أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم

١٦٣ فقرة، ج ١٣ ص ٢٤٦

الصفحة ١ من ٥

  1. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢) : سمعتُ مصعبَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: اسمُ أبي حازم سلَمةُ بنُ دينار، وأصلُه فارسيٌّ، مولًى لبني ليثٍ، وأمُّه رُوميّةٌ، وكان أشقرَ أفزَرَ (٣) أحوَلَ.

    قال أحمدُ بنُ زُهير (٤) : وسألتُ يحيى بنَ معين، عن أبي حازم، فقال: سلمةُ بنُ دينار، مشهورٌ مدنيٌّ ثقةٌ.

    ج ١٣ ص ٢٤٦
  2. وسمعت يحيى بن معين يقول: مات أبو حازم المدنيُّ سنةَ أربعينَ ومئة (٥) .

  3. وقيل غير ذلك (٦) ، وهذا أصحُّ، إن شاء اللَّه.

  4. وذَكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: أخبَرني ابنُ أبي حازم، عن أبيه، أنّه حدّث بحديثٍ عندَ هشام، وهو عاملُ المدينة، وابنُ شهابٍ حاضرٌ، فقال ابنُ شهاب: ما سمِعتُ بهذا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقال أبو حازم: أكُلَّ حديثِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سمعتَه؟ قال: لا. قال فنِصْفَه؟ قال: أرى ذلك. قال: فاجعَلْ هذا في النِّصف الذي لم تسمع. فقال ابن شهاب: أصلحَكَ اللَّهُ، واللَّه إنّه

    ج ١٣ ص ٢٤٧لجاري منذ كذا وكذا، وما عرفتُه هكذا قطُّ. فقال أبو حازم: أما واللَّه لو كنتُ منَ الأغنياءِ لَعرفْتَني منذُ زمان، ولكنّي منَ الفقراء (١) .

  5. هذا الخبرُ مختلفٌ فيه، قد رُوِيَ عن أبي سهيلٍ (٢) مع الزُّهري، ورُوِيَ لغيره أيضًا، وقصة أبي حازم في خبَرِه الطّويل عند سليمان عليها جرى قولُ الزُّهريِّ فيما روى (٣) ، واللَّه أعلم.

  6. وأبو حازم القائل: ما الدُّنيا؟ أمّا ما مضى منها فأحلامٌ، وأمّا ما بقيَ فأمانيُّ، وأمّا إبليسُ، واللَّه لقد أُطِيعَ فما نفعَ، ولقد عصي فما ضَرَّ (٤) .

    قال أبو عُمر: وكان أبو حازم هذا أحدَ الفُضلاء الحُكماءِ العلماءِ (٥) الثِّقات الأثباتِ منَ التابعين، وله حِكَمٌ وزُهْديّاتٌ ومواعظُ ورقائقُ ومُقطَّعات يطُولُ الكتابُ بذِكْرها.

  7. لمالكٍ عنه في "الموطّأ" من مرفوعاتِه تسعةُ أحاديث، فيها واحدٌ مرسلٌ، وآخَرُ موقوفٌ عند أكثرِ الرُّواة، واللَّه الموفق.

  8. حديثٌ أول لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعد الساعديِّ، أنه قال: كان الناسُ يُؤمَرون أن يضعَ الرَّجلُ يدَه اليمنى على ذِراعه اليُسرى في الصلاة.

    قال أبو حازم: لا أعلَمُ إلا أنه يَنْمي (٢) ذلك.

    قال أبو عُمر: "يَنْمي ذلك" يعني: يرفَعُه، يريدُ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد مضَى رفْعُ هذا الحديث من طُرقٍ شتّى، ومضَى ما فيه للعلماء في باب عبدِ الكريم أبي أُميّة (٣) من هذا الكتاب (٤) ، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا.

    ج ١٣ ص ٢٤٨
  9. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرازيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عمارُ بنُ مطر (٥) ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: أُمِرْنا بأن نضَعَ اليدَ اليُمْنى على الذراع اليسرى في الصلاة (٦) .

  10. حديثٌ ثانٍ لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن كان، ففي الفَرَس والمرأةِ والمسكَن" ؛ يعني: الشُّؤْم.

    ج ١٣ ص ٢٤٩
  11. ليس في هذا الحديث قَطْعٌ في الشُّؤْم؛ لقوله: "إن كان" . وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ابنِ شهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ اللَّه بنِ عمرَ من هذا الكتاب (٢) .

