عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي، أبو حرملة
٨٦ فقرة، ج ١٢ ص ٣٣٠
الصفحة ١ من ٣
- ج ١٢ ص ٣٣٠
مدنِيٌّ صالحُ الحدِيثِ، ليس به بأسٌ.
-
روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهُما من الأئمَّةِ.
-
ولم يكُن بالحافِظِ، وكان يحيى القطانُ يغمِزُهُ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: أخبرنا يحيى بن معِينٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن ابن حَرْملةَ، قال: كُنتُ سيئٍّ الحِفظِ، فسألتُ سعِيد بن المُسيِّبِ، فرخَّصَ لي في الكِتابِ.
قال أبو عُمر: لحرملةَ والِدِ عبدِ الرَّحمنِ هذا صُحبةٌ ورِوايةٌ، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا.
-
وتُوُفِّي عبدُ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ في خِلافةِ أبي العبّاسِ السَّفّاح. وقيل: سنةَ خمسٍ وأربعينَ ومئةٍ (٥) .
-
لمالكٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ هذا في "المُوطَّأ" من حدِيثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خمسةُ أحادِيث، أحدُها مُتَّصِلٌ، والأربعةُ مُرسلةٌ (٦) .
- ج ١٢ ص ٣٣١
حدِيثٌ أوَّلُ لعبدِ الرَّحمن بن حرملةَ مُتَّصِلٌ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن عَمرِو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الرّاكبُ شيطانٌ، والرّاكِبانِ شيطانانِ، والثَّلاثةُ رَكْبٌ" .
قال أبو عُمر (٢) : في هذا الحدِيثِ كراهيةُ الوَحْدةِ في السَّفرِ، وأتَى هذا الحدِيثُ بلفظِ: "الرّاكِبُ" . ويدخُلُ الرّاجِلُ في معناهُ، إذا كان وحدهُ.
-
ولم تختلِفِ الآثارُ في كراهيةِ السَّفرِ للواحِدِ، واختَلَفت في الاثنينِ، ولم تختلفْ في الثَّلاثةِ فما زادَ، أنَّ ذلك حَسَن جائزٌ.
-
وإنَّما وَرَدتِ الكراهيةُ في ذلك، واللّهُ أعلمُ، لأنَّ الوحَيدَ إنْ (٣) مرِضَ، لم يجِد من يُمرِّضُهُ، ولا يَقُومُ عليه، ولا يُخبِرُ عنهُ، ونحو هذا.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عامرٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: جاءَ رجُلٌ يُسلِّمُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خارِجًا من مكَّةَ، فسألهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أصحِبتَ من أحَدٍ؟ " قال: لا، قال: "الواحِدُ شَيْطانٌ، والاثنانِ شَيْطانانِ، والثَّلاثةُ ركبٌ" (٤) .
ج ١٢ ص ٣٣٢قال أبو عُمر: في (١) الحدِيثِ الذي بعدَ هذا بيانٌ لمعنى هذا، وقولُنا فيه أبسُطُ، والحمدُ للّه، وقد كان مُجاهِدٌ يُنكِرُ هذا الحدِيث مرفُوعًا، ويجعلُهُ قول عُمر، ولا وجهَ لقولِ مُجاهِدٍ، لأنَّ الثِّقاتِ رَوَوهُ (٢) مرفُوعًا.
-
وخبرُ مُجاهِدٍ أخبرناهُ محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابن أبي نجِيح، عن مُجاهِدٍ، قيل لهُ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الواحِدُ في السَّفرِ شيطانٌ، والاثنانِ شيطانانِ" . قال: لا، لم يقُلهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قد بعَثَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الله بن مَسعُودٍ، وخبّاب بن الأرتِّ سرِيَّةً، وبعَثَ دِحْيةَ سرِيَّةً وحدَهُ، ولكِن قال عُمرُ، يحتاطُ للمُسلِمِينَ: كُونُوا في أسفارِكُم ثلاثةً، إن ماتَ واحِدٌ، ولِيهُ اثنانِ، الواحِدُ شَيْطانٌ، والاثنانِ شَيْطانانِ (٣) .
قال أبو عُمر: معنى الشَّيطانِ هاهُنا: البَعِيدُ من الخيرِ في الأُنسِ والرِّفقِ، وهذا أصلُ هذه الكلِمةِ في اللُّغةِ، من قولِهِم: نَوًى (٤) شَطُونٌ، أي: بعِيدةٌ.
