عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك الأنصاري المعاوي
٧٢ فقرة، ج ١٢ ص ١٦٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١٢ ص ١٧٥
وفيه: النَّهيُ عن البُكاءِ عليهِ إذا وجبَ موتُهُ.
-
وفي نهيِ جابرِ بن عَتِيكٍ للنِّساءِ عن البُكاءِ، دليلٌ على أنَّهُ قد كان سمِعَ النَّهي عن ذلك، فتأوَّلهُ على العُمُوم واللهُ أعلم (٤) ، فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهُنَّ" ،
ج ١٢ ص ١٧٦يعني: يبكِين، حتَّى يمُوت، ثُمَّ لا تبكِينَّ باكِيةٌ. يُرِيدُ، واللهُ أعلمُ، لا يَبكِيَنَّ نِياحًا ولا صِياحًا بعد وُجُوبِ مَوتِهِ.
-
وعلى هذا جُمهُورُ الفُقهاءِ: أنَّهُ لا بأسَ بالبُكاءِ على الميِّتِ، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبَةٍ ولا نِياحَةٍ (١) ، وشقِّ جيبٍ، ونَشْرِ شعرٍ، وخَمْشِ وجهٍ.
-
قال ابنُ عبّاسٍ في مِثلِ هذا من بُكاءِ العينِ دُونَ نِياحَةٍ: اللهُ أضْحَكَ وأبكى (٢) . وقد مضى هذا المعنى واضِحًا في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله.
-
وقد روى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: مرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بجِنازةٍ يُبكَى عليها، وأنا مَعهُ وعُمرُ بن الخطّابِ، فانْتَهَرَهُم عُمرُ، فقال: "دعهُنَّ يا ابن الخطّابِ، فإنَّ النَّفسَ مُصابةٌ، والعينَ دامِعةٌ، والعهدَ قرِيبٌ" .
-
لم يُتابَع اللَّيثُ على هذا الإسنادِ، وإنَّما رَوتهُ الجماعةُ عن هشام بن عُروةَ، [عن وَهْبِ بن كَيْسانَ] (٣) عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرقِ، عن أبي هريرةَ (٤) .
-
وروى عبدُ الرَّحمنِ بن حسّانَ بن ثابتٍ، عن أُمِّهِ (٥) سِيرِين، قالت: حَضَرتُ
ج ١٢ ص ١٧٧موتَ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكُنتُ كلَّما صِحْتُ أنا وأُختِي، لا ينهانا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا ماتَ، نهانا عن الصِّياح (١) .
-
وأمّا قولُهُ: "فإذا وجَبَ فلا تبكِينَّ باكِيةٌ" . وتفسِيرُهُ لذلك، بأنَّهُ إذا ماتَ، فأظُنُّ ذلك، واللهُ أعلمُ، مأخُوذ من وَجْبةِ الحائطِ (٢) ، إذا سقطَ وانهدَمَ.
-
وفيه: أنَّ المُتَجهِّز (٣) للغَزْوِ، إذا حِيلَ بينهُ وبينهُ، يُكتَبُ لهُ أجرُ الغازِي، وَيقعُ أجرُهُ على قدرِ نِيَّتهِ. والآثارُ الصِّحاحُ تدُلُّ على أنَّ من نَوَى خيرًا وهمَّ به، ولم يصرِفْ نِيَّتهُ عنهُ، وحِيلَ بينهُ وبينهُ، أنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ ما نَوَى من ذلك، ألّا تَرَى إلى قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من كانَتْ لهُ صلاةٌ بليل، فغَلَبتهُ عينُهُ، كُتِبَ لهُ أجرُ صلاتِهِ، وكان نَوْمُهُ عليه صَدَقةً" (٤) .
-
وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "حَبَسهُمُ العُذرُ" . يُبيِّنُ ما ذكرنا.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن حُميدٍ، عن موسى بن أنسِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد تركتُم بالمدِينةِ أقوامًا، ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا أنفقتُم من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ، إلّا وهُم مَعكُم فيهِ" . قالوا: يا رسولَ الله، وكيفَ يكونُونَ معنا، وهُم بالمدِينةِ؟ قال: "حَبَسهُمُ العُذرُ" .
-
وقد أشْبَعنا هذا المعنى في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
- ج ١٢ ص ١٧٨
وفيه: دليلٌ على أنَّ الأعمالَ إنَّما تكونُ بالنِّيّاتِ، وأنَّ نِيَّةَ المُؤمِنِ خيرٌ من عَملِهِ، على ما رُوِي في الآثار (١) ، وهذا مَعناهُ عِندَنا أنَّ نِيَّةَ المُؤمِنِ خيرٌ من عَمَلٍ (٢) بلا نِيَّةٍ.
