باب بلاغات مالك ومرسلاته

١٤٥ فقرة، ج ١٦ ص ٥٣

الصفحة ١ من ٤

  1. بابُ بلاغاتِ مالكٍ ومُرسلاتِه ممّا بلَغَهُ عن الرِّجال الثِّقات، وما أرسلَهُ عن نفْسِه في موطّئه، ورفعَهُ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وذلك أحدٌ وستُّون حديثًا

    حديثٌ أولُ منَ البلاغات

    مالكٌ (١) ، عن الثقةِ عندَه، عن سُليمانَ بنِ يسار، وعن بُسرِ بنِ سعيد، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيما سقَتِ السماءُ والعُيونُ والبَعْلُ العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْح نِصْفُ العُشْر" .

    ج ١٦ ص ٥٣
  2. وهذا الحديث يتّصِلُ من وُجوهٍ صِحاح ثابتةٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من حديثِ ابنِ عُمر، وجابر، ومُعاذ.

  3. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٣) . وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب (٥) ، قالا: أخبَرنا هارونُ بنُ سعيدِ بنِ الهيثم أبو جعفرٍ الأيليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن سالم بنِ

    ج ١٦ ص ٥٤عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فيما سقَتِ السَّماءُ والأنهارُ والعُيونُ أو كان بَعْلًا العُشْرُ، وما سُقِيَ بالسَّواني أو النَّضْح نِصْفُ العُشْر" .

  4. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمة، قال: حدَّثنا بُهلولُ بنُ راشد، عن يونس، عن ابنِ شهاب، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عُمر، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فرضَ فيما سقَتِ السماءُ والأنهارُ والعُيونُ، إذا كان عَثَرِيًّا يُسقَى بالماء، العُشْرَ، وما سُقِيَ بالناضح نِصْفَ العُشْر (٢) .

  5. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢) : أخبَرنا عَمْرُو بنُ سَوادِ بنِ الأسودِ بنِ عَمْرو وأحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْح أبو الطاهر والحارثُ بنُ مِسْكين، قراءةً عليه وأنا أسمَعُ، عن ابنِ وَهْب، قال: أخبَرنا عَمْرُو بنُ الحارث، أنّ أبا الزُّبير حدَّثه، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيما سقَتِ الأنهارُ والعُيونُ العُشرُ، وفيما سُقِيَ بالسانيةِ نِصْفُ العُشْر" .

    ج ١٦ ص ٥٥
  6. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبَرنا عَمْرُو بنُ الحارث، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيما سقَتِ الأنهارُ والعُيونُ العُشرُ، وما سُقِيَ بالسَّواني ففيه نِصفُ العُشْرِ" .

  7. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

    ج ١٦ ص ٥٦أحمدُ بنُ زُهير (١) ومحمدُ بنُ سُليمانَ المِنْقَريُّ، قالا: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزة، عن سُليمانَ بنِ داود، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كتَب: "وما سقَتِ السماءُ وكان سَيْحًا، أو كان بَعْلًا، ففيه العُشْرُ إذا بلَغ خمسةَ أوسُق، وما سُقِيَ بالرِّشاءِ والدَّاليةِ ففيه نِصفُ العُشْرِ إذا بلَغ خمسةَ أوسُق" (٢) .

  8. وأخبَرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (٣) ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا

    ج ١٦ ص ٥٧محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو البزّار، قال (١) : حدَّثنا رجاءُ بنُ محمدٍ السَّقَطيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عامر، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قتادة، عن أنس، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سنَّ فيما سقَتِ السماءُ والعُيونُ العُشْرَ، وما سُقِيَ بالنواضِح فنِصْفُ العُشْر. انفرَد به همّامٌ، وغيرُه يَرويه عن قتادة، عن أبي الخليل (٢) .

  9. وأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤) : أخبَرنا هنّادُ بنُ السَّريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عيّاش، عن

    ج ١٦ ص ٥٨عاصم، عن أبي وائل، عن معاذٍ قال: بَعثني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، فأمَرني أن آخُذَ مما سقَتِ السماءُ العُشْرَ، وما سُقِيَ بالدَّوالي نِصْفَ العُشْر.

    قال أبو عُمر: هكذا قال، أبو وائل، عن معاذ، وإنما هو أبو وائل، عن مسروق، عن معاذ (١) .

