّ اللهُ عليه أكثرَ مِمّا أعْطَى" (٣) . وليسَ دُونَ الزُّهريِّ في هذا الحديثِ من تقومُ به حُجَّةٌ، واختُلِف عليه فيه أيضًا.

  26. وأجمعُوا أنَّ الأعرابَ وأهلَ الباديةِ، في زكاةِ الفِطْرِ، كأهلِ الحَضَرِ سَواءٌ (٤) ،

    ج ٩ ص ٢٢٢إلّا اللَّيثَ بنَ سَعْد (١) ، فإنَّهُ قال: ليسَ على أهلِ العمُود (٢) ، أصحابِ المظالِّ (٣) والخُصُوصِ (٤) زكاةُ الفِطْرِ. وهذا مِمّا انفردَ به من بينِ هؤُلاءِ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّهُ قد رُوي مِثلُ قولِهِ عن عَطاء (٥) ، والزُّهريِّ وربيعةَ.

    قال أبو عُمر: هؤُلاءِ في الصِّيام كَسائرِ المُسلِمينَ، فكذلك يجِبُ أن يكونوا في زَكاةِ الفِطْرِ كسائرِ المُسلِمينَ؟

  27. واختلفُوا في زَوْجةِ الرَّجُل، هل تُزكِّي عن نفسِها، أو يُزكِّي عنها زوجُها؟ فقال مالكٌ، والشَّافِعيُّ، واللَّيْث، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: على زَوْجِها أن يُخرِجَ زَكاةَ الفِطْرِ عنها، كما يُخرِجُها عن نَفْسِهِ، وهي واجِبةٌ عليه عنها، وعن (٦) كلِّ من يَمُونُ، مِمَّن تَلْزمُهُ نَفقتُهُ (٧) .

    وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: ليسَ على الزَّوج أن يُطعِمَ عن زَوْجتِهِ، ولا عن خادِمِها، وعليها أن تُطعِمَ زَكاةَ الفِطرِ عن نَفْسِها، وعن خادِمِها. قالوا: وليسَ على الرَّجُلِ أن يُؤَدِّيَ عن أحَدٍ، إلّا عن وَلدِهِ الصَّغيرِ، وعَبيدِهِ، لا غيرُ (٨) .

  28. وحُجَّتُهُم: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فرضَ زَكاةَ الفِطْرِ على الذَّكرِ والأُنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ.

  29. فالعبدُ لا يَمْلِكُ عندَهُم، وقد ناقَضُوا فيه، وفي الصَّغيرِ.

    وقال داودُ: هي على الحُرِّ والعَبْدِ، والصَّغيرِ والكبيرِ، ولا يُؤَدِّيها حُرٌّ عن عَبْدٍ، ولا كبيرٌ عن صَغِيرٍ.

    قال مالكٌ: من لا بُدَّ لهُ أن يُنفَقَ عليه (١) لَزِمتهُ عنهُ صَدَقةُ الفِطْرِ إن كان العبدُ مُسلِمًا.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : من أجْبَرناهُ على نَفَقتِهِ، من وَلَدِهِ الصِّغارِ والكِبارِ، الزَّمْنَى (٣) الفُقَراءِ، وآبائهِ وأُمَّهاتِهِ، الزَّمنى الفُقراءِ، وزَوْجتِهِ، وخادِم واحدٍ لها، فإن كان لها أكثرُ من خادِم، لم يلزَمْهُ أن يُزكِّيَ عنهُم، ولَزِمَها أن تُؤَدِّيَ زَكاةَ الفِطْرِ عمَّن بَقِيَ من رَقيقِها. وقولُ مالكٍ، وأصحابِهِ في هذا البابِ، نحوُ قولِ الشّافِعيِّ.

