عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى بن سعيد
٨٥ فقرة، ج ١٢ ص ٣٦٤
الصفحة ١ من ٣
- ج ١٢ ص ٣٦٤
لمالكٍ عنهُ ثلاثةُ أحادِيث، أحدُها مُرسلٌ.
-
وهُو: عبدُ ربِّهِ (١) بن سعِيدِ بن قَيْسِ بن عَمرِو بن سهلِ بن ثعلبةَ الأنصارِيُّ، لجدِّهِ قيسِ بن عَمرٍو صُحبةٌ وقد ذكَرْناهُ ونسبناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢) . ويُقالُ: عبدُ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسِ بن أبي قيسٍ فهدِ بن خالدٍ (٣) . والأوَّلُ أصحُّ.
-
وتُوُفِّي عبدُ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسٍ سنةَ تِسع وثلاثِينَ ومئةٍ (٤) . وقيل: سنةَ إحدى وأربعينَ ومئةٍ.
-
وكان ثِقةً مأمُونًا (٥) ، روى عنهُ شُعبةُ، ومالكٌ، وجماعةٌ من الأئمَّةِ.
- ج ١٢ ص ٣٦٥
حدِيثٌ أوَّلٌ لعبدِ ربِّهِ بن سَعِيدٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، أُمَّيِ المُؤمِنِين، أنَّهُما قالتا: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصبِحُ جُنبًا مِنِ جماع، غيرِ احتِلام، في رمضانَ ثُمَّ يصُومُ.
قال أبو عُمر: هكذا يروِي مالكٌ هذا الحدِيث عن عَبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، وأُمِّ سلمةَ.
-
وخالفهُ عمرُو بن الحارِثِ، فرواهُ عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن عبدِ الله بن كعبٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ.
-
أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا أحمدُ بن الهيثم قاضِي الثَّغرِ، قال: حدَّثنا حَرْملةُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرٌو، عن عبدِ ربِّهِ، وهُو ابن سعِيدٍ، عن عبدِ الله بن كَعب الحِميرِيِّ، أنَّ أبا بكرٍ حَدَّثهُ، أنَّ مروانَ أرسَلَهُ إلى أُمِّ سلمةَ يَسْألُها عن الرَّجُلِ يُصبِحُ جُنُبًا، يصُومُ؟ فقالت: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصبِحُ جُنُبًا من جِماع لا حُلُم، ثُمَّ لا يُفطِرُ ولا يَقْضِي.
-
ورَوَى قومٌ هذا الحدِيث أيضًا عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وأُمِّ سَلَمةَ (٣) . وقد سَمِعهُ أبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ من عائشةَ
ج ١٢ ص ٣٦٦وأُمِّ سلمةَ، لأنَّهُ مَضَى مع (١) أبيهِ، إذ أرسلهُ مروانُ إليهما، وهذا ثابتٌ عنهُ من حدِيثٍ سُميٍّ وغيرِهِ من الثِّقاتِ، وهُو معرُوفٌ عِندَ أهلِ العِلم، مشهُورٌ، يُسْتَغنى عن الاستِشهادِ عليه.
-
وسيأتي ذِكرُ ذلك، في بابِ سُميٍّ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
-
وقد مَضَى ما للعُلماءِ من الصَّحابةِ (٢) والتّابِعينِ من المذاهبِ في الجُنُبِ يُصبِحُ في رمضانَ ولم يغتسِل، وفي الحائضِ أيضًا تُصبِحُ طاهِرًا ولم تغتسِل، مُجوَّدًا مُستوعبًا (٣) في بابِ أبي طُوالةَ عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
- ج ١٢ ص ٣٦٧
حدِيثٌ ثانٍ لعبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ قال: سُئلَ عبدُ الله بن عبّاسٍ، وأبو هريرةَ، عن المرأةِ (٢) الحامِلِ يُتوفَّى عنها زوجُها، فقال ابن عبّاسٍ: آخِرُ الأجلَينِ. وقال أبو هريرةَ: إذا ولدَتْ، فقد حلَّتْ، فدخلَ أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ على أُمِّ سلمةَ زوج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فسألهَا عن ذلك، فقالت أُمُّ سلمةَ: ولدَتْ سُبَيعةُ الأسلمِيَّةُ بعدَ وَفاةِ زوجِها بنِصفِ شَهْرٍ، فخَطَبها رجُلانِ، أحدُهُما شابٌ، والآخرُ كَهْلٌ، فحَطَّتْ إلى الشّابِّ، فقال الشَّيخُ: لم تحِلَّ بعدُ، وكان أهلُها غَيَبًا (٣) ، ورَجا إذا جاءَ أهلُها أن يُؤثِرُوهُ بها، فجاءَت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قَدْ حَلَلتِ، فانكِحِي من شِئتِ" .
