صالح بن كيسان حديثان
١٣٣ فقرة، ج ١٠ ص ٣١١
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١٠ ص ٣٢٣
حديثٌ ثانٍ لصالح بن كَيْسانَ مُسندٌ
مالكٌ (١) ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروة بن الزُّبيِر، عن عائشةَ زَوْجِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّها قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ.
-
هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ عندَ جماعةِ أهلِ النَّقلِ، لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صِحّةِ إسنادِهِ.
-
وكلُّ من رواهُ قال فيه: عن عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ. لا يقولُ: فرضَ اللَّهُ، ولا فرَضَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. إلّا ما حدَّثَ به أبو إسحاق الحَرْبيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها، قالت: فرَضَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّلاةَ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. فذكَرَ الحديثَ (٢) .
-
هكذا قال: فرضَ رسُولُ اللَّه. وغيرُه يقولُ (٣) : فُرِضَتْ. إلّا أنَّ الأوزاعيَّ قال فيه: عنِ ابنِ شِهاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: فرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على رسُولهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعتَينِ رَكْعتَينِ (٤) . . . وذكَر الحديثَ.
- ج ١٠ ص ٣٢٤
وهذا حديثٌ رواهُ ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. وهشام بن عروة، عن عُروةَ (١) .
-
ولم يروِهِ مالكٌ عنِ ابنِ شِهاب، ولا عن هشام، إلّا أنَّ شيخًا يُسمَّى يحيى بنَ محمدِ بن عبّادِ بن هانئ، رواهُ عن مالكٍ وابنِ أخي الزُّهريِّ، جميعًا عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ الصَّلاةَ أوَّلَ ما فُرِضت رَكْعتينِ، فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ، وأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ.
-
وهذا لا يصِحُّ عن مالكٍ، والصَّحيحُ في إسنادِهِ عن مالكٍ: في "المُوطَّأ" ، وطُرُقُهُ عن عائشةَ مُتواتِرةٌ، وهُو عنها صحيحٌ، ليسَ في إسنادِهِ مَقالٌ.
-
إلّا أنَّ أهل العِلم اختَلفُوا في معنى هذا الحديثِ، فذهَبَ منهُم جماعةٌ إلى ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ، وما يُوجِبُهُ لفظُهُ، فأوجَبُوا القصرَ في السَّفرِ فرضًا، وقالوا: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ إلّا رَكْعتينِ رَكْعتينِ، كلَّ صَلاةِ أربع.
قال أبو عُمر: فأمّا المغرِبُ والصُّبحُ، فلا خِلافَ بينِ العُلماءِ أنَّهُما كذلك فُرِضَتا، وأنَّهُما لا قصرَ فيهما، في السَّفرِ، ولا غير. وهذا يدُلُّكَ على أنَّ قولَ عائشةَ: فُرِضتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، قولٌ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ به الخُصُوصُ.
-
ألا تَرى أنَّ صلاةَ المغرِبِ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ. وكذلك الصُّبحُ غيرُ داخِلةٍ في قولِها: فزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ؟ لأنَّهُ مَعلُومٌ أنَّ الصُّبحَ لم يُزَدْ فيها، ولم يُنقَصْ منها، وأنَّها في السَّفرِ والحَضَرِ سَواءٌ.
-
فحُجّةُ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصرِ في السَّفرِ فرْضًا، قولُ عائشةَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزيدَ في صَلاةِ الحَضرِ. وهذا واضِحٌ في أنَّ الرَّكعتينِ في السَّفرِ للمُسافِرِ فرْضٌ لا يجُوزُ خِلافُهُ؛ لأنَّ الفرضَ
ج ١٠ ص ٣٢٥الواجِبَ لا يجُوزُ خِلافُهُ، ولا الزِّيادةُ عليه، ألا تَرى أنَّ المُصلِّيَ في الحَضرِ لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ الظُّهرَ سِتًّا، ولا العَصرَ، ولا العِشاءَ، ولا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ المغرِبَ أربعًا، ولا الصُّبحَ أربعًا؟ لأنَّهُ لو فعلَ ذلك كان زائدًا في فرضِهِ، عامِدًا لما يُفسِدُهُ.
-
وهذا كلُّهُ إجماعٌ لا خِلافَ فيه للحَضَريِّ، أنَّهُ لا يجُوزُ لهُ ذلك.
قالوا: فكذلك المُسافِرُ، لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ في السَّفرِ أربعًا؛ لأنَّ فرضَهُ في السَّفرِ ركعتانِ، على ما ذكَرَتْ عائشةُ.
-
ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: عُمرُ بن عبدِ العزيزِ، إن صحَّ عنهُ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ (١) . وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ.
-
وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا، وهُو المشهُورُ عنهُ، أنَّهُ قال: مَن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ في الوَقتِ (٢) .
