صالح بن كيسان حديثان

١٣٣ فقرة، ج ١٠ ص ٣١١

الصفحة ٣ من ٤

  1. وقد مَضَى في هذا المعنى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، من كِتابِنا هذا.

    ج ١٠ ص ٣٣٣
  2. وقد جاءَ في هذا البابِ عنِ ابنِ عبّاسٍ، نحوُ ما جاءَ عنِ ابنِ عُمر؛ ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١) : أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: سأل حُميدٌ الحِمْيريُّ (٢) ابن عبّاسٍ، فقال: إنِّي أُسافِرُ، أفأقصُرُ الصَّلاةَ في السَّفرِ أم أُتِمُّها؟ فقال ابنُ عبّاس: ليسَ بقَصْرِها، ولكِنَّهُ تمامُها، وسُنّةُ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، خرجَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثْنَتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ خرجَ أبو بكرٍ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى ركعتينِ حتّى رجَعَ، ثُمَّ خرجَ عُمرُ آمِنًا، لا يخافُ إلّا اللَّه، فصلَّى اثنتينِ حتّى رجعَ، ثُمَّ فعلَ ذلك عُثمانُ ثُلُثي إمارتهِ، أو شطرَها، ثُمَّ صلّاها أربعًا، ثُمَّ أخذَ بها بنُو أُميّةَ.

    قال ابنُ جُريج: وبَلَغني: إنَّما أوفاها عُثمانُ أربعًا بمِنًى من أجلِ أنَّ أعرابيًّا ناداهُ في مَسْجدِ الخَيْفِ بمِنًى، فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، ما زِلتُ أُصلِّيها رَكْعتينِ، مُذ رأيتُكَ عامَ الأوّل صلَّيتها رَكْعتينِ. فخَشِي عُثمانُ أن يظُنَّ جُهّالُ النّاسِ أنَّ الصَّلاةَ رَكْعتانِ، وإنَّما كان أوفاها بمِنًى فقط.

    قال أبو عُمر: قد اختُلِفَ في المعنى الذي من أجلِهِ أتمَّ عُثمانُ الصَّلاةَ في سَفرِهِ إلى مكّةَ وبمكّةَ، فقال قومٌ: أخَذَ بالمُباح في ذلك، إذ للمُسافِرِ أن يَقْصرَ، وأن يُتِمَّ، كما كان لهُ أن يصُومَ، وأن يُفطِرَ.

  3. ومن ذهَبَ إلى هذا المذهبِ، احتجَّ بما قدَّمنا ذِكرَهُ، من ظاهِرِ الكِتابِ والسُّنةِ، وبما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

    ج ١٠ ص ٣٣٤أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُتِمُّ في السَّفرِ ويُقصِرُ.

  4. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: كلٌّ قد فعَلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد صامَ وأفطَرَ، وأتمَّ وقَصرَ في السَّفرِ.

  5. حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا حَبِيبُ بن يزيدَ الأنماطيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن هَرِم، عن جابرِ بن زيدٍ، قال: قالت عائشةُ: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي رَكْعتينِ، يعني الفرائضَ، فلمّا قدِمَ المدينةَ، وفُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ أربعًا وثلاثًا، صلَّى وتركَ الرَّكعتينِ اللَّتينِ كان يُصلِّيهِما بمَكّةَ تمامًا للمُسافِرِ (٣) .

  6. فهذه عائشةُ قد اضْطَربتِ الآثارُ عنها في هذا البابِ، وإتمامُها في السَّفرِ يَقْضي بصِحّةِ ما وافقَ معناهُ منها.

  7. ورَوَى زيدٌ العمِّيُّ عن أنَسٍ، قال: كُنّا أصحابَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نُسافِرُ، فيُتِمُ بعضُنا، ويَقصُرُ بعضُنا، ويصومُ بعضُنا، ويُفطِرُ بعضُنا، ولا يَعِيبُ أحدٌ على أحَدٍ (٤) .

    ج ١٠ ص ٣٣٥وقال آخرُونَ: إنَّ عُثمانَ إنَّما أتمَّ في السَّفرِ، لأنَّهُ كان لهُ في تلك المناهِلِ أهَلٌ ومالٌ.