قال أبو عُمر: هذا حدِيثٌ صحِيحٌ، جاءَ من طُرُقٍ شتَّى كثِير ثابتةٍ كلُّها، من رِوايةِ الحِجازِيِّين والعِراقِيِّين، وأجمعَ العُلماءُ على القَولِ به، إلّا ما رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ في هذا الحدِيثِ وغيرِهِ (٤) .
-
وروي مِثلُهُ عن عليِّ بن أبي طالِبٍ من وَجهٍ مُنقطِع (٥) ، أنَّهُ قال في الحامِلِ المُتوفَّى عنها زوجُها: عِدَّتُها آخرُ الأجَلَينِ (٦) ، يعني: إن كان الحملُ أكثرَ من أربعةِ أشهُرٍ وعَشْرٍ، اعتدَّت بوَضعِهِ، وإن وضعَتْ قبلَ أربعةِ أشهُرٍ وعَشْرٍ، أكملت أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا.
- ج ١٢ ص ٣٦٨
فهذا مذهبُ ابن عبّاسٍ وعليِّ بن أبي طالِبٍ.
-
على أنَّهُ قد رُوِي عن ابن عبّاسٍ رُجُوعُهُ إلى حدِيثِ أُمِّ سلمةَ، في قِصَّةِ سُبَيعةَ (١) .
-
وممّا يُصحِّحُ هذا عنهُ: أنَّ أصحابهُ عِكْرِمةَ، وعطاءً، وطاوُوسًا، وغيرَهُم، على القولِ بأنَّ المُتوفَّى عنها الحامِلُ، عِدَّتُها أن تضَعَ حملها، على حدِيثِ سُبيعةَ.
-
وكذلك سائرُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابِعينِ، وسائرُ أهلِ العِلم أجمعِين، كلُّهُم يقولُ: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوفَّى عنها، أن تضَعَ ما في بطنِها، من أجلِ حدِيثِ سُبيعةَ هذا.
-
وأمّا مذهبُ عليٍّ وابنِ عبّاسٍ في هذه المسألةِ، فمعناهُ: الأخذُ باليَقِينِ، لمُعارضةِ عُمُوم قولِهِ عزَّ وجلَّ، في المُتوفَّى عنهُنَّ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] . ولم يخُصَّ حامِلًا من غيرِ حامل، وعُمُوم قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] . ولم يخُصَّ مُتوفَّى عنها من غيرِها، فمن لم يبلُغهُ حدِيثُ سُبيعةَ، لزِمهُ الأخذُ باليقِينِ في عِدَّةِ المُتوفَّى عنها الحامِلِ، ولا يقِينَ في ذلك لمن جهِلَ السُّنَّةُ في سُبَيْعةَ، إلّا الاعتِدادُ بآخِرِ الأجَلَينِ.
-
ومِثالُ هذا مسألةُ أُمِّ الولدِ تكونُ تحت زَوْج، قد زوَّجها منهُ سيِّدُها، ثُمَّ يمُوتُ سيِّدُها (٢) ، ويمُوتُ زوجُها، ولا تدرِي أيَّهُما (٣) ماتَ قبلَ صاحِبِهِ، فإنَّها تعتدُّ من حِينِ ماتَ الآخِرُ منهُما أربعةَ أشهُرٍ وعَشْرًا، فيها حَيْضةٌ، وعلى هذا
ج ١٢ ص ٣٦٩جماعةُ العُلماءِ القائلِينَ بأنَّ عِدَّةَ أُمِّ الولدِ من سيِّدِها حَيْضةٌ، ومن زَوْجِها شَهرانِ وخمسُ ليال، كلُّهُم يقولُ هاهُنا بدُخُولِ إحدى العِدَّتينِ في الأُخرى، ومعلُومٌ أنَّهُما لا تَلَزمانِها معًا، وإنَّما تَلزَمُها إحداهُما، فإذا جاءَت بهما معًا على الكمالِ في وَقْتٍ واحِدٍ، فذلك أكثرُ ما يَلْزمُها؛ لأنَّها إن كان سيِّدُها قد ماتَ قبلَ زوجِها، فلا استِبراءَ عليها من سيِّدِها، وإن كان سيِّدُها مات بعدَ مُضِيِّ شهرينِ وخَمْسِ ليال، فعليها أن تأتي بحيضةٍ تَسْتبرِئُ بها نفسها من سيِّدِها.
