(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
٢٩٥ فقرة، ج ١٣ ص ٣٢١
الصفحة ١ من ٨
- ج ١٣ ص ٣٢١
واسمُه سالمُ (١) بنُ أبي أُميّةَ، مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ معمَرٍ التَّيميِّ، تَيْم قريش، وكان كاتبًا لعمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، وهو أحدُ الثِّقاتِ الأثباتِ من أهل المدينة.
-
روَى عن جماعةٍ من التابعينَ بالمدينة، وقد رأى عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، وسمع منه، ويروي عن ابن أبي أوفى والسائبِ بنِ يزيدَ.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، عن أبي النّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، قال: كنتُ جالسًا مع عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، فجاءَهُ رجلٌ فسلَّم عليه، فرأى بينَ عينيه أثرَ سجدةٍ، فقال: ما هذا؟ صحِبتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعمرَ، فلم أرَ ها هنا شيئًا. ومسَحَ عبدُ اللَّه بينَ عَيْنَيه.
-
ورَوَى عن أبي النّضْرِ جماعةٌ من الأئمّة؛ منهم: مالكٌ، والثّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وعُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ، وغيرُهم.
-
ونسَبَه محمدُ بنُ إسحاق، فقال: سالمُ بنُ أبي أُميّة (٢) . وتوفّي أبو النَّضْرِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (٣) . وقيل: سنةَ ثلاثينَ ومئة.
- ج ١٣ ص ٣٢٢
لمالكٍ عنه في "الموطأ" خمسةَ عشرَ حديثًا؛ منها تسعةٌ متّصلةٌ مسنَدةٌ، ومنها حديثُ ظاهرُه الاتّصال، وليس بمتَّصلٍ، وسائرُها منقطعةٌ ومرسلةٌ.
قال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حنبل: سألتُ أبي عن سالم أبي النّضْرِ، فقال: ثقةٌ (١) .
وقال يحيى بنُ معين: سالمُ أبو النّضْرِ مدنيٌّ ثقةٌ (٢) .
وقال الحُميديُّ: سُئِل سفيانُ بنُ عُيينةَ عن سالم أبي النّضْر، فقال: ثقةٌ.
-
وكان مالكٌ يصِفُه بالفضْل والعقْلِ والعبادة (٣) .
- ج ١٣ ص ٣٢٣
حديثٌ أوّلُ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيد اللَّه، عن بُسرِ بنِ سعيد، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ أرسلَه إلى أبي جُهيم يسألُه: ماذا سمِع من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المارِّ بين يدي المُصلِّي؟ فقال أبو جُهيم: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلمُ المارُّ بينَ يدي المُصلِّي ماذا عليه، لكانَ أن يقفَ أربعينَ خيرًا له من أن يمرَّ بين يدَيْه" . قال أبو النَّضر: لا أدري أربعينَ يومًا أو شهرًا أو سنةً.
قال أبو عُمر: أبو جُهيم هذا هو أبو جُهيم بنُ الحارثِ بنِ الصِّمَّة الأنصاريُّ، وهو ابنُ أختِ أبيٍّ بنِ كعب، وقد قيل فيه: عبدُ اللَّه بنُ جُهيم أبو جُهيم. وقد ذكرناه في "الصحابة" (٢) بما يُغني عن ذكرِه ها هنا، ولم تختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في شيءٍ من هذا الحديث (٣) .
-
وروَى ابنُ عيينةَ هذا الحديث مقلوبًا عن أبي النَّضر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ (٤) ،
ج ١٣ ص ٣٢٤جعَل في موضع زيدِ بنِ خالد: أبا جُهيم، وفي موضع أبي جُهيم: زيدَ بنَ خالدٍ، والقولُ عندَنا قولُ مالك، وقد تابعَه الثوريُّ وغيره.
-
أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ -يعني الثوريَّ- عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ، قال: أرسَلني زيدُ بنُ خالد إلى أبي جُهيم أسألُه: ماذا سمِع. فذكَر مثلَ حديث مالك.
