زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٤ من ٤٠

  1. ومنهم مَن زعَم أن حديثَ هذا البابِ منسوخٌ بأحاديثِ النهي عن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ (٥) . واحتجُّوا أيضًا بأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ نام عن الصلاةِ واستيقَظ

    ج ٣ ص ٥٤في حينِ طلوعِ الشمسِ، أخَّرَ الصلاةَ حتى ارتفعَت (١) . قالوا: وبهذا تَبيّنَ أن نهيَه عن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ ناسخ لحديثِ البابِ. فذكَروا حديثَ الثوريِّ، عن سعيدِ بن إسحاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن رجل من وَلَدِ كعبِ بن عُجْرةَ، أنه نامَ عن الفجرِ حتى طلَعتِ الشَّمْسُ. قال: فقُمتُ أُصلِّي، فدعاني فأجلَسني - أعني كعبَ بن عُجْرةَ - حتى ارتفَعتِ الشمسُ وابيَضَّت، ثم قال: قُمْ فصلِّ (٢) . وحديثَ معمرٍ والثوريِّ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، أنّ أبا بكرةَ أتاهم في بستانٍ لهم، فنام عن العصرِ، قال: فرَأيناه أنه صلَّى، ولم يكنْ صلَّى، فقام فتوضّأ، ولم يُصلِّ حتى غابَتِ الشمسُ (٣) .

    قال أبو عُمر: أما الخبرُ عن كعبِ بن عُجْرةَ، فلا تقومُ به حجةٌ؛ لأنه عن رجلٍ مجهولٍ من وَلَدِه. وأما حديثُ أبي بكرةَ، فهم يخالِفونه في عصرِ يومِه، ويرونَ جوازَ ذلك. وقد أجمَعوا أنّ السنةَ لا ينسَخُها إلا سنة مثلُها، ولا تُنسَخُ سنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بقولِ غيرِه؛ لأنه مأمورٌ باتِّباعِه، ومحظورٌ من مخالفِته.

    وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وداودُ، والطبريُّ: مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، أو فاتَته بأيِّ سببٍ كان، فليُصَلِّها بعدَ الصبحِ، وبعدَ العصرِ، وعندَ الطلوعِ، وعندَ الاستواءِ، وعندَ الغروبِ، وفي كلِّ وقتٍ ذكَرها فيه. وهو قولُ أكثرِ التابعين بالحجازِ واليمنِ والعراقِ (٤) .

    ج ٣ ص ٥٣
  2. وذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثوريِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: صلِّها حينَ تذكُرُها، وإن كان ذلك في وقتٍ تُكرَهُ فيه الصلاةُ.

    ج ٣ ص ٥٥
  3. وحجتُهم قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرَكَ ركْعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ، ومَن أدرَك رَكْعةً من الصبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ" (٢) . فهذا الحديثُ يُبيحُ الصلاةَ في حينِ الطلوع والغروبِ لمَن ذكَر صلاةً بعدَ نسيانٍ أو غفلةٍ أو تفريطٍ. ويُؤيِّدُ هذا الظاهرَ أيضًا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرَها" (٣) . ولم يخُصَّ وقتًا من وقتٍ، فذلك على كلِّ حالٍ لمَن نام أو نسِيَ.

  4. حدَّئنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرحمنِ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبَة، عن قتادةَ، عن خِلَاسٍ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن صلَّى من الصُّبْح رَكْعةً قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ وطلَعت، فلْيُصلِّ إليها أخرى" (٤) . وهذا نصٌّ في إبطالِ قولِ أبي حنيفةَ ومَن تابعَه.

  5. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا همامٌ،

    ج ٣ ص ٥٦عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن نسِيَ صلاةً (١) فَلْيُصلِّها إذا ذكَرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك" .