-
ومعنى هذه المسألةِ الشَّكُّ في أيِّهِما مات أوَّلًا، وفي المُدَّةِ، هل هي شَهْرانِ وخمسُ ليال، أو أكثرُ؟
-
وقد قيل: إنَّ معنى هذه المسألةِ: أنَّها (١) لا تَدْرِي هل بينَ مَوْتيهِما يومٌ واحِدٌ، أو شَهْرانِ وخمسُ لَيال، أو أكثرُ؟ وفي هذه المسألةِ لأهْلِ الرَّأيِ نَظَر، ليسَ هذا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ، وإنَّما ذكَرْناها من جِهَةِ التَّمثِيلِ، وأنَّهُ من وجبَ عليه أحدُ شيئَينِ يَجْهلُهُ بعينِهِ، لَزِمهُ الإتيانُ بهما معًا.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عن ابن جُريج، عن عَطاءٍ، قال: كان ابن عبّاسٍ يقولُ: إن طلَّقها وهي حامِلٌ، ثُمَّ تُوُفِّي عنها، فآخِرُ الأجَلَينِ، أو مات عنها وهي حامِلٌ، فآخِرُ الأجلينِ. قيل لهُ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] . قال: ذلك في الطَّلاقِ.
قال (٣) : وأخبرنا ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: إن طلَّقها حُبْلَى، فإذا وضعَتْ فلتَنْكِح حِين تضعُ، وهي في دَمِها لم تَطْهُر.
ج ١٢ ص ٣٧٠قال (١) : وأخبرنا ابن جُريج، عن عمرِو بن مُسلِم، عن عِكرِمةَ: أنَّهُ أخذَ في ذلك بحدِيثِ سُبيعةَ.
قال (٢) : وأخبرنا مَعْمرٌ والثَّورِيُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْرُوقٍ، قال: قال ابن مَسْعُودٍ: من (٣) شاءَ باهلتُهُ، أو لاعنتُهُ، إنَّ الآيةَ التي في سُورةِ النِّساءِ القُصْرَى (٤) - {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} - نزلت بعد الآيةِ التي في سُورةِ البقرةِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} الآيةَ [البقرة: ٢٣٤] .
قال: وبلغهُ أنَّ عليًّا قال: هي آخِرُ الأجَلينِ. فقال ذلك.
قال أبو عُمر: رُوِي عن عُمر وابنِ عُمر، مِثلُ قولِ ابن مسعُودٍ. وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ، وابنِ شِهابٍ، وعليه النّاسُ (٥) .
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٦) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: إذا وضعَتْ حملَها فقد حلَّ أجلُها.
قال: وقال: إنَّ رَجُلًا من الأنصارِ قال لابنِ عُمر: سَمِعتُ أباكَ يقولُ: لو وضعَتْ حملها، وهُو على سرِيرِهِ لم يُدفن، لحلَّت.
- ج ١٢ ص ٣٧١
أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثني عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ.