  10. وأخبَرنا محمدُ بنُ عُمْروس، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُلاعب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ المدينيِّ، قال: سمِعتُ أبي يقول: حدَّثنا عاصمُ بنُ عبدِ العزيز الأشجعيُّ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ عبدِ الرّحمن بنِ أبي ذُباب، عن سُليمانَ بنِ يسارٍ وبُسرِ بنِ سعيد، عن أبي هُريرة، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيما سقَتِ السماءُ العُشْرُ، وفيما سقِيَ بالنَّضْح نِصْفُ العُشْرِ" (٢) .

    قال عاصم (٣) : وحدَّثنيه مالك، قال: أُخبِرتُ عن سُليمانَ بنِ يسارٍ وبُسرِ بنِ

    ج ١٦ ص ٥٩سعيد، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. لم يذكُرْ أبا هُريرة، وسألتُ الحارثَ بنَ عبدِ الرّحمن، فقال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيِّب وبُسرُ بنُ سعيد، عن أبي هُريرة.

    قال محمدُ بنُ عليّ: قال أبي: وأظُنُّ مالكًا ترَك حديثَ ابنِ أبي ذُباب ولم يَضعْه في كتبِه، وما رأيتُ في كتبِ مالكٍ عنه شيئًا.

    قال أحمدُ بنُ مُلاعب: كذا قال ابنُ عليِّ بنِ المدينيِّ في آخرِه: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيِّب. وفي أوله: سُليمانُ بنُ يسار. وسألتُه عنه فقال: نعم، هو هكذا.

  11. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١) : حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيّاش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذٍ، قال: بعَثني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليَمَن، وأمَرني أن آخُذَ مما سقَتِ السماءُ أو سُقِيَ بَعْلًا العُشْرَ، وبالدَّوالي نِصْفَ العُشْر.

    ج ١٦ ص ٦٠قال أبو عُمر: قال النَّضْرُ بنُ شُمَيل: البَعْلُ: ماءُ المَطَر. وقال يحيى بنُ آدم (١) : البَعْلُ ما كان من الكُروم والنخلِ تَذْهبُ عُرُوقُه في الأرضِ إلى الماء، ولا يحتاجُ إلى السَّقْيِ الخمسَ سنينَ والسِّتَّ، تحتمِلُ تَرْكَ السَّقْي. قال: والعَثَرِيُّ ما يُزرَعُ على السَّحاب، ويقالُ له: العَثيرُ. لأنه يُزرَعُ على السَّحاب، ولا يُسقَى إلا بالمطرِ خاصّة، ليس يُسقَى بغيرِ ماءِ المطر.

    قال يحيى: وفيه جاء الحديث: "ما سُقِيَ عَثَرِيًّا أو غَيْلًا" . قال يحيى: والغَيْلُ سَيْلٌ دونَ السيلِ الكثير. قال: والسيلُ ماءُ الوادي إذا سال، وما كان دونَ السيلِ الكثيرِ فهو غَيلٌ، وقيل: الغَيلُ الماءُ الصافي دونَ السيلِ الكثير.

    وقال ابنُ السِّكِّيت (٢) : الغَيلُ الماءُ الجاري على الأرض.

  12. وأمّا النَّضْحُ والناضح: فهي بقرُ السَّواني (٣) ، والرِّشاء: حبلُ البئرِ والدَّلْو، والدَّاليةُ الخطّارةُ عندَنا، والغَرْبُ الدَّلوُ. وقد جاء في الحديث: "ما سُقِيَ بالغَرْب" . "أو كان عَثَرِيًّا" ، "أو سُقِيَ نَضحًا" . "أو سَيْحًا" . "أو سُقِيَ بالرِّشاء" . وهذه الأحاديثُ كلُّها بمعنًى واحد، وأجمَع العلماءُ على القولِ بظاهرِها في المقدارِ المأخوذِ في الشيءِ المزكَّي من الزَّرْع، وذلك العُشْرُ في البَعْلِ كلِّه من الحُبوبِ والثمارِ التي تجبُ فيها الزكاةُ عندَهم، كلٌّ على أصلِه، على حَسَبِ ما قدَّمنا عنهم

    ج ١٦ ص ٦١في بابِ عَمْرِو بنِ يحيى من هذا الكتاب (١) ، وكذلك ما سقَتِ العُيونُ والأنهارُ؛ لأنَّ المؤُونةَ فيه قليلةٌ، واتِّباعًا للسُّنة، وأما ما سُقِيَ بالدَّوالي والسَّواني فنِصْفُ العُشرِ فيما تجبُ فيه الزكاةُ عندَهم، هذا ما لا خلافَ فيه بينَهم.

