مالك عن أبي بكر بن نافع حديثان

٣٤ فقرة، ج ١٦ ص ٣٠

  1. وهو أبو بكرِ بنُ نافع (١) ، مولى عبدِ الله بنِ عُمر، وقد تقدَّمَ ذِكْرُ أبيه نافع في موضِعِه من هذا الكتاب بما يُغني عن ذِكْره ها هنا.

    ج ١٦ ص ٣٠
  2. ولنافع هذا بنونٌ ثلاثة: أبو بكرِ بنُ نافع، وهو أوثَقُهم وأجَلُّهم، وعُمرُ بنُ نافع، وعبدُ الله بنُ نافع، وتوفِّي أبو بكرِ بنُ نافع سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئة، ولا يُوقَفُ على اسْمِه.

  3. حديثٌ أول لأبي بكرِ بنِ نافع

    مالكٌ (١) ، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه نافع، عن عبدِ الله بنِ عُمر: أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر بإحفاءِ الشَّواربِ وإعفاءِ اللِّحَى.

    ج ١٦ ص ٣١
  4. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر. وكذلك رواه جماعةُ الرُّواة عنه (٢) ، إلا أن بعضَ رُواةِ ابنِ بُكيرٍ رواه عن ابنِ بُكير (٣) ، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر. وكذلك بعضُ رُواةِ ابنِ وَهْبٍ أيضًا رواه عن ابنِ وَهْب، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر. وهذا لا يصِحُّ عندَ أهلِ العلم بحديثِ مالك، وإنما هذا الحديثُ لمالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر. هذا هو الصحيحُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث، كما رواه يحيى وسائرُ الرُّواةِ عن مالك.

  5. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٤) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ،

    ج ١٦ ص ٣٢قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مالكٌ وعبدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أحْفُوا الشوارب، وأعْفُوا اللِّحَى" (١) .

  6. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى ورَوْحُ بنُ عُبادة وعبدُ الله بنُ نافع، قالوا: حدَّثنا مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَر بإحفاءِ الشواربِ وإعفاءِ اللِّحَى (٢) .

  7. وحدَّثنا سعيدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا عَبدةُ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "انهَكوا الشَّواربَ، وأعفوا اللِّحى" .

  8. وأما قوله: "أمَر بإحفاءِ الشَّوارب" (٤) فقال أهلُ اللغة؛ أبو عُبيدٍ والأخفشُ وجماعة: الإحفاءُ: الاستئصالُ، والإعفاءُ تركُ الشَّعَرِ لا يَحلِقُه. وإلى هذا ذهَبت

    ج ١٦ ص ٣٣طائفةٌ من علماءِ المسلمين وفقهائِهم من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وغيرِهم (١) .

  9. ورُوِي عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وأبي أُسَيدٍ الساعديِّ، ورافع بنِ خَديج، وسَهْلِ (٢) بنِ سَعْد، وعبدِ الله بنِ عُمر، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وأبي هُريرة، أنهم كانوا يُحفُون شواربَهم (٣) . وكان عبدُ الله بنُ عُمرَ يَحلِقُه حتى يبدوَ الجِلْد (٤) .

  10. وكان أحمدُ بنُ حنبل يُحفي شاربَه إحفاءً شديدًا ويَحلِقُه حتى يبدوَ جِلْدُه، ويقول: السُّنةُ الإحفاءُ كما قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. حكَى ذلك عنه الأثرمُ (٥) وغيرُه.

  11. ولم يختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابه أنَّ الذي يُحفَى من الشاربِ هو الإطار، وهو طرَفُ الشَّفَةِ العُليا، وأصلُ الإطارِ جوانبُ الفَمِ المُحدِقةُ به مع طرفِ الشّاربِ المُحدِقِ بالفم، وكلُّ شيءٍ يُطيفُ بشيءٍ ويُحدِقُ به فهو إطارُه. وحجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "خمسٌ من الفطرة" . فذكَر منهن قصَّ الشّارب، فقوله: "قصُّ الشّارب" . يُفسِّرُ قولَه: إحفاءُ الشَّوارب (٦) ، واللهُ أعلم.

  12. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شُعيبُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ صُهيب، عن حَبيبِ بنِ يسار، عن زيدِ بنِ أرقم، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن لم يأخُذْ من شاربِه فليس منا" (١) .

