مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٥١ من ٧٩

  1. وقد قيلَ: إنَّ أصلَ التَّلبيةِ: الإقامةُ على الطّاعةِ، يُقالُ: منهُ ألبَّ فُلان بالمكانِ، إذا أقامَ به. وأنشد ابنُ الأنباريِّ في ذلك:

    محل الهجرِ أنتَ به مُقيمُ ... مُلِبٌّ ما تزُولُ ولا تريمُ

    ج ٩ ص ٤٠٠وقال آخر:

    لبَّ بأرضٍ ما تخطّاها النَّعَمْ

    قال: وإلى هذا المعنى كان يذهبُ الخليلُ والأحمرُ.

    قال أبو عُمر: وقال جماعة من أهلِ العِلم: إنَّ معنى التَّلبيةِ، إجابَةُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ حينَ أذَّنَ بالحجِّ في النّاسِ.

    ج ٩ ص ٣٩٩
  2. ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن قابُوسِ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا فرغَ إبراهيمُ من بناءِ البَيْتِ، قيلَ لهُ: أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ صوتي؟ قال: أذِّنْ، وعليَّ البَلاع، فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكُمُ الحجُّ إلى البَيْتِ العتيقِ. قال: فسمِعهُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، أفلا تَرَونَ النّاسَ يجيؤُونَ من أقْطارِ البلادِ (١) يُلبُّونَ (٢) ؟

    قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجُاهِدٍ في قولِهِ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: ٢٧] . قال: قامَ إبراهيمُ على مَقامِهِ، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ، أجيبُوا ربَّكُم. فقالوا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، فمَنْ حجَّ اليومَ، فهُو مِمَّن أجابَ إبراهيمَ يومَئذٍ (٣) .

    قال أبو عُمر: معنى "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ" عندَ العُلماءِ، أي: إجابَتِي إيّاكَ إجابَةٌ بعدَ إجابَةٍ. ومعنى قولِ ابن عُمرَ، وغيرِهِ: لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، أي: أسْعِدنا سَعادَةً بعدَ سَعادةٍ، وإسْعادًا بعد إسعادٍ. وقد قيلَ: معنَى سَعْديكَ: مُساعدةٌ لكَ.

  3. وأمّا قولُهُم: لبَّيكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ فيُروَى بفتح الهمزةِ وكسرِها، وكان أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ يقولُ: الكَسْرُ في ذلك أحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ الذي يكسِرُها يذهبُ إلى أنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ على كلِّ حالٍ، والذي يفتحُ يذهبُ إلى أنَّ المعنى لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لك، أي: لبَّيكَ لهذا السَّببِ.

    قال أبو عُمر: المعنى عِندي واحدٌ، لأنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ من فتَحَ الهمزةَ أرادَ لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لكَ على كلِّ حالٍ، والمُلكَ لكَ والنِّعمةَ، وحدَكَ دُونَ غيرِكَ حَقِيقةً، لا شريكَ لكَ.

    ج ٩ ص ٤٠١
  4. واسْتَحبَّ الجميعُ أن يكونَ ابتِداءُ المُحْرِم بالتَّلبيةِ بإثْرِ صَلاةٍ يُصلِّيها: نافِلةٍ، أو فَريضةٍ من مِيقاتِهِ، إذا كانت صلاةً لا يُتَنفَّلُ بعدَها، فإن كان في غيرِ وقتِ صلاةٍ، لم يَبْرَحْ حتّى يحِلَّ وَقْتُ صلاةٍ فيُصلِّي، ثُمَّ يُحرِمَ إذا اسْتَوت به راحِلتُهُ، وإن كان مِمَّن يَمْشي، فإذا خرجَ من المسجدِ أحرمَ.

  5. وقال أهلُ العِلم بتأويلِ القُرآنِ، في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: ١٩٧] قالوا: الفَرْضُ: التَّلبيةُ. كذلك قال عَطاءٌ، وعِكْرِمةُ وطاوُوسٌ، وغيرُهُم (١) .

    وقال ابنُ عبّاسٍ: الفرضُ: الإهلالُ (٢) .

  6. وهُو ذلكَ بعينِهِ، والإهلالُ: التَّلبيةُ.

