زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ١٣ من ٤٠

  1. وجملةُ قول مالكٍ أنه يؤدِّي ما كانَ جُلَّ عيشِ أهلِ بَلَده: القَمْحَ، والشعيرَ، والسُّلْتَ، والذُّرةَ، والدُّخنَ، والأرزَّ، والزَّبيبَ، والتمرَ، والأقِطَ، قال: ولا أرى لأهل مصر أن يدفعوا إلا القَمْحَ، لأن ذلك جُلُّ عيشِهم، إلا أن يَعْلُوَ سِعرُهم فيكون عيشُهم الشَّعيرَ فيُعطونَه، قال: ويعطي صاعًا من كُلِّ شيءٍ ولا يعطي مكانَ ذلك عَرْضًا من العُروض.

    ج ٣ ص ٢٣٧قال أشهَبُ: وسُئِلَ مالك عن الذي يؤدِّي الشَّعير في زكاةِ الفِطْر، فقال: لا يؤدِّي الشَّعيرَ إلا أن يكون يأكلُه، قيل: فيُنَقِّيهِ؟ قال: لا، بل يؤدِّيه على وَجهِه كما يأكلُه، قيل له: فإنّ الناسَ يقولون: مُدّانِ؟ فقال: القولُ ما قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فذَكَرتُ له الأحاديث التي تُذكر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المُدَّيْن من الحِنْطة، فأنكَرها (١) .

    وقال الشافعيُّ: أيُّ قوتٍ كان الأغلبَ على رجلٍ، أدّى منه زكاة الفطر؛ إنْ كان حنطةً، أو ذُرَةً، أو سُلْتًا، أو شعيرًا، أو تَمْرًا، أو زَبيبًا، أدّى صاعًا بصاعِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُؤدِّي إلّا الحَبَّ، لا يُؤَدِّي دقيقًا، ولا سَويقًا، ولا قيمةً. قال: فإنْ أدَّى أهلُ البادية الأقِطَ، لم يَبِنْ لي أنّ عليهم إعادةً (٢) .

    وقال أبو حَنيفةَ: يُؤَدِّي نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو دقيقٍ، أو سَويقٍ، أو زَبيبٍ، أو صاعًا من تَمْرٍ، أو شعيرٍ. وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: الزَّبيبُ بمنزلة التمر والشعير، وما سوَى ذلك يُخرَجُ بالقيمة؛ قيمةِ ما ذكَرْنا من البُرِّ وغيرِه (٣) .

    وقال الأوزاعيُّ: يُؤَدِّي كلُّ إنسانٍ مُدَّيْن من قمحٍ بمُدِّ أهلِ بلَدِه (٤) . وقال

    ج ٣ ص ٢٣٨الليثُ: مُدَّيْن من قمح بمُدِّ هشام، وأربعةَ أمدادٍ من التمر، والشعير، والأقِطِ. وقال أبو ثَور: الذي يُخرَجُ في زكاةِ الفِطْرِ صاع من تمرٍ، أو شعيرٍ، أو طعام، أو زبيبٍ، أو أقِطٍ، إن كان بدَويًّا، ولا يُعْطِي قيمةَ شيءٍ من هذه الأصنافِ وهو يَجِدُها (١) .

    قال أبو عُمر: سكَت أبو ثورٍ عن ذكرِ البُرِّ، وكان أحمدُ بن حنبلٍ يَسْتَحِبُّ إخراجَ التَّمرِ (٢) . والأصلُ في هذا الباب ومدارُه على وجهين:

    أحدُهما: اعتبارُ القُوتِ، وأنّه لا يجوزُ إلّا الصاعُ من كلِّ شيءٍ منه؛ لأنّه لا يثبُتُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلّا الصَّاعُ. وهذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ (٣) .