  6. ولا وجهَ لقولِ مَن ادَّعى النسخَ في هذا البابِ؛ لأن النسخَ إنما يكونُ فيما يتعارَضُ ويتضادُّ، ولو جاز لقائلٍ أن يقولَ: إنّ نهيَه عَن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ ناسخ لقولِه: "مَن أدرَك رَكْعةً من الصُّبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرَك الصُّبحَ، ومَن أدرَك رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُب الشمسُ فقد أدرَك العصرَ" . وناسخٌ لقولِه: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرها" ، ولا يأتي على ذلك بدليلٍ لا مُعارِضَ له - لجَاز لقائلٍ أنّ يقولَ: إن هذينِ الحديثينِ قد نَسَخا نهيَه عن الصَّلاةِ في تلك الأوقاتِ. وهذا لا يجوزُ لأحدٍ أن يدَّعيَ النسخَ فيما ثبَت بالإجماعِ، وبدليلٍ لا مُعارضَ له، فلهذا صحَّ قولُ مَن قال: إنّ النهيَ إنما ورَد في النَّوافلِ دونَ الفرائضِ؛ لِيَصحَّ استعمالُ الآثارِ كلِّها، ولا يُدفَعَ بعضُها ببعضٍ وقد أمكَن استعمالُها؛ ألا ترَى أنه - صلى الله عليه وسلم - لو قال في مجلسٍ واحدٍ: لا صلاةَ بعدَ العصرِ، ولا بعدَ الصُّبحِ، ولا عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ استوائِها وغروبِها، إلا مَن نسيَ صلاةً وجَبت عليه، أو نامَ عنها، ثم فَزِع إليها. لم يكنْ في هذا الكلام تناقضٌ ولا تعارضٌ، وكذلك هو إذا ورَد هذا اللفظُ في حديثينِ لا فَرقَ بينَه وبينَ أن يَرِدَ في حديثٍ واحدٍ، ولا فرقَ أن يكونَ ذلك في وقتِ أو وقتينِ. فمَن حمَل قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدرَك ركعةً من العصرِ أو الصبحِ قبلَ الطلوعِ والغروبِ، فقد أدرَك" على الفرائضِ، ورتَّبه على ذلك، وجعَل نَهيَه عن الصلواتِ في تلك الأوقاتِ مُرتَّبًا على النَّوافِل - فقد استعمَل جميعَ الآثارِ والسُّننِ، ولم يُنسَبْ إليه أنه ردَّ سنةً من سُننِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وعلى هذا التأويلِ في هذه الآثارِ عامَّةُ علماءِ

    ج ٣ ص ٥٧الحجازِ وفقهائِهم وجميعُ أهلِ الأثرِ. وهذا أصلٌ عظيمٌ جَسيمٌ في ترتيبِ السُّننِ والآثارِ، فتدبَّرْهُ، وقِفْ عليه، ورُدَّ كلَّ ما يرِدُ عليك من بابِه إليه.

  7. ومن قبيح غلَطِهم في ادِّعائِهم النَّسخَ في هذا البابِ، أنهم أجازوا لمن غفَل أو نامَ عن عصرِ يومِه أن يُصلِّيَها في الوقتِ المنهيِّ عنه، فلم يقُودُوا أصلَهم في النَّسخِ، ولا فرقَ بينَ عصرِ يومِه وغيرِ يومِه في نظرٍ ولا أثرٍ، ولو صحَّ النَّسخُ دخَل فيه عصرُ يومِه وغيرِ يومِه. وفي قولِهم هذا إقرارٌ منهم بالخصوصِ في أحاديثِ النَّهي، والخصوصُ أن يُقتصَرَ بها على التطوعِ دونَ ما عدَاه من الصلواتِ المنسيَّاتِ المكتوباتِ (١) . هذا قولُ مالكٍ وأصحابِه، وزاد الشافعيُّ وأصحابُه المسنُوناتِ (٢) .

  8. وأما قولُهم: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَّر الفائتةَ حينَ انتبه عندَ طلوعِ الشمسِ، فليس كما ظنُّوا؛ لأنّا قد روَينا أنهم لم ينتَبِهُوا يومَئذٍ إلا لحرِّ الشَّمسِ، والشَّمسُ لا تكونُ لها حرارةٌ إلا في وَقتٍ تحِلُّ فيه الصلاةُ إن شاء اللهُ.

  9. أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن نافع بن جبيرِ بن مطعِم، عن أبيه، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفرٍ فقال: "مَن يكلَؤُنا الليلةَ لا نرقُدُ عن صلاةِ الفجر؟ " . فقال بلالٌ: أنا. فاستقبَل

    ج ٣ ص ٥٨مطلِعَ الشمسِ، فضُرِب على آذانِهم حتى أيقظَهم حرُّ الشمسِ، ثم قاموا، فقادُوا رِكابَهم فتوضَّئُوا، ثم أذَّنَ بلالٌ، ثم صلَّوا رَكْعتي الفجرِ، ثم صلَّوُا الفجرَ (١) .