-
وممّا يدُلُّك على أنَّ الثَّلاثةَ ركبٌ، وأنَّ حُكمهُم نحوُ حُكم العَسْكرِ: ما أخبَرناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا
ج ١٢ ص ٣٣٣عليُّ بن بحرِ بن برِّيٍّ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عجلانَ، عن نافع، عن أبي سلَمةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا خرَجَ ثلاثةٌ في سَفرٍ، فليُؤَمِّرُوا أحدَهُم" . قال نافعٌ: فقُلنا لأبي سَلَمةَ: فأنتَ أمِيرُنا.
-
وفي (١) هذا الحدِيثِ ما يدُلُّ على أنَّ الاثنينِ ليسا بجماعةٍ، فتَدبَّرهُ تجِدهُ كذلك إن شاءَ الله.
- ج ١٢ ص ٣٣٤
حدِيثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مُرسلٌ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إنّ الشَّيطانَ يهُمُّ بالواحِدِ والاثنينِ، فإذا كانوا ثَلاثةً لم يَهُمَّ بهم ".
-
لم يختلِفِ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ " في إرسالِ هذا الحدِيثِ (٢) ، وقد رواهُ ابن أبي الزِّنادِ، مُسندًا عن أبي هريرةَ.
-
حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن أبي الحُنَيْن الكُوفِيُّ بالكُوفةِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الكُوفِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ الشَّيطانَ يَهُمُّ بالواحِدِ والاثنينِ، فإذا كانوا ثلاثةً لم يَهُمَّ بهم" (٣) .
-
وهذا (٤) في معنى ما ذكَرْنا أنَّ الاثنينِ لا يُحكمُ لهما بحُكم الجماعةِ، إلّا فيما خصَّتهُ السُّنَّةُ.
-
ولم يختلِفِ العربُ أنَّ نُون الاثنينِ مَكسُورةٌ، ونُون الجَمْع مفتُوحةٌ، ففرَّقت بين الاثنينِ والجماعةِ.
- ج ١٢ ص ٣٣٥
ومعناهُ يتَّصِلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ، منها: ما رواهُ عُبيدُ الله بن عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن عبدِ الكرِيم الجزرِيِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الفَرَج محمدُ بن سعِيدِ بن عَبْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن العبّاسِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن يحيى الأُموِيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن عاصِم، عن زرٍّ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أرادَ بُحْبُحَةَ (١) الجنَّةِ فليلزم الجماعةَ، فإنَّ الشَّيطانَ مع الواحِدِ، وهُو من الاثنينِ أبعدُ" (٢) .
-
ورواهُ جرِيرُ بن حازِم، عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ (٣) ، عن عُمر بن الخطّابِ (٤) .
-
ورَوَى (٥) غيرُهُ عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، قال: حُدِّثتُ عن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن عُمر بن الخطّابِ، فذكرهُ (٦) .
-
حدَّثنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن
ج ١٢ ص ٣٣٦خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ النَّهدِيُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن محمدِ بن زيدِ بن عُمر، أَنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: قال عبدُ الله بن عُمرَ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلمُ النّاسُ ما في الوَحْدةِ، ما سارَ راكِبٌ بليلٍ أبدًا" (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى بن جميل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أبي الدُّنيا، قال (٢) : حدَّثنا عُبيدُ الله بن صالح العَتكِيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا خالدٌ أبو يزِيد الرَّقِّيُّ، عن يحيى المدني (٤) ، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، قال: خرجت مرَّةً لسفرٍ، فمررت بقبرٍ من قُبُورِ الجاهِليةِ، فإذا رجُلٌ قد خرج من القبرِ يتأجَّج نارًا، في عُنُقِهِ سِلسِلة، ومَعِي إداوةٌ من ماءٍ، فلمّا رآني قال: يا عبد الله اسقِني. قال: فقُلتُ: عَرَفني فدعاني باسمِي، أو كلِمةٌ تقُولها العربُ: يا عبدَ الله؟ إذ خرجَ على إثرِهِ رجُلٌ من القَبرِ، فقال: يا عبدَ الله، لا تَسْقِهِ، فإنَّهُ كافِرٌ. ثُمَّ أخذ السِّلسِلةَ فاجْتَذبهُ، فأدخَلَهُ القبرَ. قال: ثُمَّ أضافني اللَّيلُ إلى بيتِ عجُوزٍ، إلى جانِبِها قبرٌ، فسمِعتُ من القَبْرِ صوتًا يقولُ: بَوْلٌ وما بَوْلٌ؟ شنٌّ وما شنٌّ؟ فقُلتُ للعجُوزِ: ما هذا؟ قالت: كان زوجًا لي، وكان إذا بالَ لم يتَّقِ البَوْلَ، وكُنتُ أقُولُ لهُ: ويحكَ! إنَّ الجملَ إذا بالَ تَفاجَّ (٥) ، وكان يأبى، فهُو يُنادي من يوم مات: بولٌ
ج ١٢ ص ٣٣٧وما بولٌ؟ قُلتُ: فما الشَّنُّ؟ قالت: جاءَ رجُلٌ عَطْشانُ، فقال: اسقِني، فقال: دُونكَ الشَّنُّ. فإذا ليسَ فيه شيءٌ، فخرَّ الرَّجُلُ ميِّتًا، فهُو يُنادي مُنذُ يوم ماتَ: شنٌّ، وما شنٌّ؟ فلمّا قدِمتُ على رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أخبَرتُهُ، فنهى أن يُسافِر الرَّجُلُ وحدهُ.
