زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ٢٩ من ٤٠
- ج ٣ ص ٥٢٠
وظاهرُ هذا الخبرِ يقتضِي (١) أنَّ الصَّدقةَ تِحلُّ لهؤلاء الخمسةِ في حالِ غناهُم، ولو لم يجزْ لهم أخذُها إلَّا مع الحاجةِ والفقرِ لَمَا كان للاستثناء وجْهٌ؛ لأنَّ اللّهَ قد أباحَها للفقراء والمساكينِ إباحةً مُطلقةً، وحقُّ الاستثناء أنْ يكونَ مخُرِجًا مِن الجملةِ ما دخَل في عُمومِها، هذا هو الوجْهُ، واللّهُ أعلمُ.
-
ورَوَينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي نُعم أنَّه قال: كنتُ جالسًا عندَ عبدِ الله بنِ عُمرَ، فجاءتْه امرأةٌ، فقالتْ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّ زوجَها تُوفِّي، وأوصَى بمالٍ في سبيلِ الله. قال: هو في سبيلِ الله كما قال. قلتُ: إنَّكَ لم تزدْها إلَّا عَمًى، قد سألتْكَ فأخبرْها. فأقبلَ عليَّ، فقال: يا ابنَ أبي نُعمٍ، أتأمرني أنْ آمرَها أنْ تدفعَه
ج ٣ ص ٥٢١إلى هذه الجيوشِ الذينَ يخرجونَ فيفسدونَ في الأرضِ، ويقطعونَ السَّبيلَ (١) ؟ قال: فقلتُ: فتأمرُها بماذا؟ قال: آمرُها أنْ تُنفقَه على أهلِ الخيرِ، وعلى حُجَّاجِ بيْتِ الله، أولئكَ وفدُ الرحمنِ، ليسوا كوفدِ الشَّيطانِ. يُكرِّرُها ثلاثًا. قلتُ: وما وفدُ الشَّيطانِ؟ قال: قومٌ يأتونَ هؤلاء الأمراء، فيمشونَ إليهم بالنَّميمةِ والكذبِ، فيُعطَونَ عليها العطايا، ويجازَونَ عليها بالجوائزِ (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ مَن جازَ له أخذُ الصَّدقةِ، وحلَّتْ له، أنَّه يتصرَّفُ فيها ويملِكُها، ويصنعُ فيها ما شاء مِن بيعٍ، وهبةٍ، وغير ذلك ممَّا أحبَّ؛ ولذلك ما يطيبُ أكلُها لمنِ اشتراها، ولمنْ أُهديَتْ إليه. وقد تقدَّمَ القولُ في معنَى هديَّةِ المسكينِ مِن الصدقةِ للغنيِّ، في بابِ ربيعةَ، في قصَّةِ لحم بَرِيرةَ؛ إذْ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هديَّةٌ" (٣) .
-
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ (٤) ، قال: حدَّئنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ سَبُّوية السِّجْسِيُّ (٥) ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (٦) : أخبَرنا معمرٌ، عن يحيَى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ
ج ٣ ص ٥٢٢عبدِ الرَّحمن، عن أُمِّ سلمةَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخَل عليها، فقال: "أعندكِ شيءٌ؟ " فقالت: لا إلَّا رجلُ شاةٍ تُصدِّقَ به على امرأةٍ فأهدتْهُ لنا. فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "قرِّبِيهِ، فقدْ بلغَتْ مَحِلَّها" .
-
ومعنَى قولِه هذا، واللّهُ أعلمُ، أيْ: قد بلغَتْ حالًا تحلُّ لنا فيها؛ إذْ هي هديَّةٌ أهداها مَن يملِكُها، وإنْ كان أصلُها صدقةً فلا يَضُرُّ؛ لأنَّها ليسَتْ بصدقةٍ من المُهدِي.
-
ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ: بلغَتْ موضعَها الذي قدَّرَ اللّهُ أنْ تُؤكلَ فيه، فهو محلُّها؛ وهو منَ الوجْهِ الأوَّلِ. أنَّها بلغَتْ حالًا حَلَّ له فيها أكلُها.
-
ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ: قد بلغَتِ الحاجةُ مَحِلَّها، فنحنُ نأكلُ الرِّجلَ وغيرَ الرِّجلِ لحاجتِنا إلى ذلك، واللّهُ أعلمُ بما أرادَ بقولِه ذلك.