  10. وسنذكُرُ أحاديثَ النوم عن الصلاةِ في بابِ مُرسلِ زيدِ بن أسلمَ، وبابِ ابن شهابٍ، عن ابن المُسيِّبِ إن شاء اللهُ، ونذكُرُ أحاديثَ النَّهي عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشمسِ وقبل غروبِها واستوائِها، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصنابِحيِّ، ونُبيِّنُ معناها عندَ العلماءِ. ونذكُرُ حديثَ نَهيِه عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبَّانَ. ونذكرُ أحاديث النَّوم عن الصلاة في باب مُرْسل زيد بن أسلم. ونُوردُ في كلِّ بابٍ من هذه الأبوابِ ما للعلماءِ في ذلك من المذاهبِ والتَّنازُعِ إن شاء اللهُ.

  11. حديثٌ سادسٌ لزَيْد بنِ أسْلَم مُرْسل صحيح

    مالك (١) ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عبدِ الله بن عباسٍ، أنَّه قال: خَسَفتِ الشمسُ فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والناسُ معه، فقامَ قيامًا طويلًا. قال: نحوًا من سورةِ البقرةِ. قال: ثم رَكَعَ ركوعًا طويلًا، ثم رفَعَ رأسَهُ مِن الركوعِ (٢) ، فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأوَّلِ، ثم سجَدَ، ثم قامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم رَكَعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم رَفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم رَكلع رُكوعًا طويلًا وهو دونَ الرُّكوع الأوَّل، ثم سَجَد، ثم انصرَف وقد تَجلَّتِ الشمسُ، فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلكَ فاذكروا اللهَ" . قالوا: يا رسولَ الله، رأيناك تَناوَلْتَ شيئًا في مَقامِك هذا، ثم رأيناك تَكَعْكَعْتَ (٣) . فقال: "إنِّي رأيتُ الجنةَ، فتنَاوَلْتُ منها عُنقودًا، ولو أخَذتُه لأكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا، ورأيتُ النارَ، فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ" . قالُوا: ولمَ يا رسولَ الله؟ قال: "لكُفْرِهنَّ" . قالوا: أيَكْفُرْنَ بالله؟ قال: "يَكفُرْنَ العَشِيرَ (٤) ، ويَكفُرْنَ الإحسانَ، لو أحْسنْتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه، ثم رأتْ منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ" .

    ج ٣ ص ٥٩
  12. هذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الكُسوفِ، وهي رَكْعتانِ، في كلِّ ركعةٍ رُكُوعانِ، فحصَلتْ أربعُ رَكَعاتٍ، وأربعُ سجداتٍ. وكذلك روَى ابن شهابٍ، عن كَثيرِ بن عباسٍ (١) ، عن عبدِ الله بن عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) . وكذلك روَتْ عائشةُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحديثُها أيضًا في ذلك أثبتُ حديثٍ وأصحُّه، رواه مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (٣) ، وعن يحيَى بن سعيدٍ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ (٤) ، بمعنًى واحدٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الكسوفِ، رَكْعتانِ، في كلِّ ركعةٍ ركوعانِ. وكذلك رواه ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (٥) . وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما. وهو قولُ أهلِ الحِجازِ وقولُ اللَّيثِ بن سعدٍ. وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ وأبو ثورٍ (٦) .

    ج ٣ ص ٦٠
  13. فأمّا قولُه في هذا الحديثِ: وهو دونَ القيام الأوَّلِ، فإنّه أرادَ بقولِه أنّ القيامَ الأوَّلَ أطولُ من الثاني، وكذلك الركوعُ الأولُ أطولُ من الثاني في الرَّكْعةِ الأولى.

  14. وأرادَ، واللهُ أعلمُ، في الركعةِ الثانيةِ، أنّ القيامَ الأولَ فيها دونَ القيام الأولِ في الركعةِ الأولى، والركوعَ الأولَ فيها دونَ الركوع الأولِ في الركعةِ الأولى.

  15. وأرادَ، واللهُ أعلمُ، بقولِه في القيام الثاني (١) في الركعةِ الثانيةِ، أنّ القيامَ الأوَّلَ فيها، وكذلك ركوعُه الثاني فيها، دونَ ركوعِه الأوَّلِ فيها.