قال أبو عُمر: هذا الحدِيثُ ليسَ لهُ إسنادٌ، ورُواتُهُ مجهُولُونَ، لم نُورِدهُ للاحتِجاج به، ولكِن للاعتِبارِ، وما لم يكُن فيه حُكمٌ، فقد تسامَحَ النّاسُ في رِوايتِهِ عن الضُّعفاءِ، واللّه المُستعانُ.
-
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، قال: حدَّثنا المُغِيرةُ بن زِيادٍ، عن أبي عَمْرو (١) مولى أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قال: أتيتُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ وهُو بجُدَّةَ، وهُو يومئذٍ أمِيرُ مكَّةَ والمدِينةِ، فأتيتُهُ بطُرَفٍ من طُرَفِ مكَّةَ، وأمْشاطٍ من عاج، وسِرتُ لَيْلتِي، فصبَّحتُهُ، وهُو قاعِدٌ في مجلِسِهِ يَقْرأُ في المُصحفِ، ودُمُوعُهُ تسِيلُ على لحيتِهِ، فلمّا رآني رَحَّبَ بي، ثُمَّ قال: أبا عَمْرو، متى فارقتَ مكَّةَ؟ قُلتُ: اللَّيلةَ عِشاءً، قال: من جاءَ معكَ؟ قُلتُ: ما جاءَ مَعِي أحدٌ، قال: بئسَ ما صنعتَ، أما بلغَكَ أنَّ الشَّيطانَ مع الواحِدِ، وهُو من الاثنينِ أبعدُ، والثَّلاثةُ صحابةٌ، إذا ماتَ أحدُهُم، دَفنهُ صاحِباهُ. قال: فقدَّمتُ إليه الهدِيَّةَ، فأعجَبتهُ، فقال: أمّا هذه الأمشاطُ العاجُ، فلا حاجَةَ لنا بها، قد كُنّا مَرَّةً نَمتشِطُ بها، فأمّا اليومَ، فلا حاجَةَ لنا فيها.
قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحدِيثِ: "وهُو من الاثنينِ أبعدُ" بمعنى (٢) : بعِيدٌ، كما قيل: الله أكبرُ، بمعنى: كبِيرٌ، وهذا في لِسانِ العربِ موجُودٌ كثِيرٌ.
- ج ١٢ ص ٣٣٨
حدِيثٌ ثالِثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ الأسلمِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَيْننا وبينَ المُنافِقِين شُهُودُ العِشاءِ (٢) والصُّبح، لا يَسْتطِمعُونهُما" . أو نحو هذا.
قال أبو عُمر: قولُهُ: "أو نحو هذا" شكٌّ من المُحدِّثِ.
-
ولم يُختلف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ وإرسالِهِ (٣) ، ولا يُحفَظُ هذا اللَّفظُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسندًا، ومعناهُ محفُوظٌ من وُجُوهٍ ثابتةٍ.
وأمّا قولُهُ: "لقد هَمَمتُ بالصَّلاةِ تُقامُ، ثُمَّ آمُرُ بحطَبٍ ... " الحدِيثَ (٤) .
-
فحدِيثٌ صحِيحٌ أيضًا (٥) ، وقد مَضَى في بابِ أبي الزِّنادِ.