    ج ٣ ص ٢٣٦
  2. والوجهُ الآخر: اعتبارُ التمر والشَّعير، وقيمتِهما، وعَدْلِهما على ما قال الكوفيُّون، وفي أخذِ البدلِ والقيمةِ في الزكاة، وفي صدقةِ الفطرِ كلامٌ يَطولُ، واعتلالٌ يكثُرُ، ليس هذا موضعَ ذكرِه، وبالله التوفيق.

  3. حديث خامس عَشر لزَيْد بن أسْلم مسندٌ صحيح

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن وَعْلةَ المصريِّ، أنّه سألَ ابنَ عباس عمّا يُعصَرُ من العِنَب؟ فقال ابنُ عباس: أهدَى رجلٌ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - راويةَ خَمْرٍ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هل (٢) عَلِمْتَ أنَّ اللهَ حرَّمَها؟ " . قال: لا. فسارَّه إنسان إلى جَنبِه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بِمَ سارَرْتَه؟ " . قال: أمَرْتُه ببيعِها (٣) . فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الذي حَرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها" . ففتَح (٤) المَزادَتَيْن حتى ذهَب ما فيهما.

    ج ٣ ص ٢٣٩
  4. ابنُ وعلةَ هذا: اسمُه عبدُ الرحمن بنُ وعلةَ السَّبئيُّ، أصلُه من مصرَ، ثم انتقلَ إلى المدينةِ وسكَنها، وهو معدودٌ من أهلِ المدينة، وكان ثقةً من ثقات التابعين، مأمونًا على ما روَى وحمَل. روَى عنه زيدُ بن أسلمَ، والقَعْقاعُ بن حَكِيم، وأبو الخَيْر اليَزَنيُّ وغيرُهم. ذكَر إسحاقُ بن منصورٍ، عن ابن مَعِينٍ قال (٥) : عبدُ الرحمن بن وَعْلةَ ثقةٌ (٦) .

  5. وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ ما يُعْصَرُ من العنبِ يُسمَّى خمرًا في لسانِ العرب، لكنَّ الاسمَ الشَّرعيَّ لا يَقعُ عليها إلّا أنْ تَغْليَ وتَرْميَ بالزَّبَد، ويُسْكِرَ

    ج ٣ ص ٢٤٠كثيرُها أو قليلُها. وفي اللُّغة قد يُسمَّى العنبُ خَمْرًا (١) ، لكنّ الحكمَ إنما يتَعلَّقُ بالاسم الشَّرعيِّ دونَ اللُّغويِّ.

  6. وفيه أنّ النهيَ من قِبَل الله إذا ورَد، فحكمُه التحريمُ البَحْتُ (٢) ، إلّا أنْ يُزِيحَه عن ذلك دليلٌ يُبيِّنُ المرادَ منه، ألا ترَى إلى قول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَا عَلِمْتَ أنَّ اللهَ حرَّمها؟ " . ثم قال: "إنّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها" فأطلَق عن الله تحريمَها.

  7. ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنّ تَحرِيمَها إنّما ورَد في سورةِ "المائدة" بلفظِ النَّهي، في قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} ، إلى: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، وإلى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: ٩٠ - ٩١] . وهذه الآيةُ نسَخَتْ كلَّ لفظٍ ورَد بإباحَتِها نصًّا أو دليلًا، فنَسَخَتْ ما جرَى من ذكرها في سور "البقرة" (٣) ، وسورة "النّساء" (٤) ، وسورة "النحل" (٥) . والأمَّةُ مُجْمِعةٌ على أنّ

    ج ٣ ص ٢٤١خمرَ العِنَبِ حرامٌ في عَينِها، قليلِها وكثيرِها، فأغنَى ذلك عن الإكثار فيها، وقد تقدَّم في كتابِنا هذا، في باب إسحاق في ذلك ما فيه كفايةٌ (١) ، إن شاء الله تعالى.

