٤٠

٤ فقرات، ج ١٦ ص ٣١٢

  1. مالكٌ (١) ، أنَّه بلَغه أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دخَل على أمِّ سَلَمةَ وهيَ حادٌّ على أبي سَلَمة، وقد جعَلت على عينَيْها صَبِرًا (٢) ، فقال: "ما هذا يا أُمَّ سَلَمة؟ " . قالت: إنما هو صَبِرٌ يا رسولَ الله. قال: "فاجْعَليه بالليل وامسَحِيه بالنهار" .

    ج ١٦ ص ٣١٢
  2. وهذا الحديثُ معروفٌ عن أمِّ سَلَمةَ من حديثِ بُكيرِ بنِ الأشجِّ، وهو حديثٌ فيه طولٌ، اختصَره مالكٌ وأرسَله.

  3. حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قالا جميعًا: أخبَرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ، عن أبيه، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ الضَّحاكِ يقول: أخبَرتْني أمُّ حكيم ابنةُ أسيد، عن أمِّها، أنّ زوجَها تُوفِّي

    ج ١٦ ص ٣١٣وكانت تشتكي عينَيْها فتكتحِلُ بكُحْل الجِلاء، فأرسَلت مولاةً لها إلى أُمِّ سَلَمةَ فسألتْها عن كُحلِ الجِلاء (١) ، فقالت: لا تكتحِلي به إلا من أمرٍ لا بدَّ منه يشتَدُّ عليك، فتكتحلي بالليل وتمْسَحيه بالنهار. ثم قالت عندَ ذلك أُمُّ سَلَمة: دخَل عليَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حين تُوفِّي أبو سَلَمةَ وقد جعَلتُ على عينيَّ صَبِرًا فقال: "ما هذا يا أُمَّ سَلَمة؟ " . قالت: قلت: إنما هو صَبِرٌ يا رسولَ الله ليس فيه طيب. قال: "إنه يَشُبُّ الوجهَ، فلا تجعَليه إلا بالليل، وتَنزِعينه بالنهار، ولا تمْتَشِطي بالطِّيبِ ولا بالحِنّاء، فإنه خِضَابٌ" . قالت: قلت: فبأيِّ شيءٍ أمتشِطُ يا رسولَ الله؟ قال: "بالسِّدْرِ تُغَلِّفين به رأسَكِ" .

    قال أبو عُمر: في حديثِ أمِّ سَلَمةَ هذا دليلٌ على أنَّ المرأةَ المُحِدَّ لا تكتَحِلُ بشيءٍ يُزَيِّنُها ويَشُبُّها، فإن اضطُرَّتْ إلى شيءٍ من ذلك جعَلتْه ليلًا ومسَحتْهُ بالنهار. وكلّ ما جاء عن أمِّ سَلَمةَ من الحديث في النّهْي عن اكتحالِ المرأةِ المُحِدِّ، فهذا يُفسِّرُه ويقضي عليه، وعليه فتوى الفقهاء؛ قال مالك: لا تكتحِلُ المرأةُ الحادُّ إلا أن تُضطرَّ، فإن اضطُرَّتْ فتكْتَحِلُ بالليل وتمسَحُه بالنهار، ويكونُ الكُحْلُ بغيرِ طِيب (٢) ، ولا تكتحِلُ بالإثْمِد.

    ج ١٦ ص ٣١٤قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على أنَّ ذلك الكحلَ فيه شيءٌ من الزينة، ولهذا مُنِعت منه بالنهارِ مع اضطرارِها إليه، وأُبيحَ لها بالليل؛ لأنَّ الليلَ خلافُ النهارِ في رؤيةِ الناس لها. وقولُ الشافعيِّ في هذا كقولِ مالك، قال الشافعيُّ (١) : لا تكتحِلُ بكُحْلٍ فيه زينةٌ، فإن اضطُرَّتْ إلى كُحلِ زينةٍ اكتحَلتْ بالليل ومسَحتْه بالنهار.

    وقال أبو حنيفة: إذا اشتكَتْ عينَيْها اكتحَلتْ بالكُحلِ الأسودِ وغيرِه (٢) .

    وقال أحمدُ، وإسحاق (٣) : لا تَختضِبُ ولا تكتحِلُ.

  4. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا زُهيرُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكير، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهمان، قال: حدَّثني بُدَيلٌ، عن الحسنِ بنِ مُسلم، عن صَفِيةَ بنتِ شَيْبة،

    ج ١٦ ص ٣١٥عن أمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ المتوفَّى عنها زوجُها لا تَلبسُ المُعَصْفَرَ من الثياب، ولا الممَشَّقة (١) ، ولا الحَلْيَ، ولا تَختضِبُ، ولا تَكتحِلُ" .

    قال أبو عُمر: وهذا على التزيُّن بالكُحْل، وأمّا على الاضطرار، فهو معنًى آخرُ بالليل خاصة، وقد ذكَرنا في كُحلِ المرأةِ المُحِدِّ وسائرِ ما تَجتنِبُه في عدَّتِها، وما للعلماءِ في ذلك من المذاهبِ مُمَهَّدًا مَبْسوطًا مُوعَبًا في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر (٢) ، والحمدُ لله، وبه التوفيق.