    ج ٩ ص ٢٢٣
  30. ذكَرَ أبو الفرج، أنَّ مذهَبَ مالكٍ في صَدَقةِ الفِطْرِ: أنَّها تلزمُ الإنسانَ عن جميع من تَلْزمُهُ نَفَقتُهُ، من ولدٍ، ووالِدٍ، وزَوْجةٍ وخادِمِها، وتلزمُهُ في عَبيدِهِ المُسلِمينَ، وكذلك المُدبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأُمُّ الولدِ، والمرهُونُ، والمُخدَّمُ، والمبيعُ بيعًا فاسِدًا.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: من تَلزَمُهُ نفقتُهُ، فإنَّهُ أرادَ من يُجبَرُ على نَفَقتِهِ بقَضاءِ قاضٍ من غيرِ أن يكونَ أجيرًا، وأصلُهُم في ذلكَ: أنَّها تجِبُ عليكَ عَمَّن تلزمُكَ نَفَقتُهُ بنَسَبٍ، كالأبناءِ الفُقراءِ، أوِ الآباءِ الفُقراءِ، وبِنِكاح، وهُنَّ الزَّوجاتُ، أو مِلْكِ رقٍّ، وهُمُ العبيدُ.

  31. وقد ذكر ابنُ عبدِ الحَكَم، عن مالكٍ، قال (٤) : ليسَ عليه في عبيدِ عَبِيد، ولا في أجِيرِهِ، ولا في رَقيقِ امرأتِهِ، إلّا من كان منهُم يخدِمُهُ، لا بُدَّ لهُ منهُ، وإنَّما

    ج ٩ ص ٢٢٤يَلْزمُهُ من ذلكَ واحدٌ منهُم؛ لأنَّهُ الذي تَلْزمُهُ نفقتُهُ. وهذا قولُهُ في "المُوطَّأ" (١) سواءٌ، فقد نصَّ في الأجيرِ: أنَّهُ لا تلزمُ عليه صَدَقةُ الفِطْرِ.

  32. وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن اللَّيثِ، أنَّهُ أخبَرهُ عن يحيى بن سَعيدٍ، سَمِعهُ يقولُ: يُؤَدِّي الرَّجُلُ عن أهلِهِ ورقيقِهِ، ولا يُؤَدِّي عن الأجيرِ، ولكِنَّ الأجيرَ المُسلِمَ يُؤَدِّي عن نَفسِه (٢) .

    قال: وأخبرني يونُسُ، عن ربيعةَ، أنَّهُ قال في زَكاةِ الفِطْرِ: أنا أُخرِجُها عن نَفْسي، وعن ولدي، وخادِمي، ولا أُخرِجُها عَمَّن يتبَعُني وإن كان مَعِي.

    وقال اللَّيثُ: إذا كانت إجارَةُ الأجيرِ معلُومةً، فليسَ عليه أن يُؤَدِّيَ عنهُ، وإن كانت يَدَهُ مع يديهِ، أدَّى عنهُ.

  33. واختَلفُوا في العبدِ الكافِرِ، والغائبِ المُسلِم، فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ: ليسَ على أحَدٍ أن يُؤَدِّيَ عن عَبدِهِ الكافِرِ صَدَقةَ الفِطْرِ، وإنَّما هي على من صامَ وصلَّى (٣) . وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، والحَسن (٤) .

  34. وحُجَّتُهُم، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن عُمرَ هذا: "من المُسلِمينَ" ، فدلَّ على أنَّ الكافرَ (٥) بخِلافِ ذلك.

    وقال الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّينَ: عليه أن يُؤَدِّيَ زَكاةَ الفِطْرِ عن عَبدِهِ الكافِرِ (٦) .

  35. وهُو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعيدِ بن جُبيرٍ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، والنَّخَعيِّ. ورُوِيَ ذلك عن أبي هُريرةَ، وابنِ عُمرَ (٧) .