-
حدَّثنِي محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُبيدِ بنِ السَّباقِ، عن جُويريةَ بنتِ الحارثِ، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ يومٍ، فقال: "هلْ عندكنَّ شيءٌ؟ " قلتُ: لا، إلَّا عظمٌ أُعطيتْه مولاةٌ لنا مِن الصدقةِ. قال: "قرِّبيهِ، فقدْ بلغَتْ مَحِلَّها" (١) .
-
وروَى ابنُ عُليَّةَ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالت: بعَث إليَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- شاةً منَ الصَّدقةِ، فبعثْتُ إلى عائشةَ منها بشيءٍ، فلمَّا خرجَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عائشةَ، قال: "هلْ عندَكم من شيءٍ؟ " قالت: لا، إلَّا أنَّ أُمَّ عطيَّةَ
ج ٣ ص ٥٢٣بعثَتْ إلينا مِن شاتِها التي بعثتمْ بها إليها. فقال: "إنَّها قدْ بلغَتْ مَحِلَّها" (١) .
-
كذا قال ابنُ عُليَّةَ، وخالَفه أبو شهابٍ، فقال فيه: عن أُمِّ عطيَّةَ، قالتْ: بعَثتْ إليَّ نُسَيبةُ الأنصاريَّةُ بشاةٍ. وذكَره (٢) .
-
حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله، عن أبِي شهابٍ (٤) ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالتْ: بعثت إليَّ نُسيبة الأنصاريةُ بشاةٍ، فأرسَلتُ إلى عائشةَ منها فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هل عندكم شيءٌ؟ " فقالت: لا، إلَّا ما أرسَلتْ به نُسيبةُ من تلك الشاةٍ، قال: "هاتِ، فقد بَلَغتْ مَحِلَّها" (٥) .
- ج ٣ ص ٥٢٤
حديثٌ سادسٌ وثلاثون لزَيْد بن أسلَم مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رجلًا قبَّلَ امرأتَه وهو صائمٌ في رمضانَ، فوجَد من ذلك وَجدًا شديدًا، فأرسَل امرأتَه تسألُ له عن ذلك، فدخَلتْ على أُمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرتْ ذلك لها، فأخبَرتْها أُمُّ سَلَمةَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُ وهو صائمٌ، فرجَعَتْ فأخبرَتْ زوجَها بذلك، فزادَه ذلك شرًّا، وقال: لسْنا مثلَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، يُحِلُّ اللهُ لرسولِه ما شاء. ثم رجَعَتِ امرأتَه إلى أُمِّ سلمةَ، فوجَدَتْ عندَها رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما لهذه المرأةِ؟ " فأخبرتْه أُمُّ سلمةَ، فقال: "ألا أخبَرْتِيها أنِّي أفعَلُ ذلك؟ " فقالَتْ: قد أخبرتُها، فذهَبتْ إلى زوجِها فأخبَرتْه، فزادَه ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، يُحلُّ اللهُ لرسوله ما شاء. فغضِب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: "واللّه إنِّي لأتقاكم للّه وأعلمُكم بحُدودِه" .
-
هذا الحديثُ مرسلٌ عندَ جميعِ رواةِ "الموطَّأ" عن مالكٍ (٢) . وهذا المعنَى؛ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ، صحيحٌ من حديثِ عائشةَ (٣) ، وحديثِ
ج ٣ ص ٥٢٥أُمِّ سلمةَ (١) ، وحديثِ حفصةَ (٢) ، يُروَى عنهنَّ كلِّهِنَّ (٣) وعن غيرِهِنَّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وُجوهٍ ثابتةٍ، وقد ذكَر منها مالكٌ حديثَ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أنَّها قالت: "إن كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لَيُقبِّلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ. ثم تضحَكُ" (٤) عطَف به على حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا في الموطَّأ. ونحن نذكُرُ ما رُوِيَ في ذلك من حديثِ عائشةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، لأنَّه بلغه أنَّ عائشةَ كانت إذا ذكَرَتْ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُ وهو صائمٌ تقولُ: وأيُّكم أملَكُ لنفسِه من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- (٥) ؟ ونذكُرُ هاهنا ما رُوِي في ذلك من حديثِ أُمِّ سلمةَ خاصَّةً دونَ غيرِها من الآثارِ؛ إذْ هي التي رُفعَ عنها هذا الحديثُ هاهنا. وباللّه العونُ.
