خبيب بن عبد الرحمن

٩٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٨

الصفحة ١ من ٣

  1. رجلٌ من الأنصار، مدنيٌّ ثقةٌ. وهو خُبيبُ بن عبد الرحمن بن خُبيبِ بنِ يسافِ بنِ عُتبةَ بن عَمْرو بن خَدِيج بن عامر بن جُشَم بنِ الحارثِ الأنصاري، يُكنَى خُبيبٌ شيخُ مالك هذا أبا محمد، وقيل: يكنى أبا الحارث، لمالك عنه من مسندات الموطأ حديثان مُتّصلان.

    ج ٢ ص ٣٠٨
  2. حديثٌ أول لخُبَيْب بنِ عبد الرحمن متَّصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن خُبيب بنِ عبدِ الرحمن الأنصاريِّ، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أَو عن أبي هُريرة، أنه قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه (٢) يومَ لا ظلَّ إلا ظلّه؛ إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأ في عبادةِ الله، ورجلٌ قلبُه معَلَّقٌ بالمَسْجدِ إذا خرَج منه حتّى يعودَ إليه، ورجُلانِ تحابّا في الله، اجتمَعا على ذلك وتفرَّقا، ورجلٌ ذكَر الله خاليًا ففاضَتْ عيناه، ورجلٌ دَعَتْه ذاتُ حَسَبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ الله، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلَمَ شمالُه ما تُنفِقُ يمينُه" .

    ج ٢ ص ٣٠٩
  3. هكذا في روايةِ يحيى وأكثر رُواة "الموطأ" في هذا الحديث: "إمامٌ عادلٌ" (٣) .

  4. وقد رواه بعضُهم: "عَدْلٌ" (٤) . وهو المختارُ عندَ أهل اللغة (٥) ، يقال: رجلٌ عَدْلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، وامرأةٌ عَدْلٌ. وكذلك رِضًا سواءً. قال زُهَيرٌ:

    ج ٢ ص ٣١٠فهُمْ رِضًا وهُمُ عَدْلُ (١)

  5. ويجوزُ عادِلٌ على اسم الفاعل، يقال: عَدَلَ فهو عادِلٌ. كما يقال: ضرَب فهو ضارِبٌ. إلا أنَّ للعادل في اللغة معانيَ مختلفةً؛ منها العادل (٢) عن الحقِّ، ومنها الإشراكُ بالله عزَّ وجلَّ، وليس هذانِ المعنيانِ من هذا الحديثِ في شيء. ومن الشَّاهدِ على أنّه يقالُ لفاعل العَدْل: عادِلٌ، قولُ الشاعر:

    ومَن كان في إخْوانِه غيرَ عادِلٍ ... فما أحدٌ في العَدْلِ منه بطامِعِ (٣)

  6. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ وأحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عَطيّة، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ القطّان، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا مالكٌ، عن خُبيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصِم، عن أبي سعيد، أو عن أبي هُريرة، أنّه قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادِلٌ" ، وذكَر الحديث.

  7. ورَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ كلُّ مَن نقَل "الموطأ" عنه فيما عَلِمتُ على الشَّكِّ في أبي هريرةَ أو أبي سعيد، إلّا مُصْعَبًا الزُّبيريَّ (٤) ، وأبا قُرَّةَ موسى بنَ طارق، فإنَّهما قالا فيه: عن مالك، عن خُبَيْب، عن حَفْص، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ جميعًا (٥) ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -.

  8. أخبرنا خَلَفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا المفَضَّلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زِياد، قال: حدَّثنا موسى بنُ طارق، قال: ذكَر مالكٌ، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هُريرةَ وأبي سعيدٍ الخدريِّ، قالا: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعة في ظِلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادِلٌ" . فذكرَ الحديثَ سواءً كلفظِ يحيى (١) .

    ج ٢ ص ٣١١
  9. وحدَّثنا محمدٌ (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ الحربيُّ، قال: حدَّثنا مصعبٌ (٤) ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ وأبي سعيد، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "سبعة يُظِلُّهم اللهُ في ظلِّه" ، ثم ذكَرَه.