  36. واحتجَّ الطَّحاويُّ لأبي حَنِيفةَ في إيجابِ زَكاةِ الفِطْرِ عن العبدِ الكافِر (١) ، بأنْ قال: قولُهُ عليه السَّلامُ: "من المُسلِمينَ" ، يعني: من يَلْزمُهُ إخراجُ الزَّكاةِ عن نَفْسِهِ وعن غيرِهِ، ولا يكونُ إلّا مُسلِمًا، وأمّا العَبْدُ فلم يدخُل في هذا الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يِملِكُ شيئًا، ولا يُفرَضُ عليه شيءٌ، وإنَّما أُريدَ بالحديثِ مالكُ العَبْدِ، وأمّا العبدُ فلا يَلْزمُهُ في نفسِهِ زَكاةُ الفِطرِ، وإنَّما تَلْزمُ مولاهُ المُسلِمَ عنهُ، ألا تَرَى إلى إجماع العُلَماءِ في العَبدِ يَعْتِقُ قبلَ أن يُؤَدِّيَ عنهُ مولاهُ زَكاةَ الفِطْرِ، أَنَّهُ لا يَلْزمُهُ إذا ملكَ بعد ذلكَ مالًا إخراجُها عن نفسِهِ، كما يَلْزمُهُ إخراجُ كَفارَّةِ ما حَنِثَ فيه من الأَيْمانِ وهُو عبدٌ، وأنَّها (٢) لا يُكفِّرُها بصيام؟ ولو لَزِمتهُ صَدَقةُ الفِطْرِ، لأدّاها عن نَفسِهِ بعدَ عِتْقِهِ.

    قال أبو عُمر: قولُهُ عليه السَّلامُ: "من المُسلِمينَ" يَقْضي لمالكٍ والشّافِعيِّ، وهُو النَّظرُ أيضًا؛ لأنَّهُ طُهْرةٌ للمُسلِمينَ وتَزْكيةٌ، وهذا سبيلُ الواجِباتِ من الصَّدقاتِ، والكافِرُ لا يَتَزكَّى، فلا وجَهَ لأدائها عنهُ.

    وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَدِّي العبدُ عن نَفْسِهِ إن كان لهُ مال (٣) . وهُو قولُ داود.

    وقال مالكٌ: يُؤَدِّي زكاةَ الفِطْرِ عن مُكاتبِهِ (٤) . وحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، وعن جَماعةٍ من الصَّحابةِ: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِي عليه شيءٌ" (٥) .

    وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: لا زَكاةَ عليه في مُكاتبِهِ (٦) ؛ لأنَّهُ لا يُنفِقُ عليه وهُو مُنفرِدٌ بكسبِهِ (٧) دُونَ المولى، وجائزٌ لهُ أخذُ الصَّدقةَ (٨) .

    ج ٩ ص ٢٢٦قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمرَ يُؤَدِّي عن مملُوكيهِ الغُيَّبِ والحُضُورِ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتَبيه (١) . ولا مُخَالِفَ لهُ من الصَّحابةِ.

    وقال مالكٌ (٢) : يُؤَدِّي الرَّجُلُ زَكاةَ الفِطرِ عن مملُوكيهِ ورَقيقِهِ كلِّهِم، من كان منهُم لتِجارةٍ، أو لغيرِ تِجارةٍ، رهنًا أو غيرَ رَهْنٍ، إذا كان مُسلِمًا، ومن غابَ منهُم، أو أَبقَ فرَجا رَجْعَتَهُ وحَياتَهُ، زكَّى عنهُ، وإن كان إباقُهُ قد طالَ وأيِسَ منهُ، فلا أرى أن يُزكِّيَ عنهُ. قال: وليسَ لهُ أن يُؤَدِّيَ عن عَبيدِ عبيدِهِ (٣) .

    وقال الشّافِعيُّ (٤) : عليه زكاةُ الفِطرِ في رقيقِهِ المُسلِمين كلِّهِمُ: الحُضُورِ والغُيَّبِ الإباقِ وغيرِهِم، لتِجارةٍ أو لغيرِ تجارةٍ، وكذلكَ العبدُ المرهُونُ، رَجا رَجْعةَ الغائبِ منهُم أو لم يَرْجُها، إذا عرف حياتَهُم؛ لأنَّ كلًّا في مِلْكِهِ، فعَلَيهِ الزَّكاةُ عنهُ، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ.