-
وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ القُبلةَ للصائم جائزةٌ في رمضانَ وغيرِه، شابًّا كان أو شيخًا، على عُموم الحديثِ وظاهرِه؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَقُلْ للمرأةِ: هل زوجُكِ شابٌّ أم (٦) شيخٌ؟ ولو ورَد الشرعُ بالفرقِ بينَهما لما سكَت عنه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّه المبيِّنُ عن الله مُرادَه من عبادِه. وأظنُّ أن الذي فرَّقَ بينَ الشيخِ والشابِّ في القُبلةِ للصائم ذهَب إلى قولِ عائشةَ في حديثها حديث هذا البابِ (٧) : وأيُّكم أملَكُ لإرْبِه من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أي: أملَكُ لنفسِه وشهوتِه (٨)
- ج ٣ ص ٥٢٦
من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-. وبهذا أيضًا احتجَّ مَن كرِهَها، وسيأتي هذا الحديثُ في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، ويأتي القولُ فيها هناك إن شاء اللّهُ.
-
وممَّن كرِه القُبلةَ للصَّائمِ؛ عبدُ الله بنُ مسعودٍ (١) ، وعبدُ الله بنُ عمرَ (٢) ، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ (٣) . وقد رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: يقضِي يومًا مكانَه (٤) .
-
وكَرِه مالكٌ القُبلةَ للصَّائم في رمضانَ للشيخِ والشابِّ؛ ذهَب فيها إلى ما رواه عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان ينهَى عن القُبلةِ والمباشرةِ للصَّائمِ (٥) . ولِما رواه عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه (٦) ، أنَّه قال: لم أرَ القُبلةَ للصَّائم تدعُو إلى خيرٍ (٧) . ولم يذهَبْ فيها إلى ما رواه عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه رخَّصَ فيها للشيخ، وكرِهَها للشابِّ (٨) .
- ج ٣ ص ٥٢٧
وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حَدَّثَنَا زكريَّا بنُ يحيى السِّجزيُّ وجعفرُ بنُ محمدٍ الفريابيُّ، قالا: حَدَّثَنَا قُتيبةُ (١) ، قال: حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ (٢) ، عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيَّةَ، عن ابنِ عباسٍ في القُبلةِ للصَّائمِ، قال: إنَّ عُروقَ الخُصيتين مُعلَّقةٌ بالأنفِ، فإذا وجَد الرِّيحَ تحرَّكَ، وإذا تحرَّكَ دعا إلى ما هو أكثرُ من ذلك، والشيخُ أملَكُ لإرْبِه (٣) .
-
وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) : أخبَرنا معمرٌ، عن عاصم بنِ سليمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ (٥) ، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ شيخٌ يسألُه عن القُبلةِ وهو صائمٌ فرخَّصَ له، فجاءه شابٌّ فنهاهُ.
قال (٦) : وأخبرَنا ابنُ عيينةَ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لا بأسَ بها إذا لم يكنْ معها غيرُها؛ يعني: القُبلةَ.
قال (٧) : وأخبَرنا ابنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه سُئلَ عن القُبلةِ للصائمِ، فقال: هي دليلٌ إلى غيرِها، والاعتزالُ أكْيَسُ.
قال أبو عُمر: كلُّ من كرِهها فإنَّما كرِهها خوفًا من أن تُحدِثَ شيئًا يكونُ رَفَثًا؛ كإنزالِ الماء الدَّافقِ، أو خُروج المَذْي، وشبْهِ ذلك ممَّا لا يجوزُ للصائمِ،
ج ٣ ص ٥٢٨وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من كان صائمًا فلا يَرفُثْ" (١) ، فدخَل فيه رَفَثُ القولِ، وغِشيانُ النِّساء، وما دعا إلى ذلك وأشباهُه (٢) .
-
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان ينهَى عن القُبلةِ للصائمِ، فقيلَ له: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. فقال: مَن ذا له من الحفظِ والعصمةِ ما لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قال الزهريُّ: وأخبَرني من سمِع أصحابَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يتناهَون عن القُبلةِ صِيَامًا، ويقولون: إنَّها تدعُو إلى أكثرَ منها (٤) .