  12. وقيل: شُؤْمُ الفَرَس: ألا يُغزَى عليه في سبيل اللَّه، وشُؤْمُ المرأة: ألّا تكونَ وَلُودًا ولا وَدُودًا، وشُؤْمُ الدار: جيرانُها إذا كانوا جيرانَ سوْء.

  13. حديثٌ ثالثٌ لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يزالُ الناسُ بخَير ما عَجَّلوا الفِطْرَ" .

    قال أبو عُمر: من السُّنة تعجيلُ الفِطرِ وتأخيرُ السُّحور، والتعجيلُ إنما يكونُ بعدَ الاستيقان بمغيبِ الشمس، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُفطِرَ وهو شاكٌّ هل غابتِ الشَّمسُ أم لا؟ لأن الفرضَ إذا لزِمَ بيقينٍ لم يُخرَجُ عنه إلا بيقين، واللَّه عزَّ وجلَّ يقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] . وأولُ الليل مَغِيبُ الشَّمس كلِّها في الأفُق عن أعينِ الناظرين، ومَن شكَّ لزِمَه التَّمادي حتّى لا يشُكَّ في مَغيبها، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا -يعني المشرق- وأدبَر النهارُ من هاهنا -يعني المغربَ- وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم" .

    ج ١٣ ص ٢٥٠
  14. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٢) ومحمدُ بنُ إسماعيل (٣) ، قالا: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: أخبَرني أبي، قال: سمعتُ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطاب يُحدِّثُ عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا، وأدبَر النهارُ من هاهنا، وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم" .

  15. واختلَف الفقهاءُ فيمن أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشّمسَ قد غرَبت، ثم بدَت له بعدَ إفطارِه:

    ج ١٣ ص ٢٥١فقال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة والثوريُّ والليثُ، فيمَن أكلَ وظنَّه ليلًا، ثم تبيَّن له أنه نهارٌ، أو أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشمسَ قد غرَبت، فإذا بها لم تغرُبْ، فعليه القضاء (١) .

    وقال مجاهدٌ وجابرُ بنُ زيد: لا قضاءَ عليه في شيء من ذلك كلِّه. وبه قال داود.

    وقال الشافعيُّ وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن: مَن أكَل وهو شاكٌّ في الفجر فلا شيءَ عليه.

    وقال الثوريُّ: يتسحَّرُ الرجلُ ما شكَّ حتى يرى الفجر.

    وقال أبو حنيفة: إن كان أكثرُ ظنِّه في حين أكلِه أنه أكَل بعدَ طلوع الفجر، فأحَبُّ إلينا أن يَقضِي (٢) .

  16. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر: أنهم أفطَروا على عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في يوم غيم، ثم طلَعتِ الشمسُ. فقلتُ لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ قال: ومن ذلك بُدٌّ.

  17. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بن هشام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن فِراس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ الفرائضيُّ، قال:

    ج ١٣ ص ٢٥٢حدَّثنا محمدُ بن كثير، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه عزَّ وجلّ: أحَبُّ ما عبادي إليَّ أسرعُهم فِطرًا" (١) .

    قال أبو عُمر: لم يسمعِ الأوزاعيُّ هذا الحديثَ من الزهريِّ؛ بينَهما قُرَّةُ بنُ حَيْويل، كذلك رواه ثقاتُ أصحابِ الأوزاعيِّ، وأما محمدُ بنُ كثير هذا، فكثيرُ الخطأ، ضعيفُ النقل.

  18. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سهل بنِ سعد، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر" (١) .

    ج ١٣ ص ٢٥٣
  19. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يصلِّي في رمضانَ حتى يُفطِرَ ولو على شَرْبةٍ من ماءٍ. وقد مضَت آثارُ هذا الباب في بابِ عبدِ الرحمن بن حَرملةَ من هذا الكتاب (٢) .

  20. حديثٌ رابعٌ لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم بن دينار، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعديِّ رضي اللَّه عنه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذهَب إلى بني عَمْرو بن عوفٍ ليُصلِحَ بينَهم وحانتِ الصلاةُ، فجاء المؤذِّنُ إلى أبي بكرٍ الصديق، فقال: أتصلِّي للناس فأُقيم؟ قال: نعم. فصلَّى أبو بكر، فجاء رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والناسُ في الصلاة، فتخلَّص حتى وقَف في الصفِّ، فصفَّقَ الناسُ، وكان أبو بكرٍ لا يلتفِتُ في صلاتِه، فلمّا أكثرَ الناسُ من التصفيق، التفتَ أبو بكر، فرأى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشار إليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن امكُثْ مكانَك، فرفَع أبو بكر يدَيْه، فحمِد اللَّهَ على ما أمَره به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من ذلك، ثم استَأخَر حتى استَوى في الصفِّ، وتقدَّم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصلَّى ثم انصرَف، فقال: "يا أبا بكر، ما منَعك أن تثبُتَ إذْ أمرتُكَ؟ " . فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافةَ أن يُصلِّي بينَ يدَي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما لي رأيتكم أكثرتُمُ التَّصفيق؟ مَن نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ، فإنّه إذا سبَّحَ التُفِتَ إليه، وإنما التَّصفيحُ للنِّساء" .

