صفوان بن سليم

١٤٥ فقرة، ج ١٠ ص ٢٤٣

الصفحة ١ من ٤

  1. وسُلَيمٌ أبوهُ مولى حُمَيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ الزُّهرِيِّ.

    ج ١٠ ص ٢٤٣
  2. كان صَفْوانُ بن سُلَيم من عُبّاد أهلِ المدِينةِ، وأتقاهُم للَّه عزَّ وجلَّ، ناسِكًا، كثِيرَ الصَّدَقةِ بما وجَدَ من قليلٍ وكَثِير، كثِيرَ العَملِ، خائفًا للَّه. يُكنى أبا عبدِ اللَّه، سكَنَ المدِينةَ، لم يَنْتقِل عنها، وماتَ بها في سنةِ اثْنَتينِ وثلاثِينَ ومئةً.

  3. ذكَرَ عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: سمِعتُ أبي يُسألُ عن صفوانَ بن سُلَيم، فقال: ثِقةٌ من خِيارِ عِبادِ اللَّه، وفُضَلاءِ المُسلِمِين (٣) .

  4. وذكر أبو داودَ السِّجِستانِيُّ، قال (٤) : ذكرَ أحمدُ بن حَنْبل صفوانَ بن سُليم، فقال: يُستنزَلُ بذِكرِهِ القَطْرُ.

    وقال يحيى القطّانُ: صَفْوانُ بن سُلَيم أحبُّ إليَّ من زَيْدِ بن أسلمَ.

    وقال أبو ضَمْرةَ أنسُ بن عِياضٍ: رأيتُ صَفْوانَ بن سُليم، ولو قيلَ لهُ: إنَّ السّاعةَ غدًا، ما كان عندَهُ مزِيدٌ.

    وقال أحمدُ بن صالح: كان صفوانُ بن سُليم أسودَ (٥) .

  5. لمالكٍ عن صفوانَ بن سُليم من حديثِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في "المُوطَّأ" سبعةُ أحادِيث، منها حديثانِ مُسندانِ، وخمسةُ أحادِيثَ مُرسلة.

  6. حديثٌ أوَّلُ لصفوانَ بن سُلَيم مُسندٌ

    مالكٌ (١) ، عن صَفْوانِ بن سُلَيم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "غُسْلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم" .

    ج ١٠ ص ٢٤٤
  7. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ، فيما علِمتُ، ولم يختلِفُوا في إسنادِهِ هذا (٢) .

  8. ورواهُ بكرُ (٣) بن الشَّرُودِ الصَّنعانِيُّ عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  9. وهذا خطأٌ في الإسنادِ (٤) ، وبكرُ بن الشَّرُودِ سيِّئُ الحِفظِ، ضعِيفُ الحديثِ، عندَهُ مناكِيرُ.

  10. وقد تقدَّمَ القولُ مُستَوعَبًا في غُسلِ الجُمُعةِ، وما في ذلك من الآثارِ والمعاني، للسَّلفِ من العُلماءِ والخلفِ منهُم، في بابِ ابنِ شِهابٍ عن سالم، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.

    ج ١٠ ص ٢٤٥
  11. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ" فظاهِر الوُجُوبُ، الذي هُو الفرضُ.

  12. وليسَ كذلك، لآثارٍ وردَتْ تُخرِجُ هذا اللَّفظَ عن ظاهِرِهِ، إلى معنى السُّنّةِ والفَضْل.

  13. وقد ذكَرْناها في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، عندَ قولِ عُمرَ لعُثمانَ (١) : الوُضُوءُ أيضًا وقد عَلِمتَ أَنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمُرُ بالغُسلِ (٢) .

  14. وقد يحتَمِلُ أن يكونَ قولُهُ في هذا الحديثِ: "واجِبٌ" . أي: وُجُوبَ السُّنّةِ، أو واجِبٌ في المروءة (٣) ، أو واجِبٌ في الأخلاقِ الجَمِيلةِ، كما تقولُ العربُ: وجَبَ حقُّكَ. وليسَ على أنَّ ذلك واجِبٌ فرضًا.

  15. ومِن الدَّليلِ على ما قُلناهُ في معنى هذا الحديثِ، وما تأوَّلنا فيه، وهُو مع ذلك قولُ أكثرِ أهلِ العِلم، وإليه ذهَبَ أئمّةُ الفتوَى في أمْصارِ المُسلِمِينَ:

    ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَجاءٍ، قال: أخبرنا همّامُ، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ (٤) أفضَلُ" (٥) .

  16. فكيفَ يجُوزُ مع هذا الحديثِ ومثلِهِ، أن يُحملَ قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم" على ظاهِرِهِ؟ هذا ما لا سبِيلَ إليهِ.