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا سُليمانُ بن داود المهرِيُّ، قال: أخبرنا ابن وَهْبِ، قال: أخبرني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ: أَنَّ أباهُ كتب إلى عُمر بن عبدِ الله بن الأرقم الزُّهرِيِّ، يأمُرُهُ أن يدخُلَ على سُبَيعةَ ابنةِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةِ، فيَسْألَها عن حدِيثِها، وعمّا قال لها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، حِينَ استفتتهُ، فكتَبَ عُمرُ بن عَبدِ الله بن الأرقم إلى عَبدِ الله بن عُتبةَ يُخبِرُهُ، أنَّ سُبيعةَ بنت الحارِثِ أخبَرتهُ: أنَّها كانت تحت سعدِ (٢) بن خَوْلةَ، وهُو من بني عامرِ بن لُؤَيِّ، وكان مِمَّن شهِدَ بدرًا، تُوُفِّي عنها في حَجَّةِ الوَداع (٣) وهي حامِلٌ، فلم تَلْبث أن وَضعَتْ حَمْلها بعدَ وَفاتِهِ، فلمّا تَعلَّت (٤) من نِفاسِها، تجمَّلت للخُطّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ بن بَعْكَك (٥) رجُلٌ من بني عبدِ الدّارِ، فقال: ما لي أراكِ مُتَجمِّلةً؟ لعلَّكِ تَرْجِينَ (٦) النِّكاح، إنَّكِ والله ما أنت بناكِح حتَّى يمُرَّ عليكِ أربعةُ أشهُرٍ وعشْرٌ. قالت سُبَيعةُ: فلمّا قال لي
ج ١٢ ص ٣٧٢ذلك، جَمعتُ عليَّ ثِيابي حِينَ أمسيتُ، فأتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسَألتُهُ عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حَلَلتُ حِين وضَعتُ حملي، وأمَرَني بالتَّزوِيج، إن بَدا لي.
قال ابن شِهابٍ: ولا أرى بأسًا أن تَتَزوَّج حِينَ وضعت، وإن كانت في دَمِها، غير أنَّهُ لا يَقْربُها حتَّى تَطْهُرَ.
-
وليسَ في حدِيثِ اللَّيثِ قولُ ابن شِهابٍ، ولفظُ الحَدِيثينِ سواءٌ.
قال أبو عُمر: لمّا كان عُمُومُ الآيتينِ مُتعارِضًا (١) ، أعني قولَ الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] . وقولَه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] . لم يكُن بُدٌّ من بيانِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لمُرادِ الله منها (٢) على ما أمرهُ الله عزَّ وجلَّ بقولِهِ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] فبيَّنَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُراد الله عزّ وجلّ من ذلك، بما أفتى به في سُبَيعةَ الأسلمِيَّةَ.
-
فكلُّ ما خالَفَ ذلك، فلا معنى لهُ من جِهَةِ الحُجَّةِ، وبالله التَّوفِيقُ.
- ج ١٢ ص ٣٧٣
حدِيثٌ ثالِثٌ لعبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ مُرسلٌ تتَّصِلُ معانِيهِ من وُجُوهٍ شتَّى، صِحاح كلُّها
مالكٌ (١) ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ صدرَ من حُنَينٍ، وهُو يُرِيدُ الجِعرّانةَ سألهُ النّاسُ، حينَ (٢) دَنَتْ به ناقتُهُ من شَجَرةٍ، فتَشبَّكتْ برِدائهِ، حتَّى نَزَعتهُ عن ظَهْرِهِ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ردُّوا عليَّ رِدائي، أتخافُونَ أن لا أقسِمَ بينكُم ما أفاءَ الله عليكُم؟ والذي نفسِي بيدِهِ لو أفاءَ الله عليكُم مِثلَ سَمُرِ (٣) تِهامةَ نَعمًا، لقَسمتُهُ بينكُم، ثُمَّ لا تَجِدوني بخِيلًا، ولا جبانًا، ولا كذّابًا" . فلمّا نزلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قامَ في النّاسِ، فقال: "أدُّوا الخائطَ والمِخيطَ، فإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ وشنارٌ على أهلِهِ يوم القِيامةِ" . قال: ثُمَّ تناولَ من الأرضِ وَبَرةً من بَعِيرٍ، أو شيئًا (٤) ، ثُمَّ قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم ولا مِثلُ هذه، إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَردُودٌ عليكُم" .
قال أبو عُمر (٥) : لا خِلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحدِيثِ عن عَمرِو بن شُعَيب.
-
وقد رُوِي مُتَّصِلًا عن عَمرِو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٦) ، بأكملَ من هذا (٧) المساقِ، وأتمَّ ألفاظًا، من رِوايةِ الثِّقاتِ.
- ج ١٢ ص ٣٧٤
وروى هذا الحدِيث أيضًا الزُّهرِيُّ، عن عُمرَ ابنِ أخِي محمدِ بن جُبَيرِ بن مُطعِم، عن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن أبيهِ (١) .