    قال أبو عُمر: لم يَخْتلفْ رواةُ "الموطأ" في إسنادِ هذا الحديث (٢) ، وانفرَد

    ج ١٣ ص ٢٥٥عبدُ اللَّه بنُ محمد بنِ ربيعةَ القُدَاميُّ، عن مالك، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "التَّسبيحُ للرجال، والتَّصفيقُ للنِّساء" (١) . ولم يُتابَع عليه. وحديثُ الزُّهريِّ محفوظٌ عند جماعة من أصحابه، وإن اختلَفوا في إسنادِه.

    ج ١٣ ص ٢٥٤
  21. وروَى هذا الحديثَ ابنُ عيينة (٢) ، وخارجة (٣) ، والمسعوديُّ (٤) ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ بمعنى حديث مالك، وقالوا كلُّهم في آخره: "إنّما التَّصفيحُ (٥) للنِّساء، والتَّسبيحُ للرجال" .

  22. والمعنى الذي له خرَج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بني عَمْرِو بنِ عوفٍ ليُصلِحَ بينَهم؛ أنَّ رجلَين منهم تشاجَرا. كذا رواه أسدُ بنُ موسى، عن المسعوديِّ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بن سَعْد، قال: كان بينَ رجلين من الأنصار شيءٌ، فانطلَق إليهما رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليُصلِحَ بينهما، فذكر الحديث (١) .

    وقال خارجةُ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: كان بين بني عَمْرو بن عوفٍ شيءٌ بالمدينة، فاستَبُّوا وتَرامَوا بالحجارة، فبلَغ ذلك رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فانطلَق يُصلِحُ بينهم، والصلاةُ التي شَهِدها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هم صلاةُ العَصْر والمؤذِّنُ بلال.

    ج ١٣ ص ٢٥٦
  23. كذلك ذكَر جمهورُ الرواة لهذا الحديث عن أبي حازم في الصلاة أنها العصرُ، والمؤذِّن أنه بلال:

    حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ رَوح، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا حمادٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتى بني عمرِو بنِ عوفٍ في لحاءٍ كان بينهم، فحضرَت صلاةُ العصر، فقال بلالٌ لأبي بكر: أأقيمُ الصلاةَ فتُصلِّي بالناس؟ قال: نعم. فأقام بلالٌ، وتقدَّم أبو بكر، فجاء رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يفرُقُ الصفوف، وصفَّح القوم، وكان أبو بكرٍ لا يكادُ يلتَفتُ، فلما أكثروا التَّصفيقَ التفَتَ، فإذا هو برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفرُقُ الصُّفوفَ، فتأخَّر أبو بكر، وأومَأ

    ج ١٣ ص ٢٥٧إليه أن مكانَك. فتأخَّر وتقدَّم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاتَه قال: "يا أبا بكر، ما لكَ إذْ أومأتُ إليك لم تقُمْ؟ " . قال: ما كان لابن أبي قُحافةَ أن يؤُمَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: "يا قومِ، ما بالُكم إذا نابَكم أمرٌ صفَّقْتُم؟ سبِّحوا؛ فإنما التَّصفيقُ للنِّساء" (١) .

  24. في هذا الحديث من الفقه أنَّ الصلاةَ إذا خُشِيَ فواتُ وقتِها لم يُنتظَرِ الإمامُ مَن كان، فاضلًا كان أو مفضولًا.

  25. وفيه: أنَّ الإقامةَ إلى المؤذِّن، هو أوْلى بها، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه:

    فذهَب قومٌ إلى أنّ من أذَّن فهو يُقيم، وروَوْا فيه حديثًا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسنادٍ فيه لينٌ (٢) ، يدورُ على الإفريقيِّ عبدِ الرحمن بنِ زياد.

    وقال مالكٌ وجماعةٌ غيرُه من العلماء: لا بأسَ بأذانِ مؤذِّنٍ وإقامةِ غيرِه (٣) .

  26. واستحبَّ الشافعيُّ أن يُقيمَ المؤذِّنُ، فإن أقام غيرُه، فلا بأسَ بذلك عندَه (٤) .