وقال يحيى في هذا الحدِيثِ: "العشاءُ والصُّبحُ" . وقال القعنبِيُّ وابنُ بُكَيرٍ، وجُمهُورُ الرُّواةِ لـ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيه: "صلاةُ الصُّبح والعَتمة" على ما في تَرْجمةِ البابِ.
-
وفي ذلك: جوازُ تَسْمِيةِ العشاءِ الآخِرةِ بالعَتَمةِ، ورَدٌّ على من أنكرَ ذلك.
-
وفيه: أنَّ النِّفاقَ بعِيدٌ من الذينَ يُواظِبُون على شُهُودِ العِشاءِ والصُّبح في جَماعةٍ، ومن واظَبَ على هاتينِ الصَّلاتينِ في جَماعةٍ، فأحْرَى أن يُواظِبَ على غيرِهِما.
ج ١٢ ص ٣٣٩قال (١) عُمرُ بن الخطّابِ رضِي الله عنهُ: من شهِدَ معنا الصَّلواتِ، شهِدنا لهُ بالإيمانِ، ثُمَّ تلا: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: ١٨] .
-
وأمّا الآثارُ المُسندةُ في معنى هذا الحدِيثِ، فمنها:
ما حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن أحمد بن المِسورِ بن أبي طنّةَ وبُكيرُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قالا: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيد، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن أبي عُمَيرٍ، عن عُمُومتِهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ كان يقولُ: "ما يشاهدهما مُنافِقٌ" يعني العشاءَ والفجر (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيٍّ، عن شُعبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، قال حدَّثني أبو عُميرِ بن أنسِ بن مالكٍ، عن عُمُومةٍ لهُ من أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما شهِدهُما مُنافِقٌ" . يعني صلاةَ العِشاءِ وصلاةَ الصُّبح. قال أبو بِشْرٍ: وأنا أشهدُ أنَّهُ لا يُحافِظُ عليهما مُنافِقٌ (٣) .
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ النَّيسابُورِيُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن شُعبةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن أبي عُمَيرِ بن أنَسٍ، عن عُمُومتِهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في صَلاةِ الصُّبح والعشاءِ: "ما يشهدُهُما مُنافِقٌ" (٤) .
- ج ١٢ ص ٣٤٠
وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَرْدِ، قال: حدَّثنا هارونُ بن كامل، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، أنَّ يحيى بن سعِيدٍ حدَّثهُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: كُنّا إذا فقَدْنا الرَّجُلَ في هاتينِ الصَّلاتينِ: صلاةِ العِشاءِ، وصلاةِ الصُّبح، أسأنا به الظَّنَّ (١) .
-
حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حَبِيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: بَلَغنا أنَّ شدّادَ بن أوسٍ قال: من أحبَّ أن يجعلهُ الله من الذين يَدْفعُ اللهُ (٢) بهمُ العذابَ عن أهلِ الأرضِ، فليُحافِظ على هاتينِ الصَّلاتينِ في الجماعةِ: الصُّبح والعتمةِ.
-
ورَوَى الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ أثقَلَ الصَّلاةِ على المُنافِقِينَ، صلاةُ العِشاءِ الآخِرةِ، وصلاةُ الصُّبح، ولو يعلمُونَ ما فيهما، لأتَوْهُما ولو حَبْوًا" (٣) .
- ج ١٢ ص ٣٤١
حدِيثٌ رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، أنَّ رجُلًا سألَ سعِيد بن المُسيِّبِ، فقال: أعتمِرُ قبلَ أن أحُجَّ؟ فقال: سعِيدٌ: نعم، قدِ اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يحُجَّ.
-
يتَّصِلُ هذا الحدِيثُ من وُجُوهٍ صِحاح، وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا خِلافَ بينِ العُلماءِ فيه، كلُّهُم يُجِيزُونَ العُمرةَ قبلَ الحجِّ لمن شاءَ، لا بأسَ بذلك عِندهُم، وكلُّهُم يقولُ: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمرَ قبل حجَّتِهِ.
-
وإنَّما اختَلفُوا في وُجُوبِ العُمْرةِ، وفي جَوازِها في السَّنةِ مِرارًا، على ما نذكُر في هذا البابِ بعونِ الله إن شاءَ الله.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا مخلدُ بن يزِيد ويحيى بن زكرِيّا، عن ابن جُرَيج، عن عِكرِمةَ بن (٣) خالدٍ، عن ابن عُمرَ قال: اعتمرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يحُجَّ.