    ج ١٠ ص ٢٤٦
  17. ومِمّا يدُلُّ على ما قُلنا: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَوَى هذا الحديثَ، الذي ظاهرهُ الوُجُوبُ في (١) غُسلِ الجُمُعةِ، وكان يُفتِي بخِلافِ ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّهُ فهِمَ من معنَى الحديثِ ومَخْرجِهِ وفحواهُ، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنى فيه ما تأوَّلنا، وباللَّه توفيقُنا.

  18. ذكر عبدُ الرزّاقِ (٢) ، عن عُمرَ (٣) بن راشدٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلَمةَ، قال: سمعتُ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يقولُ: ثلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلم يومَ الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسِّواكُ، ومَسُّ طِيبٍ (٤) إن وجدَهُ.

    قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّ الطِّيبَ والسِّواكَ ليسا بواجبَيْن يومَ الجُمعة ولا غيرَه، فكذلك الغُسلُ، وقد رُوِيَ عن أبي سَعِيد الخُدْري ما يدلك على أنَّه حَمَلَهُ على خلافِ ظاهرِ حديثِهِ الذي رواهُ مالكٌ في هذا الباب (٥) .

  19. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن بَدْرٍ، عنِ الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أتَى الجُمُعةَ فتَوضَّأ، فبها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ" (٦) .

  20. وهذا أوضَحُ شيءٍ في سُقُوطِ وُجُوبِ غُسلِ يوم الجُمُعةِ.

    ج ١٠ ص ٢٤٧
  21. وفيه دَليلٌ على أنَّ حديثَ صفوانَ بن سُلَيم ليسَ على ظاهِرِهِ (١) .

  22. والأصلُ في الفَرائضِ أن لا تجِبَ إلّا بيَقِينٍ، ولا يقِينَ في إيجابِ غُسلِ الجُمُعةِ، مع ما وصَفْنا.

  23. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحَسَنُ بن يحيى قاضِي القُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ اللَّه بن هاشِم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهْدِيٍّ، عن همّام (٣) ، عن قَتادةَ، عنِ الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من تَوضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ" .

    قال أبو عُمر: "نِعمَتْ" في هذا الحديثِ وما كان في معناهُ، لا تُكتَبُ إلّا بالتّاءِ، ولا يُوقَفُ عليها إلّا بالتّاءِ، وهِي مجزُومةٌ في الوصلِ والوقفِ، إلّا أن تتَّصِلَ بساكِنٍ بعدَها فتُكسرُ.

  24. وسُئل أبو حاتِم (٤) : من أينَ دخلَ التَّأنِيثُ في: نِعمَتْ؟ فقال: أرادُوا: نِعمَتِ الفِعلةُ، أو: نِعمَتِ الخَصْلةُ (٥) .

    ج ١٠ ص ٢٤٨قال: ولا يقولُ عَربيٌّ: نِعمةٌ، بالهاءِ.

    قال أبو حاتِم: قلتُ للأصْمَعِيِّ: في الحديثِ: "من توضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبِها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ فالغُسلُ أفضَلُ" . ما قولُهُم: فبِها؟ قال: أظُنُّهُ يُرِيدُ: فبالسُّنةِ آخُذُ، أضْمَرَ ذلك إن شاءَ اللَّه.

  25. أخبرنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ (١) ، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهر أحمد بن عَمرو بن السَّرْح، قال: حدَّثنا أنسُ بن عياضٍ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: سألتُ عَمْرةَ، عن غُسلِ الجُمعةِ، فذكَرَتْ أنَّها سمِعَتْ عائشة، تقولُ: كان النّاسُ عمالَ أنفسِهم يَرَوحونَ بهيئةٍ، فقيلَ: لو اغتَسَلْتُم (٢) .

  26. حدَّثنا أحمد بن سَعِيد، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا زيدُ بن البِشْرِ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، أن مالكًا سُئلَ عن غُسْلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ قال: هو سُنّةٌ ومعرُوفٌ. قيل لهُ: إنَّ في الحديثِ: "واجبٌ" ؟ قال: ليسَ كلُّ ما جاءَ في الحديثِ يكونُ كذلك.

  27. وحدَّثنا أحمد بن سعِيد بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن

    ج ١٠ ص ٢٤٩وضّاح، قال حدثنا ابنُ أبي مريم (١) ، قال: حدَّثنا أشهَبُ، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ، عن غُسلِ يوم الجُمعةِ: أواجبٌ هُو؟ فقال: هُو حسنٌ، وليسَ بواجبٍ (٢) .

  28. وحدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ وأحمدُ بن سعِيدٍ، قالوا: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن عبد الرحمنِ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن رَبِيعةَ، عن عُثمان بن عَطاءٍ، عن أبيه، قال: من لم يَسْتطِعْ أن يغتسِلَ يومَ الجُمعةِ، فليَمسَّ طيبًا.

    قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، عن موسى (٣) بن صُهَيبٍ، قال: كانوا يقولونَ: الطِّيبُ يُجزئ من الغُسلِ يومَ الجُمُعةِ.

    قال ابنُ وضّاح: وحدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا بقيّةُ، عن يُونُسَ بن راشدٍ، عن عبد الكريم بن مالكٍ الجَزَريِّ، قال: الطِّيبُ يُجزئُ من الغُسلِ يومَ الجُمعةِ (٤) .

    قال أبو عُمر: قد مَضَى في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من الحُجّةِ في سُقوطِ وجُوبِ غُسْلِ يوم الجُمُعةِ من جهةِ الأثرِ والنَّظرِ ما فيه كِفايةٌ، وذكَرْنا هُنالكَ ما استقَرَّ عليه القولُ في غُسلِ الجُمُعةِ، وما اختارَهُ جُمهورُ العُلماءِ فيه، والذي عليه أكثر الفُقهاءِ، أَنَّهُ سُنّةٌ دونَ فريضةٍ، وهُو الصَّوابُ، وباللَّه التَّوفيقُ.

  29. حديثٌ ثانٍ لصفوانَ بن سُلَيم مُسندٌ

    مالكُ (١) ، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سلَمةَ، من آل بنِي الأزرقِ، عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، وهُو من بني عبدِ الدّارِ، أنَّهُ أخبَرهُ أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ البَحرَ ونَحمِلُ معنا القليلَ من الماءِ، فإن تَوضَّأنا به عَطِشنا، أفنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" .

    قال أبو عُمر: قد مَضَى ذِكرُ صفوانَ بن سُلَيم وحالِهِ في أوَّلِ بابِهِ.

    ج ١٠ ص ٢٥٠
  30. أمّا سعِيدُ بن سلَمةَ (٢) ، فلم يروِ عنهُ، فيما عَلِمتُ، إلّا صفوانُ بن سُليم، واللَّهُ أعلمُ، يقالُ: إنَّهُ مخزُومِيٌّ من آلِ ابنِ الأزرقِ أو بني الأزرقِ، ومن كانت هذه حالَهُ، فهُو مجهُولٌ لا تَقُومُ به حُجّةٌ عندَهُم (٣) .

  31. وأمّا المُغِيرةُ بن أبي بُرْدةَ (٤) ، فهُو المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، قيل: إنَّهُ غيرُ معرُوفٍ في حَمَلةِ العِلْم، كسعِيدِ بن سلمةَ، وقيل: ليسَ بمجهُولٍ (٥) .

    قال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٦) : روَى عنهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، ورَوَى

    ج ١٠ ص ٢٥١صفوانُ بن سُلَيم عن سعِيدِ بن سلَمةَ عنهُ، ورَوَى الجُلاحُ عن عبدِ اللَّه بن سعِيدٍ المخزُومِيِّ عنهُ.

    قال أبو عُمر: المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ وجَدتُ ذِكْرَهُ في مغازِي مُوسى بن نُصيرٍ بالمغرِبِ، وكان مُوسى يَسْتعمِلُهُ على الخيلِ، وفتحَ اللَّهُ لهُ في بلادِ البَربرِ فتوحاتٍ في البَرِّ والبحرِ.

  32. وقد سألَ أبو عِيسى التِّرمذِيُّ محُمدَ بن إسماعيلَ البُخارِيَّ عن حديثِ مالكٍ هذا عن صفوانَ بن سُلَيم، فقال: هُو عِندِي حديثٌ صحِيحٌ. قال أبو عيسى محمدُ بن عِيسى التِّرمذِيُّ: فقلتُ للبُخارِيِّ (١) : هُشَيمٌ يقولُ فيه: المُغِيرةُ بن أبي بَرزةَ؟ فقال: وهِمَ فيه، إنَّما هُو المُغِيرةُ بن أبي بُردةَ. قال: وهُشَيمٌ رُبَّما وهِمَ في الإسنادِ، وهُو في المُقطَّعاتِ أحفظُ (٢) .

    قال أبو عُمر: لا أدرِي ما هذا من البُخارِيِّ رحِمهُ اللَّه، ولو كان عندَهُ صحِيحًا، لأخرجَهُ في "مُصنَّفِهِ" الصَّحِيحِ عندَهُ، ولم يفعل لأنَّهُ لا يُعوِّلُ (٣) في "الصَّحِيح" إلّا على الإسنادِ (٤) ، وهذا الحديثُ لا يَحتجُّ أهلُ الحديثِ بمِثلِ إسنادِهِ، وهُو عِندِي صَحِيحٌ، لأنَّ العُلماءَ تلقَّوهُ بالقَبُولِ لهُ، والعَملِ به (٥) ، ولا يُخالِفُ في جُملتِهِ أحدٌ من الفُقهاءِ، وإنَّما الخِلافُ في بعضِ مَعانِيهِ على ما نَذكُرُ إن شاءَ اللَّه.

