مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٥٧ من ٧٩

  1. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣) : أخبرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن نافع: أنَ ابنَ عُمرَ قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ثُمَّ قال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يفعلُ. وقد تَقدَّم في هذا البابِ حديثُ ابن عُمرَ هذا من طُرُقٍ.

    ج ٩ ص ٤٨٠
  2. ورَوَى الدَّراوَرْديُّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، كفاهُ لهما طوافٌ واحدٌ، وسَعْيٌ واحدٌ، ثُمَّ لا يحِلُّ حتّى يحِلَّ منهُما جميعًا" (١) .

    ج ٩ ص ٤٨١
  3. ورَوَى يحيى بن يمانٍ، عن سُفيانَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثلَهُ بمَعناهُ (٢) .

  4. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ المُؤَذِّنُ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٤) ، عن ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيح، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "طَوافُكِ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمَرْوةِ، يَكْفيكِ لحجِّكِ وعُمرتِكِ" .

    قال أبو عُمر: هذا قولُ ابن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وجابرٍ، وعائشةَ.

  5. وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حيٍّ، والأوزاعيُّ: على القارِنِ طوافانِ وسَعْيانِ (٥) .

  6. ومِن حُجَّتِهِم أنْ قالوا في حديثِ عائشةَ، وقولِها فيه: وأمّا الذين جَمعُوا الحجَّ والعُمْرةَ، فإنَّما طافُوا لهما طوافًا واحدًا. قالوا: أرادت جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ. تعني أنَّهُم طافُوا طوافًا واحدًا بعد جَمعِهِم بين الحجِّ والعُمرةِ التي قد كانوا طافُوا لها: لأنَّ حَجَّتَهُم تلكَ كانت مكِّيَّةً، والحَجَّةُ المكِّيَّةُ لا يُطافُ لها قبلَ عرفةَ، وإنَّما يُطافُ لها بعدَ عرَفةَ طوافًا واحدًا.

    ج ٩ ص ٤٨٢
  7. واحتجُّوا بما ذكَرهُ أبو داود، قال (١) : حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذينَ كانوا معَهُ لم يطُوفُوا حتّى رَموُا الجَمْرةَ.

  8. ودَفعُوا حديثَ أبي مُعاويةَ، عن الحجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنَّ ابنَ جُرَيج (٢) ، والأوزاعيَّ (٣) ، وعَمرَو بن دينار (٤) ، وقَيْسَ بن سعْد (٥) ، رَوَوْا عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمرَ أصحابَهُ بفَسْخ الحجِّ في العُمرةِ وهُم على الصَّفا في آخِرِ الطَّوافِ.

  9. فهذا تمتُّع لا قِرانٌ؛ لأنَّهُم حجُّوا يَومئذٍ بعدَ ذلك، والطَّوافُ للحَجِّ بعد ذلك إنَّما يكون طوافًا واحدًا.

    ج ٩ ص ٤٨٣
  10. ودَفعُوهُ أيضًا بأنَّ جعفرَ بن محمدٍ رَوَى، عن أبيهِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أفردَ الحجَّ (١) . قالوا: فكيف يُقبَلُ حديثُ حجّاج بن أرطاةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ، وطاف لهما طوافًا واحدًا، والحجّاجُ ضعيفٌ عندَهُم ليس بحُجَّةٍ؟

  11. ودفعُوا أيضًا حديثَ الحجّاج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنْ قالوا: رواهُ ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَطُفِ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابُهُ بينَ الصَّفا والمروةِ إلّا طوافًا واحدًا (٢) . قالوا: وإنَّما معنى هذا، أنَّ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ لا يُصنَعُ إلّا في طوافِ القُدُوم خاصَّةً مرَّةً واحدةً.

  12. واعتَلُّوا في حديثِ الدَّراوَرْديِّ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمر، بأن قالوا: أخطأ فيه الدَّراوَرْديُّ؛ لأنَّ الجماعةَ رَوَوهُ عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ، ولم يرفعُوهُ (٣) .

    قالوا: وأمّا قولُ ابن عُمرَ حينَ طاف طوافًا واحدًا، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّهُ أرادَ: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في حجَّتِهِ، طوافًا واحدًا بعدَ رُجُوعِهِ من مِنًى، ورَمْي الجَمْرةِ؛ لأنَّهُ كان في حَجَّتِهِ مُتمتِّعًا عندَ ابن عُمرَ،

    ج ٩ ص ٤٨٤وقد كان طافَ لعُمرتِهِ عندَ الدُّخُولِ، وأمرَ من لم يَكُن معَهُ هدي أن يحِلَّ، ولم يحِلَّ هُو؛ لأنَّهُ (١) ساقَ الهَدْي.

