زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ١٥ من ٤٠
- ج ٣ ص ٢٧٥
وروَى مجاهدٌ ونافعٌ، عن ابن عمرَ، أنّه كان لا يَلْبَسُ إلّا ذَكِيًّا (٢) . وقد تقدَّم عن عُمرَ وغيرِه من الصحابة مثلُ ذلك. وفي نَعْلَي مُوسى عليه السلامُ ما يُحْتَجُّ به هاهنا (٣) . فهذا ما في طهار جلودِ الميْتةِ عندَ العلماءِ قديمًا وحديثًا. والحمدُ للّه.
-
وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ" فإنّما يقتَضي عُمومَ جميع الأُهُبِ، وهي الجُلودُ كلها؛ لأنّ اللفظَ جاءَ في ذلك مَجيءَ عُموم لم يَخُصَّ شيئًا منها، وهذا أيضًا
ج ٣ ص ٢٧٦مَوْضِعُ اختلافٍ وتنازُعٍ بين العلماء؛ فأمّا مالكٌ وأكثرُ أصحابِه، فالمشهورُ من مذهبِهم أنّ جلدَ الخنزيرِ لا يدخُلُ في عُموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" ، لأنَّه مُحَرَّمُ العَينِ حيًّا ومَيْتًا، جلدُه مثلُ لحمِه، لا يُعمَلُ فيه الدِّباغُ، كما لا تَعْمَلُ في لَحْمِه الذَّكاةُ، ولهم في هذا الأصلِ اضطرابٌ (١) .
-
أخبَرنا أحمدُ بن سعيدِ بن بشير، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا الصُّمادحِيُّ، عن مَعْن بن عيسى، قال: سمِعْتُ مالكًا وسُئِلَ عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ، فقال: لا يُنْتَفَعُ به.
-
حدَّثني عبدُ الله بن محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَمْرِو بن أبي زيدٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ وَضَّاح يقولُ: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، عن مَعْنِ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّه قال: لا يُنْتَفَعُ بجلدِ الخنزيرِ وإن دُبِغَ. قال: وقال لي سُحْنونٌ: لا بأسَ به.
-
وأخبَرنا سعيدُ بن سيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، عن معنِ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّه سئِل عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ، فكَرِهه. قال ابنُ وضّاحٍ: وسمِعْتُ سُحْنُونَ يقولُ: لا بأسَ به.
قال أبو عُمر: قول سُحنون هذا هو قول محمدِ بن عبدِ الله بنِ عبد الحكَم وقول داودَ بن عليٍّ وأصحابِهم (٢) ؛ وحُجَّتُهم ما حدَّثناه أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدَّثنا أبو غسّانَ محمدُ بن مُطَرف، قال: حدَّثنا زيدُ بن أسلَمَ،
ج ٣ ص ٢٧٧عن عبد الرحمن بن وَعْلَةَ، أنّه قال لابن عبّاسٍ: إنّا قومٌ نَغْزُو أرضَ المغرب، وإنّما أسْقيَتُنا جلودُ الميْتةِ؟ فقال ابنُ عبّاس: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "أيُّما مَسْكٍ (١) دُبغ فقد طَهُرَ" (٢) .
-
حمَلُوه على العُموم في كلِّ جِلْدٍ.
قال أبو عُمر: يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بهذا القول عُمومَ الجُلُود المعهود الانتفاعُ بها، وأمّا جلدُ الخِنْزيرِ فلم يَدْخُلْ في هذا المعنى؛ لأنّه لم يدخُلْ في السُّؤَال؛ لأنّه غيرُ معهودٍ الانتفاعُ بجِلْدِه، إذ لا تَعملُ فيه الذَّكاةُ، وإنَّما دخَل في هذا العُموم، واللهُ أعلمُ، من الجلود ما لو ذُكِّيَ لاسْتَغنَى عن الدِّباغ، وأمّا جلدُ الخِنْزير فالذَّكاةُ فيه والميْتةُ سواءٌ؛ لأنّه لا تَعملُ فيه الذَّكاةُ.