قال أبو عُمر: لا أرَى معنى حديثِ ابنِ المسيِّب في هذا البابِ عن عمرَ، إلَّا تنزُّهًا واحتياطًا منه؛ لأنَّه قد رُوِيَ فيه عن عمرَ حديثٌ مرفوعٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ فيه عندَ عمرَ حديثٌ مرفوعٌ ويخالفه إلى غيرِه:
حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ المفسِّرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ، قالا (٥) : حَدَّثَنَا شَبَابةُ بنُ
ج ٣ ص ٥٢٩سَوَّارٍ، عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن بُكيرِ بنٍ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن عبدِ الملك بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ، عن عمرَ بن الخطابِ قال: هشَشْتُ إلى امرأتِي فقبَّلتُها وأنا صائمٌ، فأتيْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: يا رسولَ الله، أتيْتُ أمرًا عظيمًا؛ قبَّلْتُ وأنا صائمٌ (١) . فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أرأيتَ لو تمضمضْتَ بالماء وأنت صائم؟ " . قال: قلتُ: لا بأسَ. قال: "ففيمَ؟ " .
-
وكان الشافعيُّ يكرَهُها لمن حرَّكتْه بها شَهْوةٌ (٢) ، وخاف أن يأتيَ عليه منها شيءٌ، ولم يكرَهْها لمن أُمِنَ عليه (٣) . وقال أبو ثورٍ: إذا كان يخافُ أن يتعدَّى إلى غيرِها لم يتعرَّضْ لها (٤) .
-
ورُويَتِ الرُّخصةُ في القُبلةِ للصَّائم عن عمرَ بنِ الخطابِ (٥) . ولا يصِحُّ ذلك عنه (٦) ، ورُوِيَتْ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاص، وأبي هريرةَ وابنِ عباسٍ أيضًا، وعائشة (٧) . وبه قال عطاءٌ، والشعبيُّ، والحسنُ (٨) . وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل،
ج ٣ ص ٥٣٠وإسحاقَ بنِ راهُويَة، وداودَ بنِ عليٍّ. ولا أعلَمُ أحدًا رخَّصَ فيها لمن يَعلَمُ أنَّه يتولَّدُ عليه منها شيءٌ مما يُفسِدُ صومَه (١) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا بأسَ بالقُبلةِ إذا كان يأمَنُ على نفسِه. قالوا: فإن قبَّلَ فأمنَى فعليه القضاءُ، ولا كفَّارةَ عليه (٢) . وهو قولُ الثوريِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ، والشافعيِّ، فيمن قبَّلَ فأمنَي، أنَّ عليه القضاء، وليس عليه كفَّارةٌ (٣) .
وقال ابنُ عُليَّةَ: لا تُفسِدُ القُبلةُ الصَّومَ، إلَّا أن ينزِلَ الماءُ الدافقُ. ولو قبَّلَ فأمذَى لم يكنْ عليه شيءٌ عندَ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، وابنِ عُليَّةَ، والأوزاعيَ (٤) .
وقال أحمد: مَن قَبَّل فأمذَى أو أمْنَي، فعليه القضاءُ. ولا كفَّارةَ عندَه إلَّا على مَن جامَع فأوْلجَ ناسيًا أو عامدًا (٥) . وسيأتِي ذكرُ كفَّارةِ المفطرِ في رمضانَ بجماعٍ أو أكلٍ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ، إن شاء اللّهُ.
وقال مالكٌ: لا أُحبُّ للصائم أن يُقبِّلَ، فإن قبَّلَ في رمضانَ فأنزَل، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ، وإنْ قبَّلَ فأمذَي، فعليه القضاءُ، ولا كفَّارة (٦) . وقال ابنُ خُويز منداد: القضاءُ على مَن قبَّلَ فأمذَى عندَنا مُستحَبٌّ ليس بواجبٍ.