  10. وكذلك رواه أبو معاذٍ البَلْخيُّ، عن مالك (٥) .

  11. ورواه الوَقارُ عن ثلاثةٍ من أصحابِ مالك، عن مالك، عن خُبَيب، عن حَفْص، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ وحدَه، لم يَذكُرْ أبا هريرةَ على الجَمْع ولا على الشَّكّ.

  12. أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحَسَن بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أبو محمد سعيدُ بنُ أحمدَ بنِ زكريا كاتبُ العُمَريِّ، قال: حدَّثنا زَكرِيّا بنُ يحيى الوَقارُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، وعبدُ الرحمن بنُ القاسم، ويوسفُ بنُ عَمْرو بنِ يَزيد،

    ج ٢ ص ٣١٢كلهم يقول: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم بنِ عُمر، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقول: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعة يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّ عرشِه يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشَأ في عبادَةِ الله" ، وساق الحديثَ إلى آخرِه، عن أبي سعيدٍ وحدَه (١) . ولم يُتابَع الوَقارُ على ذلك عنهم، وإنَّما هو في "الموطأ" عنهم على الشَّكِّ في أبي هريرةَ أو أبي سعيدٍ الخُدريِّ.

  13. والحديثُ محفوظٌ لأبي هريرةَ بلا شَكٍّ من روايةِ خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هُريرة (٢) ، ومن غيرِ هذا الإسنادِ أيضًا (٣) ، والذي رواه عن خُبَيْب، عن حَفْص، عن أبي هريرةَ من غير شَكٍّ؛ عُبيدُ الله بنُ عُمرَ بنِ حَفْص بن عاصِم بن عُمرَ بنِ الخطاب، وهو أحدُ أئمّةِ أهل الحديثِ الأثباتِ في الحفظِ والنَّقْل. رواه عن عُبَيدِ الله جماعَة؛ منهم حَمادُ بنُ زيد، وابنُ المبارك (٤) ، ويحيى القَطّان (٥) ، وأنسُ بنُ عِياض، كلُّهم رواه عنه كما وصَفْتُ لك.

  14. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، وأحمد بن فَتْح، وعبدُ الرحمن بنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكِنانيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ حمّادِ بنِ فَضالةَ البَصْريُّ بالبَصْرةِ وعليُّ بنُ سعيدٍ الرَّازيُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ حِساب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثني خالي خُبَيْبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن جَدِّي حفصِ بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعةٌ في ظِلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ مُقتَصِدٌ، وشابٌّ نشَأ في عِبادَةِ الله حتى توفِّي على ذلك" ، فذكَر الحديث (١) .

    ج ٢ ص ٣١٣
  15. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، قال: حدثني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "سبعة في ظلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ الإمامُ العدلُ، وشابٌّ نشَأ بعبادةِ الله، ورجل قلبُه معلَّقٌ في المسجد (٢) " . ثم ذكَر الحديثَ بمثلِ سياقةِ مالكٍ له سواءً إلى آخرِه (٣) .

    ج ٢ ص ٣١٤قال أبو عُمر: هذا أحسنُ حديثٍ يُروَى في فَضائل الأعمال وأعمُّها وأصحُّها إن شاء الله، وحَسْبُك به فضلًا؛ لأن العلمَ مُحيطٌ بأن من كان في ظلِّ الله يومَ القيامةِ لم يَنَلْ هَوْلَ الموقف. والظلُّ في هذا الحديث يُرادُ به الرَّحمة، والله أعلم. ومن رحمتِه الجنة، قال الله عزَّ وجلَّ: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: ٣٥] . وقال: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: ٣٠] . وقال: {ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: ٤١] . ورُوِيَ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - من حديثِ المقدادِ بنِ الأسودِ أنه قال: "تُدنى الشَّمْسُ يومَ القيامةِ من الخَلْقِ حتى تكونَ منهم على قِيدِ ميل - أو كمقدارِ ميل" . قال: "فيكونُ الناسُ على قدرِ أعمالِهم في العَرَق، فمنهم من يكونُ فيه إلى كَعْبَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى رُكْبَتَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى حِقْوَيْه، ومنهم من يُلْجِمُه العرقُ إلجامًا" . وأشار رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بيدِه إلى فيه.