-
ودليلٌ آخرُ، وهو ما قاله النَّضْرُ بن شُمَيل: أنّ الإهابَ جلدُ البقرِ والغنم والإبل، وما عداها فإنّما يقال له: جلدٌ، لا إهَابٌ (٣) .
- ج ٣ ص ٢٧٨
وذكر ابنُ القاسم، عن مالكٍ، أنّه خفَّفَ الذَّكاةَ في جُلودِ السِّباع، وكَرِه جُلودَ الحميرِ المذَكّاة. قال ابنُ القاسم: أمّا جلدُ السَّبُع والكلب إذا ذُكِّيَ، فلا بأسَ ببَيْعه، والشُّرب فيه، والصَّلاة به (١) .
قال أبو عُمر: الذَّكاةُ عندَ مالكٍ وابن القاسم عاملةٌ في السِّباع لجلودِها، وغيرُ عاملةٍ في الحميرِ والبغالِ لجلودِها، والنَّهْيُ عندَ جمهورِ أهلِ العلم عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِن السِّباع أقوَى من النَّهْيِ عن أكلِ لحومِ الحُمُر؛ لأنّ قومًا قالوا: إنّ النَّهْيَ عن الحُمُرِ إنّما كان لقِلَّةِ الظَّهْر. وقال آخرون: إنّما نُهي منها عن الجَلّالة. ولم يَعْتَلّ بمِثْل هذه العِلَل في السِّباع.
وقال عبدُ الملك بن حَبيب: لا يجوزُ بيعُ جلودِ السِّباعِ ولا الصلاةُ فيها وإن دُبِغَتْ إذا لم تُذَكَّ. قال: ولو ذُكِّيتْ لجلودِها لحَلَّ بيعُها والصلاةُ فيها (٢) . جعَل التَّذكِيَة في السِّباع لجلودِها أكملَ طهارةً من دِباغِها، وهذا على ما ذكَرنا من أصولِهم في أنّ الذَّكاةَ عاملةٌ في السِّباع لجُلُودِها، وأنّ طَهارةَ الدِّباغ ليست عندَهم طهارةً كاملةً، ولكنّها مُبيحةٌ للانتفاع فيما ذكَروه على ما تقدَّم ذِكرُه في هذا الباب. وهذا هو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابِه.
-
وأمّا أشهَبُ، فقال: جِلْدُ الميْتةِ إذا دُبغ لا أكْرَهُ الصلاةَ فيه ولا الوضوءَ منه، وأكْرَهُ بَيْعَه ورَهْنَه، فإنْ بِيع أو رُهِن لم أفْسَخْه. قال: وكذلك جلودُ السِّباع إذا ذُكِّيَتْ ودُبِغَتْ، وهي عندي أخفُّ لموضع الذَّكاةِ مع الدِّباغ، فإن لم تُذَكَّ جلودُ السِّباع، فهي كسائر جُلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ. قال أشهَبُ: وأمّا جلودُ السِّباع إذا ذُكِّيَتْ ولم تُدْبَغْ، فلا يجوزُ بيعُها، ولا ارتهانُها، ولا الانتفاعُ بشيءٍ منها، ويُفْسَخُ البيعُ فيها
ج ٣ ص ٢٧٩والرَّهْنُ، ويؤَدَّبُ فاعلُ ذلك، إلّا أن يُعْذَرَ بجَهالةٍ؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حرَّمَ كلَّ ذي نابٍ مِن السِّباع، فليستِ الذَّكاةُ فيها ذكاةً، كما أنّها ليست في الخنزير ذَكاة (١) .
قال أبو عُمر: قولُ أشهبَ هذا هو قولُ أكثرِ الفقهاء وأهلِ الحديث.
