حميد الطويل
١٩٣ فقرة، ج ٢ ص ١٧٣
الصفحة ١ من ٥
- ج ٢ ص ١٧٣
حُميدٌ الطَّويل (٢) أبو عُبيدة، بَصريٌّ، وهو: حُميد بن أبي حُميد مولى طلحة الطَّلْحات، وهو: طَلْحةُ بنُ عبد الله الخُزاعي؛ قيل: كان حُميد من سَبْي سِجِسْتان، وقيل: من سَبْي كابُل. واختُلِفَ في اسم أبيه أبي حُمَيْد؛ فقيل: طَرْخان، وقيل: مِهْران، وقيل: حُميد الطَّويل هو حُميد بن شَيْمانَ (٣) ؛ قاله أبو نُعيم. وقال غيرُه: هو حُميد بن تِيرُوَيَة.
قال أبو عُمر: سَمِعَ من أنس بن مالك، والحَسَن بن أبي الحَسَن، وأكثرُ روايتِه عن أنس أخَذَها عن ثابتٍ البُناني عن أنس، وعن قَتادةَ عن أنس، وقد سمع من أنس. توفي في جُمادى سنة أربعين ومئة، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئة؛ قاله ابنه إبراهيمُ بن حُميد، وهو ابنُ خمس وسبعين سنة.
-
وكان ثقةً، روَى عنه جماعةٌ من الأئمة. وذكر الحُلْواني، قال: حدَّثنا عفان، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن زُريع، قال: تناول رجلٌ حُميدًا الطَّويل عند يونُس بن عُبيد، فقال: أكثرَ اللهُ فينا أمثالَهُ.
قال عفان: كان حُميد الطويل فقيهًا، وكان هو والبَتِّيُّ يفتيان؛ فأما البَتِّي، فكان يقضي، وأما حُميد فكان يُصلح، فقال حُميد للبتي: إذا جاءك الرجلان، فلا
ج ٢ ص ١٧٤تُخبرهما لمن الحق، ولكن أصلح بينهما؛ احمِلْ على هذا، واحمِلْ على هذا.
فقال عُثمانُ البَتّي: أنا لا أحسنُ سحرَك. وكان حميد رفيقًا.
وقال الأصمعيُّ: رأيت حُميدًا الطويل، ولم يكن بالطويل، كان طويل اليدين.
-
لمالك عنه من مرفوعات "الموطأ" سبعةُ أحاديث؛ ستة منها (١) مسندات، وواحدٌ موقوف لم يُسنِدْه عن مالك خاصة إلّا من لا يوثَقُ بحفظه.
- ج ٢ ص ١٧٥
حديث أولُ لمالكٍ، عن حُميدٍ الطَّويل مُسندٌ صحيح
مالكٌ (١) ، عن حُميدٍ الطوِيل، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في رَمَضانَ، فلم يَعِبِ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطِرُ على الصَّائم.
-
هذا حديثٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ. وبلَغَني عن ابنِ وضَّاحٍ رَحِمه اللهُ أنّه كان يقولُ: إنّ مالكًا لم يُتابَعْ عليه في لفظِه. وزعَم أنّ غيرَه يَرْوِيه عن حُميدٍ، عن أنسٍ، أنّه قال: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُسافِرُونَ، فيصُومُ بعضُهم ويُفطِرُ بعضُهم، فلا يَعِيبُ الصائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصائمِ. ليس فيه ذِكرُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أنّه كان يُشاهِدُهم في حالِهم هذه (٢) .
-
وهذا عندي قِلَّةُ اتِّسَاعٍ في عِلْم الأثَرِ؛ وقد تابَعَ على ذلك مالِكًا جَماعَةٌ من الحُفَّاظِ، منهم: أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، وأبو ضَمْرةَ أنسُ بن عِياضٍ (٣) ، ومحمدُ بن عبدِ الله الأنْصارِيُّ (٤) ، وعبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ (٥) ، كلُّهم روَوْه عن حُميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ بمعنى حديثِ مالكٍ: سافَرنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، سواءً. ورُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مثلُ ذلك من وُجُوهٍ؛ منها: حديثُ ابن عباسٍ (٦) ، وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (٧) .