  8. وهذا موجُودٌ في حَديثٍ رواهُ عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ الأزديُّ المَوْصلي (١) ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ بن أبي ذُبابِ، عن أبيه، عن عُثمانَ بن عفّانَ: أَنَّهُ صلَّى بأهلِ منًى أربَعَ ركعاتٍ، فلمّا سلَّمَ أَقبَلَ على النّاسِ، فقال: إنِّي تأهَّلتُ بمكّةَ، وقد سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "من تأهَّلَ في بَلْدةٍ، فهُو من أهلِها، فليُصلِّ أربعًا" . فلِذلك صلَّيتُ أربعًا.

  9. ذكر الطَّحاويُّ (٢) ، عن يحيى بن عُثمانَ بن صالح، عن عَمرِو بن الرَّبيع بن طارِقٍ الهِلاليِّ.

  10. وعن إسماعيلَ بن حَمْدوية، عنِ الحُميديِّ (٣) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه (٤) مولى بني هاشِم. قالا جميعًا: أخبَرنا عِكْرِمةُ بن إبراهيمَ، بإسنادِهِ كما ذكَرْناهُ. والحارِثُ بن أبي ذُبابٍ قد عَمِلَ لعُمرَ بن الخطّابِ على الصَّدَقةِ.

    وقال آخرُونَ: إتمامُهُ إنَّما كان على نحوِ إتمام عائشةَ، وقد ذكَرْنا الوُجُوهَ التي تُؤُوِّلَتْ على عائشةَ في إتمامِها، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ.

  11. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمِنًى رَكْعتينِ، ومع أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومع عُمرَ رَكْعتينِ، ومع عُثمانَ صدرًا من خِلافتِهِ، ثُمَّ صلّاها أربعًا. قال ابنُ شِهابٍ: فبَلَغَني أنَّ عُثمانَ إنَّما (٢) صلّاها أربعًا؛ لأنَّهُ أزمَعَ أن يُقيمَ بعدَ الحجِّ.

    قال أبو عُمر: هذا وَجْهٌ صحيحٌ مُجتمَعٌ عليه فيمَنْ نَوَى الإقامةَ، أَنَّهُ يَلْزمُهُ الإتمامُ.

    ج ١٠ ص ٣٣٦
  12. وقال وُهَيبٌ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمرَ صلَّوا بمِنًى رَكْعتينِ، وعُثمانَ شَطْرَ إمارتهِ، ثُمَّ أتمَّها عثمانُ بعدُ.

    قال عُبيدُ اللَّه: فسَألتُ ابنَ شِهابٍ الزُّهْريِّ: لمَ (٣) أتَمَّها عُثمانُ؟ قال: لأنَّهُ اتَّخذَ أموالًا بالطّائفِ، فأجمَعَ المُقامَ، فأتمَّ الصَّلاةَ (٤) .

  13. أمّا قولُهُ: بالطّائفِ. فليسَ بشيءٍ، لأنَّهُ بَلَدٌ آخرُ.

    وقال مَعْمرٌ عن قَتادةَ: إنَّ عُثمان لمّا صلَّى أربَعًا، بلَغَ ذلك ابنَ مسعُودٍ، فاسْتَرجعَ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى (٥) أربعًا، فقيلَ لهُ: اسْتَرجَعْتَ، ثُمَّ صلَّيتَ أربعًا؟ فقال: الخِلافُ شرٌّ (٦) .

  14. ورَوَى أبو مُعاويةَ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيد، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ بمِنًى أربعًا. قال: فقال عبدُ اللَّه: صلَّيتُ مع النَّبيِّ

    ج ١٠ ص ٣٣٧-صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعتينِ، ومعَ أبي بكرٍ رَكْعتينِ، ومعَ عُمرَ رَكْعتينِ، ثُمَّ تفرَّقت بكُمُ الطُّرُقُ، ولودِدتُ أنَّ لي من أربع رَكَعاتٍ، رَكْعتينِ مُتقبَّلتينِ.

    قال الأعمشُ: فحدَّثني مُعاويةُ بن قُرّةَ: أنَّ عبدَ اللَّه صلّاها بعدُ أربعًا، فقيل لهُ: عِبْتَ على عُثمانَ وتُصلِّي أربعًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ.

  15. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ محمدُ بن خازِم (١) ، قال: حدَّثنا الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّه، قال: صلَّى عُثمانُ. فذكَرهُ (٢) .