وقال الشافعيُّ (٢) : جلودُ الميْتةِ كلُّها تَطْهُرُ بالدِّباغ، وكذلك جِلدُ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه إذا دُبغَ، إلّا الكلبَ والخنزيرَ، فإنّ الذَّكاةَ والدِّباغَ لا يَعْمَلان في جُلودِهما شيئًا.
قال أبو عُمر: ولا تَعملُ الذَّكاةُ عند الشافعيِّ في جلدِ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه، وقد تقدَّم في باب إسماعيلَ بن أبي حكيم اختلافُ العلماءِ فيما يُؤْكَلُ لحمُه وما لا يُؤْكَلُ من السِّباع.
-
وحُكِيَ عن أبي حَنيفةَ أنّ الذَّكاةَ عندَه عاملةٌ في السِّباع والحُمُرِ لجُلُودِها، ولا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه في جِلْدِ الخِنْزيرِ شيئًا، ولا عندَ أحدٍ من أصحابه. وكَرِه الثوريُّ جُلودَ الثَّعالبِ والهرِّ وسائرِ السِّباع، ولم يرَ بأسًا بجلودِ الحَمِير (٣) .
قال أبو عُمر: هذا في الذَّكاةِ دونَ الدِّباغ، وأمّا الدِّباغُ فهو عندَه مُطَهِّرٌ لجلودِ الثَّعالب وغيرِها.
وقالت طائفةٌ من أهل العلم: لا يجوزُ الانتفاعُ بجلودِ السِّباع، لا قبلَ الدِّباغ ولا بعدَه، مَذبوحةً كانت أو ميِّتةً. وممّن قال هذا القولَ: الأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ويزيدُ بن هارون (٤) ، واحتجُّوا بأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنّما
ج ٣ ص ٢٨٠أباحَ الانتفاعَ بجلدِ الميتةِ المدبوغِ إذا كان ممّا يُؤكلُ لحمُه؛ لأنّ الخطابَ الواردَ في ذلك إنّما خرَج على شاةٍ ماتَتْ لبعض أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فدخَل في ذلك كلُّ ما يُؤكلُ لحمُه، وما لم يُؤكلْ لحمُه فداخلٌ في عموم تحريمِ الميتَةِ. واستدلُّوا بقولِ أكثرِ العلماء في المَنعْ من جلدِ الخِنْزير بعدَ الدِّباغ؛ لأنّ الذَّكاةَ غيرُ عاملةٍ فيه. قالوا: وكذلك السِّباع لا تَعمَلُ فيها الذَّكاةُ؛ لنَهْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِها (١) ، ولا يَعمَلُ فيها الدِّباغُ؛ لأنّها مَيْتةٌ، لم يَصِحَّ خصوصُ شيءٍ منها. وزعَموا أنّ قولَ مَن أجاز الانتفاعَ بجلدِ الخنزيرِ بعدَ الدِّباغ شذوذٌ لا يُعَرَّجُ عليه.
-
وحكَى إسحاقُ بن منصورٍ الكَوْسَجُ (٢) ، عن النَّضْرِ بن شُمَيْل، أنّه قال في قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" : إنّما يقالُ الإهابُ للإبل (٣) والبقر والغنم، وأمّا السِّباعُ فجلودٌ. قال الكَوْسَجُ: وقال لي إسحاقُ بن راهُويَة: هو كما قال النَّضْرُ بنُ شُمَيل.
-
وحجَّةُ الآخرين قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر" فعَمَّ الأُهُبَ كلَّها، فكلُّ إهابٍ داخلٌ تحتَ هذا الخطاب، إلّا أنْ يَصحَّ إجماعٌ في شيءٍ من ذلك فيَخْرُجَ من الجُملة. وبالله التوفيق.