  16. رواه يحيى بنُ حمزة (١) وبقيةُ بنُ الوليد (٢) ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابر،

    ج ٢ ص ٣١٥قال: حدَّثني سُليمُ بنُ عامرٍ الخَبائريُّ، قال: حدَّثثا المقدادُ بنُ الأسود. هذا لفظُ حديثِ يحيى بنِ حمزة، وفيه: قال سُليمُ بنُ عامر: والله ما أدري ما يعني بالمِيْل، أمسافةَ الأرضِ أم المِيْلَ الذي يُكتحَلُ به؟

    قال أبو عُمر: مَن كان في ظلِّ الله يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه نجا من هَوْل ذلك الموقفِ إن شاء الله، واللهُ أعلم، جعَلنا اللهُ منهم برحمتِه، آمين.

  17. ويدخلُ تحتَ قوله عليه السلام: "إمامٌ عادلٌ" بالمعنى دونَ اللفظِ كلُّ مَن لَزِمه الحكمُ بين اثنَين. ويُوضِّحُ لك ذلك حديثُ عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه" ، الحديث (١) .

  18. وحديثُ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -: "المُقْسِطون يومَ القيامةِ على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمن، وكلتا يديه يمينٌ؛ الذين يعدِلُون في أهْلِيهم وما مَلَكتْ أيمانُهم وما وُلُّوا" (٢) .

  19. وروَى أبو مُدِلَّة، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "الإمامُ العادِلُ لا تُرَدُّ دعوتُه" (١) . وقال عليُّ بنُ أبي طالب رحمه اللهُ على المنبر في يوم الجمعة: أيُّها الرِّعاء، إن لرعيَّتِكم عليكم حُقوقًا؛ الحُكمُ بالعدل، والقَسْمُ بالسويّة، وما من حسنةٍ أحبُّ إلى الله من حُكم إمام عادل.

    ج ٢ ص ٣١٦
  20. وفي فَضْل الإمام العادل، وفَضْل الشابِّ الناسك، وفَضْل المَشي إلى المَسْجدِ والصلاةِ فيه، وانتظارِ الصلاةِ بعدَ الصَّلاة، وفي المتحابين في الله، وفي البُغضِ في الله والحبِّ في الله، وفي العينِ الباكيةِ من خَوْفِ الله مع قولِ الله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: ٤٦] ،، وفي العِفةِ وفضلِها، وفي ذمِّ الزِّنى وأنه من الكبائر، وما انضاف إلى هذا المعنى من قصة ذي الكِفل (٢) ، وفي فَضْل الصَّدَقة في السرِّ مع قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ٢٧١] ، وفي تضعيفِ الله الصدقةَ المقبولةَ من الكَسْبِ الطَّيِّبِ إلى سائرِ ما ينتظمُ بهذه المعاني، آثارٌ كثيرةٌ جدًّا تحتملُ أن يُفرَدَ لها كتابٌ، فضلًا عن أن ترسمَ في باب، ومن طلَب العلمَ لله فالقليلُ يكفيه إن شاء الله، وبالله التوفيق.

  21. حديثٌ ثانٍ لخُبَيْبِ بنِ عبد الرحمن متَّصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْص بنِ عاصم، عن أبي هُريرةَ أو عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بينَ بَيْتي ومنْبرِي روضةٌ من رياضِ الجَنّة، ومِنْبَرِي على حَوْضي (٢) " .