-
ورواهُ (٢) مَعْمرٌ، ويونُسُ بن يزِيد (٣) ، عن ابن شِهابٍ، عن عُمر بن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن أبيهِ، عن جدِّهِ.
-
ورُوِي أيضًا عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وسنذكُرُ هذه الأحادِيث وغيرها، ممّا في معنى حدِيثِ مالكٍ هذا، في هذا البابِ، بعد القولِ بما فيه من المعاني إن شاءَ الله.
-
في هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - غَزا غزوةَ حُنينٍ، وغنِمَ فيها، وإن كان هذا لا يحتاجُ إلى دليل، لثُبُوتِ معرِفةِ ذلك عِندَ العامَّةِ والخاصَّةِ من العُلماءِ، ولكِن ذكَرْنا ذلك، لأنَّ بمِثلِ هذا الحدِيثِ وشِبهِهِ عُرِفَ ذلك.
-
وفيه: إباحَةُ سُؤالِ العَسْكرِ للخلِيفةِ حُقُوقَهُم مِنَ الغَنِيمةِ، أن يَقْسِمهُ بينهُم.
-
وفيه: جَوازُ قَسْم الغنائم في دارِ الحربِ؛ لأنَّ الجِعرّانةَ كانت يَومئذٍ من دارِ الحربِ، وفيها قَسَمَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غنائمَ حُنينٍ، وذلك موجُودٌ في حدِيثِ جُبيرِ بن مُطعِم، وجابرٍ.
-
وقِسمةُ الغَنائم في دارِ الحربِ موضِعٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ، فذهب مالكٌ والشّافِعيُّ والأوزاعِيُّ وأصحابُهُم إلى أنَّ الغنائمَ يَقْسِمُها الإمامُ على العَسْكرِ في دارِ الحربِ (٤) .
ج ١٢ ص ٣٧٥قال مالكٌ (١) : وهُم أولى برُخصتهِا (٢) .
وقال أبو حنِيفةَ: لا تُقسمُ الغنائمُ في دارِ الحربِ. وقال أبو يُوسُف: أحبُّ إليَّ ألّا تُقسمَ في دارِ الحربِ، إلّا أن لا يجِدَ حمُولةً، فيَقْسِمُها في دارِ الحربِ.
قال أبو عُمر: القولُ الصَّحِيحُ في هذه المسألةِ، ما قالهُ مالكٌ والشّافِعيُّ والأوزاعِيُّ، ولا وجهَ لقولِ من خالَفهُم في ذلك من مَعنًى صحِيح، مع ثُبُوتِ الأثرِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بخِلافِهِ.
-
وفيه: جَوازُ مَدْح الرَّجُلِ الفاضِلِ الجليلِ لنَفسِهِ، ونَفيِهِ عن نفسِهِ ما يَعِيبُهُ بالحقِّ الذي هُو فيه وعليه، إذا دفَعَت إلى ذلك ضَرُورةٌ، أو معنًى يُوجِبُ ذلك، فلا بأسَ بذلك، وقد قال الله عزَّ وجلَّ، حاكِيًا عن يُوسُفَ عليه السلام أنَّهُ قال: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: ٥٥] . وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أوَّلُ من تَنْشقُّ عنهُ الأرضُ، وأوَّلُ شافِع، وأوَّلُ مُشفَّع، وأنا سيِّدُ وَلدِ آدمَ ولا فخرَ" (٣) . ومِثلُ هذا كثِيرٌ في السُّننِ، وعن عُلماءِ السَّلفِ، لا يُنكِرُ ذلك إلّا من لا عِلمَ لهُ بآثارِ من مَضَى.
-
وفيه: دليلٌ، واللهُ أعلمُ، على أنَّ الخلِيفةَ على المُسلِمِينَ لا يجُوزُ أن يكون كذّابًا، ولا بخِيلًا، ولا جبانًا.
-
وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامَ يجِبُ أن لا تكونُ فيه هذه الخِلالُ السُّوءُ، وأن يكون أفضلَ أهلِ وقتِهِ حالًا، وأكملَهم (٤) خِصالًا.
-
وقد سَوَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحدِيثِ بينَ البُخلِ، والجُبنِ، والكَذِبِ، وأكثرُ الآثارِ على هذا.