سهيل بن أبي صالح

١٩١ فقرة، ج ١٣ ص ٤٥٥

الصفحة ١ من ٥

  1. واسمُ أبي صالح: ذَكْوان (١) ، يقالُ له: السَّمان، ويقال: الزَّيات. وهو مولى جُوَيرِيَة، امرأةٌ من غَطفان؛ قاله مُصعبٌ وغيرُه، ولا خلافَ بينهم في ذلك.

    قال مصعبٌ: كان أبو صالحٍ السَّمانُ قد قَدِم الكوفةَ في تجارة، فرَوى عنه هناك الأعمَشُ، ورَوى عنه ابنُه سُهيل، وتوفِّي أبو صالح بالمدينة سنةَ إحدى ومئة.

    قال أبو عُمر: هو معدودٌ في أهلِ المدينة، ورَوى عنه جماعةٌ من علمائها جِلّةٌ، مثلَ: زيد بنِ أسلمَ ويحيى بن سعيد وعبدِ اللَّه بن دينار، وغيرِهم، وكان أبو هريرة إذا رأى أبا صالح يقول: ما ضرَّ هذا ألّا يكونَ من بني عبدِ مَنافَ؟

    ج ١٣ ص ٤٥٥
  2. وأما ابنُه سُهيل، فروى عنه مالكٌ، والثوري، وموسى بنُ عُقبة، ووُهَيْب، وابنُ عُيينة، والدَّراوَرْدي، وغيرُهم، وهو ثقةٌ فيما نَقَل، إلا أنّ يحيى بنَ مَعِين كان يضعِّفُه (٢) ، ولا حُجّةَ له في ذلك وقد رَوى عنه الأئمةُ واحتجُّوا به، ولا يُلتفتُ إلى قول ابن مَعِين فيه.

  3. وقد رَوى عباسٌ الدُّوري عن ابن مَعِين، قال (٣) : بنو أبي صالح -سُهيل، وعَبّاد، وصالح- كلُّهم ثقة.

  4. وذكر العُقَيليّ (٤) ، عن محمدِ بنِ عيسى، عن محمدِ بنِ عليّ، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل - وقيل له: سهيلُ بنُ أبي صالح كيف حديثُه؟ - فقال: صالح. قيل

    ج ١٣ ص ٤٥٦له: إنَّ يحيى القَطّان يُقدِّمُ محمدَ بنَ عَمْرو على سُهيل؟ فقال: لم يكن له بسُهيلٍ عِلمٌ، وكان قد جالسَ محمدَ بنَ عَمْرو.

    وقال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل (١) : سألتُ أبي عن سُهيلِ بنِ أبي صالح ومحمدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَلقَمة: أيّهما أحبُّ إليك؟ فقال: ما أقربَهُما. ثم قال: سهيلٌ أحبُّ إليّ.

  5. وتوفِّي سهيلٌ في أول خلافة أبي جعفر المنصور.

  6. لمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديث النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عشَرةُ أحاديث، منها: واحدٌ مرسلٌ يتَّصلُ من وجوه، وسائرُ التِّسعة مسندةٌ.

  7. حديثٌ أوّلُ لسُهَيْل بن أبي صالح

    مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا أحَبَّ اللَّهُ العبدَ قال لجبريل: يا جِبريل، قد أحببتُ فلانًا فأحِبَّه. فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبُّوه. فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وإذا أبغَضَ العبدَ" .

    قال مالكٌ: لا أحسَبُه إلا قال في البُغْض مثلَ ذلك.

    ج ١٣ ص ٤٥٧
  8. لم يَختلفِ الرُّواة -فيما علمتُ- عن مالك في هذا الحديث (٢) ، وقد رواه عن سُهَيل جماعةٌ، فبعضُهم لم يشُكُّوا وقطَعوا في البُغْض بمثل ذلك، وممَّن رواه كذلك عن سُهَيل بإسنادِه هذا، وذكَر البُغْضَ من غير شكٍّ: مَعمَر (٣) ، وعبدُ العزيز بنُ المختار، وحمادُ بنُ سَلَمة، قالوا في آخره: "وإذا أبغَضَ" بمثل ذلك، ولم يشُكُّوا. ورواه ابنُ أبي سَلَمة، عن سُهَيل، فلم يذكُرِ البُغضَ أصلًا.

  9. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن

    ج ١٣ ص ٤٥٨عبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمة، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أحَبَّ اللَّهُ عبدًا قال: يا جبريلُ، إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه. فينادي جبريلُ في السماء: إنَّ اللَّهَ يُحبُّ فلانًا فأحِبُّوه. فإذا أحَبَّه أهلُ السماءِ أحَبَّه أهلُ الأرض" (١) .