  7. وقد ذكَرْنا معنى الإهلالِ في اللُّغةِ، في باب موسى بن عُقبةَ من كِتابِنا هذا، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وذكَرْنا هُناكَ مسأَلةً من مَعاني هذا البابِ، يجِبُ الوُقُوفُ عليها.

    ج ٩ ص ٤٠٢وقال ابنُ مسعُودٍ: الفَرْضُ: الإحْرامُ (١) . وهُو ذاكَ المعنى أيضًا.

  8. وكذلك قال ابنُ الزُّبير (٢) .

    وقالت عائشةُ: لا إحْرامَ، إلّا لمنْ أهَلَّ ولَبَّى (٣) .

    وقال الثَّوريُّ: الفَرْضُ الإحْرامُ. قال: والإحرامُ التَّلبيةُ (٤) . قال: والتَّلبيةُ في الحجِّ، مِثلُ التَّكبيرِ في الصَّلاةِ.

    وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: إن كبَّرَ، أو هلَّلَ، أو سبَّحَ، ينوي بذلكَ الإحرام، فهُو مُحرِمٌ (٥) .

  9. فعلى هذا القولِ، التَّلبيةُ عندَ الثَّوريِّ وأبي حَنِيفةَ رُكنٌ من أرْكانِ الحجِّ، والحجُّ إليها مُفتَقِر، ولا يُجزِئُ منها شيءٌ عندَهُم غيرُها.

  10. ولم أجِدْ في هذه المسألةِ نَصًّا عن الشّافِعيِّ، وأُصُولُهُ تدُلُّ على أنَّ التَّلبيةَ ليسَتْ من أركانِ الحجِّ عندَهُ.

    وقال الشّافِعيّ (٦) : تَكْفي النِّيَّةَ في الإحْرام بالحجِّ، من أن يُسمَّى حَجًّا أو عُمْرةً. قال: وإن لبَّى بحَجٍّ يُريدُ عُمرةً، فهي عُمرةٌ، وإن لبَّى بعُمرةٍ، يُريدُ حجًّا، فهُو حجٌّ، وإن لبَّى لا يُريدُ حجًّا ولا عُمرةً، فليسَ بحجٍّ ولا عُمرةٍ، وإن لبَّى ينوي الإحرامَ، ولا ينوي حجًّا، ولا عُمرةً، فلهُ الخيارُ يجعلُهُ أيّما شاءَ، وإن لبَّى وقد نَوَى أحدَهُما فنَسِي، فهُو قارِنٌ، لا يُجزيهِ غيرُ ذلك. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ رحِمهُ الله.

  11. وذكَرَ ابنُ خُوَيْزِمَنْداد، قال: قال مالكٌ: النّيَّةُ بالإحرام في الحجِّ تُجزِئُ، وإن سَمَّى (١) ، فذلك واسع.

    قال: وهُو قولُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ إن نَوَى فكَبَّرَ، ولم يُسمِّ حجًّا ولا عُمرةً، أجْزَأتهُ النِّيَّةُ. غير أنَّ الإحرامَ عندَهُ، من شَرْطِهِ التَّلبيةُ، ولا يصِحُّ عندَهُ إلّا بتلبية.

    قال: وكذلك قال الثَّوريُّ.

    قال: وقال الحسنُ بن حيٍّ والشّافِعيُّ: التَّلبيةُ إن فعَلَها فحسنٌ، وإن ترَكَها، فلا شيءَ عليه (٢) .

    قال أبو عُمر: وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاق، عن أبي ثابتٍ، قال: قيلَ لابن القاسم: أرأيتَ المُحرِمَ من مَسْجِدِ ذي الحُليفةِ، إذا توجَّه من فِناءِ المسجدِ، بعدَ أن صلَّى، فتَوجَّه وهُو ناسٍ، أيكونُ في توجُّهِهِ محُرِمًا؟ فقال ابنُ القاسم: أراهُ محُرِمًا، فإن ذكَرَ من قَريبٍ لبَّى، ولا شيءَ عليه، وإن تطاولَ ذلك عليه، ولم يذكُر حتّى خرجَ من حجِّهِ، رأيتُ أن يُهريقَ دمًا.