- ج ٣ ص ٢٨١
أخبَرنا عبدُ الرحمن بن يحيى ويحيى بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن الزَّرَّاد، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: سألتُ سُحْنُونًا عن لُبسِ الفِراءِ الفَنَكيات (١) ، وقلتُ: إنّه بلَغني عنك فيها شيءٌ، وقلتُ: إنّهم ليس يَغسِلُونها، إنّما يَذْبحُونها فيَدْبُغُونها بذلك الدَّم. قال: وما ذلك الدَّمُ؟ قال: أليس يسيرًا؟ قلتُ: بلى. قال: أوليس يذهَبُ مع الدِّباغ؟ قلتُ: بلى. قال: لا بأسَ به، إذا دُبغَ الإهابُ فقد طَهُرَ.
-
واختَلَف الفقهاءُ في الدِّباغ الذي يُطَهَّرُ به جُلودُ الميْتةِ، ما هو؟ فقال أصحابُ مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبه: كلُّ شيءٍ دُبِغ به الجلدُ من مِلْحٍ، أو قَرَظٍ، أو شَبٍّ (٢) ، أو غيرِ ذلك، فقد جاز الانتفاعُ به. وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنّ كلَّ شيءٍ دُبغ به جلدُ الميْتةِ، فأزالَ شعَرَه ورائحتَه، وذهَب بدَسَمِه ونَشَّفَه، فقد طَهَّره، وهو بذلك الدِّباغ طاهر، وهو قولُ داودَ (٣) .
-
وذكَر ابنُ وَهْب، قال: قال يحيى بن سعيدٍ: ما دُبِغَتْ به الجُلودُ من دقيقٍ، أو قَرَظٍ، أو مِلح، فهو لها طَهُورٌ. وللشافعيِّ في هذه المسألة قولان: أحدُهما هذا، والآخرُ أنّه لا يُطَهِّرُه إلّا الشَّبُّ، أو القَرَظُ؛ لأنّه الدِّباغُ المعهودُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الذي خرَج عليه الخطابُ (٤) ، واللهُ الموفِّق.
- ج ٣ ص ٢٨٢
حديث سابع عشر لزَيد بن أسْلَم مسندٌ صحيح
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن أبيه (٢) ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدُكم يُصلِّي، فلا يَدَعْ أحدًا يَمرُّ بينَ يَديْهِ، ولْيَدْرَأْه ما استطاع، فإن أبَى فلْيُقاتِلْه، فإنّما هو شيطانٌ" .
-
قيل: إنّ عبدَ الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ يُكْنى أبا جعفرٍ، تُوفِّي سنةَ اثنَتَيْ عشْرةَ ومئةٍ، وهو ابنُ سبع وسبعينَ سنةً (٣) ، وقد ذكرنا أباه في كتاب الصحابة (٤) بما يُغْني عن ذكرِه ههنا، وعبدُ الرحمن من ثقاتِ التابعينَ بالمدينة.
-
وهكذا روَى هذا الحديث جماعةُ رواةِ "الموطّأ" ، فيما عَلِمْتُ (٥) ، وليس عندَهم في هذا الحديث عن مالكٍ غير هذا الإسناد، إلّا ابنَ وَهْب (٦) ، فإنّ عندَه في ذلك عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدُكم يُصلِّي فلا يدَعْ أحدًا يَمرُّ بين يَديْهِ" (٧) .
- ج ٣ ص ٢٨٣
هذا آخرُ هذا الحديث عندَه، ولم يَرْوِه أحدٌ عن مالكٍ بهذا الإسناد إلّا ابنَ وَهْب. وعندَ ابن وهبٍ أيضًا عن مالكٍ حديثُ زيدِ بن أسلمَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه (١) ، هذا المذكورُ في هذا الباب على حسبٍ ما ذكرناه. وحديثُ عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ أشهرُ، وحديثُ عطاءِ بن يسارٍ معروفٌ أيضًا (٢) .