  8. وفي هذا الحديث دليلٌ أنّ الخمرَ لم تكنْ حَرامًا حتى نزَل تحريمُها. وفي سياقةِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنّ ما سكَت اللهُ عن تحريمِه فحلالٌ، فإنّ أصلَ الأشياءِ على الإباحةِ حتى يَرِدَ المنعُ، ألا ترَى أنَّ المُهدِيَ لراويةِ الخَمْر في هذا الحديثِ إنّما أهداها اعتقادًا منه للإباحةِ، ولا خلافَ بينَ أهلِ الإسلام أنّ الخمرَ لم يُنزِّلِ اللهُ في كتابه أنّه أمَر بشربِها، ثم نسَخ ذلك بتحريمِها، وفي إجماعِهم على ذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قُلْنا، وأنّ ما عفا اللهُ عنه وسكَت، فداخلٌ في باب الإباحة، ألا ترَى إلى قولِ سعيدِ بن جُبيرٍ حيثُ قال: كان الناسُ على أمر جاهليَّتِهم حتى يُؤْمَروا أو يُنْهَوا (٢) .

  9. وسؤالُ الصَّحابةِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمرِ في أوَّلِ الإسلام إنّما كان لِما كانوا يُحْدِثونَه من الشَّرِّ والسَّفَهِ عندَ شُربِها، على ما جاءَ مَنصوصًا في الآثارِ في تفسيرِ قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: ٢١٩] .

  10. وفيه أيضًا دليلٌ على أنّ كلَّ ما لا يجوزُ أكلُه أو شُرْبُه من المأكولاتِ والمشروبات، لا يجوزُ بيعُه، ولا يَحِلُّ ثمنُه؛ لقوله عليه السلام: "إنّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بيعَها" . ويُوضِّحُ ذلك قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حيثُ قال: "لعَن اللهُ

    ج ٣ ص ٢٤٢اليهودَ - ثلاثًا - حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ، فباعُوها وأكَلوا أثمانَها، وإنّ اللهَ إذا حرَّم على قوم أكْلَ شيءٍ حرَّم ثَمنَه " (١) .

  11. وقد احتجَّ عمرُ بن الخطاب رضي اللهُ عنه بمثلِ هذا حينَ بلَغه أنّ سَمُرةَ باع خمرًا، فقال: لعَن اللهُ سَمُرةَ - أو: قاتَل اللهُ سَمُرَةَ - أوَما علِم وما سمِع أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعَن اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها، فباعُوها، وأكَلوا أثمانَها" (٢) .

  12. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن عطاءِ بن

    ج ٣ ص ٢٤٣أبي رباحٍ، عن جابرِ بن عبد الله، أنّه سمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ عامَ الفتح وهو بمكَّةَ: "إنّ اللهَ حرَّم بيعَ الخَمْرِ، والمَيْتةِ، والخِنْزير، والأصنام" .

  13. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وهب، قال: حدَّثنا معاويةُ بن صالح، عن عبدِ الوهابِ بن بُختٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: "إنّ اللهَ حرَّم الخَمْرَ وثَمَنَها، وحرَّم الميتةَ وثمنَها، وحرَّم الخنزيرَ وثَمَنَه" .

  14. وقد أجمَع العلماءُ على تحريم بيع الدم والخَمْر، وفي ذلك دليلٌ على تحريم بيع العَذِرات، وسائرِ النجاسات وما لا يَحِلُّ أكلُه، ولهذا، واللهُ أعلم، كَرِه مالكٌ بيعَ زِبلِ الدَّوابِّ، ورخَّص فيه ابنُ القاسم؛ لِما فيه من المنفعة (٢) . والقياسُ ما قاله مالكٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٣) ، وظاهرُ هذا الحديثِ شاهدٌ لصحَّةِ ذلك، فلم أرَ وجهًا لذكرِ اختلافِ الفقهاءِ في بيع السِّرْجينِ (٤) والزُّبول هاهنا؛ لأنّ كلَّ قولٍ تُعارِضُه السُّنَّةُ وتَدْفَعُه، ولا دليلَ عليه من مثلِها، لا وجهَ له، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الآية [الأحزاب: ٣٦] .