    قال: ويُزكِّي عن عَبيدِ عبيدِهِ، وعَبيدِ عَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم كلَّهُم عَبيدُهُ؛ ولا يُؤَدِّي عن المُكاتَبِ، ولا على المُكاتَبِ أن يُؤَدِّيَ عن نَفسِهِ، إلّا أن تكونَ الكِتابةُ فاسِدةً، فيُؤَدِّي عنهُ السَّيِّدُ.

    قال الشّافِعيُّ: ومن ملكَ بعضَ عبدٍ، زكَّى عن نصيبِهِ منهُ.

    وقال أبو حَنيفةَ (٥) : يُؤَدِّي زَكاةَ الفِطرِ عن عبيدِهِ، وعَبيدِ عبيدِهِ؛ لأنَّهُم عَبيدُهُ، كُفّارًا كانوا أو مُسلِمينَ، ولا يُؤَدِّي عن مُكاتبِه. واختلَفَ قولُهُ في الصَّدقةِ عن الآبِقِ، ولم يختلِفْ قولُهُ: إنَّ العبدَ المغصُوبَ ليسَ على سيِّدِهِ فيه صَدَقةٌ. ومال أبو ثورٍ إلى هذا القولِ.

    ج ٩ ص ٢٢٥
  37. وعِند الشّافِعيِّ: عليه فيه الصَّدقةُ إن كان مُسلِمًا، حتَّى يستيقِنَ موتَهُ؛ لأنَّهُ على مِلْكِهِ.

    ج ٩ ص ٢٢٧
  38. وسيأتي تمامُ القولِ في صَدَقةِ الفِطْرِ عن العبدِ المُعتَقِ بعضُهُ وغير من العَبيدِ، في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.

  39. وأمّا الحُرُّ الصغيرُ المليءُ، فإنَّ مالكًا، والشّافِعيَّ، وأبا حنيفةَ، وأبا يوسُفَ، واللَّيثَ بن سَعْدٍ (١) قالوا: يُؤَدِّي عنهُ أبوهُ من مالِهِ، وإن تطوَّعَ عنهُ أبوهُ من مالِ نَفْسِهِ، فحسنٌ (٢) .

    وقال: الثَّوريُّ، وزُفَرُ، ومحمدُ بن الحسنِ: يُؤَدِّي عنهُ الأبُ من مال نَفْسِهِ. قال محمدُ بن الحسنِ: فإن أدّاها من مالِ الصَّغير، ضمِنَ. قال: ولا يجِبُ في مالِ الصَّغيرِ صَدَقةٌ، يتيمًا كان أو غيرَ يتيم.

  40. وقال مالكٌ (٣) ، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأبو يوسُفَ: يُؤَدِّي الوَصِيُّ عن اليَتِيم صَدَقةَ الفِطْرِ.

    وقال أبو ثورٍ، وداودُ: الزَّكاةُ على الصَّغيرِ والكبيرِ في أموالِهِم لا يُؤَدِّيها أحدٌ عنهُم. والعَبِيدُ عندَهُما مالكُونَ، وصَدَقةُ الفِطْرِ عليهم واجِبةٌ على أنفُسِهِم.

    قال أبو عُمر: تلخيصُ وُجُوهِ هذه المسائلِ يَطُولُ، وفيما ذكَرْنا غِنًى وكِفايةٌ، فهذا تَمْهيدُ (٤) القولِ في وُجُوبِ زَكاةِ الفِطْرِ، وعلى من تَجِبُ، ومتى تجِبُ، وقد مَضَى القولُ في مَكِيلَةِ زَكاةِ الفِطْرِ مُستوعبًا، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.