-
حدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمدٍ، عن صفوانَ بن سُليم، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، أنّه كان يُصَلِّي ومرَّ بين يدَيْه ابنٌ لمروانَ بنِ الحكم، فضرَبه، فقال مروانُ: ضرَبْتَ ابنَ أخيكَ! قال: ما ضَرَبْتُ إلّا شيطانًا، سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنْ أَبَى فرُدَّه، فإنْ أبَى فقاتِلْهُ، فإنّما هو شيطانٌ" (٣) .
ج ٣ ص ٢٨٤قال أبو عُمر: في هذا الحديث كراهيةُ المرورِ بين يَدَي المُصَلِّي إذا كان وحدَه وصلَّى إلى غيرِ سُترةٍ، وكذلك حكمُ الإمام إذا صلَّى إلى غير سُترةٍ. فأمّا المأمومُ، فلا يَضُرُّه مَن مرَّ بين يديه، كما أنّ الإمامَ والمنفَردَ لا يَضُرُّ أحدًا منهما ما مرَّ من وراءِ سُترته، وسُترةُ الإمام سُتر لمن خلفَه.
-
وإنّما قلنا: إنّ هذا في الإمام وفي المنفرِد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان أحدُكم يُصلِّي" . ومعناه عندَ أهل العلم: يُصلِّي وحدَه؛ بدليل حديث ابن عباس، وبذلك قلنا: إنّ المأمومَ ليس عليه أنْ يَدفعَ من يَمُرُّ بين يدَيه؛ لأنّ ابنَ عباسٍ قال: أقبَلْتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهَزْتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي بالناسِ بمِنًى، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنزَلْتُ (١) ، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحد. هكذا رَواه مالكٌ (٢) ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيد الله، عن ابن عباسٍ.
-
ألَا ترَى أنّه مرَّ بينَ يدَيْ بعض الصَّفِّ فلم يَدْرَأْه أحدٌ ولم يَدْفَعْه، ولا أنكَرَ عليه؟ فإذا كان الإمامُ أو المنفردُ مصَلِّيًا إلى سُترةٍ، فليس عليه أنْ يَدْفَعَ مَن يَمُرُّ من وراءِ سُترته. وهذه الجملةُ كلُّها على ما ذكَرْتُ لك، لا أعلمُ بين أهلِ العلم فيه اختلافًا والآثارُ الثابتةُ دالةٌ عليها.
-
وفي هذا الحديث أيضًا دليل على أنّ العملَ في الصلاةِ جائزٌ، والذي يجوزُ عند العلماءِ منه القليلُ، نحو قَتْلِ البُرْغوث، وحَكِّ الجسَدِ (٣) ، وقَتْلِ العَقْرَب بما خَفَّ من الضَّرْبِ، ما لم تكنِ المتابعةُ والطُّولُ، والمشي إلى الفُرَج (٤) إذا كان ذلك قريبًا،
ج ٣ ص ٢٨٥ودرءِ المارِّ بينَ يدَي المُصَلِّي. وهذا كلُّه ما لم يَكْثُرْ، فإنْ كَثُرَ أفسَد، وما عَلِمْتُ أحدًا من العلماءِ خالفَ هذه الجملةَ، ولا عَلِمْتُ أحدًا منهم جعَل بينَ القليل من العملِ الجائزِ في الصلاة وبين الكثيرِ المُفسدِ لها حدًّا لا يُتجاوزُ إلّا ما تَعارَفه الناسُ. والآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب والموقوفةُ كثيرةٌ، وقد (١) ذكَرنا مِنْ فَتْل الدَّم (٢) وقتلِ القَمْلِ في الصلاةِ في باب هشامِ بن عروةَ ما فيه كفايةٌ (٣) .