  15. حدَّثني عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحد، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدّثنا أبو غسّانَ محمدُ بن مُطَرِّفٍ المدنيُّ، قال: حدَّثني زيدُ بن أسلمَ مولَى عمرَ بن الخطاب، عن عبدِ الرحمن بن وَعْلةَ - رجلٌ من أهل مصرَ - أنّه جاءَ إلى عبد الله بن عبّاسٍ فقال: إنّ لنا كُرومًا، فكيف ترَى في بيع الخَمْر؟ فقال ابنُ عباس: رأيْتُ رجلًا من دَوس جاءَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أهْدَيْتُ لك هدِيّةً. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وما هي؟ " . قال: راويةُ خَمْرٍ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "شَعَرْتَ أنّ اللهَ تعالى قد حرَّم الخمرَ بعدَك؟ " . فأمَر الدَّوْسيُّ بها غلامَه يَبيعُها، فلمّا وَلّى بها، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ماذا أمَرْتَ بها؟ " . قال: أمَرْتُ ببَيْعِها. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "شَعَرْتَ أنّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها" (١) .

    ج ٣ ص ٢٤٤
  16. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنّ الإثمَ مرفوعٌ عمَّن لم يَعلَمْ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] . ومَن أمكَنَه التعلُّمُ ولم يتعَلَّمْ، أثِمَ، واللهُ أعلمُ.

  17. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على أنّ الخمرَ لا يَجوزُ لأحدٍ تخليلُها، ولو جاز تخليلُها ما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِيَدَعَ الرجلَ أن يفْتَحَ المَزَادَتَيْنِ حتى ذهَب ما فيهما، لأنّ الخَلَّ مالٌ، وقد نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعةِ المال (٢) ، بل كان

    ج ٣ ص ٢٤٥رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُه أنْ يُخَلِّلَها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نِعْمَ الإدامُ الخَلَّ" (١) .

  18. ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أنْصحُ الناسِ للناسِ، وأدَلُّهم على قليل الخيرِ وكثيرِه.

  19. وذكَر ابنُ وضَّاح أنّ سُحْنُونًا كان يذْهَبُ هذا المذهب (٢) .

  20. وقد اختلَف الفقهاءُ في تخليل الخمر؛ فقال مالكٌ فيما روَى عنه ابنُ القاسم وابنُ وَهْبٍ: لا يَحِلُّ لمسلم أنْ يُخَلِّلَ الخَمْرَ، ولكنْ يُهَرِيقُها، فإن صارَتْ خلًّا بغيرِ علاجٍ فهو حلالٌ لا بأسَ به (٣) . وهو قولُ الشافعيِّ (٤) ، وعُبيدِ الله بن الحسنِ العَنْبريِّ البَصْري (٥) ، وأحمدَ بن حنبل (٦) .

  21. وروَى أشْهَبُ، عن مالكٍ، قال: إذا خلَّل النصرانيُّ خمرًا فلا بأسَ بأكْلِه، وكذلك إن خَلَّلَها مسلمٌ واستغفرَ اللهَ. وهذه الروايةُ ذكَرها ابنُ عبد الحكم في

    ج ٣ ص ٢٤٦"كتابه" (١) . وقال ابنُ وَهْب: سمِعْتُ مالكًا يقولُ في رجلٍ اشتَرَى قِلالَ خلٍّ، فوجَد فيها قُلَّةَ خَمرٍ، قال: لا يَجْعَلُ فيها شيئًا ليُخَلِّلَها (٢) . قال: ولا يَحِلُّ لمُسلم أن يُعالِجَ الخمرَ حتى يَجعلَها خلًّا، ولا يَحِلُّ بيعُها، ولكن يُهَرِيقُها، فإن فاتَ علاجُها، وصارت خلًّا بعدَ أن كانت خمرًا بغير علاج، فإنّها حلالٌ لا بأسَ بها إن شاء الله. قال ابن وَهْب: وهو قولُ عمرَ بن الخطاب، والزهريِّ، وربيعةَ. وكان أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعي (٣) ، واللَّيثُ بن سعدٍ، لا يَرونَ بأسًا بتخليل الخمر (٤) .