  10. وقد روَى نافعٌ مولى ابنِ عُمر، عن أبي هريرةَ الحديثَ بمثلِ ذلك، لم يَذكُرِ البُغْض:

    حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبَرنا موسى بنُ عُقبة، عن نافع، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أحَبَّ اللَّهُ العبدَ نادَى جبريلَ عليه السلام: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّه جبريل، ثم ينادي جبريلُ في أهل السماء: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبُّوه. فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرض" (٢) .

  11. وذكر سُنيدٌ (٣) ، عن حَجّاج، عن ابن جُريج، بإسنادِه، مثلَه إلى آخرِه سواء (٤) .

  12. في هذا الحديث من العلم والفقهِ: أنّ اللَّهَ عزَّ وجلّ في السماءِ ليس في الأرض، وأن جبريلَ أقربُ الملائكةِ إليه وأحظاهم عندَه، -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    ج ١٣ ص ٤٥٩
  13. وفيه: أنّ الوُدَّ والمحبةَ بينَ الناس اللَّهُ يَبتَدِئُها ويَبسُطُها، والقرآنُ يَشهَدُ بذلك، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦] . قال المفسِّرون: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس.

  14. ذكر سُنَيدٌ، عن حَجّاج، عن ابنِ جُريج، عن مجاهدٍ - في قوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} - قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس (١) .

    قال: وحدَّثنا عليُّ بنُ هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَم، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: يُحِبُّهم وُيحَبِّبُهم (٢) .

  15. وقال عزَّ وجلَّ فيما يُعدِّدُ من نِعمتِه على موسى نبيِّه ورسولِه وكليمِه عليه السلام: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: ٣٩] .

  16. ذكَر ابنُ أبي شَيْبة (٣) ، عن حسينِ بنِ عليٍّ، عن موسى بن قيس، عن سَلَمةَ بنِ كُهيل: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} ، قال: حبَّبْتُك إلى عبادي.

  17. وذكر سُنَيْدٌ، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أَنَس، قال: إذا أحَبَّ اللَّهُ عبدًا ألقَى له مودّةً في قلوبِ أهلِ السماء، ثم ألقَى له مودةً في قلوبِ أهلِ الأرض.

    ج ١٣ ص ٤٦٠قال: وحدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن هشام، عن حفصةَ بنتِ سيرين، عن ربيعِ بنِ زياد، عن كعب، قال: واللَّهِ ما استَقرَّ لعبدٍ ثناءٌ في أهلِ الدُّنيا حتى يَستَقرَّ له في السماء (١) .

    قال: وحدَّثني شيخٌ، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن ثابت البُنانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنَ رَبَاح، عن كعبٍ، قال: قرأتُ في التوراة: أنه لم تكنْ محبَّةٌ لأحدٍ من أهلِ الأرض إلا كان بَدؤُها من اللَّه، يُنزِلُها على أهلِ السماء، ثم يُنزِلُها على أهلِ الأرض، ثم قرأتُ القرآن، فوجدتُ فيه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (٢) .

  18. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرَّةَ، عن ابن أبي ليلى، قال: كتب أبو الدرداءِ إلى مَسلَمةَ بنِ مَخْلَدٍ، وهو أميرٌ على مصر: أمّا بعدُ، فإنّ العبدَ إذا عمِل بطاعةِ اللَّه أحبَّه اللَّه، فإذا أحبَّه اللَّهُ حبَّبه إلى خلقِه، وإذا عمِل بمعصيةِ اللَّه أبغَضَه اللَّهُ، وإذا أبْغَضَه اللَّهُ بغَّضه إلى خلقِه (٣) .

    ج ١٣ ص ٤٦١قال أبو عُمر: هذا كلامٌ خرجَ على العموم ومعناه الخُصوص، أي: حبَّب أهلَ الطاعة إلى أهلِ الإيمان، وبغَّض إليهم أهلَ النِّفاق والعِصيان، ودليلُ ذلك قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "القلوبُ أجنادٌ مجُنَّدةٌ، ما تعارفَ منها ائتلَف، وما تَناكَرَ منها اختلَف" .

    وقال سعيدُ بنُ أبي عَروبة وشَيْبانُ، عن قتادة، قال: قال هرِمُ بنُ حيّان: ما أقْبَل عبدٌ بقلبِه إلى اللَّه، إلا أقبَل اللَّهُ بقلوبِ أهلِ الإيمان عليه حتى يَرْزُقَه مودتَهم ورحمتَهم (١) .

    وقال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: لا تسألَنَّ أحدًا عن وُدِّه إيّاك، ولكنِ انظُرْ ما في نفسِك له، فإنّ في نفسِه مثلَ ذلك، إنّ الأرواحَ جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارَف منها ائتلَف، وما تناكَر منها اختلَف (٢) .

  19. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلَد، قال: حدَّثنا موسى بنُ يعقوب، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ تطوفُ بالليل، فما تعارَف منها ائتلَف، وما تناكَر منها اختلَف" (٤) .