    قال: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن أصحابِهِ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسْوَدِ، قال: كنتُ معَ عبدِ اللَّه بمِنًى، فلمّا صلَّى عُثمانُ أربَعًا، قال عبدُ اللَّه: صَلَّيتُ معَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا المكانِ رَكْعتينِ، وصلَّى أبو بكرٍ رَكْعتينِ، وصلَّى عُمرُ رَكْعتينِ. قال الأسودُ: فقلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ألا سلَّمتَ في رَكْعتينِ وجعلتَ الرَّكعتينِ الأُخْرَيينِ تَسْبيحًا؟ قال: الخِلافُ شرٌّ (٣) .

    قال أبو عُمر: فهذا يدُلُّكَ على أنَّ القصرَ عندَ ابنِ مسعُودٍ ليسَ بفَرْضٍ، وإنَّما أنكرَ لمُخالَفةِ عُثمان الأفضَلَ عندَهُ؛ لأنَّ الأفضَلَ عندَهُ اتِّباعُ السُّنّةِ، ثُمَّ

    ج ١٠ ص ٣٣٨رأى اتِّباعَ إمامِهِ فيما أُبيحَ لهُ أولى من إتيانِ الأفْضَلِ في القَصْرِ؛ لأنَّ مُخالَفةَ الأئمّةِ لا تجُوزُ إلّا فيما لا يحِلُّ، وأمّا فيما أُبيحَ، فلا يجُوزُ فيه مُخالَفةُ الأئمّةِ إذا حَملهُم على ذلك الاجتِهادُ.

  16. ولعلَّ عُثمانَ ذهَبَ إلى أنَّ اختيارَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَفرِهِ القَصْرَ، كان لأنَّهُ أيْسَرُ على أُمَّتِهِ، فاختارَهُ لذلك.

    وقالت عائشةُ: ما خُيِّرَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ أمْرَينِ، إلّا اختارَ أيَسْرَهُما، ما لم يَكُن إثمًا. . . الحديثَ (١) .

  17. وهذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ ما اختارَهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأُمَّتِهِ وسنَّهُ، وواظَبَ عليه، كان أفضلَ مِمّا سِواهُ.

  18. ومِثلُ حديثِ ابنِ مسعُودٍ هذا، حديثُ سلْمانَ؛ ذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ اسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ليلى الكِنْديِّ، عن سلْمانَ، أَنَّهُ كان مع قوم في السَّفرِ، فحَضَرتِ الصَّلاةُ، فقالوا لهُ: صلِّ بنا. فقال: إنّا لا نؤُمُّكُّم، ولا ننكِحُ نِساءَكُم، فأبَى، فتَقدَّمَ رجُلٌ من القوم، فصَلَّى بهم أربَعَ رَكَعاتٍ، فلمّا سلَّمَ، قال سلمانُ: ما لنا وللمُربَّعةِ؟ وإنَّما كان يَكْفينا نِصفُ المُربَّعةِ، ونحنُ إلى الرُّخْصةِ أحْوَجُ.

  19. ألا تَرى أنَّ سلمانَ لم يُعِدِ الصَّلاةَ، بل تمادَى مع إمامِهِ فصَلَّى أربعًا، وإن كان لم يحمَدْ ذلك لهُ؟ فهذا يدُلُّ على أنَّ القصرَ عندَ سلْمانَ رُخصةٌ وسُنّةٌ.

  20. وقد تقدَّمَ عنِ ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ: أنَّ ذلك سُنّةٌ.

  21. وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا هشامُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتادةَ، عن موسى بن سَلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ، قلتُ: أكُونُ بمكّةَ فكيفَ أُصلِّي؟ قال: رَكْعتينِ، سُنّةَ أبي القاسم، -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .

    ج ١٠ ص ٣٣٩
  22. فحَسْبُكَ بهذا عنِ ابنِ عبّاسٍ، وفيه تصريح أنَّ ذلك سُنّةٌ.

  23. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: ما جُعِلَ القَصْرُ في الخَوْفِ وقد أمِنَ النّاسُ؟ قال: السُّنّةُ. قلتُ: ورُخصةٌ؟ قال: نعم. قال: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ مِثلَهُ.