-
ومِن حُجّةِ من ذهَبَ إلى إيجابِ القَصْرِ فرضًا في السَّفر: حديثُ عُمرَ بن الخطّابِ قال: صَلاةُ السَّفرِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ نبيِّكُم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وهُو حديثٌ رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ، وقال ابنُ مَعينٍ وعليُّ ابنُ المدينيِّ: لم يَسْمَعْهُ من عُمرَ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن زُبَيدٍ (٣) ، عن
ج ١٠ ص ٣٢٦عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عُمرَ. قال سُفيانُ: قال زُبَيدٌ مرّةً: عن عُمرَ، قال: صلاةُ المُسافِرِ رَكْعتانِ تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بن هارُون، عنِ الثَّوريِّ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلَى، قال: سَمِعتُ عُمرَ (٢) . فخطَّئُوهُ فيه، لقولِهِ: سمِعتُ عُمرَ.
-
وقد رواهُ محمدُ بن طَلْحةَ، قال: حدَّثنا زُبَيدٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، قال: خَطَبنا عُمرُ، فقال: ألا إنَّ صلاةَ يوم الفِطْرِ، وصلاةَ يوم النَّحرِ، وصلاةَ يوم الجُمُعةِ، وصلاةَ السَّفرِ، رَكْعتانِ رَكْعتانِ، تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسانِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) . فوَهِم أيضًا فيه.
-
ورواهُ يزيدُ بن زيادِ بن أبي الجَعْدِ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلَهُ (٤) ، فزادَ: كَعْبَ بن عُجرةَ، أدخَلَهُ بين عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، وبينَ (٥) عُمر.
- ج ١٠ ص ٣٢٧
وليسَ لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ، ومن أهلِ الحديثِ من يُعلِّلُهُ ويُضعِّفُهُ، ومنهُم من يُصحِّحُ إسنادَ يزيدَ بن أبي الجَعدِ هذا فيه. قال عليُّ ابنُ المدينيِّ: هُو أسنَدُها، وأحسَنُها، وأصحُّها.
-
واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا موسى بن داودَ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكَيرِ بن الأخنسِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: فرضَ اللَّهُ الصَّلاةَ على لسانِ نبيِّكُم -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوفِ رَكْعةً (١) .
-
وهذا أيضًا حديثٌ انفردَ به بُكَيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجّةٍ فيما انفرَدَ به.
-
واحتجُّوا أيضًا بأنْ قالوا: وأمّا قولُ اللَّه عَزَّ وجلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] فغيرُ جائزٍ لمن جَعلَ الطَّوافَ بينَ الصَّفا والمروةِ من أرْكانِ الحجِّ، مع قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] أن يحتجَّ بهذه الآيةِ، في إباحةِ القَصْرِ في السَّفرِ، وقالوا: إنَّما نزلَتْ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعُسْفانَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرْ، في صَلاةِ الخوفِ.
- ج ١٠ ص ٣٢٨
وذكرُوا في ذلك حَدِيثًا رواهُ مُجاهِدٌ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ (١) .
وقالوا: ذلك يدُلُّ على أنَّ القصرَ إنَّما هُو قَصْرُ المأمُوم خلَفَ إمامِهِ، يُصلِّي معَهُ بعضَها بشرطِ الخَوْفِ، ولا يُتِمُّها معهُ، وإذا كان ذلك كذلك، كان حديثُ عائشةَ في معنًى غيرِ معنَى الآيةِ، قد أفادَ حُكمًا زائدًا.
-
واحتَجُّوا أيضًا بأنَّ جابرًا وابنَ عُمرَ، قالا: ليسَ الرَّكْعتانِ (٢) في السَّفرِ بقَصْرٍ. وأنَّ ابن عبّاسٍ قال: من صلَّى في السَّفرِ أربَعًا، كمَنْ صلَّى في الحَضَرِ رَكْعتينِ (٣) .
-
فهذه جُملةُ ما نَزَعَ به الذينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ فرْضٌ، على ظاهِرِ حديثِ عائشةَ.
وقال آخرُونَ: القَصْرُ في السَّفرِ سُنّةٌ مَسْنُونةٌ، ورُخْصةٌ وتَوْسِعةٌ، فمن شاءَ قصَرَ في السَّفرِ، ومن شاءَ أتمَّ، كما أنَّ المُسافِر مُخيَّرٌ، إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطَرَ.
- ج ١٠ ص ٣٢٩
وحُجَّتُهُم قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] . قالوا: فالقُرآنُ يدُلُّ على أنَّ القصرَ ليسَ بحَتْم؛ لأنَّ الحتمَ لا يقالُ فيه: ليسَ عليكُم جُناحٌ أن تَفعلُوهُ.
قالوا: وكلُّ ما قيلَ فيه: لا جُناحَ، فإنَّما هُو رُخْصةٌ، لا حَتْمٌ، مِثلُ قَولِهِ عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: ١٩٨] . و {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة: ٢٣٦] ، و {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: ٢٣٤] . وما كان مِثلَ هذا.