- ج ٢ ص ١٧٦
وحديثُ أنسٍ هو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، وباللّه التوفيقُ، وما أعلَمُ أحدًا روَى حديثَ أنسٍ هذا على ما قال ابنُ وضَّاح، إلّا ما روَاه محمدُ بن مسعودٍ، عن القَطَّانِ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، قال: كُنَّا نُسافِرُ مع أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - ولا أعْلَمُه قال إلّا: في رَمَضَانَ - مِنّا الصَّائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعِيبُ هذا على هذا. هكذا حدَّث به ابنُ وضَّاح؛ قال: حدَّثنا محمدُ بن مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، فذكَره.
قال أبو عُمر: ليس هذا بشيءٍ، والذي عليه الرُّوَاةُ ما ذكره مالكٌ وسائرُ من سَمَّيناه من الحفَّاظِ، عن حُميدٍ، عن أَنسٍ، قال: سافَرْنا مع رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصوابُ إن شاءَ اللهُ، وسنَذكُرُ الآثارَ في ذلك بالأسانيدِ الجِيَادِ في آخِر هذا البابِ بعدَ الفراغِ من القولِ في معانيه واختلافِ العلماءِ فيه بعونِ الله إن شاءَ اللهُ.
-
وفيه من الفِقْهِ وجُوهٌ كثيرَةٌ؛ منها: رَدُّ قولِ من زعَم أن الصائمَ في رمضَانَ في السَّفَرِ لا يُجْزِئُه، كما رُوِيَ عن عُمرَ (١) ، وأبي هُريرَة (٢) ، وابن عبّاسٍ (٣) ، وقال بذلك قومٌ من أهلِ الظّاهِرِ. ورُوِي عن ابن عمرَ أنّه قال: من صام في السَّفَرِ قَضَى في الحَضَرِ. وروي عن عبدِ الرحمن بن عوفٍ: أنّ الصَّائمَ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ (٤) . وروي عن ابن عباسٍ (٥) أيضًا والحسنِ أنّهما قالا: إنّ الفِطرَ في السَّفَرِ عَزْمَةٌ لا ينبغي تركُها.
-
وحديثُ هذا البابِ يَرُدُّ هذه الأقاوِيلَ، ويُبْطِلُها كلَّها. وقد روي عن ابن
ج ٢ ص ١٧٧عبّاسٍ في هذه المسألةِ: خُذْ بيُسْرِ الله (١) . وهذا منه إباحَةٌ للصومِ والفِطْرِ للمُسافِرِ، خِلافُ القولينِ اللذين ذكرناهما عنه.
-
وعلى إباحَةِ الصوم والفِطْرِ للمسافرِ جماعةُ العلماءِ وأئمَّةُ الفقهِ بجميع الأمصارِ، إلّا ما ذكَرتُ لك عمّن قدَّمنا ذِكْرَه، ولا حُجَّةَ في أحَدٍ مع السُّنةِ الثابِتَةِ، هذا إن ثبَت ما ذكرناه عنهم، وقد ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وُجُوهٍ أنّه صام في السَّفرِ، وأنه لم يَعِبْ على من أفطَر، ولا على من صام. فثبَتَتْ حُجَّتُه، ولَزِم التَّسليمُ له، وإنّما اختلَف الفقهاءُ في الأفضَلِ من الفِطرِ في السَّفَرِ أو الصَّوْمِ فيه لِمَن قدَر عليه؛ فرَوينا عن عُثْمانَ بن أبي العاص الثقفيِّ (٢) وأنسِ بن مالِكٍ صاحِبَيْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنّهما قالا: الصومُ في السَّفرِ أفضلُ لِمَن قَدَر عليه (٣) . وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه. ونحوُ ذلك قولُ مالكٍ والثورِيِّ؛ لأنّهما قالا: الصومُ في السَّفَرِ أحَبُّ إلينا لِمَن قَدَر عليه (٤) .
-
فاستَدلَلنا أنّهم لم يَستَحسِنوه إلّا أنّه أفضلُ عندَهم.