  27. وفي حديثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ (٥) ما يدلُّ على أنه لا بأسَ بإقامةِ غيرِ المؤذن، وهو أحسنُ إسنادًا من حديث الإفريقيِّ.

  28. وفيه: أنَّه لا بأسَ بتَخَلُّل الصُّفوف، ودفْع الناس والتَّخلُّص بينَهم، للرَّجل الذي تليقُ به الصلاةُ في الصفِّ الأول حتى يَصِلَ إليه، ومن شأن الصفِّ الأول أن يكونَ فيه أهلُ الفضل والعلم بحدودِ الصلاة؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لِيَلني (١) منكم أُولُو الأحلام والنُّهَى" (٢) . يريد: ليَحفظوا عنه، ويَعُوا ما يكونُ منه في صلاته، وكذلك ينبغي أن يكونَ في الصفِّ مَن يصلُحُ للاستِخْلافِ إن نابَ الإمامَ شيءٌ في صلاتِه ممَّن يعرِفُ إرْقاعَها (٣) وإصلاحَها.

    ج ١٣ ص ٢٥٨
  29. وفيه: أنَّ التَّصفيقَ لا تَفسُدُ به صلاةُ الرجال إن فعلُوه؛ لأنهم لم يُؤمَروا بإعادة، ولكن قيل لهم: شأنُ الرجال في مثل هذه الحال التَّسبيح. وفيه أنَّ أبا بكر كان لا يلتفِتُ في صلاته، ثم التفتَ إذ أكثرَ الناسُ التَّصفيق.

    ج ١٣ ص ٢٥٩
  30. وفيه: أنَّ الالتفاتَ لا يُفسِدُ الصلاة؛ لأنه لو أفسَدها لأمَره رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باعادتِها، ولقال له: قد أفسَدْتَ صلاتَك بالتفاتِك؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما بُعث آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، ومعلِّمًا شرائعَ الدين، وقد بلَّغ كلَّ ما أُمِر به -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما أقرَّ عليه مما رآه فهو في حكم ما أباحه قولًا وعملًا، وقد جاءت في النهي عن الالتفاتِ في الصلاةِ أحاديثُ مَحملُها عند العُلماءِ (١) على ما وصَفتُ لك.

  31. وأجمع العلماءُ على أنَّ الالتفاتَ في الصلاة مكروهٌ؛ وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الالتفاتُ في الصلاة خُلسة يختَلِسُها الشيطانُ من صلاةِ العبد" (٢) . وجمهورُ الفقهاء على أنَّ الالتفاتَ لا يُفسِدُ الصلاةَ إذا كان يسيرًا. وقال أبو ثور: إذا التفَت ببدنِه كلِّه أفسَد صلاته (٣) . وقال الحكم: من تأمَّل مَن عن يمينِه أو يسارِه في الصلاة حتى يعرِفَه فليس له صلاة (٤) .

  32. وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن يوسف، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بنِ سليمانَ مُطيَّن، قال: حدَّثنا موسى بن زياد، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن

    ج ١٣ ص ٢٦٠الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، قال: سُئِل ابنُ عمر: أكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يلتفِتُ في الصلاة؟ قال: لا، ولا في غير الصلاة (١) (٢) .

  33. وفيه: أنَّ الإشارةَ في الصلاة باليد وبالعين وبغير ذلك لا بأس بذلك:

    حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى السِّجْزيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال (٣) : حدَّثنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن أنس، أنّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يشيرُ في الصلاة.

    ج ١٣ ص ٢٦١قال إسحاق (١) : وأخبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبيدِ اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُشيرُ في الصلاة (٢) .

  34. وفيه: أنَّ رفعَ اليدين حمدًا وشكرًا ودُعاءً في الصلاة لا يضرُّ بها شيءٌ من ذلك كلِّه.

  35. وفيه دليلٌ على جواز الاستخلاف في الصلاة إذا أحدَث الإمامُ أو منَعه مانعٌ من تمام صلاتِه؛ لأن الإمامَ إذا أحدَث كان أولى بالاستِخْلاف، وكان ذلك منه أجوزَ من تأخُّر أبي بكر رضي اللَّه عنه من غير حدَث؛ لأن المُحدِثَ لا يجوزُ له أن يَتمادَى في تلك الصلاة، وقد كان لأبي بكر أن يتمادَى لولا موضعُ فضيلةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنّه لا يجوزُ التقدُّمُ بينَ يديه بغير إذنِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد كان يجوزُ له أن يَثبُتَ ويتمادَى؛ لإشارةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن امكُثْ مكانَك، وليسَ كذلك المُحدِثُ؛ ولهذا يستخْلِفُ عندَ جمهورِ العلماء (٣) ، وقد ذكَرْنا ما في هذه المسألة من الاختلاف في باب إسماعيلَ بنِ أبي حكيم (٤) ، والحمد للَّه (٥) .