    قال (٣) : وحدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: كان سعْدُ بن أبي وقّاصٍ وعائشةُ يُوفِّيانِ الصَّلاةَ في السَّفرِ، ويصومانِ. قال: وسافَرَ نفرٌ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأوفَى سعدٌ الصَّلاةَ وصامَ، وقصرَ القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسَعْدٍ: كيفَ نُفطِرُ ونقصُرُ الصَّلاةَ، وأنت تُتِمُّها وتصومُ؟ فقال: دُونَكُم أمرُكُم، فإنِّي أعلمُ بشأني. قال: فلم يُحرِّمهُ سعدٌ عليهم، ولم يَنْهَهُم عنهُ. قال ابنُ جُرَيج: فقلتُ لعطاءٍ: فأيُّ ذلك أحبُّ إليكَ؟ قال: قَصْرُها. قال: وكلُّ ذلك قد فعَلَهُ الصّالِحُونَ والأخيارُ.

    قال أبو عُمر: حديثُ عَطاءٍ هذا، وما حَكاهُ عن سَعْدٍ وعائشةَ، أعرَفُ (٤) من رِوايةِ جُوَيريَةَ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهْريِّ، عن رَجُلٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن المِسْورِ بن مَخْرمةَ: أنَّ سعدَ بن أبي وقّاصٍ والمِسْوَر بن مخرمةَ وعبد الرَّحمنِ بن

    ج ١٠ ص ٣٤٠عبدِ يَغُوثَ كانوا جميعًا، فكان سَعْدٌ يقصُرُ الصَّلاةَ ويُفطِرُ، وكانا يُتِمّانِ الصَّلاةَ ويصُومانِ، فقيل لسعدٍ في ذلك، فقال سَعْدٌ: نحنُ أعلمُ (١) .

  24. المشهُورُ عن سَعْدٍ ما ذكَرهُ عَطاءٌ. وعلى أيِّ (٢) حالٍ كان، ففيه دليلٌ على إباحةِ القَصْرِ والتَّمام، وعلى هذا يخرُجُ اختِلافُ الرِّوايةِ عن سَعْدٍ، كأنَّهُ كان يُتِمُّ مرّةً، ويقصُرُ أُخرى، وكذلك كلُّ من رُوي عنهُ مِثلُ ذلك من الصَّحابةِ، واللَّهُ أعلمُ.

  25. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عنِ القاسم بن محمدٍ، أنَّ رَجُلًا قال لهُ: عَجِبتُ من عائشةَ، حينَ كانت تُصلِّي أربَعًا في السَّفرِ، ورسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي ركعتينِ، فقال لهُ القاسمُ: عليكَ بسُنّةِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ منَ النّاسِ من لا يُعابُ (٣) .

  26. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤) : أخبرنا مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ.

    قال (٥) : وأخبرنا الثَّوريُّ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيه عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفَرِ.

    قال أبو عُمر: ردَّ الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ القصرَ في السَّفرِ معَ الأمنِ سُنّةٌ مسنُونةٌ غيرُ فرِيضةٍ، حديثَ عائشةَ - حيثُ قالت: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعتينِ رَكْعتينِ،

    ج ١٠ ص ٣٤١فزيدَ في صَلاةِ الحَضِر، وأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ (١) - فردُّوهُ بأنْ قالوا: قد صَحَّ عنها أنَّها كانت تُتِمُّ في السَّفرِ، وهذا من فِعْلِها، يرُدُّ قولَها ذلك، وإن صَحَّ قولُها ذلك عنها، ولم يدخُلْهُ الوَهَمُ من جِهةِ النَّقلِ، فهُو على غيرِ ظاهِرِهِ، وفيه معنًى مُضْمرٌ باطِنٌ، وذلك -واللَّهُ أعلمُ- كأنَّها قالت: فأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفرِ لمن شاءَ، أو نحوُ هذا. قالوا: ولا يجُوزُ على عائشةَ أنَّ تُقِرَّ بأنَّ القصرَ فَرْضٌ في السَّفرِ، وتُخالِفَ الفرضَ، هذا ما لا يجُوزُ لمسلِم أن ينسُبَهُ إليها.