    قالوا: فإن كان ابنُ عُمرَ جعلَ طوافَ القارِنِ، كطوافِ المُتمتِّع، فقد خالَفهُ في ذلك عليٌّ، وابنُ مسعُودٍ.

  13. وذكَرُوا ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سُفيانَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمن بن أُذَينةَ، أنَّهُ سألَ عليًّا عمَّن جمَعَ بينَ الحجِّ والعُمرةِ، فقال: إذا قدِمتَ مكَّةَ فطُفْ طَوافينِ بالبيتِ، وطَوافينِ بينَ الصَّفا والمروةِ، ولا تحِلَّ حتّى تنحَرَ. أو قال: حتّى يوم النَّحر (٢) .

  14. وقد (٣) ذكَرْنا عليٍّ خبرَ وابن مسعودٍ من طرُقٍ، في بابِ ابن شِهابٍ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ أرادَتْ بقولهِا: وأمّا الذينَ جَمعُوا الحجَّ مع العُمرةِ، فإنَّما طافُوا لهما طَوافًا واحدًا، أرادت: جمعَ مُتْعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فدعَوَى لا بُرهانَ عليها.

  15. وظاهِرُ حديثِ عائشةَ وسياقُهُ يدُلُّ على أنَّها أرادتِ الذين قَرنُوا الحجَّ والعُمرةَ؛ لأنَّها فصَلَتْ بالواوِ بينَ من أهلَّ بحجّ (٤) ، وبين من أهلَّ بعُمرهٍ فتمتَّعَ بها. وبين من جمَعَ الحجَّ والعُمرةَ. ثُمَّ قالت: فأمّا الذين أهلُّوا بعُمْرةٍ، فإنَّهُم طافُوا بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ، ثُمَّ حلُّوا، ثُمَّ طافُوا طوافًا آخَرَ بعد أن رَجَعُوا من مِنًى لحَجِّهِم (٥) ، وأمّا الذينَ كانوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جَمعُوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما

    ج ٩ ص ٤٨٥طافُوا لهما طَوافًا واحدًا. ولم تَقُل: وأمّا الذين أهلُّوا بعُمرةٍ. تعني من تمتَّعَ، فدلَّ على أنَّها أرادت مَن قَرَنَ، واللهُ أعلمُ.

  16. وقد رَفَعَ الإشكالَ في ذلك ما أورَدْنا من الآثارِ عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قرنَ بين الحجِّ والعُمْرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ولم يزِد على ذلك، وقال: هكذا صنَعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (١) .

  17. وليسَ حملُهُم على الدَّراوَرْديِّ بشيءٍ؛ لأنّهُ قد تابَعَ الدَّراوَرْديَّ: يحيى بنُ يَمانٍ، عن الثَّوريِّ، عن عُبيدِ الله، بمعنى رِوايتهِ.

  18. والدَّليلُ على صِحَّةِ ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، أنَّ أيُّوبَ السَّخْتيانيَّ وأيُّوبَ بن موسى وموسى بن عُقْبةَ وإسماعيلَ بن أُميَّةَ روَوْا، عن نافع، عن ابن عُمرَ، معنى ما رواهُ الدَّراوَرْديُّ، وقد ذكَرْنا أحاديثَهُم فيما مَضَى من هذا البابِ.

  19. وأمّا قولُهُم: إنَّ عائشةَ وابنَ عُمرَ أرادا بقولِهِما ذلك، جمعَ مُتعةٍ، لا جمعَ قِرانٍ، فقد مَضَى القولُ، عن عائشةَ، في ذلك.

  20. وكيفَ يجُوزُ أن يتأوَّلُوا ذلك في حديثِ ابن عُمرَ وهُم يزعُمُونَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان قارِنًا، لا مُتمتِّعًا؟

  21. فإن اعتلُّوا بأنَّ حديثَ ابن عُمرَ، في حَجَّةِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، مُختلِفٌ، قد رُوي عنهُ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- تمتَعّ في حَجَّةِ الوداع. رواهُ عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه (٢) ، ورُوي عنهُ أنَّهُ أهلَّ هُو وأصحابُهُ بالحجِّ؛ رواهُ حُميدٌ، عن بكرٍ المُزنيِّ، عنهُ (٣) .

  22. قيل لهم: لمّا اضطربتِ الآثارُ عنهُ في ذلك قضَيْنا (١) برِوايةِ جابر (٢) ، وعائشةَ (٣) أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أفرَدَ الحجَّ، وتركنا ما سوَى ذلك.