    ج ٢ ص ٣١٧
  22. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ رحمه اللهُ رواة "الموطأ" (٣) كلُّهم فيما عَلِمتُ على الشكِّ في أبي هريرةَ وأبي سعيد على نحو الحديثِ الذي قبلَه، إلّا مَعْنَ بنَ عيسى، وروحَ بنَ عُبادة، فإنّهما روَياه عن مالكٍ بإسنادِه فقالا فيه: عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ جميعًا، على الجمع لا على الشكِّ (٤) .

  23. حدَّثنا (٥) عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخضر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أبي الحارث، قال: أخبرنا مَعْنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ وأبي سعيد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بينَ بَيْتي ومنبري رَوضة من رياضِ الجنة" .

  24. وحدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال (١) : حدَّثنا روحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ حَفْصَ بنَ عاصم أخبرَه، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بينَ بيتي ومِنْبري روضة من رِياضِ الجَنّة، ومِنْبري على حَوْضي" .

    ج ٢ ص ٣١٨
  25. ورواه (٢) عبدُ الرحمن بنُ مَهديٍّ، عن مالكٍ بإسنادِه، فجعلَه عن أبي هريرةَ وحدَه، ولم يذكُرْ معه أبا سعيد.

  26. حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخضر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصور. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ مُبَشر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سنان، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما بينَ بيتي ومِنبَري روضة من رياضِ الجَنّة" (٣) .

  27. والحديثُ محفوظٌ لأبي هريرةَ بهذا الإسناد، كذلك رواه عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن خُبَيبٍ بهذا.

  28. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ، قال: حدَّثنا يحيى - يعني القطّان - عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن خُبَيب، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بينَ بيتي ومِنبَري روضةٌ من رياضِ الجَنّة، ومنبَري على حوضي" (١) .

    قال أبو عُمر: اختلَف الناسُ في تأويلِ قولِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "ما بينَ بيتي ومِنبَري - ورُويَ: ما بينَ قبري ومِنبَري - رَوضةٌ من رياضِ الجَنّة" (٢) . فقال قوم: معناه: أنَّ البقعةَ تُرفعُ يومَ القيامةِ فتُجعلُ روضةً في الجَنّة. وقال آخرون: هذا على المجاز.

    قال أبو عُمر: كأنَّهم يعْنون أنّه لمّا كان جُلُوسُه وجلوسُ الناس إليه يتعَلَّمون القرآنَ والإيمانَ والدِّينَ هناك - شَبَّهَ ذلك الموضعَ بالرَّوضة، لكريم ما يُجتَنَى فيه، وأضافَها إلى الجَنّة؛ لأنّها تقودُ إلى الجَنّة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "الجَنّةُ تحتَ ظِلالِ السُّيُوف" (٣) ؛ يعني أنّه عمَلٌ يُوصَلُ به إلى الجَنّة، وكما يقال: الأمُّ بابٌ من أبوابِ الجَنّة. يُريدُونَ أنَّ بِرَّها يُوصِلُ المسلِمَ إلى الجَنّةِ مع أداءِ فَرائضِه. وهذا جائزٌ سائغٌ مسْتَعْملٌ في لسان العرب، واللهُ أعلمُ بما أرادَ من ذلك.

    ج ٢ ص ٣١٩
  29. وقد استَدلَّ أصحابُنا على أنَّ المدينةَ أفضلُ من مكةَ بهذا الحديث، ورَكَّبوا عليه قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "مَوضِعُ سَوْطٍ في الجنةِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (١) . وهذا لا دليلَ فيه على شيءٍ مما ذهَبوا إليه؛ لأنَّ قولَه هذا إنّما أرادَ به ذمَّ الدنيا والزُّهدَ فيها، والتَّرغيبَ في الآخِرَة، فأخبرَ أنَّ اليَسيرَ من الجَنّة خَيْرٌ من الدُّنيا كلِّها، وأرادَ بذِكْر السَّوط - واللهُ أعلم - التَّقليل، لا أنّه أرادَ مَوْضعَ السَّوْط بعَيْنِه، بل موضعُ نصفِ سَوْطٍ ورُبُع سَوْطٍ من الجَنّةِ الباقيةِ خيرٌ من الدُّنيا الفانية، وهذا مثلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: ٧٥] . لم يُردِ القِنطارَ بعينِه، وإنَّما أرادَ الكثيرَ، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} [آل عمران: ٧٥] ،، لم يُرِدْ به الدِّينارَ بعَيْنِه، وإنَّما أرادَ القليلَ؛ أي: أنَّ منهم مَن يُؤتَمنُ على بيتِ مالٍ فلا يخونُ، ومنهم مَن يُؤتَمنُ على فِلسٍ أو نحوِه فيَخُون.