  20. حديثٌ ثانٍ لسُهيل

    مالكٌ (١) ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رجلًا من أسلمَ قال: ما نِمْتُ الليلةَ، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولِمَ؟ " ، قال: لدَغَتْني عَقربٌ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما إنك لو قلتَ حينَ أمسَيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللَّه التامّاتِ مِن شرِّ ما خلَق، لم يضُرَّك إن شاء اللَّه" .

    ج ١٣ ص ٤٦٢
  21. وروَى ابنُ وَهْب هذا الحديثَ عن مالكٍ بإسنادِه مثلَه، إلا أنه قال في آخرِه: "لم يضُرَّك شيءٌ" (٢) .

    قال ابنُ وَهْب: وحدَّثني سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن الجُمَحيُّ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بنحوِ ذلك. قال: وقال سُهيل: فواللَّه لربّما قلتُها فضربَتْني، فما يمنَعُني ذلك من حضورِ العشاء. قال سعيد: وبلَغني أنه مَن قال حينَ يُمسي: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: ٧٩] . لم تلدَغْه عقربٌ (٣) .

  22. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أيضًا: أن كلامَ اللَّه عزَّ وجلّ غيرُ مخلوق، وعلى ذلك أهلُ السُّنة أجمَعون، وهم أهلُ الحديثِ والرأي في الأحكام، ولو كان كلامُ

    ج ١٣ ص ٤٦٣اللَّه أو كلماتُ اللَّه مخلوقةً ما أمَر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا أن يستعيذَ بمخلوقٍ؛ دليلُ ذلك قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: ٦] .

  23. وفيه: إباحةُ الرُّقَى بكتابِ اللَّه أو ما كان في معناه من ذكر اللَّه، وفي ذلك دليلٌ على إباحةِ المعالجةِ والتطبُّبِ والرُّقَى، وقد مهَّدنا هذا المعنى في بابِ زيدِ بنِ أسلم (١) ، وتكرَّر في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

  24. حديثٌ ثالثٌ لسُهيل بن أبي صالح

    مالكٌ (١) ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا رأيتَ الرجلَ يقول: هلَك الناسُ فهو أهلكُهُم" .

    ج ١٣ ص ٤٦٤
  25. هذا معناه عندَ أهلِ العلم أن يقولَها الرَّجلُ احتقارًا للناس وإزراءً عليهم وإعجابًا بنفْسِه، وأمّا إذا قال ذلك تأسُّفًا وتحزُّنًا وخوفًا عليهم؛ لقَبِيحِ ما يَرى من أعمالِهم، فليس ممّن عُنِيَ بهذا الحديث.

  26. والفرقُ بين الأمرَين: أن يكونَ في الوجه الأول راضيًا عن نفسِه مُعجَبًا بها، حاسدًا لمَنْ فوقَه، محتقِرًا لمَنْ دونَه، ويكونَ في الوجه الثاني ماقتًا لنفسِه، موبِّخًا لها، غيرَ راضٍ عنها.

  27. رَوَيْنا عن أبي الدّرداء رحمه اللَّهُ، أنه قال: لن يَفقهَ الرَّجلُ كلَّ الفقهِ حتّى يمقُتَ الناسَ كلَّهم في ذاتِ اللَّه، ثم يعودَ إلى نفسِه فيكونَ لها أشدَّ مقتًا (٢) .

  28. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرمليُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعة، عن صدقةَ بنِ يزيدَ، عن صالح بنِ خالد، قال: إذا أردتَ أن تعملَ من الخيرِ شيئًا فأنزلِ الناسَ منزلةَ البقر، إلا أنك لا تحقِرُهم (٣) .

    ج ١٣ ص ٤٦٥قال أبو عُمر: معنى هذا، واللَّهُ أعلم، أي: لا تلتمِسْ من أحدٍ فيه شيئًا غيرَ اللَّه، وأخلِصْ عملَك له وحدَه، كما أنك لو اطَّلع عليك البقرُ وأنت تعمَلُه لم ترْجُ منها عليه شيئًا، فكذلك لا ترجو من الآدميِّين. ثم بيَّن لك المعنَى فقال: إلا أنك لا تحْقِرُهم.

  29. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَرير، قال: حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، عن أبي سِنان، عن حَبيبِ بنِ أبي ثابت، عن يحيى بن جَعدةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثٍ ذكَره: "إنما الكِبرُ مَن غَمِصَ الحقَّ، وحقَر النّاسَ" . هكذا قال: "وحقَر النّاسَ" (١) .

  30. وذكر ابنُ المبارك، عن عبدِ اللَّه بنِ مُسْلم بنِ يَسار، عن أبيه، قال: إذا لبِستَ ثوبًا فظنَنت أنكَ في ذلك الثوبِ أفضلُ منك في غيرِه، فبئسَ الثوبُ هو لكَ (٢) .