    ج ٩ ص ٤٨٦
  23. فإن ذكرُوا أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ وعبدَ الله بن مسعُودٍ كانا يقولانِ: القارِنُ يطُوفُ طَوافينِ، وَيسْعَى سَعْيين (٤) . قيل لهم (٥) : قد خالَفهُما ابنُ عُمر، وجابرٌ، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ، فوجبَ النَّظرُ.

  24. فإن ذكَرُوا ما رواهُ الحكمُ، عن ابن أبي ليلى، عن عليٍّ، قال: أهلَّ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعُمْرةٍ وحَجَّةٍ، فطافَ بالبيتِ لعُمرتِهِ، ثُمَّ عادَ فطافَ لحَجَّتِه (٦) (٧) . قيل لهم: هذا حديثٌ مُنكرٌ، إنَّما رواهُ الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحَكَم، فرَفَعهُ. والحسنُ بن عُمارةَ مترُوكُ الحديثِ لا يُحتجُّ بمِثلِهِ.

  25. ومِن جِهَةِ النَظرِ، قد أجمعُوا أنَّ المُحرِمَ إذا قتَلَ الصَّيدَ في الحرَم، لم يجِب عليه إلّا جزاءٌ واحدٌ. وهُو قدِ اجتمَعَ عليه حُرْمتانِ: حُرمةُ الإحرام، وحُرمةُ الحَرَم، فكذلك الطوافُ للقارِنِ.

  26. وكذلك أجمعُوا أنَّ القارِنَ يحِلُّ بحَلْقٍ واحدٍ، فكذلك الطَّوافُ أيضًا قياسًا، والله أعلمُ.

  27. وفي قوله (١) : ثم نفَذَ حتى جاء البيتَ، فطاف به طوافًا واحدًا، ورأى أنه مُجزئٌ، دليلٌ واضح على أنّ الحاجَّ قارنًا كان أو غيرَ قارن، ليس عليه إلّا طوافٌ واحد، يقضي به فَرْضَه، فإن شاء جَعَله عندَ الدخول، ووَصَله بالسعي، وإن شاء جَعَله يومَ النحر، ووَصَله أيضًا بالسعي، وأنّ الإتيانَ بالطّوافَيْنِ جميعًا كمال، واتّباعٌ للسُّنّة، لا أنّ في الحجِّ طوافَيْنِ واجبَيْنِ فرضًا.

    ج ٩ ص ٤٨٧
  28. ويبيِّنُ لك ما قلتُ: ما قد مضَى ذكرُه في هذا الباب، في حديث الدّراوَرْدي، عن ابن عمر: أنه لم يزدْ على ذلك الطواف.

  29. وهذا التوجيهُ يَخرُجُ على مذهب مالك وأكثر أصحابه فيمن لم يطُفْ للإفاضة، يومَ النَّحر، أو طافَه على غير وضوء ثم لم يذكُرْ حتى بَعُد جدًّا، أو بَلَغ بلدَه، أنه يُهدي، ويُجزئُه الطوافُ الأول الموصولُ بالسعي. وقالت طائفةٌ من أصحاب مالك وغيرُهم من الفقهاء: إنه ينصرفُ إليه من بلاده، إلّا أن يكونَ طافَ بعدَ رَمْي جمرة العقَبة تطوعًا، أو وَدَّع البيتَ، فإنه إنْ فَعَل ذلك أجْزأَ عنه، ويستحبُّونَ له معَ ذلك الهَدْيَ، ويُجزئُ عندَهم من عَمَل الحجِّ، التطوّعُ عن الواجب.

  30. وفيما ذكَرْنا في هذا الباب من حُجّة العراقيِّينَ والمدنيِّين ما تقومُ به (٢) الحُجّةُ لكلا الوجهَيْن، وفي سقوطِ الطواف الواحد عن المكيِّ، ما يشهدُ لما وَجّهناهُ أولًا، وقد يحتجُّ بذلك مَن أوْجَبَ طوافَ الإفاضة دونَ غيرِه. وهذه جملة يأتي بَسْطُها والاحتجاجُ بوجوهِها في غير هذا الموضع إن شاء الله.