    قالوا: وغيرُ جائزٍ تأويلُ من تأوَّلَ عليها: أنَّ إتمامَها كان من أجلِ أنَّها كانت أُمَّ المُؤمِنينَ، فكانت حيثُما نَزلَتْ نَزلَتْ (٢) على بنيها، فلم تَقصُرْ؛ لأنَّ ذلك كان منها كأنَّها كانت في بَيْتِها، وهذا لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يَعْتقِدَهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ عليه السَّلامُ به صارَتْ عائشةُ وسائرُ أزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وكانَ -صلى اللَّه عليه وسلم- للمُؤمِنين أبًا رؤُوفًا رحيمًا، وكان يَقْصُرُ في أسفارِهِ كلِّها، في غَزَواتِهِ وعُمَرِهِ (٣) ، وحجَّتِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفي قِراءةِ أُبيِّ بن كَعْبٍ: "النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤمِنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أُمَّهاتُهُم وهُو أبٌ لهم" (٤) .

  27. فمِمّا يرُدُّ حديثَ عائشةَ: إتمامُها في أسْفارِها، ومِمّا يرُدُّهُ أيضًا حديثُ ابنِ عبّاسٍ وغيرِهِ: أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وما رُوي عنها مِمّا قدَّمنا ذِكرَهُ في هذا البابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتمَّ في السَّفرِ وقصَرَ، وصامَ وأفطَرَ.

  28. ومِمّا يُعارِضُهُ أيضًا: حديثُ القُشَيريِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّهُ قال: "وضَعَ اللَّهُ عنِ المُسافِرِ الصَّومَ، وشطْرَ الصَّلاةِ" (١) . و "وضَعَ" لا يكونُ في الأغلبِ إلّا مِمّا قد ثبتَ، فوُضِعَ منهُ.

    ج ١٠ ص ٣٤٢
  29. وفي إجماع الجُمهُورِ من الفُقهاءِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صلاةِ المُقيمينَ، فأدركَ منها ركعةً، أَنَّهُ يَلْزمُهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، فلو كان فرضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، لم ينتقِلْ فرْضُهُ إلى أربع، كما أنَّ المُقيمَ إذا دخَلَ خلفَ المُسافِرِ، لم يَنْتقِلْ فرضُهُ إلى اثْنَتينِ. وهذا واضِحٌ لمن تدبَّر وأنصفَ.

    قالوا: وكيفَ يجُوزُ للمُسافِرِ أن يكون مخُيَّرًا، إن شاءَ دخَلَ خلفَ الإمام المُقيم، فصلَّى أربعًا، وإن شاءَ صلَّى وَحدَهُ رَكْعتينِ، ولا يكونُ مُخيَّرًا في حالِ انْفِرادِهِ، إن شاءَ صَلَّى رَكْعتينِ، وإن شاءَ أربعًا؟ قالوا: ولو كان فرْضُ المُسافِرِ رَكْعتينِ، ما جازَ لهُ تَغْييرُ فرضِهِ، بالدُّخُولِ مع المُقيم في صَلاتِهِ، ولبَطَلتْ صلاتُهُ، كما لو صلَّى الصُّبحَ خلفَ إمام يُصلِّي الظّهرَ، إلى آخِرِها، وهذا بيِّنٌ واضِحٌ، والحمدُ للَّه.

  30. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢) ، قال: أخبرنا محمدُ بن حاتِم، قال: أخبرنا حِبّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن شَيْخ من بني قُشَيرٍ، عن عمِّهِ: أنَّهُ انتهى إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُو يأكُلُ، أو قال: يَطْعَمُ، فقال: "ادْنُ فكُل" . فقلتُ: إنِّي صائمٌ، فقال: "إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنِ المُسافِرِ شطْرَ الصَّلاةِ والصِّيام، وعن الحُبلى والمُرضِع" .

  31. ورواهُ عبدُ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، وعَمرُو بن أُميّةَ الضَّمريُّ، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ.

  32. فأمّا حديثُ ابنِ الشِّخِّيرِ، فرواهُ أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن هانِئ بن عبدِ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ: أنَّهُ قدِمَ عليه (١) . فذكَرَ مِثلَ حديثِ القُشَيريِّ.

    ج ١٠ ص ٣٤٣
  33. وأمّا حديثُ عَمرِو بن أُميّةَ، فرواهُ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن جَعْفرِ بن عَمرِو بن أُميّةَ، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ. هكذا حدَّثَ به الوليدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعيِّ (٢) .