- ج ٣ ص ٥٣١
وفيه من الفقْهِ أيضًا إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ الثِّقةِ، ذكرًا كان أو أُنثَي، وعلى ذلك جماعةُ أهلِ الفقهِ والحديثِ أهلُ السُّنَّةِ، ومَن خالَف ذلك فهو عندَ الجميعِ مُبتدِعٌ. والدَّليلُ على ما قُلْنا من العملِ بخبرِ الواحدِ من هذا الحديثِ قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لأمِّ سلمةَ: "ألا أخبرتِيها؟ " . فأوضَح بذلك أنَّ خبرَ أُمِّ سلمةَ يجبُ العملُ به، وكذلكَ خبرُ المرأةِ لزوجِها، ولو كان خبرُ أُمِّ سلمةَ لا يلزَمُ المرأةَ، أو خبرُ المرأةِ لا يلزَمُ زوجَها، لَمَا قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأمِّ سلمةَ: "ألا أخبرتيها؟ " ؛ لأنَّها كانَتْ تقولُ: وكيف كنتُ أُخبرُها عنك وحدي؟ وأيُّ فائدةٍ في نقِلي عنك وحدِي؟ أو كيف تنقُلُ المرأةُ الخبرَ وحدَها إلى زوجِها؟ وهذا بيِّن في إيجابِ العملِ بخبرِ الواحدِ وقَبولِه ممَّن جاء به إذا كان عدلًا، والحجَّةُ في إثباتِ خبرِ الواحدِ والعملِ به قائمة من الكتابِ والسّنَّةِ ودلائلِ الإجماعِ والقياسِ، وليس هذا موضعَ ذكرِها، وقد أفردْنا لذلك كتابًا تقصيْنا فيه الحجَّةَ على المخالفينَ، والحمدُ للّه، وإنَّما قصَدْنا في كتابِنا هذا لتخريجِ ما في الأخبارِ من المعانِي، وقد علِمْنا أنَّ النَّاظرَ فيه ليس ممَّن يُخالفُنا في قَبولِ خبرِ الواحدِ، وباللّه التوفيقُ.
-
وفيه: أنَّ فعلَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كلَّه يحسُنُ التَّأسِّي به فيه على كلِّ حالٍ، إلَّا أن يُخبِرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه له خاصَّةً، أو ينطِقَ القرآنُ بذلك، وإلَّا فالاقتداءُ به أقلّ أحوالِه أن يكونَ مندوبًا إليه في جميعِ أقوالِه، ومن أهل العلم مَن رأى أنَّ جميعَ أفعالِه واجبٌ الاقتداءُ بها كوجوبِ أوامرِه. وقد بيَّنَّا الحجَّةَ فيما اختُلِفَ فيه من ذلك في غيرِ هذا الكتاب. والدَّليلُ على أنَّ أفعالَه كلَّها يحسُنُ التَّأسِّي به -صلى الله عليه وسلم- فيها قولُ الله عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] ، فهذا على الإطلاقِ، إلَّا أن يقومَ الدَّليلُ على خُصوصِ شيءٍ منه فيجبَ التَّسليمُ له، ألا ترَى أنَّ الموهوبةَ لما كانت له خاصةً نطَق القرآنُ بأنَّها خالصةٌ له من دونِ
ج ٣ ص ٥٣٢المؤمنين (١) . وقال -صلى الله عليه وسلم- في الوِصالِ: "إنِّي لستُ كهيئتِكم؛ إنِّي أبِيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقينِي" (٢) . فأخبرَ بموضعِ الخصوص على أنَّ من العلماءِ مَن لم يجعَلِ الوصالَ خُصوصًا له، وجعَله من بابِ الرِّفقِ والتَّيسيرِ على أُمَّتِه، وسنبيِّنُ القولَ في ذلك في كتابِنا هذا عندَ ذكرِ هذا الحديثِ إن شاء اللّهُ. قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: ٥٢، ٥٣] . وقال -صلى الله عليه وسلم-: "خُذوا عنِّي مناسكَكم" (٣) . وقال: "صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي" (٤) . وقال عبدُ الله بنُ عمرَ: إنَّ اللّهَ بعَث إلينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ونحن لا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نفعلُ كما رأيناه يفعلُ (٥) .