    ج ٣ ص ٦١
  16. وقد قيل غيرُ هذا، وهذا أصحُّ ما قيلَ في ذلكَ عندي، واللّهُ أعلمُ؛ لتكونَ الرَّكْعتان مُعْتَدِلَتَين في أنفسِهما، وكما نقَص القيامُ الثاني في الركعةِ الأولَى عن القيام الأولِ فيها، والركوعُ الثاني أيضًا في الأولى عن الركوعِ الأولِ فيها نفسِها، فكذلك يَجِبُ أنّ تكونَ الركعةُ الثانيةُ ينقُصُ قيامُها الثاني عن قيامِها الأوَّلِ، وركوعُها الثاني عن ركوعِها الأولِ فيها نفسِها، ويكونَ قيامُها الأولُ دونَ القيام الأوَّلِ في الركعةِ الأولى، وركوعُها الأولُ دونَ الركوع الأوَّلِ في الركعةِ الأُولى.

  17. وجائز على هذا القياسِ أن يكونَ القيامُ الأولُ في الركعةِ الثانيةِ مثلَ القيام الثاني في الركعةِ الأولى، وجائزٌ أنّ يكونَ دونَه، وحسْبُه أنّ يكونَ دونَ القيام الأولِ في الركعةِ الأولى، والقولُ في الركوعِ على هذا القياسِ، فتَدَبَّرْه. وبالله التوفيقُ.

    وقال مالكٌ: لم أسمَعْ أنّ السجودَ يطولُ في صلاةِ الكسوفِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ (٢) . ورأتْ فرقةٌ من أهلِ الحديثِ تطويلَ السُّجودِ في ذلك، ورَوَتْه عن ابن عُمر (٣) .

    ج ٣ ص ٦٢وقال العراقيُّون؛ منهم أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ: صلاةٌ الكسوفِ كهيئةِ صلاتِنا؛ رَكْعتانِ نحوَ صلاةِ الصبحِ، ثم الدعاءُ حتى تَنْجَلِيَ. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ (١) .

    قال أبو عُمر: رُوِيَ نحوُ قولِ العراقِيِّين عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الكسوفِ، من حديثِ أبي بكْرَةَ (٢) ، وسَمُرةَ بن جُنْدُبٍ (٣) ، وعبدِ الله بن عمرٍو (٤) ،

    ج ٣ ص ٦٣وقَبيصةَ الهلالِيِّ (١) ، والنعمانِ بن بشيرٍ (٢) ، وعبدِ الرحمن بن سمُرةَ (٣) .

  18. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن أبي شعيبٍ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن عُميرٍ البصريُّ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن أبي قلابةَ، عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ قال: كسَفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعَل يُصَلِّي رَكْعتين رَكْعتين، ويسألُ (٥) ، حتى تَجَلَّتِ الشمسُ.

  19. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٦) ، عن أحمدَ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمْرٍو (٧) ، عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ،

    ج ٣ ص ٦٤عن قَبيصةَ الهلاليِّ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا انكسَفتِ الشمسُ أو القمرُ فصلُّوا كأحدثِ صلاةٍ صَلَّيْتُموها مكتوبةٍ" (١) .

    قال أبو عُمر: الأحاديثُ في هذا الوجهِ في بعضِها اضطرابٌ، ترَكْتُ ذلك لشُهرتِه عندَ أهلِ الحديثِ، ولكراهةِ التطويلِ، والمصيرُ إلى حديثِ ابن عباس وعائشةَ من روايةِ مالكٍ أولى (٢) ، لأنّها أصحُّ ما رُويَ في هذا البابِ من جهةِ الإسنادِ، ولأنّ فيها زيادةً في كيفيَّةِ الصلاةِ يجبُ قَبولُها واستعمالُ فائدتِها، ولأنّهما قد وصَفا صلاةَ الكُسُوفِ وصفًا يَرْتفِعُ معه الإشكالُ والوهمُ.

  20. فإن قيل: إنّ طاووسًا روَى عن ابن عباسٍ أنَّه صلَّى في صلاةِ الكُسُوفِ رَكْعتين، في كلِّ رَكْعةٍ ثلاثُ رَكَعاتٍ، ثم سجَد (٣) ، وإنّ عُبيدَ بن عُصر روَى عن عائشةَ مثلَ ذلك (٤) ، وإنّ عطاءً روَى عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في صلاةِ الكسوفِ ستَّ رَكَعاتٍ في أربعِ سجَداتٍ (٥) ، وإنّ أبا العاليةِ روَى عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عشرَ رَكعاتٍ في رَكْعتَي الكُسوفِ، وأربعَ سَجَداتٍ (٦) . فلم يكنِ المصيرُ عندَك إلى زيادةِ هؤلاءِ أوْلى، قيلَ له: إنّما تُقْبَلُ الزيادةُ من الحافظِ إذا ثَبَتَتْ عنه،