وقال الشَّافعيُّ ومن اتّبَعه: هو مُخيَّرٌ، ولم يُفَضِّلْ. وكذلك قال ابن عُليَّةَ. وقد روي عن الشَّافعيِّ أن الصومَ أحَبُّ إليه (٥) . ولم يُختلفْ عن ابن عُليَّةَ أنّه لا يُفَضِّلُ، وهو ظاهِرُ حديثِ أنَسٍ هذا. وروي عن ابن عمرَ وابن عباسٍ أنّ الرُّخصةَ أفضَلُ (٦) .
- ج ٢ ص ١٧٨
وبه قال سعيدُ بن المسيِّبِ، والشعبيُّ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، ومجاهدٌ، وقتادَةُ، والأوزاعِيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسْحاقُ بن راهُويَة، كلُّ هؤلاءِ يقولون: إنّ الفِطرَ أفضَلُ؛ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] وروي عن ابن عباسٍ من وُجُوهٍ: إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفْطَرَ. وهو الثابتُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حَدِيثِ أنَسٍ، وابن عباسٍ، وأبي سعيدٍ، وحَمْزَةَ بن عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ.
-
حدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قد صامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّفَرِ، فمَنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفْطَرَ (١) .
قال عليٌّ: وكذلك رواه أبو عَوَانَةَ، عن مَنْصورٍ بإسْنادِه، حدَّثناه فهدُ (٢) بن عَوْفٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن مجاهدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر الحديثَ (٣) .
قال: ورواه شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابن عباسٍ. لم يَذْكُرْ طَاوُسًا؛ حدَّثنا مسلِمٌ (٤) ، قال: حدَّثنا شعبةُ، فذكَره (٥) .
ج ٢ ص ١٧٩قال أبو عُمر: كان حُذَيْفَةُ رحِمَه اللهُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبو جَعْفَرٍ محمدُ بن عليٍّ، لا يَصومُون في السَّفَرِ (١) ، وكان عَمْرُو بن ميمونٍ، والأسودُ بن يَزِيدَ، وأبو وائِلٍ، يَصومُون في السَّفَرِ، وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُ الصِّيامَ في السَّفَرِ. وعن سعيدِ بن جُبَيْرٍ مثْلُه (٢) .
-
حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنّما أرادَ اللهُ برُخصةِ الفِطرِ في السَّفرِ التيسيرَ عليكم، فمَن تيسَّرَ عليه الصومُ فلْيصُمْ، ومن تيسَّرَ عليه الفطرُ فلْيُفطِرْ (٣) .
-
فإن قال قائلٌ ممَّن يميلُ إلى قولِ أهلِ الظَّاهرِ في هذه المسألَةِ: قد روي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "ليس البِرَّ - أو: ليس من البِرِّ - الصِّيامُ في السَّفرِ" . وما لم يكُنْ من البِرِّ فهو من الإثم، واستَدلَّ بهذا على أنّ صومَ رمضانَ في السَّفَرِ لا يُجْزئُ. فالجوابُ عن ذلك: أنّ هذا الحديثَ خرَج لفظُه على شخصٍ معيَّنٍ، وهو رجلٌ رآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائمٌ قد ظُلِّلَ عليه وهو يَجودُ بنفسِه، فقال ذلك القولَ، أي: ليس البِرَّ أن يبلُغَ الإنسانُ بنفسِه ذلك المبلَغَ، واللّهُ قد رخَّص له في الفِطرِ. والدليلُ على صحَّةِ هذا التأويلِ: صومُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّفرِ، ولو كان الصومُ في السَّفر إثمًا، كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبعَدَ الناسِ منه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمادٍ، قال: حدَّثني عَمِّي إسماعِيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن
ج ٢ ص ١٨٠حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن بن عبدِ الله بن سعدِ (١) بن زُرَارَةَ، قال: قال جابرٌ: بَيْنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ تَبُوكَ يسيرُ بعدَ أن أضحَى، إذا هو بجماعةٍ في ظِلِّ شجرةٍ، فقال: "ما هذه الجَماعةُ؟ " . فقالوا: رجلٌ صام فجَهَدَه الصَّوْمُ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس البِرَّ أنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ" (٢) .
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا حفصُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن عَمْرِو بن حَسَنِ أو ابن حسينٍ - عن جابرِ بن عبدِ الله نحوَه.