  13. واختلَفوا في معنًى آخرَ من هذا الحديث؛ فقالت طائفة: هذا الحديثُ يوجبُ العُشْرَ في كلِّ ما زرَعه الآدميُّون من الحُبوبِ والبُقُول، وكلِّ ما أنبتَتْهُ أشجارُهم من الثمراتِ كلِّها، قليلُ ذلك وكثيرُه يؤخَذُ منه العُشرُ أو نِصْفُ العُشْر -على حَسَبِ ما ذكَرْنا- عندَ جَدادِه وحَصادِه وقِطافِه، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] . يُريدُ العُشْرَ أو نصفَ العُشر. وممن ذهَب إلى هذا أبو حنيفة، وزُفَرُ (٢) ، فقالا: في قليل ما تُخرِجُه الأرضُ وكثيرِه العُشْرُ، أو نصفُ العُشْرِ إن سُقِيَ بالدَّاليةِ والسانية، إلا الحطَبَ والقصبَ والحشيش. وقال أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسن (٣) : لا شيءَ فيما تُخرجُه الأرضُ إلا فيما كان له ثمرةٌ باقيةٌ، ثم تَجِبُ فيما يَبلُغُ خمسةَ أوسُق، ولا يجبُ فيما دونَه.

  14. وذكَر عبدُ الرزاق (٤) ، عن مَعْمَر، عن سِمَاكِ بنِ الفَضْل، قال: كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أن يؤخَذَ مما أنبتَتِ الأرضُ من قليلٍ أو كثيرٍ العُشْرُ.

    وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف (٥) : إذا بلَغ الزَّعْفرانُ خمسةَ أوسُقٍ أُخِذ منه العُشْرُ.

  15. واعتبَر مالكٌ، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، والشافعيُّ، والليثُ، خمسةَ أوسُقٍ وقالوا: لا زكاةَ فيما دونها. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل، وإسحاقَ بنِ راهُوية، وأبي ثور، وابنِ المبارك، وجمهورِ أهلِ الرأي والحديث (١) .

    ج ١٦ ص ٦٢
  16. واختلَفوا في الحبوبِ والثمارِ التي تجبُ فيها الزكاةُ، وقد ذكَرنا أقاويلَهم في ذلك في باب عَمْرِو بنِ يحيى (٢) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

  17. وقال داودُ بنُ عليٍّ (٣) في هذا الباب قولًا؛ بعضُه كقولِ أبي حنيفةَ ومَن تابَعه، وبعضُه كقول سائرِ الفقهاء؛ قال: أما ما يؤكَلُ أو يُشرَبُ ممّا يُكالُ أو يزرَعُه الآدميُّون من الحبوبِ كلِّها والثمار، فلا زكاةَ فيه حتى يبلُغَ خمسةَ أوسُق، وأمّا ما لا يُكالُ ولا يُضبَطُ بكَيلٍ مما يُنبِتُه الناسُ، ففي قليلِه وكثيرِه العُشْرُ، أو نَصْفُ العُشْر، على حَسَبِ ما يُسقَى به.

    قال أبو عُمر: أما قولُه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: "فيما سقَتِ السماءُ والأنهارُ والعيونُ العُشرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْر" . فمعناه عندَ جماعةِ أهل الحجازِ وجمهورِ أهلِ العراق: إذا بلَغ المقدارُ خمسةَ أوسُق، وكان ممّا تجبُ فيه الزكاةُ من الثمارِ والحبوب، فحينئذٍ يجب فيه العُشْرُ أو نِصْفُ العُشْر، ولا فرقَ بينَ أن يرِدَ هذا في حديثينِ أو في حديثٍ واحد. ويدُلُّ على صحةِ هذا المذهب مع استفاضَتِه في أهلِ العلم، أنه لم يأتِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أحدٍ من أصحابِه، ولا من التابعينَ بالمدينة،

    ج ١٦ ص ٦٣أنه أخَذ الصدقةَ من الخُضَر والبُقول، وكانت عندَهم موجودة، فدلَّ على أن ذلك معفوٌّ عنه، كما عُفِيَ عن الدُّورِ والدوابِّ؛ لأنَّ الأصلَ العفْوُ، والوجوبُ طارئٌ عليه.