-
ومن العمل في الصلاة شيءٌ لا يجوزُ منه فيها القليلُ ولا الكثيرُ؛ وهو الأكلُ، والشُّربُ، والكلامُ عَمدًا في غير شأنِ الصلاة، وكذلك كلُّ ما بايَنَها وخالَفها؛ مِن اللَّهو والمعاصي، وما لم تَرِدْ فيه إباحةٌ؛ قليلُ ذلك كلِّه وكثيرُه غيرُ جائزٍ شيءٌ منه في الصلاة.
-
وقولُه في الحديث: "فإن أبَى فلْيُقاتِلْه" فالمُقاتلةُ هنا المُدافعةُ، وأظنُّه كلامًا خرَج على التَّغْليظ، ولكلِّ شيءٍ حَدٌّ. وأجمَعوا أنّه لا يُقاتِلُه بسَيْفٍ، ولا يُخاطبُه، ولا يَبلُغُ منه مَبلغًا تَفْسُدُ به صلاتُه، فيكونَ فعلُه ذلك أضرَّ عليه من مرورِ المارِّ بين يَدَيهِ، وما أظُنُّ أحدًا يبلُغُ بنفسِه إذا جهِل أو نسيَ فمرَّ بين يَدَيْ مصلٍّ، إلى اكثرَ من الدَّفع، وفي إجماعِهم على ما ذكَرنا ما يُبيِّنُ لكَ المرادَ من الحديث.
-
وقد بلَغني أنّ عمرَ بن عبد العزيز، في أكثرِ ظنِّي، ضمَّن رجلًا دفَع آخرَ من (٤) بين يدَيْه وهو يُصَلِّي، فكسَر أنفَه - دِيَةَ ما جنَى على أنفِه. وفي ذلك دليلٌ على أنّه لم يَكنْ له أن يَبْلُغَ ذلك به؛ ولأنَّ ما تولَّد عن المُباح فهو مَعفوٌّ عنه. وقد كان
ج ٣ ص ٢٨٦الثوريُّ يَدْفعُ المارَّ بينَ يدَيْه إذا صلَّى دَفعًا عَنِيفًا، وذكَر عنه أبو داودُ أنّه قال (١) : يَمُرُّ الرجل يتَبَخْتَرُ بين يدَيَّ وأنا أصلِّي فأدفَعُه، وَيَمرُّ الضعيفُ فلا أمنعُه. وهذا كلُّه يدُلُّكَ على أنّ الأمرَ ليسَ على ظاهرِه في هذا الباب.
-
وذكَر ابنُ القاسم، عن مالك، قال: إذا جازَ المارُّ بين يَدَي المُصلِّي فلا يَرُدُّه. قال: وكذلك لا يَردُّه وهو ساجدٌ. وقال أشهبُ: إذا مرَّ قُدَّامَه فليَرُدَّه بإشارةٍ، ولا يَمْشي إليه؛ لأنّ مشيَه إليه أشدُّ من مرورِه بينَ يدَيْه، فإنْ مشَى إليه ورَدَّه لم تَفْسُدْ بذلك صلاتُه (٢) .
قال أبو عُمر: إن كان مشيًا كثيرًا فَسدَتْ صلاتُه، واللهُ أعلمُ. وإنّما ينبغي له أن يَمنَعَه ويَدرَأه منعًا لا يشتغل به عن صلاتِه، فإن غلَبَه فلْيَدَعْهُ يَبوءُ بإثْمِه؛ لأنّ الأصلَ في مُرُورِه أنّه لا يقْطَعُ على المُصلِّي صلاتَه.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: أخبرنا أبو أسامةَ، عن مُجالدٍ، عن أبي الودَّاك (٤) ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقطعُ الصلاةَ شيءٌ، وادْرَؤوا ما استَطعْتُم" .
-
وإذا لم يَقطع الصلاةَ شيءٌ، فإنّما هو تَغليظٌ على المارِّ، ولذلك جاء فيه ما جاء، والله أعلمُ.
- ج ٣ ص ٢٨٧
وسنذكُرُ اختلافَ الناس فيما يَقْطَعُ الصلاةَ وما لا يَقطعُها في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله.