-
وأخبرنا عبدُ الرحمن بن مروانَ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن يحيى القُلْزُمِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بن الجارُودِ (٤) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِمٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرحمن، عن محمدِ بن عَمْرِو بن الحسنِ، عن جابِرِ بن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سَفَرٍ، فرأى رجلًا عليه زِحَامٌ وقد ظُلِّلَ عليه، فقال: "ما هذا؟ " . قالوا: صائمٌ. قال: "ليس من البِرِّ - أو: ليس البِرَّ - أن تصومُوا في السَّفرِ" (٥) .
- ج ٢ ص ١٨١
هكذا قال محمدُ بن عَمْرِو بن الحسنِ. ويَحتمِلُ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس البِرَّ الصيامُ في السَّفرِ" ، أي: ليس هو أبَرَّ البِرِّ؛ لأنَّه قد يكونُ الإفطارُ أبَرَّ منه إذا كان في حجٍّ أو جِهادٍ؛ ليَقوَى عليه، وقد يكونُ الفِطرُ في السَّفَرِ المباحِ بِرًّا؛ لأنَّ اللهَ أباحَه. ونظِيرُ هذا من كلامِه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسكينُ بالطوَّافِ الذي ترُدُّه التَّمرةُ والتَّمرتان، واللُّقمةُ واللُّقمتان" . قيل: فمَن المِسْكينُ؟ قال: "الذي لا يسألُ، ولا يجِدُ ما يُغنِيه، ولا يُفْطَنُ له فيُتصَدَّقَ عليه" (١) . ومعلومٌ أنّ الطَّوَّافَ مسْكِينٌ، وأنّه من أهلِ الصدَقَةِ إذا لم يكُنْ له شيءٌ غيرُ تَطْوافِه. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "رُدُّوا المِسْكينَ ولو بكُرَاعٍ مُحْرَقٍ" . و: "رُدُّوا السَّائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ" (٢) . وقالت عائشةُ: إنَّ المِسكِينَ لَيَقِفُ على بابي. الحديثَ (٣) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: ٦٠] . فأجمَعوا أنّ الطَّوَّافَ منهم، فعُلِمَ أنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسْكِينُ بالطَّوَّافِ عليكم" ، مَعْناه: ليس السائلُ بأشَدِّ الناسِ مسكَنَةً؛ لأنّ المُتعَفِّفَ الذي لا يَسألُ الناسَ ولا يُفْطَنُ له أشَدُّ مَسْكَنَةً منه، فكذلك قولُه: "ليسَ البرَّ الصيامُ في السَّفَرِ" . مَعْناه: ليس البِرَّ كلّه في الصِّيامِ في السَّفَرِ؛ لأنّ الفِطْرَ في السفَرِ بِرٌّ أيضًا لِمَنْ شاء أن يأخذَ برُخصَةِ الله تعالى ذِكْرُه.
-
وأمّا قولُه: "ليس من البِرِّ" . فهو كقَوْلِه: "ليس البِرَّ" . و "مِن" قد تكونُ زائدةً؛ كقولِهم: ما جاءَني من أحَدٍ. أي: ما جاءَني أحَدٌ، واللّهُ أعلمُ.
- ج ٢ ص ١٨٢
فأمّا مَن احْتَجَّ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] ، وزَعَمَ أنّ ذلك عَزْمَة، فلا دليلَ معه على ذلك؛ لأنّ ظاهرَ الكلامِ وسياقَه إنّما يدُلُّ على الرُّخصةِ والتَّخِييرِ. والدليلُ على ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] . ودليل آخَرُ؛ وهو إجماعُهم أنّ المريضَ إذا تحامَلَ على نفسِه فصامَ، وأتمَّ صَوْمَ يومِه، أنّ ذلك مُجْزِئٌ عنه، فدَلَّ على أنّ ذلك رُخْصَة له، والمسافرُ في التِّلاوةِ وفي المَعْنَى مثْلُه. والكلامُ في هذا أوْضَحُ من أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكثارِ، واللّهُ المستعانُ.
-
وحدَّثني أبو القاسِمِ خلفُ بن القاسِمِ، قال: حدَّثنا أبو الفَوَارِسِ أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ بن السِّندِيِّ، قال: حدَّثنا أبو الفَضلِ قاسِمُ بن محمدِ بن الخَيَّاطِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الأنصارِيُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ الطَّويلُ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصامَ قومٌ، وأفطَرَ قومٌ، فلمْ يَعِبِ الصائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائم.