-
وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنجَرَ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، عن بُسرِ بنِ سعيد، قال: أرسَلني زيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ إلى أبي جُهيم أسأله: ما سمعتَ من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في الذي يمرُّ بين يدي المصلِّي؟ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأنْ يقومَ الرجلُ مقامَه خيرٌ له من أن يمرَّ بين يدي المصلِّي" (٢) .
-
ورواه وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالم أبي النَّضر، عن بُسْر بن سعيد، عن عبدِ اللَّه بنِ جُهيم، قال: قال ليَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكره هكذا (٣) ، وهو وهمٌ من
ج ١٣ ص ٣٢٥وكيع (١) ، والصحيحُ في ذلك روايةُ مالكٍ ومن تابعَه.
-
وذكَر ابنُ أبي شيبةَ أيضًا، عن وكيع، عن عبد اللَّه (٢) بنِ عبدِ الرحمن بن مَوْهَب، عن عمِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلمُ أحدُكم ما له في أن يمرَّ بينَ يدي المصلِّي معترضًا، كان لأنْ يقفَ مئةَ عام خيرٌ له من الخطوةِ التي خَطا" (٣) .
-
وأما حديثُ ابن عُيينة، فرواه الحُميديُّ (٤) وغيرُه (٥) عنه بمعنًى واحدٍ مقلوبًا كما وصفْنا، وزاد فيه (٦) : أو ساعة.
- ج ١٣ ص ٣٢٦
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرِ بنِ حرب، قال (١) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ، قال: أرسلني أبو جُهيم إلى زيدِ بنِ خالدٍ ما سمِع من النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الذي يمُرُّ بين يدي المصلِّي؟ فقال: "لأنْ يقومَ أربعينَ خيرٌ مِن أنْ يمُرَّ بينَ يديه" . لا أدري سنةً، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعةً.
قال أحمدُ بنُ زهير (٢) : سُئِلَ يحيى بنُ معين عن هذا الحديث، فقال: خطأٌ (٣) ، إنما هو زيدٌ إلى أبي جُهيم. كما روَى مالكٌ (٤) .
قال أبو عُمر: لا خِلافَ بينَ العلماء في كراهيةِ المُرورِ بينَ يدي المصلِّي لكلِّ أحدٍ، ويكرهون للمصلِّي أيضًا أن يدَع أحدًا يمُرُّ بينَ يدَيْه، وعليه عندَهم أن يدفَعَه جَهدَه، ما لم يخرُجْ إلى حدٍّ من العمل يُفسِدُ به على نفسِه صلاتَه. وقد مضَى القولُ في درْءِ المصلِّي من يمُرُّ بين يدَيْه، والحكمُ في ذلك مبسوطًا في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٥) ، والإثمُ على المارِّ بينَ يدَي المصلِّي فوقَ الإثم على الذي يدعُه يمُرُّ بينَ يديْه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا، والمارُّ أشدُّ إثمًا إذا تعمَّد ذلك، وهذا ما لا أعلمُ فيه خلافًا، ومع هذا فإنه لا تُقطَعُ صلاةُ مَن مرَّ بينَ يديه على ما قدَّمنا ذكرَه في باب زيدِ بنِ أسلمَ، والحمدُ للَّه.
- ج ١٣ ص ٣٢٧
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابةَ وأيوبُ بنُ سليمان، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ المُقرئ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ موسى الغافقيُّ، قال: حدَّثني أبو عمرانَ الغافقيُّ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ عمرو بن العاص يقول: لأنْ يكونَ الرجلُ رمادًا يُذَرَّى، خيرٌ له من أن يمرَّ بينَ يَدَي رجلٍ يصلِّي متعمِّدًا (١) .
قال أبو عُمر: قال بعضُ أهل العلم: إن مَن صلَّى إلى غيرِ سُترةٍ لم يحرُمْ على أحدٍ المرورُ بينَ يديْه، ولا يجوزُ له أن يدفعَ من يَمُرُّ (٢) بينَ يديه إذا صلَّى إلى غير سُترة.