-
والصحيحُ عندَنا أنّ الصلاةَ لا يَقْطَعُها شيءٌ ممّا يَمُرُّ بينَ يَدَي المُصلِّي بوجهٍ من الوجوه، ولو كان خِنْزيرًا، وإنّما يقطعُها ما يُفسدُها من الحَدثِ وغيرِه ممّا جاءَتِ الشريعةُ به (١) .
-
وأمّا الحديثُ بأنّ الإمامَ سُترةٌ لمن خَلفَه، فحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ، قال: جئتُ أنا والفَضْلُ ونحن على أتانٍ، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي بعَرفةَ، فمَررنا ببعض الصَّفِّ، فنزلنا عنها، وتركناها تَرْتَعُ، ودخَلنا معه في الصَّفِّ، فلم يقلْ لنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا (٢) .
-
فهذا دليلٌ على أنّ سُترةَ الإمام سُترةٌ لمَن خلفَه. وأوضحُ من هذا ما حدَّثناه خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ بن السَّكَن، قال: حدَّثنا الحسينُ بن إسماعيلَ المحامليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن محمدِ بن ثَوابٍ (٣) الحَضْرميُّ، قال: حدَّثنا خلَّادُ بن يزيدَ الأرقَطُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن الغاز، عن نافع، عن
ج ٣ ص ٢٨٨ابن عمرَ، قال: صلَّى بنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ أو العصرَ، فجاءتْ بَهْمَةٌ (١) لتمُرَّ بين يدَيْهِ، فجعَل يَدْرَؤُها، حتى رأيتُه ألصَقَ مَنكِبَه بالجدارِ فمرَّتْ خلفَه (٢) .
-
ألا ترَى أنّه كرِهَ أنْ تَمُرَّ بين يَديهِ، ولم يَكرَهْ أنْ تَمُرَّ خَلْفَه.
-
وهذا الحديثُ خُولِفَ فيه خلّادٌ هذا، فرُوِيَ عن هشام بن الغاز، عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا الإسناد ذكَره أبو داود (٣) .
-
وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا عيسى بن يونسَ، عن هشام بن الغاز، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أقبلْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من ثَنِيّة أذاخِرَ (٤) ، فحضرَتْهُ الصلاةُ إلى جدارٍ، فاتَّخذَه قِبلةً، ونحن خلفَه، فجاءتْ بَهْمَةٌ لِتَمُرَّ بينَ يدَيهِ، فما زالَ يَدْرؤها حتى ألصَق بَطنَه بالجدارِ ومرَّتْ من ورائه (٥) .
-
وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي إلى سُترةٍ في السَّفر والحضر، إنْ لم يكنْ جدارٌ نَصَبَ أمامَه شيئًا، وكان يأمُرُ بذاك - صلى الله عليه وسلم -.
- ج ٣ ص ٢٨٩
والسُّترةُ في الصلاةِ سُنَّةٌ مَسْنونةٌ معمولٌ بها. روَى عُبيدُ الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرَج يومَ العيدِ أمَر بالحَرْبةِ فتُوضَعُ بين يدَيه، فيُصلِّي إليها، والناسُ وراءَه، وكان يَفعلُ ذلك في السَّفَر. قال: فمِن ثمَّ اتّخَذَها الأمراءُ. ذكَره البخاريُّ وجميعُهم (١) .
-
وروَى شعبةُ (٢) ، عن عونِ بن أبي جُحَيْفَة، عن أبيه، أنّه شهد النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بالبطحاءِ الظُّهرَ والعصرَ ركْعَتَيْن ركْعَتَين، وبين يدَيه عَنزةٌ تمُرُّ من ورائِها المرأةُ والحمارُ.
-
وصلَّى الظهرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شجرةٍ، من حديث شعبةَ أيضًا، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن عليٍّ (٣) .