-
وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ في الصَّفا والمروةِ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] نزَلَتْ في إباحةِ ما كان عندَهُم محظُورًا؛ لأنَّ العرَبَ كانت تَتَحرَّجُ من العُمرةِ في أشْهُرِ الحجِّ، وتتَحَرَّجُ من فِعلِ ما كانت تفعلُهُ في جاهِليَّتِها.
-
وقد بيَّنّا معنى هذه الآيةِ، في مواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
قالوا: وإن كان شَرْطُ الخَوْفِ مذكُورًا في الآيةِ، فإنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادَهُ، قد بيَّن بسُنَّتِهِ، أنَّ المُسافِرَ يَقْمُرُ الصَّلاةَ في الخَوْفِ، وفي غيرِ الخَوْفِ، لأنَّهُ كان يقصُرُ وهُو آمِنٌ لا يخافُ إلّا اللَّه، فكانَ القصرُ في السَّفرِ مع الأمْنِ زيادةَ بيانٍ على لسانِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وإن لم يَنْزِل به وحيٌ يُتلى، ومثلُهُ كثيرٌ في الشَّرع.
-
واحتجُّوا من الأثر: بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عنِ ابنِ جُريج، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن
ج ١٠ ص ٣٣٠أبي عمّارٍ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن بابِيه، عن يعلَى بن أُميّةَ، قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: أرأيتَ إقصارَ النّاسِ الصَّلاةَ اليومَ، وإنَّما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] ، فقد ذهَبَ ذلك اليومُ؟ فقال: عَجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فذكَرتُ ذلك لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم، فاقبلُوا صَدَقتَهُ" .
-
هكذا قال يحيى القطّانُ، عنِ ابنِ جُريج، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن أبي عمارٍ.
-
وقال عبدُ الرَّزّاقِ ومحمدُ بن بكرٍ البُرسانيُّ وأبو عاصِم وحمّادُ بن مَسْعدةَ، عنِ ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بن أبي عمّارٍ (٢) . وقال الفَزاريُّ: عنِ ابنِ جُريج، عنِ ابنِ أبي عمارٍ.
قالوا: ففي قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّ القصرَ في السَّفرِ مع الأمنِ "صَدَقةٌ تصدَّقَ اللَّهُ بها عليكُم" دليلٌ على أنَّ ذلك تَوْسعةٌ ورُخْصةٌ ورحمةٌ، وليسَ بواجِبٍ.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بن دينارٍ، قال: أمّا قولُهُ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فإنَّما ذلك إذا خافُوا الذين كفرُوا، وسَنَّ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدُ الرَّكْعتينِ، وليسَتا بقصرٍ، ولكنَّهُما وفاءٌ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيمَ،
ج ١٠ ص ٣٣١عن محمدِ بن سيرينَ، قال: أُنبِئتُ أنَّ ابن عبّاسٍ قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخرُجُ ما بينَ مكّةَ والمَدينةِ، لا يخافُ إلّا اللَّهَ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ (١) .
-
ومِمّا يدُلُّ على أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقصُرُ، وهُو آمِنٌ غيرُ خائفٍ، قصرُهُ الصَّلاةَ في حَجَّتِهِ، حجّةِ الوداع، وهُو يومَئذٍ قد أمِنَ، وهذا ما لا يجهلُهُ أحدٌ من أهلِ العِلم.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبِ وعارِمُ بن الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الظُّهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيفةِ رَكْعتينِ. زادَ عارِمٌ: وبينهُما سِتّةُ أميالٍ. قال أنسٌ: وسَمِعتُهُم يَصْرُخُونَ بهما جميعًا: الحجِّ والعُمرةِ (٢) .
- ج ١٠ ص ٣٣٢
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني محمدُ بن المُنكدِرِ وإبراهيمُ بن مَيْسرةَ، سمِعا أنَس بن مالكٍ يُحدِّثُ، قال: صَلَّينا معَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينةِ الظُّهرَ أربعًا، وصلَّينا العصرَ بذي الحُليفةِ رَكْعتينِ (١) .
-
فاستدلُّوا بهذه الآثارِ على أنَّ القصرَ في السَّفرِ سُنّةٌ سنَّها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس بفريضةٍ.
-
واحتجُّوا أيضًا: بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبَرنا مالكُ بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَنْظلةَ الحذّاءِ، قال: قلتُ لابنِ عُمرَ: أُصلِّي في السَّفرِ رَكْعتينِ، واللَّهُ يقولُ: {إِنْ خِفْتُمْ} ، ونحنُ نَجِدُ الزّادَ والمزادَ؟ فقال: كذلك سَنَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
-
فهذا ابنُ عُمرَ قد صرَّح بأنَّ القصرَ سُنّةٌ من رسولِ اللَّه، لا فرِيضةٌ من اللَّه، ولا من رسولِهِ.
-
ولو فرَضَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لقال ابنُ عُمرَ: فرَضها، كما قال في زكاةِ الفِطْرِ (٣) .