-
وفي غضبِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وقوله: "واللّه إنِّي لأخشاكم للّه وأعلمُكم بحُدودِهِ" دليلٌ على أنَّ الخصوصَ لا يجوزُ ادِّعاؤُه عليه بوجهٍ من الوُجُوهِ (٦) ، إلَّا بدليلٍ مُجتمَع عليه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما بُعِثْتُ مُعلِّمًا مُيسِّرًا" (٧) ، و"بُعِثْتُ رحمةً
ج ٣ ص ٥٣٣مُهداةً" (١) صلواتُ الله وسلامُه عليه، فلا يجوزُ ادِّعاءُ الخصوص عليه في شيءٍ إلَّا فيما بأن به خُصوصُه في القرآنِ، أو السُّنَّةِ الثابتةِ، أو الإجماعِ؛ لأنَّا قد أُمِرنا باتِّجاعِه والتَّأَسِّي به، والاقتداءِ بأفعالِه، والطَّاعةِ له، أمرًا مُطلقًا، وغيرُ جائزٍ عليه أن يُخَصَّ بشيءٍ فيسكُتَ لأُمَّتِه عنه، ويترُكَ بيانَه لها وهي مأْمورةٌ باتِّباعِه، هذا ما لا يظنُّه ذُو لُبٍّ مسلمٌ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
حدَّثنِي سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ النذرِ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ المغيرةِ، عن أبي مودودٍ (٢) ، عن نافع، قال: رأيْتُ ابنَ عمرَ إذا ذهَب إلى قُبورِ الشُّهداءِ على ناقتِه ردَّها هكذا وهكذا، فقيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي رأيْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الطَّريقِ على ناقتِه، فلعلَّ خُفِّي يقعُ على خُفِّه (٣) . وهذا غايةٌ في الاقتداءِ والتَّأسِّي برسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.
-
وحدَّثني أحمدُ بنُ فتحِ بنِ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ الخَضرِ، قال: حَدَّثَنَا أبو العلاءِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الوَكِيعيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ ابنُ الصبّاحِ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ زكريَّا، عن الأعمشِ، عن مسلم بنِ صُبيح، عن مسروقٍ،
ج ٣ ص ٥٣٤عن عائشةَ، قالت: رخَّصَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في بعضِ الأمرِ، فرغِبَ عن ذلك بعضُ أصحابِه، فقام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فقال: "ما لِي أُرخِّصُ في الأمرِ فيرغبُ عن ذلك أُناسٌ، واللّه إنِّي لأرجو أن أكونَ أعلمَكم بالله وأشدَّكم له خشيةً" (١) .
-
وذكَر البخاريُّ، قال (٢) : حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سلَام، قال: حَدَّثَنَا عَبْدةُ (٣) ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمَرهم، أمَرهم من الأعمالِ بما يُطيقونَ، فقالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسولَ الله، إنَّ اللّهَ قد غفَر لك ما تقدَّمَ من ذنبِك وما تأخَّرَ. فيغضَبُ حتى يُعرَفَ الغضبُ في وجهِه، ثم يقولُ: "إنَّ أتقاكم للّه (٤) ، وأعلمَكم باللّه، أنا" .
قال البخاريُّ (٥) : وحَدَّثَنَا عبدُ السلام بنُ مُطهَّرٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُ بنُ عليٍّ، عن معنِ بنِ محمدٍ الغِفاريِّ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلَّا غلَبه، فسدِّدوا، وقارِبوا، وأبشِروا، واسْتَعينوا بالغَدْوةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ من الدُّلْجَةِ" .
-
وأمَّا الأحاديثُ عن أُمِّ سلمةَ في هذا البابِ:
فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٦) : حدَّثني
ج ٣ ص ٥٣٥يحيى بنُ سعيدٍ، عن طلحةَ بنِ يحيي، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ فَرُّوخَ، أنَّ امرأةً سألَتْ أُمَّ سلمةَ فقالت: إنَّ زوجي يُقبِّلُني وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ، فما تَرينَ؟ فقالت: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُني وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ.
-
وأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ يحيي، عن عبدِ الله ابن فَرَّوخَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُنِي وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ.
-
وعبدُ الله بنُ فَرُّوخَ هذا كُوفيٌّ، مولَى آلِ طلحةَ بنِ عُبيدِ الله (٢) ، وقيلَ: مولَى عمرَ بنِ الخطابِ. وهو تابعيٌّ ليس به بأسٌ (٣) .
- ج ٣ ص ٥٣٦
وأخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (١) : حَدَّثَنَا عفَّانُ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا همَّامٌ (٣) ، قال سمِعْنا من يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنَّ زينبَ ابنةَ أُمِّ سلمةَ حدَّثتْه، قالت: حدَّثتني أُمِّي أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ.
-
وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثني أبي (٤) ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو وعبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قالا: حَدَّثَنَا هشامٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَه.