    قال إسماعيلُ بن إسحاق: وهذا يدُلُّ من قولِهِ، على أنَّ الإهلالَ للإحرام ليسَ عندَهُ بمنزِلةِ التَّكبيرِ للدُّخُولِ في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يكونُ فى اخِلًا في الصَّلاةِ إلّا بالتَّكبيرِ، ويكونُ داخِلًا في الإحرام بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ من الأعمالِ التي يوجِبُ الإحرامَ بها على نفسِهِ، مِثلَ أن يقولَ: قد أحرمتُ بالحجِّ والعُمرةِ، أو يُشْعِرَ الهَدْيَ، وهُو يُريدُ بإشْعارر الإحرامَ، أو يتوجَّه نحو البيتِ، وهُو يُريدُ بتوجُّهِهِ الإحرامَ، فيكونَ بذلك كلِّهِ وما أشبههُ مُحرِمًا.

    ج ٩ ص ٤٠٣
  12. وقد مَضَى القولُ في الحينِ الذي يقطَعُ فيه التَّلبيةَ، الحاجُّ والمُعتمِرُ، وإلى أين تنتهي تَلْبيتُهُ، في بابِ محمدِ بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله لا شريكَ له (٣) .

  13. حديثٌ مُوفِّي خمسينَ لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، وأهلُ الشّام من الجُحْفةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ" .

    قال عبدُ الله: وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ" .

    ج ٩ ص ٤٠٤
  14. هكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ (٢) ، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع كلُّهُم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، وكذلك رواهُ عبدُ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ (٣) . وكذلك رواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثلَهُ سواءً (٤) . اتَّفقُوا كلّهُم على أنَّ ابنَ عُمرَ لم يسمَعْ من النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قولَهُ: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ" .

  15. ورواهُ صَدَقةُ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشّام الجُحْفةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنًا. قال: فقيل لهُ: وللعراقِ؟ قال: لا عِراقَ يومَئذٍ (٥) .

  16. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبِ بن سِنانٍ، قال (١) : أخبرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا قامَ في المسجدِ، فقال: يا رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم-، من أينَ تأمُرُنا أن نُهِلَّ؟ فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يُهِلُّ أهلُ المَدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، ويُهِلُّ أهلُ الشّام من الجُحْفةِ، ويُهِلُّ أهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ" . قال ابنُ عُمرَ: ويزعُمُونَ أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليمنِ من يَلَمْلَمْ" . وكان ابنُ عُمر يقولُ: لم أفْقَهْ هذا من رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-.

    ج ٩ ص ٤٠٥
  17. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذِي الحُلَيفَةِ، وأهلُ الشّام من الجُحْفةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ" ، وذُكِرَ لي، ولم أسمَعْ، أنَّهُ قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ" .

  18. ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ مُرسَلَ الصّاحِبِ، عن الصّاحِبِ أو عن الصَّحابَةِ، وإن لم يُسمِّهِم، صحيحٌ حُجَّةٌ.

  19. وقد رَوَى ابنُ عبّاسٍ مِثلَ حديثِ ابن عُمر هذا كلِّهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-.

    ج ٩ ص ٤٠٦
  20. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عَمرٍو، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ.

  21. وعن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قالا: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْل المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهْلِ الشّام الجُحْفةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وقال: "هي لهم، ولمن أتَى عليهنَّ مِمَّن (٢) سِواهُم، مِمَّن أرادَ الحجَّ أو العُمرةَ" . قال: "ومن كان دُونَ ذلكَ، فمِنْ حيثُ أنْشَأ (٣) " . قال: وكذلك حتّى يبلُغَ ذلكَ أهلُ مكَّةَ، فيُهِلُّون منها.

  22. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ مِثلَهُ، سَواءً بمَعْناه (٤) .

  23. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ قال: أخبَرَنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥) : أخبرنا قتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عَمرٍو،

    ج ٩ ص ٤٠٧عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- وقَّتَ لأهلِ المدينةِ: ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشّام الجُحْفَةَ (١) ، ولأهلِ اليَمَن يَلَمْلَمَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا ولمن أتَي عليهنَّ من غيرِ أهلِهِنَّ، مِمَّن كان يُريدُ الحجَّ والعُمرةَ، ومن كان دُونهُنَّ فمِنْ أهلِهِ، حتّى إنَّ (٢) أهلَ مكَّةَ يُهِلُّونَ منها".

