صالح بن كيسان حديثان
١٣٣ فقرة، ج ١٠ ص ٣١١
الصفحة ٤ من ٤
- ج ١٠ ص ٣٤٥
أخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمرَ، قالا: سَنَّ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للمُسافِرِ رَكْعتينِ، وهُما تمامٌ. قالا: والوِترُ في السَّفرِ من السُّنّةِ (١) .
-
فهذا ابنُ عُمرَ وابنُ عبّاسٍ قد قالا: إنَّ صلاةَ المُسافِرِ سُنّةٌ. كما قالا: إنَّ الوتْرَ في السَّفرِ من السُّنّةِ.
-
وقد مَضَى في هذا البابِ عنِ ابنِ عُمرَ أيضًا وابنِ عبّاسٍ مِثلُ ذلك، وعن عَطاءٍ، وعَمرِو بن دينارٍ، والقاسم بن محمدٍ مِثلُ ذلك (٢) ، وقد أشْبَعنا هذا المعنى عندَ ذِكرِ حديثِ ابنِ شِهاب، عن رَجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسِيدٍ، في كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
- ج ١٠ ص ٣٤٦
وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا البابِ (١) ، فرُوي عن مالكٍ: أَنَّهُ قال مرّةً في مُسافِرٍ أمَّ مُقيمينَ، فأتمَّ بهمُ الصَّلاةَ، جاهلًا، ومنهُمُ المُسافِرُ والمُقيمُ. قال: أرَىَ أن يُعيدُوا الصَّلاةَ جميعًا. ورُوي عنهُ أيضًا أنَّهُ قال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وما مَضَى وقتُهُ فلا إعادةَ عليه.
-
وقال ابنُ المَوّازِ -في من صلَّى أربعًا ناسيًا لسفرِهِ، أو ناسيًا لإقصارِهِ، أو ذاكِرًا-: فلْيُعِد في الوَقتِ. وكذلك قال سُحنُونٌ فيمَنْ صلَّى في السَّفرِ ناسيًا، أو ذاكِرًا. وزادَ: أو جاهِلًا، أربعًا: إنَّهُ يُعيدُ في الوَقْتِ.
وقال ابنُ المَوّاز: لوِ افتتَحَ على رَكْعتينِ، فأتمَّها أربعًا تَعمُّدًا، أعاد أبدًا، وإن كان سَهْوًا، سجدَ لسَهوِهِ، وأجزأهُ.
وقال سُحنُونٌ: بل يُعيدُ أبدًا، لكَثْرةِ السَّهوِ.
وقال ابنُ الموّازِ: ليس كسَهوٍ (٢) مُجتَمَع عليه.
-
وذكر أبو الفَرج، عن مالكٍ، قال: ومن أتمَّ في السَّفرِ، أعادَها مَقْصُورةً، ما دامَ في وَقْتِها، إلّا أن يَنْويَ مُقامًا، فيُعيدُها كامِلةً، ما دامَ في وَقْتِها. قال: ولو صلَّى مُسافِرٌ بمُسافِرينَ، فسَها فقامَ ليُتِمَّ، فلْيجلِسْ مَن وراءَهُ، حتّى يُسلِّمُوا بسلامِهِ، وعليه إعادةُ الصَّلاةِ، ما دامَ في الوَقتِ.
قال القاضي أبو الفَرج: أحسَبُهُ أَنَّهُ ألزَمَ هذا الإعادةَ، لأنَّهُ سُبِّح به، فتمادَى في صلاتِهِ عامِدًا، عالمًا بذلك، وأمّا إن كان ساهيًا، فلا وجهَ لأمرِهِ بالإعادةِ؛ لأنَّهُ بمَنْزِلةِ مُقيم صلَّى الظَّهر خمسًا ساهيًا، فلم يكُن عليه إعادةٌ.
- ج ١٠ ص ٣٤٧
وذكر ابنُ خُوَيْز مَنْداد أنَّ مالكًا يقولُ: إنَّ القصرَ في السَّفرِ مسنُونٌ غيرُ واجِب. وهُو قولُ الشّافِعيُّ.
قال أبو عُمرَ: في قولِ مالكٍ: إنَّ من أتمَّ الصَّلاةَ في السَّفرِ، لم تلزمَهُ الإعادةُ، إلّا في الوقتِ. دليلٌ على أنَّ القصرَ عِندهُ ليسَ بفرضٍ.
-
وقد حَكَى أبو الفرج في كِتابِهِ، عن أبي المُصْعبِ، عن مالكٍ، قال: القَصْرُ في السَّفرِ للرِّجالِ والنِّساءِ سُنّةٌ.
قال أبو الفَرج: فلا معنى للاشتِغالِ بالاستِدلالِ على مَذهبِ مالكٍ، معَ ما ذكَرَهُ أبو المُصعبِ: أنَّ القصرَ عندَهُ سُنّةٌ لا فرضٌ. قال: ومِمّا يدُلُّ على ذلك من مذهبِهِ: أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من أتمَّ في السَّفرِ، إلّا في الوَقتِ.
قال أبو عُمر: فهذا أصحُّ ما في هذه المسألةِ عن مالك (١) ، وذلك أصحُّ الأقاويلِ فيها من جِهةِ النَّظرِ والأثَرِ، وباللَّه التَّوفيقُ.
-
وأمّا الشّافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ، فكانا يقولانِ: إن شاءَ المُسافِرُ قصَرَ، وإن شاءَ أتمَّ.
-
وذكر أبو سَعْدٍ القَزْوينيُّ المالكيُّ: أنَّ الصَّحيحَ في مذهبِ مالكٍ: التَّخييرُ للمُسافِرِ في الإتمام والقَصْرِ، كما قال الشّافِعيُّ، إلّا أنَّهُ يَسْتَحبُّ لهُ القَصْرُ، ولذلك يَرى عليه الإعادةَ في الوَقتِ إن أتمَّ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا صلَّى المُسافِرُ أربعًا، فإن كان قعدَ في كلِّ رَكْعتينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فصلاتُهُ تامّةٌ، وإن لم يَكُن قعَدَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ قَدْرَ التَّشهُّدِ، فعليه أن يُعيدَ.
ج ١٠ ص ٣٤٨قال أبو عُمر: هذا على أُصُولِهِم في أنَّ التَّشهُّدَ والسَّلامَ لَيْسا بواجِبَينِ، والجُلُوسُ مِقدارَ التَّشهُّدِ عندَهُم واجِبٌ، وبه يخرُجُ عندَهُم من الصَّلاةِ. وللرَّدِّ عليهم في ذلك موضِعٌ غيرُ هذا.
وقال حمّادُ بن أبي سُليمانَ: من أتمَّ في السَّفرِ، أعادَ. والإعادةُ عندَهُ وعندَ أبي حَنِيفةَ، على ما قدَّمنا من أُصُولِهِم، أبدًا.
-
وجاءَ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ ما يدُلُّ على أنَّ القصرَ في السّفرِ واجِبٌ؛ لأنَّهُ قال: الرَّكعتانِ للمُسافِرِ حَتْمٌ، لا يصلُحُ غيرُهُما (١) .
-
واختُلِف في هذه المسألةِ عن أحمد بن حَنْبل، فقال مرّةً: أنا أُحِبُّ العافَيةَ من هذه المسألةِ. وقال مرّةً أُخرى: لا يُعجِبُني أن يُصلِّي أربَعًا، السُّنّةُ رَكْعتانِ (٢) .
-
وقد مَضَى القولُ في كثيرٍ من مسائلِ هذا البابِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن رجُلٍ من آلِ خالدِ بن أَسيدٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.