  18. ذكر عبدُ الرزاق (١) ، عن قيسِ بنِ الربيع، عن أبي إسحاق، عن عاصم بنِ ضمرة، عن عليٍّ قال: ليس في الخُضَرِ صدقة.

  19. وعن إبراهيمَ بنِ طَهمان، عن منصور، عن مجاهدٍ، قال: ليس في الخُضَرِ زكاةٌ.

    قال منصور: فذكَرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: صدَق (٢) .

    وقال موسى بنُ طَلْحة: لم يأخُذْ مُعاذُ بنُ جَبَل من الخُضَرِ شيئًا، وقال: أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس في الخضراوات زكاةٌ" (٣) .

  20. ومما يدُلُّ أيضًا على وَهْيِ مذهبِ مَن أوجَب الزكاةَ في الخُضر، أنَّ الزكاةَ إنما تجبُ في العينِ المُزكّاةِ بجزءٍ من أجزائها، وأكثرُ الذين أوجَبوا الزكاةَ في البقولِ أوجَبُوها في قيمتِها، ولا أصلَ لأخذِ القيمةِ في الزكاة.

  21. ذكر مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، قال في الخُضَرِ والفاكهة: إذا بلَغ ثمنُها مئتي درهم ففيها خمسةُ دراهم. قال: والزيتونُ يُكالُ ففيه العُشْرُ، وإن سُقِيَ بالرِّشاءِ ففيه نِصْفُ العُشْر (٤) .

    ج ١٦ ص ٦٤قال مَعْمَرٌ: وكان في زمنِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ يُؤخَذُ من الوَرْسِ العُشْر.

  22. واختلَف الفقهاءُ فيما سُقِيَ مرَّةً بماءِ السماءِ والنهَر، ومرَّةً بدالية:

    فقال مالكٌ: يُنظَرُ إلى ما تمَّ به الزرعُ فيُزكَّى عليه العُشْرُ أو نِصْفُ العُشْر، فأيُّ ذلك كان أكثرَ سَقْيِه زُكِّيَ عليه. هذه روايةُ ابنِ القاسم عنه (١) .

  23. وروَى ابنُ وَهْب (٢) عن مالك: إذا سُقِيَ نِصْفَ سنةٍ بالعيونِ ثم انقطَعتْ، فسُقِيَ بقيةَ السنةِ بالناضح، فإن عليه نِصْفَ زكاتِه عُشرًا، والنصفَ الآخرَ نِصْفَ العُشْر. وقال مرةً أخرى: زكاتُه بالذي تمَّت به حياتُه.

    وقال الشافعيُّ: يُزكَّى كلُّ واحدٍ منهما بحسابه، وبهذا كان يُفتي بكّارُ بنُ قُتيبة (٣) ، وهو حَنَفيٌّ، وهو قولُ يحيى بنِ آدم (٤) .

    وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: يُنظَرُ إلى الأغلَبِ فيُزكَّى به ولا يُلتَفتُ إلى ما سِوى ذلك.

    قال الطحاويُّ (٥) : قدِ اتّفقَ الجميعُ على أنه لو سقاهُ بماءِ المطرِ يومًا أو يومينِ أنه لا اعتبارَ به، ولا يجعَلُ لذلك حِصّةً، فدلّ على أنّ الاعتبارَ بالأغلَب.

  24. حديثٌ ثانٍ منَ البلاغاتِ عنِ الثِّقات

    مالكٌ (١) ، أنه بلَغه عن بُسرِ بنِ سعيد، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا شهِدتْ إحداكُنَّ صلاةَ العشاءِ فلا تمسَّنَّ طِيبًا" .

    ج ١٦ ص ٦٥
  25. وهذا الحديثُ حديثٌ مشهورٌ مسندٌ صحيحٌ من رواية بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ الثَّقَفية امرأةِ ابنِ مسعود، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-:

    حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب، قال: حدَّثنا أُميّةُ بنُ بسطام، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا روحُ بنُ القاسم، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ امرأةِ ابنِ مسعود، قالت: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا شهِدتْ إحداكُنَّ العشاءَ الآخرةَ فلا تمسَّ طِيبًا" (٢) .