قال: وإنما المعنى في هذا الباب لمن صلَّى إلى سُتْرة. وغيره يقول: السُّترةُ وغيرُ السُّترة في هذا الباب سواءٌ.
-
ولمالكٍ عن أبي النَّضْر، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ حديثٌ آخَرُ موقوفٌ عند مالكٍ، وقد وصلَه غيرُه من الثِّقات، منهم موسى بنُ عُقبةَ وغيرُه:
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم، قال:
ج ١٣ ص ٣٢٨حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: سمعتُ موسى بنَ عُقبة، قال: سمعتُ أبا النّضْر يُحدِّثُ عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتِكُم، فإنّ أفضلَ صلاة المرءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ" .
-
ورواهُ ابنُ جُريج، عن موسى بن عُقبة، عن أبي النّضْر، عن بُسْر، عن زيدٍ مثلَه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مرفوعًا.
-
وهو حديثٌ ثابتٌ مرفوعٌ صحيحٌ، ومثلُه لا يكونُ رأيًا. وإذا كانت صلاةُ النافلةِ في البيتِ أفضلَ منها في مسجدِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأنه عليه خرجَ هذا الخبَرُ، فما ظنَّكَ بها في غير هذا البلد؛ ولهذا قال بعضُ الحكماء: إخفاءُ العمل نجاةٌ، وإخفاءُ العلمِ هلَكَةٌ. والمأمورُ بسَتْرِه من أعمال البِرِّ النّوافِلُ دون المكتوبات، والحمدُ للَّه الذي بنِعْمتِه تتِمُّ الصالحاتُ.
- ج ١٣ ص ٣٢٩
حديثٌ ثانٍ لأبي النّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبَيد اللَّه، عن نافع مولى أبي قتادةَ، عن أبي قتادةَ، أنه كان مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) ، حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلَّف مع أصحاب له مُحْرِمين، وهو غيرُ مُحرِم، فرأى حمارَ وحشٍ، فاستَوَى على فرَسِه، فسأل أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطَه، فأبَوا، فسألَهم رُمْحَه، فأبوا، فأخَذه ثم شدَّ على الحمار فقتَله، فأكَل منه بعضُ أصحاب النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بعضُهم، فلما أدرَكوا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سألوه عن ذلك، فقال: "إنّما هي طُعمةٌ أطْعَمكموها اللَّه" .
-
هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ لا يختلفُ أهلُ العلم بالحديثِ في ثبوتِه وصحَّته، وقد رُوِيَ عن أبي قتادةَ من وجوه، وقد رواه جابرٌ أيضًا، عن أبي قتادة.
-
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وحجّاجُ بنُ منهال، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ أبا قتادةَ أصابَ حمارَ وَحْشٍ وهو حلالٌ فأكَلوا منه. قال حمادُ بنُ سلمة: سمِعتُ محمدَ بنَ المُنكَدِر يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ وجابرٍ بمثل هذا الحديث (٣) .
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ أبي سلمة، أنه حدَّثه:
ج ١٣ ص ٣٣٠أن نافعًا الأقرعَ مولى بني غِفارٍ حدَّثه، أنَّ أبا قتادةَ حدَّثه، أنه اعتمَر مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكَر الحديثَ نحوًا من حديثِ مالك (١) .
-
وروى مالكٌ (٢) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي قتادةَ، في الحمارِ الوَحشيِّ مثل حديثِ أبي النَّضْر، إلا أنَّ في حديث زيدِ بنِ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هل معكم من لَحْمِه شيء؟ " .