    قال أبو عُمر: أجمَعَ أهلُ العِلم بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، وسائرِ أمْصارِ المُسلِمينَ فيما عَلِمتُ، على القولِ بهذه الأحاديثِ واستِعمالهِا، لا يُخالِفُونَ شيئًا منها.

  24. واختلفُوا في ميقاتِ أهلِ العِراقِ، وفيمن وقَّتهُ.

    فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: ميقاتُ أهلِ العِراقِ، وناحيةِ المشرِقِ كلِّها: ذاتُ عِرْق (٣) .

    وقال الثَّوريُّ والشّافِعيُّ: إن أهلُّوا من العَقيقِ، فهُو أحبُّ إلينا.

    وقال منهُم قائلُونَ: عُمرُ بن الخطّابِ رضي الله عنهُ هُو الذي وقَّتَ لأهلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ؛ لأنَّ العِراقَ في زَمانِهِ افْتُتِحت، ولم يَكُن في العِراقِ على عَهدِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- إسلامٌ (٤) .

    وقال آخرُونَ: هذه غَفْلةٌ من قائلي هذا القولِ، بل رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- هُو الذي وقَّتَ لأهلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ والعَقِيقَ، كما وقَّت لأهلِ الشّام الجُحْفةَ، والشّامُ كلُّها يومئذٍ دارُ كُفرٍ، كما كانتِ العِراقُ يَومئذٍ دارَ كُفرٍ، فوقَّتَ المَواقيتَ لأهلِ

    ج ٩ ص ٤٠٨النَّواحي، لأنَّهُ علِمَ أنَّهُ سيَفْتَحُ اللّهُ على أُمَّتِهِ الشّامَ والعِراقَ، وغيرَهُما من البُلدانِ، ولم تُفتح الشّامُ ولا العِراقُ جميعًا، إلّا على عهدِ عُمرَ، وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ أهلِ السِّيرِ.

  25. وقد قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "مَنَعَتِ العِراقُ دينارَها، ودِرْهمَها، ومَنَعتِ الشّامُ إردَبَّها ومُدْيَها وقفيزَها (١) . بمعنَى: سَتمنَعُ عندَ أهلِ العِلم (٢) .

    وقال -صلى الله عليه وسلم-:"ليَبْلُغنَّ هذا الدِّينُ ما بلَغَ اللَّيلُ والنَّهارُ " (٣) .

    وقال عليه السَّلامُ: "زُويت لي الأرضُ، فرأيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسيبلُغُ مُلكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لي منها" (٤) .

  26. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا هشامُ بن بَهْرام (٦) .

  27. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

    ج ٩ ص ٤٠٩شُعَيب، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله بن عمّارٍ المَوْصليُّ، قال: حدَّثنا أبو هاشم محمدُ بن عليٍّ؛ جميعًا عن (٢) المُعافَى، عن أفْلَحَ بن حُميدٍ، عن القاسم، عن عائشَةَ، قالت: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهْلِ الشّام ومِصرَ الجُحْفَةَ، ولأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ، ولأهْلِ اليمَنَ يَلَمْلَمَ.

  28. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الطّائفِ قَرْنًا، وهي نَجْدٌ، ولأهلِ الشّام الجُحفَةَ، ولأهْلِ اليمَنَ يَلَمْلَمَ، ولأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْق (٣) .

  29. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥) : حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمدِ بن عليٍّ، عن عبدِ الله بن عبّاسٍ، قال: وقَّتَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأهْلِ المشرِقِ العَقِيقَ.

    قال أبو عُمر: كلُّ عِراقيٍّ، أو مَشْرِقيٍّ أحرَمَ من ذاتِ عِرْقٍ، فقد أحرمَ

    ج ٩ ص ٤١٠عندَ الجميع من مِيقاتِهِ، والعَقِيقُ أحوطُ وأولَى عندَهُم من ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ ميقاتهم أيضًا بإجماع.

  30. وكرِهَ مالكٌ رحِمهُ الله أن يُحرِمَ أحدٌ قبلَ الميقاتِ. ورُوي عن عُمرَ بن الخطّاب: أنَّهُ أنكَرَ على عِمرانَ بن حُصَينٍ إحرامَهُ من البَصْرة (١) .

  31. وعن عُثمانَ بن عفّانَ: أنَّهُ أنكَرَ على عبدِ الله بن عامرٍ إحرامَهُ قبلَ الميقات (٢) .