  26. أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك (٣) وعُبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنجَرَ الجُرْجانيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة وموسى بن إسماعيل، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد،

    ج ١٦ ص ٦٦قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ هشام، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ الثقفية امرأةِ عبدِ الله بنِ مسعود، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "إذا خرجتِ إلى صلاةِ العشاءِ فلا تمسَّنَّ طيبًا" (١) .

  27. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي فَرْوةَ أبو عَلْقَمةَ الفَرْويُّ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ خُصَيْفة، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورًا فلا تشهَدنَّ العشاءَ" (٢) .

    قال أبو عُمر: هكذا قال: عن بُسرِ بنِ سعيد، عن أبي هُريرة، وهو عندي خطأٌ وليس في الإسنادِ من يُتَّهم بالخطأ فيه إلا أبو عَلْقَمةَ الفَرْويُّ؛ فإنه كثيرُ الخطأ جدًّا (٣) ، والحديثُ إنما هو لبُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ الثقفية.

  28. قرأتُ على محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ سعيد، أن محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالق، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ سَعْد، عن الزُّهريِّ، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ الثقفية، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا شهِدتْ إحداكُنَّ صلاةَ العشاءِ فلا تمسَّ طيبًا" (١) . وهذا الحديثُ يقولون: إنه انفرَد به حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج.

    ج ١٦ ص ٦٧
  29. أخبَرنا خلفُ بنُ أحمدَ وعبدُ الرّحمن بنُ يحيى، قالا: أخبَرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حَزْم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ موسى الحَضْرميُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ البُرلُّسيُّ، قال: أتى رجلٌ يحيى بنَ مَعِين، فقال له: روَى الزُّهريُّ عن بُسرِ بنِ سعيد؟ فوقَف، ثم سألني فأخبرتُه بحديثِ ابنِ أبي فُدَيْك، وقلت له: إن ها هُنا ببغدادَ حديثًا آخرَ يَرويه سُنيد، عن حَجّاج الأعور، عن ابنِ جُرَيج، عن زيادِ بنِ سَعْد، عن الزُّهريِّ، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ الثقفية، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّما امرأةٍ تبخَّرتْ واستنظَفتْ فلا تأتي المسجدَ" . فلمّا كان يومُ الجمعةِ الثانيةِ قال لي: نظَرتُ في الحديثين؛ أمّا حديثُ ابنِ أبي فُديكٍ فهو صحيح، وأما حديثُ حجّاج فأنا كتَبتُه عن حَجّاج من أصلِ كتابِه بالمِصِّيصَةِ وعارضتُ به كتابي قبلَ أن أسمعَه، ثم قرأه عليَّ حَجّاجٌ، ثم قدِم حَجّاجٌ بغدادَ فعارضتُه بكتابي أيضًا، وحدَّثنا حَجّاجٌ من كتابِه عن ابنِ جُرَيج، عن زيادِ بنِ سَعْد، عن بُسرِ بنِ سعيد، عن زينبَ، ليس فيه الزُّهريُّ (١) .

    قال أبو عُمر: قد رواه جماعةٌ عن حَجّاج، كما رواه سُنيدٌ، وعندَ ابنِ جُرَيج في هذا الحديثِ إسنادٌ آخر.

    ج ١٦ ص ٦٨
  30. حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ الخلّالُ بمَرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعقوبَ الأصمُّ، قال: حدَّثنا طاهرُ بنُ عَمْرِو بنِ الرَّبيع بنِ طارق، قال: أخبرني أبي، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ فَرُّوخ، عن ابنِ جُرَيج، عن إبراهيمَ بنِ قارط، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّما امرأةٍ تبخَّرتْ فلا تشهدِ العشاءَ الآخرة" (٢) .

    ج ١٦ ص ٦٩قال أبو عُمر: أخشَى ألّا يكونَ هذا الإسنادُ محفوظًا، والمحفوظُ في هذا الباب عن أبي هُريرة، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، ولْيَخرُجْنَ تَفِلات" .

  31. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الوهّاب الثقفيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم-: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، ولْيَخرُجنَ إذا خرَجن تَفِلات" .