    وقال أبو حنيفةَ: إن طرَح فيها السَّمكَ والملحَ، فصارَتْ مُرِّيًّا (٥) ، وتحَوَّلَتْ عن حال الخمرِ، جاز. وخالَفه محمدُ بن الحسنِ في المرِّيِّ، وقال: لا يُعالِجُ الخمرَ بغير تحويلِها إلى الخلِّ وحدَه (٦) .

    قال أبو عُمر: الصحيحُ عندي في هذه المسألة ما قاله مالكٌ في روايةِ ابن القاسم وابن وَهْبٍ عنه، والدليلُ على ذلك ما رواه الثوريُّ، عن السُّديِّ، عن أبي هُبيرةَ، عن أنسٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفي حَجْرِه يَتيمٌ، وكان عندَه

    ج ٣ ص ٢٤٧خمرٌ له حينَ حُرِّمَتْ، فقال: يا رسولَ الله، أصنَعُها خَلًّا؟ قال: "لا" . فصَبَّها حتى سالَ الوادي (١) .

  22. وروَى مجالَدٌ، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: كان عندي خمرٌ لأيتام، فلمّا نزَل تحريمُ الخمرِ أمَرنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُهَريقَها (٢) .

  23. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا زهيرُ بن حرب، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن السُّدِّيِّ، عن أبي هُبيرةَ، عن أنس بن مالكٍ، أنّ أبا طلحةَ سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام وَرِثوا خمرًا، قال: "أهْرِقْها" . قال: أفلا أجْعَلُها خلًّا؟ قال: "لا" .

    ج ٣ ص ٢٤٨قال أبو عُمر: أبو هُبَيْرَة هذا هو يحيى بن عبّادٍ، ثقةٌ.

  24. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيان، عن السُّديِّ، عن يحيى بن عبّاد، عن أنس بن مالك، قال: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمرِ تُتَّخَذُ خلًّا؟ قال: "لا" (١) .

  25. وأخبَرني عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ (٢) في سنة مِئتَينِ بعدَ قتل أبي السَّرايا (٣) بأشهرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا مجالدُ بن سعيدٍ، عن أبي الوَدَّاك (٥) ، عن أبي سعيدٍ، قال: كان عندَنا خمرٌ ليتيم، فلمّا نزَلتِ الآيةُ التي في سورة "المائدة" ، سألْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: إنّه ليتيم. فقال: "أهْرِيقُوه" (٦) .

  26. وروَى معمرٌ، عن ثابتٍ وقتادةَ، عن أنسٍ، قال: لما حُرِّمَت الخمرُ جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كان عندي مالُ يتيم، فاشْتَرَيْتُ به خمرًا، أفَتأْذَنُ لي أن أبيعَها، فأرُدَّ على اليتيم مالَه؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "قاتَل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الثُّروبُ (١) ، فباعُوها وأكَلوا أثمانَها" . ولم يأذَنْ لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بيعِ الخمرِ (٢) .

    ج ٣ ص ٢٤٩
  27. وذكر أبو عبد الله المروَزيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو بكير الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، قال: حدَّثني شَهْرُ بن حوشبٍ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن تميم الدَّاريِّ، أنّه كان يُهدي (٣) إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - راويةَ من خمرٍ، فلمّا كان العامُ الذي حُرِّمَتْ جاءَ براويةٍ، فلمّا نظَر إليه ضحِك، وقال: "هل شَعَرْتَ أنّها قد حُرِّمَتْ؟ " . فقال: يا رسولَ الله، أفلا أبِيعُها وأنْتَفِعُ بثَمَنِها؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "العَن اللهُ اليهودَ - ثلاثَ مرّاتٍ - انطَلَقوا إلى ما حرَّم اللهُ من شُحوم البقرِ والغنم، فأذابوه، وجعَلوهُ إهالةً (٤) ، فابتاعُوا به ما يأكُلون، وإنّ الخمرَ حرامٌ، وثمنَها حرامٌ" (٥) .