-
وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنِيُّ، قال: حدَّثنا الشَّافعيُّ، قال (١) : أخبَرنا عبدُ الوَهَّابِ بن عبدِ المجيدِ الثقفِيُّ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فمِنَّا الصائمُ، ومنَّا المُفطِرُ، لا يَعِيبُ الصائمُ على المُفطِر، ولا المُفطِرُ على الصائم.
-
وبه عن الشَّافِعِيِّ، قال (٢) : وحدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بن عبدِ المجيدِ، عن (٣) الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: كنا نسافِرُ مع رسولِ
ج ٢ ص ١٨٣الله - صلى الله عليه وسلم - منَّا الصَّائِمُ، ومنَّا المُفطِرُ، لا يَجِدُ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفطِرُ على الصَّائمِ، يَرَوْن أنّه مَن وجَدَ قُوَّةً فصامَ، أنّ ذلكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، ومَن وجَدَ ضَعْفًا فأفْطَرَ، فكذلك حَسَنٌ جميلٌ.
-
حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاوية، قال: حدَّثنا أبو خَلِيفَةَ الفضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي نَضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: خرَجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ فَتَحَ مكةَ، لسبع عَشْرةَ أو لتسعَ عَشْرةَ بقِينَ من رمضانَ، فصامَ صائمون، وأفْطَر مُفطِرون، فلم يَعِبْ على هؤلاء، ولم يَعِبْ على هؤلاء (١) .
قال أبو عُمر: هذا معنًى حسَنٌ؛ لأنّه أضافَ الإباحَةَ إلى النبيِّ عليه السَّلامُ، وأنّه لم يَعِبْ على واحدةٍ من الطّائفتَين، وهو من أصَحِّ إسْنادٍ جاءَ في هذا الحدِيثِ. وروَاه سعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادَةَ بإسنادِه، فقال فيه: خرَجنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لثِنْتَيْ عَشْرةَ (٢) . وقال هِشَامٌ، عن قتادَةَ فيه بإسْنادِه: لثَمَانِ عَشْرةَ (٣) .
-
وقد حدَّثنا خَلَفُ بن القاسِم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقِبِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو مُسْهِرٍ (٥) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ العَزِيزِ، عن عَطِيَّةَ بن قَيْسٍ، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، قال: آذَننا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالرَّحِيلِ عامَ الفَتْح لليلَتين خَلَتَا من رمضانَ، فخرَجنا صُوَّامًا حتى بلَغنا الكَدِيدَ (٦) ،
ج ٢ ص ١٨٤فأمَرَنا بالفِطْرِ، فأصبَحَ الناسُ منهم الصَّائمُ ومنهم المُفطِرُ حتى بلَغنا مَرَّ الظَّهْرانِ، فآذَننا بلِقاءِ العدُوِّ وأمَرنا بالفِطر فأفطَرنا جميعًا (١) .
قال أبو عُمر: عندَ سعيدِ بن عبدِ العزِيزِ في هذا البابِ حديثان؛ أحدُهما: هذا، عن عَطِيَّةَ. والآخَرُ: عن إسماعيلَ بن عُبَيدِ الله، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أبي الدَّرْدَاءِ. وهما صَحِيحان (٢) .
-
وفي هذا البابِ مسائلُ للفُقَهاءِ قد اختلفوا فيها، وقد ذكَرتُها في بابِ ابن شهابٍ، عن عُبَيْدِ الله بن عبدِ الله، والحمدُ للّه على ذلك كثيرًا.
- ج ٢ ص ١٨٥
حديثٌ ثانٍ لحُميد الطَّويل، عن أنس مُسندٌ صحيحٌ مُتَّصل
مالكٌ (١) ، عن حُميد الطَّويلِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ عبدَ الرحمنِ بن عَوفٍ جاءَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبه أثَرُ صُفْرَةٍ، فسألَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبَرَه أنّه تَزَوَّجَ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كم سُقتَ إليها؟ " قال: زِنَةَ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ. فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوْلمْ ولو بشاةٍ" .
قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوَطَّأ" عندَ جماعةِ رواتِه فيما عَلِمْتُ من مسندِ أنسِ بن مالكٍ (٢) . وروَاه رَوْحُ بن عُبادةَ، عن مالِكٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ، أنّه جاءَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) ، فجعَلَه من مسندِ عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ. وقد ذكَرنا عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ بما يجبُ من ذِكْرِه، وما يَنْبِغِي ممّا يُحْتاجُ إليه من خَبَرِه، في كتابِنا في "الصَّحابَةِ" (٤) ، وذكَرْنا هناك نساءَه وذريتَه.
وقال الزُّبَيْرُ بن بكارٍ: المرأةُ التي قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيها لعبدِ الرحمن بن عوفٍ حينَ تزوَّجها: "ماذا أصْدَقْتها؟ " فقال: زِنةَ نواةٍ من ذهبٍ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوْلمْ ولو بشاةٍ" ، هي: ابْنَةُ أنَس بن رافِعِ ابن امْرِئ القَيْسِ بن زيدِ بن عَبْدِ الأشْهَلِ الأنصَارِيَّةُ، وَلَدَتْ له القاسِمَ وأبا عثمانَ. قال: واسمُ أبي عثمانَ عبدُ الله.
- ج ٢ ص ١٨٦
وأمّا قولُه: وبه أثَرُ صُفْرَةٍ. فيُرْوَى أنّ الصُّفْرَةَ كانت من الزَّعْفَرانِ، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجوزُ أنْ تكونَ إلّا في ثِيابِه، واللّهُ أعلمُ؛ لأنّ العلماءَ لم يَخْتَلِفُوا - فيما عَلِمْتُ - أنّه مَكْرُوهٌ للرَّجُلِ أنْ يُخَلِّقَ جَسَدَه بخَلُوقِ الزَّعْفَرَانِ. وقد اخْتَلَفُوا في لِبَاسِ الرَّجُلِ للثِّيابِ المُزَعْفَرَةِ؛ فأجازَها أهلُ المدينةِ، وإلى ذلك ذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه. وكَرِهَ ذلك العراقيون، وإليه ذهَبَ الشافعيُّ. ولكلِّ واحدٍ منهم آثارٌ مَرْوِيَّةٌ بما ذهَبَ إليه عن السَّلَفِ، وآثارٌ مرفوعةٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
فأمّا الروايةُ بأنّ الصُّفْرَةَ كانت على عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ زَعْفَرانًا، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن سعيدٍ، عن حُمَيْدٍ الطويلِ، قال: سمِعتُ أَنَسَ بن مالكٍ يقولُ: قَدِمَ عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ المدينةَ، فآخَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيْنَه وبينَ سَعْدِ بن الرَّبيعِ، فأتَى السُّوقَ فرَبِحَ شيئًا من أَقِطٍ وسَمْنٍ، فرَآه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ أيّام وعليه وضَرُ صُفْرَةٍ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَهْيَمْ؟ " (١) فقال عبدُ الرحمنِ: تزَوَّجْتُ امرأةً من الأنصارِ. قال: "فما سُقْتَ إليها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مُوسَى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن ثابِتٍ البُنانِي وحُمَيْدٍ الطَّوِيل، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ وعليه رَدْعُ (٤) زَعْفَرانٍ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَهْيَمْ؟ " ، فقال: يا رسولَ الله،
ج ٢ ص ١٨٧تزَوَّجْتُ امرأةً. قال: "ما أصْدَقْتَها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ. قال: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (١) .
قال أبو عُمر: فقد بانَ في هذه الآثارِ من نَقْلِ الأئمَّةِ أنّ الصُّفْرَةَ التي رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعبدِ الرحمنِ كانت زَعْفَرانًا. والوَضَرُ معروفٌ في الثِّيابِ، والرَّدعُ: صَبغ الثِّيابِ بالزَّعْفَرانِ، قال الخليلُ (٢) : الرَّدْعُ الفِعْلُ، والرَّادِعَةُ والمردَّعةُ: قَمِيصٌ قد لُمِّع بالزَّعْفَرانِ أو بالطِّيبِ في مواضِعَ وليس مصبوغًا كلُّه، إنّما هو مُبلَّقٌ كما تَرْدَعُ الجارِيَةُ جَيْبَها بالزعفرانِ بمِلءِ كفِّها. وقال الشاعرُ:
* رَادِعَةً بالمسكِ أرْدانَها (٣) *
وقال الأعْشَى (٤) :
ورادِعَةٍ بالمِسْكِ صَفْراءَ عندَنا ... لجَسِّ (٥) النَّدامَى في يَدِ الدِّرْعِ مَفْتَقُ
يعْنِي: جارِيةً قد جعَلَتْ على ثِيابِها في مواضِعَ زَعْفَرانًا.