-
وقرأْتُ على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حَدَّثَنَا شيبانُ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّ زينبَ ابنةَ أُمِّ سلمةَ أخبَرتْه، أنَّ أُمَّ سلمةَ حدَّثتْها، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُها وهو صائمٌ" (٥) .
- ج ٣ ص ٥٣٧
ورواه الأوزاعيُّ، عن يحيي، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ (١) . والقولُ قولُ مَن ذكَرْنا (٢) .
-
وقد رواه الحسنُ بنُ موسى الأشيبُ، عن شيبانَ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشة (٣) . وهذا عندِي إنْ لم يكنْ إسنادًا آخرَ فهو خطأٌ، وما رواه هشامٌ، وهمَّامٌ، ومحمدُ بنُ سابقٍ، عن شيبانَ، صحيحٌ (٤) . وهشامٌ الدَّستُوائيُّ أثبَتُ مَن روَى عن يحيى بنِ
ج ٣ ص ٥٣٨أبي كثيرٍ، وقد تابعَه همَّامٌ (١) وغيرُه، وروايتُه لهذا الحديثِ أولَى من روايةِ من خالَفه بالصَّوابِ، واللّهُ أعلمُ.
-
وقد رُويَ عن أُمِّ سلمةَ أيضًا في هذا الحديثِ غيرُ هذا، وذلك ما حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سهل، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ عُلَيِّ بنِ رَباح، عن أبيه، عن أبي قيسٍ مولَى عمرِو بنِ العاص، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرِو بنِ العاص أرسلَه إلى أُمِّ سلمةَ يسألهُا: هل كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُ وهو صائمٌ؟ فإن قالت: لا. فقلْ لها: إنَّ عائشةَ تُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. قال أبو قيسٍ: فجئْتُها فقالت: أحُرٌّ أم مملوكٌ؟ فقلتُ: بل مملوكٌ. فقالت: ادْنُهْ. فدَنوْتُ فقلتُ: إنَّ عبدَ الله بنَ عَمرٍو أرسلني إليكِ أسألُكِ: هل كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُ وهو صائمٌ؟ فقالت: لا. فقلْتُ: إن عائشةَ تُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. فقالت: لعلَّه لم يَتمالَكْ عنها حُبًّا (٢) .
- ج ٣ ص ٥٣٩
وهذا حديثٌ مُتَّصِلٌ، ولكنَّه ليس يجيءُ إلَّا بهذا الإسنادِ، وليس بالقويِّ، وهو مُنكَرٌ على أصلِ ما ذكَرْنا عن أُمِّ سلمةَ. وقد رواه عن موسى بنِ عُلَيٍّ، عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ (١) ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ المقرئُ (٢) ، كما رواه عبدُ الله بنُ صالحٍ (٣) سواءً (٤) . وما انفرَد به موسَى بنُ عُلَيٍّ فليس بحجَّةٍ، والأحاديثُ المذكورةُ عن أبي سلمةَ معارِضةٌ له وهي أحسَنُ مجيئًا وأظْهَرُ تواترًا، وأثبتُ نقلًا منه. وأَمّا الأحاديثُ في هذا الباب عن عائشة فأسانيدُها لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيها، وستراها في باب بلاغات مالكٍ إن شاء الله، وإسنادُ حديث حفصةَ في ذلك أحسنُ (٥) ، وباللّه التوفيق.
- ج ٣ ص ٥٤٠
حديثٌ سابعٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ يتّصلُ من وجوهٍ ثابتة
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّه قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "التمرُ بالتمرِ، مِثلًا بمِثل" . فقيل له: إنَّ عاملَكَ على خَيْبَرَ يأخُذُ الصَّاعَ بالصاعينِ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ادعُوه لي" . فدُعِيَ له، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتأخُذُ الصَّاعَ بالصاعَيْنِ؟ " . فقال: يا رسولَ الله، لا يَبِيعُونَني الجَنيبَ (٢) بالجَمْعِ صاعًا بصاع. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهم، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّراهم جَنِيبًا" .
-
هكذا روَاه في "المُوَطَّأ" مُرْسَلًا، ومعناه عندَ مالكٍ متَّصل من حديثِه عن عبدِ المجِيدِ بنِ سُهَيل، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ وأبي هريرةَ، جميعًا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) .