    ج ٢ ص ٣٢٠
  30. على أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رَوضَةٌ من رياضِ الجَنّة" ، مُحتمِلٌ ما قال العُلماءُ فيه ممّا قد ذكَرناه، فلا حُجَّةَ لهم في شيءٍ مما ذهَبوا إليه، والمواضعُ كلُّها والبِقاعُ أرضُ الله، فلا يجوزُ أنْ يُفضَّلَ منها شيءٌ على شيءٍ إلّا بخبر يجبُ التَّسليمُ له، وإنِّي لأعْجَبُ ممّن يَترُكُ قولَ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - إذ وقفَ بمكّةَ على الحَزْوَرَة، وقيل: على الحَجُون (٢) ، فقال: "والله إنِّي لأعلَمُ أنّكِ خيرُ أرضِ الله وأحَبُّها إلى الله ولولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني منكِ ما خرَجتُ" . وهذا حديثٌ صحيحٌ رواه أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وعن عبدِ الله بنِ عَديِّ بنِ الحمراءِ جميعًا،

    ج ٢ ص ٣٢١عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، فكيف يُترَكُ مثلُ هذا النَّصِّ الثابت، ويُمالُ إلى تأويلٍ لا يُجامَعُ مُتأوِّلُه عليه؟!

  31. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جَعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١) : حدَّثنا أبو اليَمان، قال: أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرنا أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ عبدَ الله بنَ عَديِّ بنِ الحَمْراءِ الزُّهريَّ أخبرَه، أنّه سَمعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول، وهو واقف بالحَزْوَرةِ في سوقِ مكّة: "والله إنَّكِ لخَيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرَجتُ" . وتابَع شُعيبًا على مثل هذا الإسنادِ سواءً صالحُ بنُ كَيْسان (٢) ، ويونُسُ بنُ يزيد (٣) ، وعُقيْلُ بنُ خالد (٤) ، وعبدُ الرحمن بنُ خالدِ بنِ مُسافر (٥) ، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه مثلَه.

  32. ورواه مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - (١) .

    ج ٢ ص ٣٢٢
  33. وقد رواه محمدُ بنُ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة (٢) .

  34. وقد روَى مالكٌ ما يَدلُّ على أنَّ مكّةَ أفضلُ الأرضِ كلِّها، ولكنَّ المشهورَ عن أصحابِه في مَذهبِه تفضيلُ المدينة.

  35. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، أنَّ آدمَ لمّا أُهبِطَ إلى الأرضِ بالهندِ أو السِّند، قال: يا رَبِّ، هذه أحَبُّ الأرضِ إليك أن تُعْبدَ فيها؟ قال: بل مكةُ. فسار آدمُ حتى أتى مكة، فوجَد عندَها ملائكةً يَطوفون بالبيتِ ويَعبُدون الله، فقالوا: مَرْحبًا مَرْحبًا بأبي البَشر، إنّا نَنتَظِرُك هاهنا منذُ ألْفَيْ سنة.

  36. حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير (٢) ، قال: حدَّثنا قتيبَة، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سعد، عن عُقَيْل، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن عبدِ الله بنِ عَدِيِّ بنِ الحَمْراء، قال: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو واقفٌ على راحِلَتِه بالحَزْوَرَةِ يقول: "والله إنكِ لخيرُ أرض، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخْرِجتُ منكِ ما خَرَجْتُ" .