-
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣) ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٤) ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ كيسان، قال: سمعتُ أبا محمدٍ يقول: سمِعتُ أبا قتادةَ يقول: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى إذا كنا بالقاحَة (٥) ، فمنّا المحرمُ
ج ١٣ ص ٣٣١وغيرُ المحرم، إذ بَصُرْتُ بأصحابي يَتراءَون شيئًا، فنظَرْت فإذا أنا بحمارِ وَحْش، فأسرَجْتُ فرَسي، وأخَذْتُ رُمْحي، وركِبْتُ فرَسي، فسقَط سَوْطي، فقلت لأصحابي: ناوِلُوني -وكانوا مُحرمين- فقالوا: لا واللَّه، لا نُعينُك عليه بشيء. فتناوَلْتُ سَوْطي، ثم أتيْتُ الحمارَ من خلفِه، وهو وراءَ أكَمَةٍ، فطعَنْتُه برُمْحي فعقَرْتُه، فأتيتُ به أصحابي، فقال بعضُهم: كُلُوه. وقال بعضُهم: لا تأكلوه. قال: وكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمامَنا، فحرَّكْتُ فرَسي، فأدرَكْتُه فسألتُه فقال: "هو حلالٌ فكُلُوه" .
قال أبو عُمر: يقال: إنَّ أبا قتادةَ كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجَّهه على طريق البحرِ مخافةَ العدوِّ، فلذلك لم يكنْ مُحرِمًا إذِ اجتمع مع أصحابه؛ لأنَّ مخرَجَهم لم يكن واحدًا، وكان ذلك عامَ الحُديبية أو بعدَه بعام عامَ القَضِيّة، وكان اصطيادُ أبي قتادةَ الحمارَ لنفسِه لا لأصحابه، واللَّه أعلم.
-
وفي حديثِ أبي قتادةَ هذا دليلٌ على أنَّ لحمَ الصيد حلالٌ أكلُه للمحرم، إذا لم يَصِدْه وصادَهُ الحلالُ، وفي ذلك أيضًا (١) دليلٌ على أنَّ قوله عزَّ وجلَّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] . معناه الاصطيادُ وقتلُ الصيدِ واكلُه لمن صادَه، وأما مَن لم يَصِدْه، فليس ممن عُني بالآية، واللَّه أعلمُ، وتكونُ هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] . سواءً؛ لأنّ هذه الآيةَ إنما نُهِيَ فيها عن قتل الصيدِ واصْطِيادِه لا غيرُ، وهذا بابٌ اختلَف فيه السلفُ والخلفُ؛ فكان عطاءٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ جبير، يَرَوْن للمُحرم أكْلَ كلِّ ما صادَه الحلالُ من الصيدِ ممّا يَحِلُّ للحلال أكلُه. وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه. وهو قولُ عمرَ بن الخطاب، وعثمانَ بن عفان،
ج ١٣ ص ٣٣٢والزُّبير بن العوام، وأبي هريرة (١) . وحجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ حديثُ أبي قتادةَ هذا، وحديثُ البَهْزِيِّ (٢) ، وسنذكُرُه في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء اللَّه، وحديثُ طلحةَ بنِ عُبَيد اللَّه.
-
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣) : أخبرَنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المُنكَدِر، عن معاذِ بن عبد الرحمن التَّيميِّ، عن أبيه، قال: كنّا مع طلحةَ بن عبيدِ اللَّه ونحن مُحرِمون، فأُهْدِي لنا طيرٌ وهو راقدٌ، فأكَل بعضُنا، وتورَّع بعضُنا (٤) ، فاستَيْقَظ طلحةُ، فوفَّق مَن أكَله (٥) وقال: أكَلْناه مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال آخرون: لحمُ الصيدِ مُحرَّمٌ على المُحْرِمينَ على كلِّ حال، ولا يجوزُ
ج ١٣ ص ٣٣٣لمُحرِم أكلُ لحم صيدٍ البتّة، على ظاهر عُموم قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . قال ابنُ عبَاس: هي مُبْهَمة (١) .
-
وكان عليُّ بنُ أبي طالب وابنُ عمرَ، لا يَرَيان أكلَ الصيدِ للمُحرِم ما دام مُحرمًا (٢) . وكرِه ذلك طاووس، وجابرُ بنُ زيد (٣) . ورُوِيَ عن الثوريِّ، وإسحاقَ، مثلُ ذلك (٤) .