    ج ١٦ ص ٣٤
  13. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عوف (٣) ، قال: حدَّثنا جُنادةُ بنُ مَرْوانَ الأزديُّ، عن حَريزِ بنِ عثمان، عن عبدِ الله بنِ بُسْرٍ، قال: كان شاربُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بحيالِ شَفَتِه (٤) .

  14. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٥) ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا

    ج ١٦ ص ٣٥مِسْعرٌ، عن جامع بنِ شدّاد أبي صخرة، عن المغيرةِ بنِ عبدِ الله الثقفيِّ، عن المغيرةِ بنِ شُعبة، قال: ضِفْتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ ليلةٍ فأمَر لي بجَنْبٍ فشُوِي، وأخَذ من شاربي على سِواك.

  15. وأما قولُه: "وإعفاءِ اللِّحَى" ، فقال أبو عُبيد (١) : يعني: تُوفَّرُ وتُكَثَّرُ، يقال منه: عَفَا الشَّعَرُ: إذا كثُر، فهو عاف، وقد عفوتُه وأعفيتُه، لغتان، قال الله: {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: ٩٥] ؛ يعني: كثُروا، وهذه اللفظةُ مُتصرِّفةٌ، يقالُ في غيرِ هذا: عفا الشيء: إذا درَس وامَّحَى. قال لَبيدٌ (٢) :

    عفَتِ الديارُ مَحَلُّها فمُقامُها

    هذا كلُّه قولُ أبي عُبيد.

    وقال ابنُ الأنباريّ (٣) : يقال: عفا الشيءُ يعْفُو عفْوًا: إذا كثُر، وقد عفَوتُه أعْفُوه، وأعفَيتُه أُعفِيْه إعفاءً: إذا كثَّرتُه، وعفا القوم: إذا كثُروا، وعفَوا: إذا قلُّوا، وهو من الأضداد، والعافي: الطالبُ، والعافي عن الجُرم، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور: ٢٢] .

    ج ١٦ ص ٣٦قال أبو عُمر: أما اللغة في: "أُعْفُوا" . فمُحتمِلةٌ للشيءِ وضدِّه كما قال أهلُ اللغة.

  16. واختلَف أهلُ العلم في الأخذِ من اللِّحية؛ فكرِهَ ذلك قومٌ وأجازَهُ آخرون.

  17. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (١) ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أصبغُ (٢) ، عن ابنِ القاسم، قال: سمِعتُ مالكًا يقول: لا بأسَ أن يؤخَذَ ما تطايَر من اللحيةِ وشذَّ. قال: فقيل لمالك: فإذا طالت جدًّا، فإن من اللِّحى ما تطولُ؟ قال: أرى أن يؤخَذَ منها وتُقصَّرَ.

  18. وقد روَى سُفيانُ، عن ابنِ عَجْلان، عن نافع، عن ابنِ عُمر: أنه كان يُعفي لحيتَه إلا في حجٍّ أو عُمرة (٣) .

  19. وذكَر الساجيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا بُندارٌ وابنُ المثنّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر: أنه كان إذا قصَّر من لحيتِه في حجٍّ أو عُمْرة، كان يَقبِضُ عليها ويأخُذُ من طرَفِها ما خرَج من القبضة (٥) .

    ج ١٦ ص ٣٧قال أبو عُمر: هذا ابنُ عُمرَ روَى: "أعفُوا اللِّحى" . وفهِمَ المعنى، فكان يفعَلُ ما وصَفْنا. وقال به جماعةٌ من العلماءِ في الحجِّ وغيرِ الحجِّ.

  20. وروَى ابنُ وَهْب، قال (١) : أخبَرني أبو صَخْر، عن محمدِ بنِ كَعْب في قوله: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: ٢٩] . قال: رمْيُ الجِمار، وذبْحُ الذبيحة، وحَلْقُ الرأس، والأخذُ من الشاربِ واللِّحيةِ والأظفار، والطوافُ بالبيتِ وبالصفا والمروة.

  21. وكان قتادةُ يكرَهُ أن يأخُذَ من لحيتِه إلا في حجٍّ أو عُمْرة، وكان يأخُذُ من عارضَيْه.