  36. وأما استئْخارُ أبي بكر عن إمامته، وتقدُّمُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مكانه، وصلاتُه في موضع أبي بكر ما كان بَقِيَ عليه، فهذا موضعُ خصوص عندَ جمهور العلماء،

    ج ١٣ ص ٢٦٢لا أعلمُ بينُهم خلافًا أنّ إمامَيْن في صلاةٍ واحدة من غير عُذرِ حدَثٍ يقطعُ صلاةَ الإمام، ويوجِبُ الاستخلاف - لا يجوز، وفي إجماعهم على هذا دليلٌ على خصوص هذا الموضع؛ لفضل رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنّه لا نَظِيرَ له في ذلك، ولأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أمَرهم أن لا يتقدَّموا بينَ يَدَي اللَّه ورسولِه، وهذا على عُمومه في الصَّلاة والفَتْوَى والأمور كلِّها، ألا ترى إلى قول أبي بكر: ما كانَ لابن أبي قُحافةُ أن يتقدَّمَ بين يَدَيْ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو يُصلِّي بين يَدَي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  37. وفضيلةُ الصَّلاةِ خَلْفَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يجهَلُها مسلم، ولا يلحَقُها أحدٌ، وأما سائرُ الناس فلا ضرورةَ بهم إلى ذلك، لأن الأولَ والثاني سَواءٌ، ما لم يكُنْ عُذرٌ، ولو صَلَّى أبو بكر بهم تمام الصلاة لجازَ؛ لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما منعَكَ أن تثبُتَ إذْ أمرتُكَ؟ " . وفي هذا دليلٌ على أنه لولا أنه أمَره ما قال له: "ما منعَكَ أن تَثبُتَ؟ " . وفي هذا ما يدُلُّك على أنهم قد كانوا عرَفوا منه ما يدُلُّ على خُصوصه في ذلك، واللَّه أعلم.

  38. وموضعُ الخصوص من هذا الحديث هو استِئخارُ الإمام لغيره من غير حَدَثٍ يقطَعُ عليه صلاتَه، وأما لو تأخَّر بعد حَدَثٍ وقَدَّم غيرَه لم يكن بذلك بأسٌ، بل في هذا الحديث دليلٌ عليه؛ للعلّة التي ذكَرنا، فكذلك كلُّ عِلّة تمنعُ من تَماديه في صلاتِه.

  39. وقد روَى عيسى، عن ابن القاسم، في رجل أمَّ قومًا، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثم أحدَث، فخرَج وقدَّم رجلًا، ثم توضَّأ، وانصرَف فأخرَج الذي قدَّمه وتقدَّم، هل تُجزئ عنهم صلاتُهم؟ فقال: قد جاء الحديثُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه جاء وأبو بكر يصلِّي بالناس، فسبَّح الناسُ بأبي بكر، فتأخَّر وتقدَّم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأرى أن يُصلِّي بهم بقيةَ صلاتهم، ثم يجلِسون حتى يُتمَّ هو لنفسه، ثم يُسلِّمُ ويُسلِّمون.

    قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو ذكَر قبيحَ ما صنَع بعدَ أن صلَّى رَكْعةً؟

    ج ١٣ ص ٢٦٣قال: يخرُجُ ويقدِّمُ الذي أخرَج. قلت: فإن لم يجِدْه؟ قال: فليُقدَّم غيرَه ممّن أدرَك الصلاة كلَّها (١) .

  40. وفيه أن التَّصفيقَ لا يجوزُ في الصلاة لمن نابَه شيءٌ فيها، ولكن يُسبِّحُ، وهذا ما لا خلافَ فيه للرجال؛ وأما النساءُ فإن العلماء اختلَفوا في ذلك؛ فذهب مالكٌ وأصحابُه إلى أن التَّسبيح للرجال والنِّساء جميعًا؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن نابه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ" . ولم يخُصَّ رجالًا من نساءٍ وتأوَّلوا قولَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنّما التَّصفيقُ للنِّساء" . أي: إنما التَّصفيقُ من فِعْلِ النِّساءِ، قال ذلك على جهةِ الذَّمّ، ثم قال: "مَنْ نابَهُ شيءٌ في صلاتِه فليُسَبِّحْ" . وهذا على العموم للرجال والنِّساء، هذه حجةُ من ذهَبَ هذا المذهب.