-
وفيه: طرحُ العالِم على المُتعلِّم، ألّا تَرى إلى قولِهِ: "وما تعُدُّونَ الشَّهادةَ فيكُم؟ " . ثُمَّ أجابهُم بخِلافِ ما عِندَهُم، وقال لهُم: "الشُّهداءُ سَبْعةٌ سِوَى القتلِ في سبِيلِ الله" . ثُمَّ ذكرهُم.
-
فأمّا قولُهُ: "المطعُونُ شَهِيدٌ" . فهُو الذي يمُوتُ في الطّاعُونِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عيسى بن دَلُّوية (٣) المعرُوفُ بالزَّغاثِ (٤) ، قال: حدَّثنا فَرْوةُ بن أبي المغراءِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن يُوسُف بن ميمُونٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عُمرَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ فَناءَ أُمَّتي بالطَّعن والطّاعُونِ" . قالت: الطَّعنُ قد عَرَفناهُ، فما الطّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعِيرِ، تخرُجُ في المراقِ (٥) والآباطِ، من ماتَ منهُ، ماتَ شَهِيدًا. . ." . وذكرَ تمامَ الحديثِ (٦) .
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا
ج ١٢ ص ١٧٩عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحولُ، قال: حدَّثتني حَفْصةُ بنتُ سِيرِينَ، قالت: قال لي أنسُ بن مالكٍ: مِمَّ ماتَ يحيى بن أبي عَمْرةَ؟ قُلتُ: ماتَ في الطّاعُونِ. قال أنسٌ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الطّاعُونُ شهادةٌ لكلِّ (١) مُسلِم" (٢) .
-
يحيى بن أبي عَمْرةَ، هُو يحيى بن (٣) سِيرِينَ، أخُو محمدِ بن سِيرِينَ، وسِيرِينُ أبوهُم هُو أبو عَمْرةَ (٤) .
-
وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عِيسى بن مِسْكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا عارِمٌ (٥) ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي الفُراتِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بُريدةَ، عن يحيى بن يَعْمُر، عن عائشةَ أنَّها حدَّثتهُ: أنَّها سألَتْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطّاعُونِ، فأخبَرَها نبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّهُ كان عذابًا يبعثُهُ الله على من يَشاءُ، فجعلَهُ الله رحمةً للمُؤمِنِين، فليسَ من عبدٍ يَقَعُ الطّاعُونُ بأرضِهِ، فيثبُتُ فيها، وهُو يعلَمُ أنَّهُ لن يُصِيبهُ إلّا ما كتَبَ الله لهُ، إلّا كان لهُ أجرُ شهِيدٍ" (٦) .
- ج ١٢ ص ١٨٠
وأمّا الغَرِقُ فمعرُوفٌ، وهُو الذي يمُوتُ غرقًا في الماءِ.
-
وذاتُ الجنبِ، يقولُونَ: هي الشَّوصةُ (١) ، وذلك معرُوفٌ، وصاحِبُها شهِيدٌ، على ما ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ وغيره، يُقالُ: رجُلٌ جَنِبٌ، بكسرِ النُّونِ، إذا كانت به ذاتُ الجنبِ، وقيل في صاحِبِ ذاتِ الجنبِ: المجنُوبُ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا أبو العُمَيسِ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتاهُ يَعُودُهُ، فقال: "القَتلُ في سبِيلِ الله شهادةٌ، والمرأةُ تمُوتُ بجُمْع شهادةٌ، والغَرِقُ شهادةٌ، والحَرِقُ شهادةٌ، والمطعُونُ شهادةٌ، والمبطُونُ شهادةٌ، والمجنُوبُ شهادةٌ" .
-
هكذا يقولُ أبو العُميسِ في إسنادِ هذا الحديثِ، والصَّوابُ ما قالهُ فيه مالكٌ، ولم يُقِمهُ (٣) أبو العُمَيسِ.
-
وأمّا المبطُونُ، فقيل فيهِ: المَحْبُون (٤) . وقيل فيهِ: صاحِبُ الإسهالِ، والله أعلمُ.
-
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن حجرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبدِ الله، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال (٥) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
ج ١٢ ص ١٨١"من تعُدُّونَ الشُّهداءَ فيكُم؟ " قالوا: من قُتِلَ في سبِيلِ الله فهُو شهِيدٌ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ شُهداءَ أُمَّتي إذَنْ لقليلٌ، من قُتِل في سبِيلِ الله فهُو شهِيدٌ، ومن ماتَ في سبِيلِ الله فهُو شَهِيدٌ، ومن ماتَ من طاعُونٍ فهُو شهِيدٌ، ومن ماتَ من بَطْنٍ فهُو شهِيدٌ" . قال سُهيلٌ: فحدَّثني عُبيدُ الله (١) بن مِقْسم، أنَّهُ قال: أشهدُ على أبيكَ أنَّهُ زادَ فيه الخامِسةَ: "ومن غرِقَ فهُو شَهِيدٌ" (٢) .