    ج ٢ ص ٣٢٣
  37. وكان مالكٌ رضي اللهُ عنه يقول: من فَضْل المدينةِ على مكةَ أنِّي لا أعلَمُ بُقعةً فيها قبرُ نبيٍّ معروفٌ غيرَها. وهذا واللهُ أعلَمُ وجْهُه عندِي من قولِ مالك، فإنَّه يريدُ ما لا يُشكُّ فيه وما يقطعُ العُذرَ خبرُه، وإلّا فإنّ الناسَ يَزعمُ منهم الكثيرُ أن قبرَ إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ببيتِ المقدس، وأنَّ قبرَ موسى - صلى الله عليه وسلم - هناك أيضًا.

  38. حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السِّجْسِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٣) :

    ج ٢ ص ٣٢٤أخبرنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ في حديثٍ ذكَرَه، قال: فسألَ موسى ربَّه أنْ يُدْنِيَه من الأرضِ المُقدَّسةِ رميةً بحجَر؛ يعني عندَ وَفاتِه، قال أبو هريرة: لو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبرَه تحتَ (١) الطَّريقِ إلى جانبِ الكَثِيبِ الأحمر.

  39. وذكره البخاريُّ (٢) بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - مثلَه.

    قال أبو عُمر: إنَّما يُحتَجُّ بقبرِ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، وبفضائل المدينة، بما جاء فيها عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - وعن أصحابِه على مَن أنكر فَضلها، وجعَلها كسائرِ بقاع الأرض؛ لأن تلك الآثارَ بيَّنتْ فَضْلَها، وأوضَحت موضِعَها وكرامَتَها. وأمّا مَن أقرَّ بفضلِها، وعَرَف لها موضعَها، وأقرَّ أنّه ليسَ على وجهِ الأرض أفضلُ بعدَ مكّة منها، فقد أنزلَها منزلَتِها، وعَرَف لها حَقَّها، واستعملَ القولَ بما جاء عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - في مكّة وفيها؛ لأنَّ فضائلَ البلدانِ لا تُدْرَكُ بالقياس والاستِنباط، وإنَّما سبيلُها التَّوقيفُ، فكلٌّ يقولُ بما بلَغَه وصَحَّ عندَه غيرَ حَرِج، والآثارُ في فَضْلِ مكّةَ عن السَّلفِ أكثرُ، وفيها بيتُ الله الذي رَضيَ من عبادِه على الحطِّ لأوزارِهم بقصْدِه مرّةً في العُمُر. وقد زِدْنا هذا المعنَى بيانًا في باب زَيْدِ بنِ رباح (٣) ، وذكَرْنا هنالك اختلافَ العلماءِ في ذلك، وبالله التوفيق.

  40. وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "ومِنبَرِي على حَوْضي" فزعَم بعضُ أهل العلم من أهل الكلام في معاني الآثارِ أنّه أراد، والله أعلم، أنَّ له مِنبَرًا يومَ القيامةِ على حَوْضه - صلى الله عليه وسلم -؛ كأنّه قال: ولي أيضًا مِنبَرٌ على حَوضي أدْعُو الناسَ إليه، لا أنَّ مِنبرَه ذاك على حوْضِه.

    وقال آخرون: يحتَمِلُ أنْ يكونَ اللهُ تباركَ وتعالى يُعيدُ ذلك المِنبرَ ويرْفَعُه بعينِه، فيكونُ يومئذٍ على حوْضِه، وبالله التوفيق.

    قال أبو عُمر: الأحاديثُ في حَوضِه - صلى الله عليه وسلم - مُتواترَةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ كثيرة، والإيمانُ بالحَوْضِ عندَ جماعةِ عُلماءِ المسلمينَ واجِبٌ، والإقرارُ به عندَ الجماعةِ لازِمٌ وقد نَفاهُ أهلُ البِدَع من الخوارج والمعتزلة، وأهلُ الحقِّ على التَّصديقِ بما جاء عنه في ذلك - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٢ ص ٣٢٥