  22. وكان الحسنُ يأخُذُ من طولِ لحيتِه (٢) .

  23. وكان ابنُ سيرينَ لا يَرى بذلك بأسًا (٣) .

  24. وروَى الثوريُّ، عن منصور، عن عطاء، أنه كان يُعفي لحيتَه إلا في حجٍّ أو عُمْرة. قال منصور: فذكَرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا يأخُذون من جوانبِ اللِّحية (٤) (٥) .

  25. حديثٌ ثانٍ لأبي بكرِ بنِ نافع

    مالكٌ (١) ، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه نافع مولى ابنِ عُمر، عن صَفِيةَ بنتِ أبي عُبيد، أنها أخبَرتْه عن أُمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّها قالت حينَ ذُكِر الإزار: فالمرأةُ يا رسولَ الله؟ قال: "تُرْخِيه شِبْرًا" . قالت أُمُّ سَلَمة: إذنْ ينكشِفُ عنها. قال: "فذِراعًا لا تزيدُ عليه" .

    ج ١٦ ص ٣٨
  26. هكذا رواه مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن صَفِيّة، عن أمِّ سَلَمة (٢) .

  27. وغيرُه يَرويه عن نافع، عن سُليمانَ بنِ يسار، عن أمِّ سَلَمة؛ ورواه ابنُ عَجْلان، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن أمِّ سَلَمة.

  28. فأما حديثُ ابنِ عَجْلان، فحدَّثناه عبدُ الرّحمنِ بنُ مَرْوان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ داود، قال: حدَّثنا عافيةُ بنُ محمدِ بنِ عُثمانَ الإمام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن محمدِ بنِ عَجْلان، أنَّه سمِع نافعًا يُخبِرُ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ أمَّ سَلَمةَ زوجَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- كلَّمت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في ذُيول النساءِ حينَ نهى عن جرِّ الثوب، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تُرْخِيه شِبرًا" . فقالت: إذن تنكشِفُ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فذراعًا لا تَزيدُ عليه" (٣) .

  29. وهذا الإسنادُ عندي خطأ. ورواه محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع، عن صَفِيّة، عن أمِّ سَلَمةَ بمثلِ إسنادِ مالك.

    ج ١٦ ص ٣٩
  30. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ إسحاق. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١) : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ويعلَى بنُ عُبيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع، عن صَفِيةَ بنتِ أبي عُبيد، عن أُمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قالت: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ذَيلُ النِّساءِ شِبرٌ" . قلت: يا رسولَ الله، إذا تخرُجُ أقدامُهن. قال: "فذِراعٌ لا يَزدْنَ عليه" .

  31. وهذا هو الصوابُ عندَنا في هذا الإسنادِ كما قال مالك، واللهُ أعلم.

  32. وقد مضَى في حديثِ العلاءِ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقَيْه، لا جُناحَ عليه فيما بينَه وبينَ الكَعْبين، ما أسفلَ من ذلك ففي النار" (٢) . ومضى القولُ في معنى هذا الحديثِ هناك، والحمدُ لله.

  33. وحديثُ هذا الباب يُفسِّرُ معنى حديثِ أمِّ سَلَمةَ حينَ قالت لها المرأة: إنِّي أُطيلُ ذَيلي وأمشي في المكانِ القذِر (١) ؛ ففي هذا الحديثِ بيانُ طولِ ذيولِ النساء، وأن ذلك لا يزيدُ على شبرٍ أو ذراعٍ في أقصى ذلك، فقِفْ عليه، فهو أصلُ هذا الباب، وفي ذلك دليلٌ على أن ظهرَ قدم المرأةِ عورةٌ لا يجوزُ كشْفُه في الصلاة، خلافَ قولِ أبي حنيفة. وقد ذكَرنا ما من الرجُلِ عورةٌ، وما من المرأةِ عورةٌ، في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيد، من هذا الكتاب (٢) .

    ج ١٦ ص ٤٠
  34. وجَرُّ ذيلِ الحُرَّةِ معروفٌ في السُّنة، مشهورٌ عندَ الأُمة، ألا تَرى إلى قولِ عبدِ الرّحمنِ بنِ حسّانَ بنِ ثابتٍ في أبياتٍ له (٣) :

    كُتِب القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى المُحْصناتِ جرُّ الذُّيولِ