  32. وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ العباس، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا عَبْدةُ بنُ سُليمانَ والمحاربيُّ، جميعًا عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم-: "لا تمنَعوا إماءَ الله مساجدَ الله، ولا يخرُجنَ إلا تفلات" (٤) .

  33. وهذا الحديثُ في معنى حديثِ هذا الباب سواء، والتَّفِلةُ: هي غيرُ المتطَيِّبة؛ لأنَّ التَّفَلَ نَتْنُ الريح، يقال: امرأةٌ تَفِلةٌ. إذا كانت متغيِّرةَ الريح بنَتْنٍ أو ريحٍ غيرِ طيبة، ومنه قولُ امرئ القيس (١) .

    إذا ما الضجيعُ ابتزَّها من ثيابِها ... تميلُ عليه هونةً غيرَ مِتفالِ

    وقال الكُمَيتُ (٢) :

    فيهِنّ آنِسَةُ الحديثِ حَيِّيةٌ ... ليستْ بفاحِشَةٍ ولا مِتفالِ

    وسيأتي ذِكْرُ قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "لا تمنَعُوا إماءَ الله مساجدَ الله" في باب بلاغاتِ مالك، إن شاءَ الله (٣) ، وقد مضى في خُروج النّساءِ إلى المساجدِ ما فيه شِفاءٌ في باب يحيى بنِ سعيد (٤) ، والحمدُ لله.

    ج ١٦ ص ٧٠
  34. حديثٌ ثالثٌ من بلاغاتِ مالكٍ عن الثِّقة عندَه (١)

    ج ١٦ ص ٧١
  35. مالكٌ (٢) ، عن الثقةِ عندَه (٣) ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلَّم- نهى عن بيع العُرْبان.

  36. هكذا قال يحيى: عن مالك، عن الثقةِ عندَه في هذا الحديث، عن عَمْرِو بنِ شُعيب. وتابَعه قومٌ؛ منهم ابنُ عبدِ الحكم (٤) .

    وقال القعنبيُّ (٥) (٦) وجماعة: عن مالك، أنَّه بلَغه عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه.

  37. وسواءٌ قال: عن الثقةِ عندَه. أو: بلَغه؛ لأنه كان لا يأخُذُ ولا يُحدِّثُ إلا عن ثقةٍ عندَه (١) .

    ج ١٦ ص ٧٢
  38. وقد تكلَّم الناسُ في الثقةِ عندَه في هذا الموضع، وأشبهُ ما قيل فيه: إنه أخَذه عن ابنِ لَهيعة، أو عن ابنِ وَهْب، عن ابنِ لَهيعة؛ لأنّ ابنَ لَهيعةَ سمِعَه من عَمْرِو بنِ شُعيب ورواه عنه، حدَّث به عن ابنِ لَهيعةَ ابنُ وَهْب وغيرُه، وابنُ لَهيعةَ أحدُ العلماء، إلا أنه يقال: إنه احتَرقتْ كتُبُه، فكان إذا حدَّث بعدَ ذلك من حفظِه غلِطَ. وما روَى عنه ابنُ المبارك وابنُ وَهْب (٢) ، فهو عندَ بعضِهم صحيحٌ، ومنهم مَن يُضعِّفُ حديثَه كلَّه، وكان عندَه علمٌ واسعٌ، وكان كثيرَ الحديث، إلا أن حالَه عندَهم ما وصَفْنا.

  39. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ بكرُ بنُ عبدِ الرّحمن الخلّال، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُثمانَ بنِ صالح بنِ صَفْوان، قال: حدَّثنا حَرْمَلةُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن مالك، عن عبدِ الله بنِ لَهيعة، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبيَّ -صلي الله عليه وسلم- نهَى عن بيعِ العُرْبان. هكذا قال: عن عبدِ الله بنِ وَهْب، عن مالك، عن عبدِ الله بنِ لَهيعة. والمعروفُ فيه: ابنُ وَهْب، عن ابنِ لَهيعة (٣) .

  40. وقد حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الهَرَويُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ الجِبْرينيُّ (١) ، قال: حدَّثنا حَبيبُ بنُ أبي حَبيب، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، قال: ليس الحديثُ على هذا، إنما الحديثُ على حديثِ عبدِ الله بنِ عامر، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ -صلي الله عليه وسلم- نهَى عن بيعِ العُرْبان (٢) .

    ج ١٦ ص ٧٣