    ج ٣ ص ٢٥٠قال أبو عبد الله (١) : وحدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا مُطيعٌ الغَزَّالُ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ الله بن عمرَ، عن أبيه عُمرَ بن الخطاب، قال: لا تَحِلُّ التجارةُ في شيءٍ لا يَحِلُّ أكلُه وشربُه (٢) .

    قال: وحدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن مُطيع بن عبد الله، قال: سمِعْتُ الشعبيَّ يُحَدِّثُ عن ابن عمرَ، عن عمرَ، فذكَره.

  28. فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ مَن وَرِث خَمْرًا من المُسلمين، وصارَتْ بيدِه، أهْرَاقَها ولم يَحبِسْها، ولا يُخلِّلُها، وذلك دليلٌ على فسادِ قولِ مَن قال بتَخْلِيلها.

  29. فأمّا إذا تَخَلَّلَتْ من ذاتِها بغيرِ صُنعِ آدَميٍّ، فقد رُوِيَ فيها عن عُمرَ رضي اللهُ عنه ما تَسْكُنُ النَّفْسُ إليه، وقال به مالكٌ، والشافعيُّ، وأكثرُ فُقهاءِ الحجاز (٣) ، على ما قدَّمْنا ذِكرَه في باب إسحاقَ. والحمدُ لله وحدَه.

  30. واحْتَجَّ العراقيُّون في تَخليلِ الخَمْر بحديثِ أبي الدَّرْداء، وهو حديثٌ يُرْوَى عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي الدَّرْداء، من وجهٍ ليس بالقويِّ: أنّه كان

    ج ٣ ص ٢٥١يأكُلُ المُرِّيَّ الذي جُعِلَ فيه الخَمْرُ، ويقولُ: ذَبَحته (١) الشمسُ والملحُ (٢) . وهذا ومثلُه لا حجَّةَ في شيءٍ منه، إذ كان مخالفًا لما ثبَت عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكَرنا كثيرًا من معاني هذا الباب مُجوَّدًا في باب إسحاقَ، وذلك يُغْني عن تكريرِه ها هنا.

  31. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ، قال: لا خيرَ في خَلٍّ من خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ الذي يُفْسِدُها (٣) .

    قال: وحديثُ ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن أسلَمَ مولى عُمرَ بن الخطاب، عن عمرَ بن الخطاب، قال: لا تُؤكَلُ خمرٌ أُفْسِدَتْ، ولا شيءٌ منها، حتى يكونَ اللهُ الذي أفسَدَها (٤) .

  32. وروى الحَسَن بن أبي الحَسَن، عن عثمانَ بنِ أبي العاص، أنّ تاجرًا اشترى خَمْرًا، فأمرَه أن يَصُبَّها في دِجْلة، فقالوا: ألا تأمرُه أن يَجْعلَها خَلًّا؟ فنَهاه عن ذلك (١) .

    ج ٣ ص ٢٥٢
  33. فهذا عُمر بنُ الخطاب وعُثمانُ بن أبي العاص يُخالفانِ أبا الدرداء في تَخليل الخَمْرِ، وليس في أحدٍ حُجةٌ مع السُّنّةِ، وبالله التوفيق.

  34. وقد يُحتمل أن يكونَ المنع من تَخليلها كانَ في بَدْءِ الأمرِ عند نزولِ تَحريمِها، لئلا يُسْتَدام حَبْسُها بقُرب العَهْد بشُربها إرادةً لقطعِ العادةِ في ذلك؛ وإذا كانَ هذا هكذا لم يكنْ في النَّهي عن تَخْليلها حينئذٍ والأمرِ بإراقتها ما يمنعُ من أكلِها إذا تَخلَّلتْ، ولم يُسْأل عن خمرٍ تخلَّلَت فنَهى عنها (٢) ، واللهُ تعالى الموفِّق للصَّواب (٣) .