    وقال مُسلمُ بنُ يسار: كفَى بالمرء من الشرِّ أن يرَى أنه أفضلُ من أخيه.

  31. حديثٌ رابعٌ لسُهيل

    مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن حلَفَ على يمينٍ فرَأى غيرَها خيرًا منها، فلْيُكفِّرْ عن يمينِه، ولْيفعَلِ الذي هو خيرٌ" .

    ج ١٣ ص ٤٦٦
  32. لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في شيءٍ من هذا الحديث (٢) ، ولا اختُلِفَ على سُهَيلٍ في ذلك أيضًا. وقد روَى هذا المعنى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جماعةٌ من أصحابه؛ منهم: عبدُ الرحمن بنُ سَمُرة، وأبو موسى الأشعريُّ، وعَدِيُّ بنُ حاتم (٣) ، وأبو هريرة، إلا أنهم اختُلِفَ عن جميعِهم في هذا الحديث في الكفارةِ قبلَ الحِنْث، أو الحِنْث قبلَ الكفارة: فرُوِيَ عن كلِّ واحدٍ منهم الوجهان جميعًا.

  33. واختَلفَ الفقهاءُ في جوازِ الكفار قبلَ الحِنْثِ -على ما نذكُرُه في هذا الباب بعدَ ذكرِ ما حضَرني من الآثارِ فيه- وأجمَعوا على أنَّ الحِنْثَ قبلَ الكفارةِ مباحٌ حسنٌ جائزٌ، وهو عندَهم أوْلى.

  34. حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم رحمه اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمدٍ العُمَريُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عُمر، عن يونُسَ بنِ عُبيد، عن الحَسَنِ البصريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرةَ، لا تَسَلِ الإمارةَ، فإنَّك إنْ تُعْطَها عن مسألةٍ لا تُعانُ عليها، وإن تُعْطَها عن غيرِ مسألةٍ تُعانُ (١) عليها، وإذا حلَفْتَ على يمينٍ فرأيتَ خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينِك وائْتِ الذي هو خيرٌ منها" (٢) . فهذا على مثلِ ما في حديثِ سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ جوازِ تقديم الكفارةِ على الحِنْث.

    ج ١٣ ص ٤٦٧
  35. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرِ بنِ إبراهيمَ الزيّاتُ أبو أحمد، قال: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا

    ج ١٣ ص ٤٦٨هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ ومنصورٌ وحميدٌ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرةَ القُرشيِّ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرة، إذا آليتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فائْتِ الذي هو خيرٌ, وكفِّرْ عن يمينِك" . قال: "ولا تسألنَّ الإمارة، فإنَّك إنْ أُعطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها - أو: وُكِلْتَ فيها إلى نفسِك- وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعنتَ عليها" (١) .

  36. ففي هذا الحديثِ عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرةَ خلافُ ما تقدَّمَ، وأظنُّ ذلك -واللَّهُ أعلمُ- لأنَّ الحديثَ الأولَ من روايةِ أهلِ المدينةِ عن أهلِ البصرة، فجاؤوا به على مذهبِهم في ذلك، والحديثَ الثانيَ من روايةِ أهلِ البصرةِ بعضِهم عن بعض، فجاؤوا به على مذهبِهم أيضًا، وروايةُ أهلِ المدينةِ في هذا أثبتُ وأكثرُ، وما أظنُّ حديثَ هُشَيم هذا إلا وهمًا؛ لأنَّ عُبيدَ اللَّه بنَ عُمرَ أثبتُ منه.

  37. وقد روَى حمادُ بنُ سلَمةَ عن يونُس، عن الحسنِ، خلافَ ما رواه هُشَيمٌ عن يونسَ، وروايةُ حمادِ بنِ سلمةَ توافقُ روايةَ عبيدِ اللَّه بنِ عُمر:

    وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يونسَ وحميدٍ وثابتٍ وحبيبٍ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، أنَّ

    ج ١٣ ص ٤٦٩النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يا عبدَ الرحمن بنَ سَمُرة، إذا حلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فكفِّرْ عن يمينِك، وائْتِ الذي هو خيرٌ" (١) .

  38. فهؤلاء كلُّهم على تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْث، وكذلك رواه قتادةُ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة؛ ذكَره أبو داود (٢) ، عن يحيى بنِ خلَف، عن عبدِ الأعلى، عن سعيد، عن قتادة.

  39. وكذلك رواه سليمانُ التَّيْميُّ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بن سَمُرة، حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ (٣) ، قال: حدَّثنا أُميّةُ بنُ بِسطام، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ أبي (٤) .

  40. وكذلك رواه قُرَّةُ بنُ خالد، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، حدَّثناه عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا قُرَّةُ (٥) .