  34. ورواهُ أبو المُغيرةِ (٣) ، ومحمدُ بن حَرْبٍ (٤) ، عنِ الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن أبي أُميّةَ الضَّمْريِّ، يعني: عَمرَو بن أُميّةَ.

  35. وكذلك رواهُ مُعاويةُ بن سلّام، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٥) .

  36. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٦) : أخبَرنا عَبْدةُ بن عبدِ الرَّحيم، عن محمدِ بن شُعَيبٍ، قال: أخبرَنا الأوزاعيُّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أُميّةَ الضَّمْريُّ،

    ج ١٠ ص ٣٤٤قال: قَدِمتُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من سَفرٍ، فقال: "انْتَظِرِ الغَداءَ يا (١) أبا أُميّةَ" ، فقلتُ: إنِّي صائمٌ، قال: "ادْنُ منِّي حتّى أُخبِرَكَ عنِ المُسافِرِ، إنَّ اللَّهَ وضَعَ عنهُ الصِّيامَ، ونِصفَ الصَّلاةِ" .

  37. حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ عُليّةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، قال: مرَّ عِمْرانُ بن حُصَينٍ في مَجْلِسِنا، فقال: غَزَوتُ معَ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وحَجَجتُ معهُ، فلم يُصلِّ إلّا رَكْعتينِ، حتّى رجَعَ إلى المدينةِ، وشهِدتُ معهُ الفتحَ، فأقامَ بمكّةَ ثماني عَشْرةَ، لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ، ثُمَّ يقولُ لأهْلِ البَلدِ: "صلُّوا أربعًا، فإنّا قومٌ سَفرٌ" . واعْتَمرتُ معهُ ثلاثَ عُمَرٍ لا يُصلِّي إلّا رَكْعتينِ.

  38. فهذا يدُلُّكَ على أنَّ الإمامةَ لا تنقُلُ فرضًا عن حالِهِ، ألا تَرى إلى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن خَلْفَهُ من أهلِ الحَضَرِ: "صلُّوا أربعًا فإنّا قومٌ سفرٌ" ؟ وكذلك قال عُمرُ لأهلِ مكّةَ أيضًا، حينَ صلَّى بهم، ثُمَّ سلَّمَ من رَكْعتينِ وقال لهم: أتِمُّوا صَلاتَكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ (٣) .

  39. فلمّا لم يكُنِ اتِّباعُ الإمام يحمِلُ المُقيمَ إذا صلَّى خلفَ المُسافِرِ، على أن يَجْتزِئَ برَكعتينِ، ويقتصِرَ على السَّلام معهُ؛ لأنَّ كلًّا على فرْضِهِ، وكان المُسافِرُ

    ج ١٠ ص ٣٤٥إذا أدركَ رَكْعةً من صَلاةِ المُقيم، انتقلَ حُكمُهُ إلى حُكم المُقيم، ولَزِمهُ أن يُصلِّيَ أربعًا، عَلِمنا بذلك أنَّ قصرَ الصلاةِ ليسَ بفَرْضٍ واجِبٍ؛ لأنَّهُ لو كان فرضًا، لأضافَ المُسافِرُ إلى رَكْعتِهِ التي أدركها من صلاةِ المُقيم رَكْعةً أُخرى، واستُجزِئَ بذلك. فلمّا أجمعُوا على غيرِ ذلك، عُلِمَ أنَّ القصرَ للمُسافِرِ سُنّةٌ لا فرضٌ.

  40. ألا تَرى أنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ جائزٌ للمُسافِرِ أن يُصلِّيَ خلفَ المُقيم، من كرِهَ ذلك منهُم، ومنِ اسْتَحسنهُ، كلُّهُم يُجيزُهُ؟ وقد أجمعُوا على أنَّ المُسافِرَ إذا أدركَ رَكْعةً من صلاةِ المُقيم، لزِمهُ الإتمامُ، بل قد قال أكثرُهُم: إنَّهُ إذا أحرمَ المُسافِرُ خلفَ المُقيم قبلَ سَلامِهِ، أنَّهُ تلزمُهُ صلاةُ المُقيم، وعليه الإتمامُ، فلو كان القَصْرُ فرضًا واجِبًا، ما دخلَ المُسافِرُ معَ المُقيم في صلاتِهِ، والأمرُ في هذا واضِحٌ بيِّنٌ، لمن لم يُعانِد وأُلهِم رُشْدَهُ.