  35. حديث سادس عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن وعْلَةَ المصريِّ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُرَ" (٢) .

    ج ٣ ص ٢٥٣
  36. قد تقدَّم القولُ في هذا الإسناد (٣) ، وسماعُ ابن وَعْلةَ من ابن عباس صحيحٌ.

  37. روَى هذا الحديثَ عن زيدِ بن أسلمَ جماعةٌ، منهم: ابنُ عيينة (٤) ، وهشامُ بن سعدٍ (٥) ، وسُليمانُ بن بلالٍ (٦) . ورواه عن ابن وعْلَةَ جماعةٌ، منهم: القَعْقاعُ بن حكيم (٧) ، وأبو الخير اليَزَنيُّ (٨) ، وزيدُ بن أسلمَ.

  38. ومعلومٌ أنّ المقصودَ بهذا الحديث ما لم يكن طاهرًا من الأُهُب؛ كجُلودِ الميْتَات، وما لا تَعْمَلُ فيه الذَّكاةُ من السِّباع عندَ مَن حرَّمها؛ لأن الطّاهرَ لا يَحتاجُ إلى الدِّباغ للتَّطْهير، ومُسْتَحيلٌ أن يُقالَ في الجلدِ الطاهر: إنّه إذا دُبغ فقد طَهُرَ. وهذا يكادُ عِلْمُه يكونُ ضرورة.

  39. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" نصٌّ ودليلٌ، فالنصُّ (١) : طهارةُ الإهابِ بالدِّباغ، والدَّليلُ منه أنّ كلَّ إهابٍ لم يُدْبَغْ فليس بطاهرٍ، وإذا لم يكنْ طاهرًا فهو نَجِسٌ، والنَّجَسُ رِجْسٌ مُحَرَّمٌ، فبهذا عَلِمنا أنّ المقصودَ بذلك القولِ جلودُ الميْتَة. وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديثُ مُعارِضًا لروايةِ من روَى في الشاةِ الميْتَة: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٢) ، ولرواية من روَى: "إنّما حُرِّم لَحْمُها" (٣) ، ومبيِّنًا لمراد الله تعالى في قوله عزَّ وجلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: ٣] . كما كان قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لا قَطْعَ إلّا في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٤) ، بيانًا لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] . وبطَل بنَصِّ هذا الحديث قولُ مَن قال: إنّ الجِلْدَ من الميتةِ لا يُنتَفَعُ به بعدَ الدِّباغ، وبطَل بالدَّليل منه قولُ مَن قال: إنّ جلدَ الميتةِ وإن لم يُدْبَغْ يُستَمْتَعُ به ويُنتَفَعُ؛ وهو قولٌ رُوِي عن ابن شهابٍ والليث بن سعدٍ، وهو مشهورٌ عنهما، على أنّهما قد رُوِيَ عنهما خلافُه، والأشْهَرُ عنهما ما ذكرنا (٥) .

    ج ٣ ص ٢٥٤
  40. ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٦) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله،

    ج ٣ ص ٢٥٥عن ابن عباسٍ، حديثَ شاةِ مَيمونةَ، وهو أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على شاةٍ لمَيْمونة مَيتةً (١) ، فقال: "ألَا اسْتَمتَعْتم بإهابِها؟ " ، قالوا: وكيف يا رسولَ الله وهي مَيتةٌ؟ قال: "إنّما حُرِّمَ لَحْمُها" .

    قال معمرٌ: وكان الزهريُّ يُنْكِرُ الدِّباغَ، ويقولُ: يُسْتَمْتَعُ به على كلّ حال (٢) .

    قال أبو عبد الله المرْوَزيُّ: وما عَلِمْتُ أحدًا قال ذلك قبلَ الزُّهريِّ.