  32. وكرِه الحسنُ البَصْريُّ وعَطاءُ بن أبي رَباح الإحرامَ من المَوْضِع البَعيدِ.

  33. وهذا من هؤُلاءِ، واللهُ أعلمُ، كَراهيةَ أن يُضيِّقَ المرءُ على نَفسِهِ ما قد وسَّعَ اللهُ عليه، وأن يتعرَّضَ لِما لا يُؤمَنُ أن يحدُثَ في إحرامِهِ.

  34. وكلُّهُم ألزمَهُ الإحرام إذا فَعلَ؛ لأنَّهُ زادَ ولم يُنقِصْ.

  35. ويدُلُّك على ما ذكَرْنا: أنَّ ابنَ عُمر رَوَى المواقيتَ عن رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، ثُمَّ أجازَ الإحرامَ قبلَها من مَوْضِع بعيدٍ.

  36. هذا كلُّهُ قولُ إسماعيل، قال: وليسَ الإحرامُ مِثلَ عَرَفاتٍ والمُزدلِفةِ التي لا يُجازُ بهما مَوْضِعُهُما.

    قال: والذين أحرمُوا قبلَ الميقاتِ من الصَّحابةِ والتّابِعين كثيرٌ.

    قال: وحدَّثنا حفصُ بن عُمر الحَوْضيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن سَلَمةَ: أنَّ رجُلًا أتى عليًّا، فقال: أرأيتَ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] قال له عليٌّ: أن تُحرِمَ من دُوَيرةِ أهلِكَ (٣) .

    ج ٩ ص ٤١١قال: وحدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ أهلَّ من بَيْتِ المقدِسِ، وقال: لَوْلا أن يَرَى مُعاويةُ أنَّ بي غيرَ الذي بي، لجَعَلتُ أُهِلُّ منهُ (١) .

    وقال الشّافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُما والثَّوريُّ والحسنُ بن حيٍّ: المواقيتُ رُخْصةٌ وتَوْسِعةٌ، يتَمتَّعُ المرءُ بحِلِّهِ حتّى يَبْلُغَها، ولا يتَجاوزُها، والإحرامُ قبلَها فيه فَضْلٌ لمن فَعلَهُ وقَوِيَ عليه، ومن أحرمَ من مَنْزِلِهِ، فهُو حَسَنٌ لا بأسَ به (٢) .

  37. ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مَسْعُودٍ، وجماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم قالوا في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قالوا: إتمامُها: أن تُحرِمَ من دُويرةِ أهلِكَ (٣) .

  38. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن محمدِ بن عُبيدِ الله المُنادي، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٤) ، عن محمدِ بن سُوقةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جُبيرٍ - وسُئلَ: ما تمامُ العُمْرةِ؟ - فقال: أن تُحرِمَ من أهلِكَ.

  39. وأحرمَ ابنُ عُمرَ، وابنُ عبّاسٍ من الشّام، وأحرَمَ عِمرانُ بن حُصَينٍ من البَصْرةِ، وأحرمَ عبدُ الله بن مسعُودٍ من القادِسيَّةِ، وكان الأسودُ وعَلْقمةُ وعبدُ الرَّحمن بن يزيد وأبو إسحاقَ يُحرِمُون من بُيُوتِهِم (٥) .

    ج ٩ ص ٤١٢قال أبو عُمر: أحرَمَ عبدُ الله بن عُمرَ من بيتِ المقدِسِ عامَ الحَكَمينِ، وذلك أنَّهُ شهِدَ التَّحكيمَ بدُومةِ الجَنْدل، فلمّا افترَقَ عَمرُو بن العاصِ وأبو موسى الأشعريُّ عن غيرِ اتِّفاقٍ، نهضَ إلى بيتِ المقدِسِ، ثُمَّ أحرمَ منها بعُمرة (١) .

  40. ومن أقوَى الحُجج لِما ذهَبَ إليه مالكٌ في هذه المسألة: أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- لم يُحرِمْ من بَيْتِهِ بحجَّتِهِ، وأحرمَ من ميقاتِهِ الذي وقَّتهُ لأُمَّتِهِ -صلى الله عليه وسلم-، وما فعلَهُ فهُو الأفْضَلُ إن شاءَ الله.