قال أبو عُمر: قد ذكرنا معنى القَتْلِ والموتِ في سبِيلِ الله، بالشَّواهِدِ على ذلك، في بابِ إسحاقَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله.
-
وأمّا الحَرِقُ، فالذي يحترِقُ في النّارِ فيمُوتُ.
-
وأمّا الذي يمُوتُ تحت الهدم، فأعرَفُ من أن يُفسَّر.
-
وأمّا قولُهُ: "المرأةُ تمُوتُ بجُمْع" . ففيه قولانِ، لكلِّ واحِدٍ منهُما وجهانِ:
أحدُهُما: هي المرأةُ تمُوتُ من الوِلادةِ، وولدُها في بَطْنِها قد تمَّ خلقُهُ، وماتَتْ من النِّفاسِ وهُو في بَطْنِها لم تلِدهُ، قال أبو عُبيدٍ (٣) : الجُمْعُ، التي في بطنِها ولدُها. وأنشد قول الشّاعِرِ (٤) :
وَرَدناهُ في مَجْرَى سُهيل يمانِيًا ... بصُعرِ البُرَى من بينِ جُمْعٍ وخادِجِ
ج ١٢ ص ١٨٢قال: والخادِجُ: النّاقة (١) التي ألقَتْ ولدها. وقيل: إذا ماتَتْ من الوِلادةِ، فسواءٌ ماتَتْ وولدُها في بطنِها، أو ولدتهُ ثُمَّ ماتت بإثرِ ذلك.
-
والقولُ الآخرُ: هي المرأةُ تمُوتُ عَذْراءَ لم تُنكَح ولم تُقتَضَّ. وقيل: هي المرأةُ تمُوتُ ولم تُطمَث. والمعنى واحِدٌ، لقولِهِ عزَّ وجلَّ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: ٥٦] . أي: لم يطأهُنَّ.
-
والقَولُ الأوَّلُ أشهرُ وأكثرُ. واللهُ أعلمُ.
وقال ابنُ السِّكِّيتِ (٢) : يُقالُ: هلكَتْ فُلانةٌ بجُمْع، وبجِمْع لُغتانِ، أي: ووَلَدُها في بطنِها. قال: ويُقالُ أيضًا للعَذْراء: (٣) هي بجُمْع وبجِمْع، بالضَّمِّ والكسرِ لُغتانِ أيضًا. وذكر قول امرأةِ العجّاج إذ نشَزَتْ عليه، قالت للوالِي: أصلحك الله (٤) ، إنِّي منهُ بجُمْع، وإن شِئتَ بجِمْع.
-
وقد حدَّثني عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا حُسَينُ بن عليٍّ، عن زائدةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مُهاجِرٍ البَجَلِيُّ (٥) ، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: ذُكِرَ عِندَ عبدِ الله الشُّهداءُ، فقيل: إنَّ فُلانًا قُتِلَ يوم كذا وكذا شَهِيدًا، وقُتِل فُلانٌ يومَ كذا وكذا شهِيدًا. فقال عبدُ الله:
ج ١٢ ص ١٨٣لئن لم يَكُن شُهداؤُكُم إلّا من قُتِلَ، إنَّ شُهداءَكُم إذَنْ لقليلٌ، إنَّ من (١) يَتَردَّى من الجِبالِ، ويغرَقُ في البُحُورِ، وتأكلُهُ السِّباعُ، شُهداءُ عِندَ الله يومَ القِيامَةِ (٢) .
-
وذكر الحُلوانِيُّ في كِتابِ "المعرِفةِ" قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحنفِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن عبدِ الملكِ (٣) بن عُميرٍ، قال: سمِعتُهُ يقولُ: قال عليُّ بن أبي طالِبٍ: من حَبَسهُ السُّلطانُ، وهُو ظالِم لهُ، فماتَ في محبسِهِ ذلك، فهُو شهِيدٌ، ومن ضَرَبهُ السُّلطانُ ظالِمًا لهُ، فماتَ من ضربِهِ ذلك، فهُو شهِيدٌ، وكلُّ مِيتةٍ يمُوتُ بها المُسلِمُ، فهُو شَهِيدٌ، غيرَ أنَّ الشَّهادةَ تتفاضَلُ (٤) .