  33. حدَّثنا أبو عُثمان سعِيدُ بن نصرٍ وأبو عُثمان سعيدُ بن عُثمانَ (١) النَّحوِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو عُمرَ أحمدُ بن دُحَيم بن خَليلٍ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيبُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ اللَّه سَعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المَخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن رجُلٍ من أهلِ المَغرِبِ يقالُ لهُ: المُغِيرةُ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُرْدةَ: أنَّ ناسًا من بني مُدْلِج أتَوْا رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسُولَ اللَّه، إنّا نَرْكبُ أرماثًا (٢) في البَحرِ، ويحمِلُ أحدُنا مُويهًا لسَقْيِهِ، فإن توضَّأنا به عَطِشنا، وإن تَوضَّأنا بماءِ البَحْرِ، وجَدْنا في أنفُسِنا، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣) .

    قال أبو عُمر: أرسلَ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ هذا الحديثَ عنِ المُغِيرةِ بن أبي بُرْدةَ، لم يذكُر أبا هريرةَ، ويحيى بن سعِيدٍ أحدُ الأئمّةِ في الفِقهِ والحديثِ، وليسَ يُقاسُ به سعِيدُ بن سلَمةَ ولا أمثالُهُ، وهُو أحفَظُ من صفوانَ بن سُلَيم، وفي رِوايةِ يحيى بن سعِيدٍ لهذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ سعِيدَ بن سلَمةَ لم يأت إلّا (٤) بمعرُوفٍ من الحديثِ عندَ أهلِهِ.

    ج ١٠ ص ٢٥٢
  34. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن يحيى بن سعِيدٍ، عنِ المُغِيرةِ بن عبدِ اللَّه بن أبي بُردةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٥) . والصَّوابُ فيه عن يحيى بن سعِيدٍ: ما رواهُ عنهُ ابنُ عُيَينةَ مُرسلًا، كما ذكَرْنا، واللَّهُ أعلمُ.

  35. وقد رُوِي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ الفِرسِيِّ، رجُلٍ من بني فِراسٍ، مذكُورٍ في الصَّحابةِ؛ حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عُتبةَ الرّازِيُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَجِ القطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن جَعفرِ بن رَبِيعةَ، عن بكرِ بن سَوادةَ، عن مُسلِم بن مَخْشِيٍّ، أنَّهُ حَدَّثَ، أنَّ الفِراسِيَّ قال: كنتُ أصِيدُ في البَحرِ الأخضرِ على أرْماثٍ، وكنتُ أحمِلُ قِرْبةً فيها ماءٌ، فإذا لم أتوضَّا من القِرْبةِ، رفَقَ ذلك بي وبَقِيَتْ لي، فجِئتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقَصَصتُ عليه ذلك، وقلتُ: أنَتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ يا رسُولَ اللَّه؟ فقال: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ" (١) .

    ج ١٠ ص ٢٥٣
  36. وقد أجمَعَ جُمهُورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئمّةِ الفُتيا بالأمْصارِ من الفُقهاءِ، أنَّ البحرَ طهُورٌ ماؤُهُ، وأنَّ الوُضُوءَ جائزٌ به، إلّا ما رُوِي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، فإنَّهُ رُوِي عنهُما: أنَّهُما كَرِها الوُضُوءَ من ماءِ البَحرِ (٢) .

  37. ولم يُتابِعْهُما أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ على ذلك، ولا عرَّجَ عليه، ولا التفتَ إليهِ، لحديثِ هذا البابِ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  38. وهذا يدُلُّك على اشتهارِ (١) الحديثِ عندَهُم، وعَملِهِم به، وقبُولِهِم له، وهذا أولى عندَهُم من الإسنادِ الظّاهِرِ الصِّحّةِ بمعنًى ترُدُّهُ الأُصُولُ، وباللَّه التَّوفيقُ.

    ج ١٠ ص ٢٥٤
  39. وقد خالَفهُما ابنُ عبّاس: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن مُوسى بن خلَفٍ العمِّيُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن قَتادةَ عن موسى بن سلمةَ الهُذلِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عنِ الوُضُوءِ بماءِ البَحرِ، فقال: هُما البَحْرانِ، فلا تُبالِي بأيِّهِما توضَّأتَ (٢) .

  40. وفي حديثِ هذا البابِ من الفِقه: إباحةُ رُكُوبِ البحرِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لو كرِهَ رُكُوبَهُ، لنَهَى عنهُ الذين قالوا له: إنّا نركَبُ البحرَ.