-
وحجةُ مَن ذهب هذا المذهبَ حديثُ ابنِ عباس، عن الصَّعب بنِ جثّامةَ، أنه أهْدَى لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حمارَ وحشٍ، أو لحمَ حمارِ وحْشٍ وهو (٥) بالأَبواء أو بوَدَّانَ، فردَّه عليه، وقال: "لم نَرُدَّه عليك إلا أنّا حُرُمٌ" . وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ (٦) في باب ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٧) . وحجتُهم أيضًا حديثُ زيدِ بنِ أرقَم، وابن عباس.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث (٨) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد،
ج ١٣ ص ٣٣٤قال: حدَّثنا عفانُ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو سلمةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبرنا قيسُ بنُ سعد المكّيُّ (٣) ، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال لزيد بن أرقَم: يا زيدُ، أما علِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُهْدِيَ له عَضُدُ صَيْدٍ - وقال عفانُ: عُضْوُ صَيْدٍ- فلم يَقْبَله، وقال: "إنّا حُرُمٌ" . قال: نعم. وقال عفانُ: بلى.
-
ورُوِيَ عن عليِّ بنِ زيد، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارثِ بنِ نوفل، عن عليٍّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- معناه في حديث فيه طُولٌ، وفيه عن عثمانَ إجازةُ ذلك (٤) .
وقال آخرون: ما صادَه الحلالُ للمُحرم أو من أجلِه فلا يجوزُ له أكلُه، وما لم يُصَدْ له ولا من أجلِه فلا بأسَ للمحرم بأكلِه. وهو الصحيحُ عن عثمانَ في هذا الباب (٥) . وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما (٦) ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر. ورُوِي أيضًا عن
ج ١٣ ص ٣٣٥عطاءٍ مثلُ ذلك (١) . وحجةُ مَن ذهب هذا المذهبَ أنه عليه تَصِحُّ الأحاديثُ في هذا الباب، وأنها إذا حُمِلت على ذلك لم تتضادَّ، ولا تدافَعَت، وعلى هذا يجبُ أن تُحمَلَ السُّننُ، ولا يُعارَضَ بعضُها ببعضٍ ما وُجِد إلى استعمالها سبيلٌ. هذا وجهُ النظر في ذلك.
-
وقد رُوِيَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثٌ مثل ذلك:
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عمرو مولى المطلب أخبرَه، عن المطلبِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ حَنْطَب، عن جابر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لحمُ صَيْدِ البَرِّ لكم حلالٌ وأنتم حُرُمٌ، ما لم تَصْطادُوه، أو يُصْطَد لكم" (٣) .
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٥) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا يعقوبُ، عن عمرٍو،
ج ١٣ ص ٣٣٦عن (١) المطلب، عن جابر، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "صَيْدُ البرِّ لكم حلالٌ ما لم تَصيدُوه أو يُصَدْ لكم" . قال حمزة: قال لنا أبو عبد الرحمن: عمرُو بنُ أبي عمرٍو ليس بالقويِّ في الحديث وإن كان مالكٌ قد روَى عنه.
-
واختُلف عن مالكٍ وطائفةٍ من أهل المدينة فيما صِيْدَ لقوم معيَّنينَ من المُحرِمينَ؛ هل يجوزُ أكلُه لغيرِهم من المُحرِمين؟ فقال بعضُهم: لا يجوزُ. وأجازه بعضُهم على (٢) مذهب عثمانَ رضيَ اللَّه عنه. وقد أتيْنا بما (٣) للعلماء في هذه المسألة وأخواتِها من التَّنازُع والمذاهب في كتاب "الاستذكار" (٤) . والحمدُ للَّه.
قال أبو عُمر: وفي حديث أبي قتادةَ أنه لمّا استوى على فرسِه سأل أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطَه أو رُمْحَه فأبَوا. وفي هذا دليلٌ على أنَّ المُحرِمَ إذا أعان الحلالَ على الصيدِ بما قلَّ أو كثُر فقد فعَل ما لا يجوزُ له، وهذا إجماعٌ من العلماء.