    قال أبو عُمر: أمّا الأحاديثُ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الحجِّ، ففي تهذيبِها وتَلْخيصِها وتمهيدِها ما يحتمِلُ أن يُفرَدَ لها كِتابٌ كبيرٌ لا يُذكَرُ فيه غيرُ ذلك، ولا سبيلَ إلى

    ج ٩ ص ٤٨٨اجْتِلابِها في كِتابِنا هذا، وقد مَضَى من ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، ما فيه هِدايةٌ، وإنَّما الغَرضُ في هذا الكِتابِ أن نذكُرَ ما للعُلماءِ في معنى الحديثِ من الأقوالِ والوُجُوهِ، والأُصُولِ التي بها نَزعُوا، ومنها قالوا، وأمّا الاعتِلالُ، والإدخالُ، والمُدافعاتُ (١) ، فتطويلٌ، وتكثيرٌ، وخُرُوجٌ عن تأليفِنا وشَرْطِنا لو تعرَّضنا لهُ، وبالله التَّوفيقُ، والعِصمةُ والرَّشادُ.

  31. وأمّا قولُهُ في حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ: وأهدى، فإنَّ أهلَ العِلم اختَلَفُوا فيما على القارِنِ من الهديِ، والصيام.

  32. فرُوي عن ابن عُمرَ: أنَّ القارِنَ والمُتمتِّع على كلِّ واحدٍ منهُما هَدْي: بدنةٌ أو بقرةٌ، وكان يقولُ: ما اسْتَيسرَ من الهدي: بدنةٌ، أو بَقَرةٌ (٢) .

  33. وقد رُوي عن عُمرَ (٣) ، وعليٍّ، وابن عبّاسٍ، في قولِهِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} : شاةٌ، وعليه جُمهُورُ العُلماءِ، وجماعةُ الفُقهاءِ.

  34. وكان مالكٌ يقولُ في القارِنِ: فإن لم يَجِد، صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، هُو والمُتمتِّعُ في ذلك سواءٌ (٤) .

  35. وكذلك قال الشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ.

    قال الشّافِعيُّ: يُجزِئُ القارِنَ شاةٌ. قياسًا على المُتمتِّع. قال: وهُو أخفُّ شأنًا من المُتمتِّع.

    ج ٩ ص ٤٨٩وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسُف ومحمدٌ: تجزئه شاةٌ، والبَقَرةُ أفضلُ. ولا يُجزِئُ عندَهُم إلّا الدَّمُ عن المُعسِرِ وغيرِهِ، ولا مدخلَ عِندهُم للصِّيام في هذا الموضِع، قياسًا على من جاوزَ الميقاتَ غيرَ محُرم، أو تركَ رَمْيَ الجِمارِ حتّى مضت أيامُها.

    قال أبو عُمر: هذا بَعِيدٌ من القياسِ، والقِرانُ بالتَّمتُّع أشبَهُ وأوْلَى أن يُقاسَ بعضُها على بعضٍ، وقد نَصَّ اللهُ في المُتمتِّع الصيامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ، إن لم يجِد هديًا، والقارِنُ مِثلُهُ، ولهُ حُكمُهُ، قياسًا ونظرًا، وبالله التَّوفيقُ.

    وقال مالكٌ: من حصَرهُ العدُوُّ بمكَّةَ تحلَّل بعمَلِ عُمْرةٍ، إلّا أن يكونَ مكِّيًّا، فيخرُجُ إلى الحِلِّ، ثُمَّ يتحلَّلُ بعُمْرةٍ.

    وقال الشّافِعيُّ: الإحصارُ بمَكَّةَ وغيرِها سواءٌ. (١)

    وقال أبو حَنيفةَ: إذا أتَى مكَّةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ محُصرًا.

    وقال مالكٌ: من وقفَ بعرَفةَ، فليسَ بمُحصَرٍ، ويُقيمُ على إحْرامِهِ حتّى يطُوفَ بالبيتِ، ويُهدي.

  36. ونحوُ ذلك قولُ أبي حنيفةَ، وهو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، ولهُ قولٌ آخَرُ: أنَّهُ يكونُ محُصرًا. وهُو قولُ الحسنِ.

  37. وقد تَكرَّر هذا المعنَى، ومضى كثيرٌ من معاني هذا البابِ، في بابِ ابن شِهابٍ، والحمدُ لله.

  38. حديثٌ ثالث خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحلِّقينَ" ، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رسُولَ الله؟ قال: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحلِّقينَ" ، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رسُولَ الله؟ قال: "والمُقصِّرينَ" .

    ج ٩ ص ٤٩٠
  39. هكذا هذا الحديثُ عندَهُم جميعًا: عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ (٢) .

  40. وكذلك رواهُ سائرُ أصحابِ نافع، لم يذكُرْ واحدٌ من رُواتِهِ فيه: أنَّهُ كان يومَ الحُدَيبيةِ. وهُو تَقْصير، وحذفٌ.