-
وأمّا الرَّدغ - بالغَيْنِ المَنْقُوطَةِ - فإنّما هو من الطِّينِ والحَمْأةِ.
-
وأمّا اختلافُ العلماءِ في لباسِ الثِّيابِ المصبوغةِ بالزعفرانِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ بلباسِ الثَّوبِ المُزَعْفَرِ، وقد كنتُ ألْبَسُه.
- ج ٢ ص ١٨٨
وفي "الموطأ" (١) : مالكٌ، عن نافِع، أنَّ ابن عمرَ كان يَلْبَسُ الثوبَ المصبوغَ بالمِشْقِ والمصبوغَ بالزعفرانِ. وتأوَّلَ مالكٌ وجماعةٌ معه حديثَه عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن عُبَيْدِ بن جُرَيْحٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ عليه السَّلامُ كان يَصْبُغُ بالصُّفْرةِ (٢) . أنّه كان يصبُغُ ثيابَه بصفرةِ الزَّعْفرانِ. وقد ذكَرْنا مَن خالَفَه في تأويلِه ذلك في بابِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ.
-
وقد حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ القعنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن زَيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ ابن عمرَ كان يصْبُغُ ثِيابَه بالزَّعْفرانِ، فقيل له في ذلك، فقال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصْبُغُ به، ورأيْتُه أحَبَّ الطَّيبِ إليه (٣) .
-
وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن عمرَ بن محمدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصْبُغُ ثِيابَه كلَّها بالزَّعفرانِ حتى العِمامةَ (٤) .
-
وذكرَ أيضًا، عن هشامِ بن سعدٍ، عن يَحْيَى بن عبدِ الله بن مالكِ الدَّارِ، قال: كان النبيُّ عليه السَّلامُ يَبْعَثُ بقميصِه وردائِه إلى بعضِ أزواجِه فتُصْبَغُ له بالزَّعْفرانِ (٥) .
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن شَعْبانَ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن محمدِ بن الضحَّاكِ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوانَ العُثْمانِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْد بن إبراهيمَ، قال: سألْتُ ابن شهابٍ عن الخَلُوقِ، فقال:
ج ٢ ص ١٨٩قد كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يتَخَلَّقُون، ولا يَرَوْن بالخَلُوقِ بأسًا. قال ابنُ شَعْبانَ: هذا خاصٌّ عندَ أصْحابِنا في الثِّيابِ دونَ الجَسَدِ (١) .
قال أبو عُمر: هو كما قال ابن شَعْبانَ. وقد كَرِهَ التَّزَعْفُرَ للرِّجالِ في الجَسَدِ والثِّيابِ جماعَة من السَّلَفِ أهلِ العراقِ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُه؛ لآثارٍ رُوِيتْ في ذلك، أصَحُّها حَدِيثُ أَنَسِ بن مالِكٍ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبِ، عن أنَسِ بن مالِكٍ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجلُ (٢) .
-
وروَاه حَمَّادُ بن زيدٍ، وابنُ عُلَيّةَ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْب، عن أنسٍ، مثلَه سواءً، إلّا أنّهما قالا: نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجالُ. والمَعْنَى واحِدٌ.
-
أخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مُسَدَّدٌ، أنَّ حَمَّادَ بن زَيْدٍ وإسماعيلَ بن إبراهيمَ حدَّثاهم، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أنسٍ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن التَّزَعْفُرِ للرجالِ (٤) .
قال أبو عُمر: حمَلُوا هذا على الثِّيابِ وغيرِها، وأمَّا الجَسَدُ، فلا خِلافَ عَلِمْتُه فيه، واللّهُ أعلمُ.