-
واختلَفوا في المُحرم يَدُلُّ المُحرِمَ أو الحلالَ على الصيد؛ فأما إذا دلَّ المحرمُ الحلالَ على الصيد؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما: يُكْرَهُ له ذلك، ولا جزاءَ عليه. وهو قولُ ابنِ الماجِشون، وأبي ثَوْر، ولا شيءَ عليه (٥) .
وقال المُزنيُّ (٦) : جائزٌ أن يَدُلُّ المحرمُ الحلالَ على الصيد.
ج ١٣ ص ٣٣٧وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: عليه الجزاء. قال أبو حنيفة: ولو دلَّه في الحَرَم لم يكنْ عليه جزاءٌ (١) .
وقال زُفَر: عليه الجزاء، في الحلِّ دلَّه عليه أو الحَرَم. وبه قال أحمدُ، وإسحاق (٢) . وهو قولُ عليٍّ، وابن عباس، وعَطاء (٣) .
قال أبو عُمر: القولُ الأولُ أقيَسُ وأصَحُّ في النظر.
-
واختلف العلماءُ أيضًا فيما يجبُ على المحرم يَدُلُّ المحرمَ على الصيدِ فيقتُلُه؛ فقال قوم: عليهما كفّارةٌ واحدةٌ. منهم عطاء، وحمادُ بنُ أبي سليمان (٤) .
وقال آخرون: على كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ. رُوِي ذلك عن سعيدِ بنِ جبير، والشَّعبيِّ، والحارثِ العُكْليِّ (٥) . وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٦) .
-
وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ (٧) أنه قال: على كلِّ واحدٍ من القاتل والآمرِ والمشيرِ والدالِّ جزاءٌ (٨) .
وقال الشافعيُّ، وأبو ثور: لا جزاءَ إلا على القاتل وحدَه (٩) .
- ج ١٣ ص ٣٣٨
واختلَفوا في الجماعة يَشتَركون في قتل الصيد؛ فقال مالك: إذا قتَل جماعةٌ محرِمون صيدًا، أو جماعةٌ مُحِلُّون في الحَرَم صيدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كامل (١) . وبه قال الثوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ. وهو قولُ الحسن البصريِّ، والنخَعيِّ، والشَّعْبيِّ (٢) ، وروايةٌ عن عطاء (٣) .
وقال أبو حنيفة (٤) وأصحابُه: إذا قتَل جماعةٌ مُحرِمون صيدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كاملٌ، وإن قتَل جماعةٌ مُحلُّون صيدًا في الحرَم، فعلى جماعتِهم جزاءٌ واحدٌ.
وقال الشافعيُّ (٥) : عليهم كلِّهم جزاءٌ واحدٌ، وسواءٌ كانوا مُحرِمين أو مُحلِّين في الحرَم. وهو قولُ عطاء، والزهريِّ (٦) . وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٧) .
-
ورُوِي عن عمرَ، وعبدِ الرحمن بنِ عوف، أنهما حكَما على رجلَيْن أصابا ظَبْيًا بشاة (٨) .
ج ١٣ ص ٣٣٩قال أبو عُمر: مَن جعَل على كلِّ واحدٍ منهم جزاءً قاسَه على الكفارة في قتْل النفس، لأنّهم لا يختَلِفون في وُجوبِ الكفّارة على جميع القَتَلة خطأً، على كلِّ واحدٍ منهم كفارةٌ كفارةٌ (١) ، ومَن جعَل فيه جزاءً واحدًا قاسَه على الدِّية، ولا يختَلِفون أن مَن قتَل نفسًا خطأً وإن كانوا جماعةً إنما عليهم ديةٌ واحدةٌ يَشتَرِكون فيها.
-
وقد رُوِي عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث أبي قتادةَ هذا ما يَدُلَّ على أن المشيرَ المحرمَ لا يجوزُ له أكلُ ما أشار بقتلِه على الحلال.