    ج ٣ ص ٦٥وكان أحفظَ وأتقَنَ ممّن قَصَّر، أو مثلَه في الحفظِ؛ لأنّه كأنّه حديثٌ آخرُ مستأنَفٌ، وأمّا إذا كانت الزيادةُ من غيرِ حافظٍ ولا مُتْقِنٍ، فإنّها لا يُلْتَفَتُ إليها، وحديثُ طاووسٍ هذا مضطرِب ضعيفٌ، رواه وكيعٌ، عن الثوريِّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن طاووسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا (١) . ورواه غيرُ الثوريِّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن ابن عباسٍ، لم يَذكُرْ طاووسًا. ووقَفه ابن عُيينةَ، عن سُليمانَ الأحولِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عباس فِعْلَه، ولم يرفعْه (٢) . وهذا الاضطرابُ يُوجبُ طرحَه. واختُلِف أيضًا في مَتْنِه؛ فقومٌ يَقولون: أربعَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ. وقومٌ يقولون: ثلاثَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ، ولا تقومُ بهذا الاختلافِ حجَّة.

  21. وأمّا حديثُ جابرٍ، فرواه أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، "أربعَ ركعاتٍ في أربعِ سجداتٍ" مثلَ حديثِ ابن عباسٍ هذا. ذكره أبو داود (٣) ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن هشام، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا أبو الزبيرِ.

  22. وأمّا حديثُ أُبيِّ بن كعبٍ، فإنّما يَدورُ على أبي جعفرٍ الرَّازِيِّ، عن الربيعِ، عن أنسٍ، عن أبي العاليةِ (٤) ، وليس هذا الإسنادُ عندَهم بالقويِّ.

  23. وأمّا حديثُ عُبيدِ بن عُميرٍ، عن عائشةَ: أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الكسوفَ ثلاثَ رَكَعاتٍ، وسَجْدَتين في كلِّ ركعةٍ. فإنّما يَروِيه قتادةُ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ،

    ج ٣ ص ٦٦عن عائشةَ (١) . وسماعُ قتادةَ عندَهم من عطاءٍ غيرُ صحيح، وقتادةُ إذا لم يَقُلْ: سمِعْتُ، وخُولِفَ في نقلِه فلا تقومُ به حجةٌ؛ لأنّه يُدَلِّسُ كثيرًا عمَّن لم يَسمعْ منه، وربّما كان بينَهما غيرُ ثقةٍ، وليس مثلُ هذه الأسانيدِ يُعارَضُ بها حديثُ عروةَ وعَمْرةَ، عن عائشةَ، ولا حديثُ عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ (٢) ؛ لأنّها من الآثارِ التي لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيها، وقد كان أبو داودَ الطَّيالسِيُّ يروي حديثَ قتادةَ هذا، عن هشام، عن قتادةَ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بن عُميرٍ، عن عائشةَ مَوقوفًا لا يرفعُه.

  24. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ ومحمدُ بن حَكَمٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن الحُبابِ القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفُراتِ أبو مسعودٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا هشامٌ (٣) ، عن قتادةَ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عميرٍ، عن عائشةَ قالت: صلاةُ الآياتِ ستُّ رَكَعاتٍ وأربعُ سجداتٍ (٤) . قال أبو مسعودٍ (٥) : لم يَرفعْه أبو داودَ، ورفَعه معاذُ بن هشام.

    ج ٣ ص ٦٧قال أبو عُمر: قولُ ابن عباسٍ في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ حيثُ قال: "نَحْوًا من سورة البقرةِ" (١) . دليلٌ على أنّ سُنَّةَ القراءَةِ في صلاةِ الكسوفِ أن تكونَ سرًّا.

  25. وكذلك روَى ابن إسحاقُ، عن هشام بن عُروةَ وعبدِ الله بن أبي سَلَمةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالتْ: كَسَفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرَج فصلَّى بالناسِ، فقامَ فأطالَ القيامَ، فحَزَرْتُ قراءَتَه، فرأيتُ أنّه قرَأ سورةَ البقرةِ - وساق الحديثَ - وسجَد سجدَتَيْن، ثم قام، فحَزَرْتُ قراءَتَه، فرأيْتُ أنّه قرَأ سورةَ آلِ عمرانَ (٢) .

  26. وهذا يدُلُّ على أنّ قراءَتَه كانت سرًّا، ولذلك روَى سَمُرةُ بن جُنْدُب، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه لم يُسمَعْ له صوتٌ في صلاةِ الكسوفِ. وبذلك قال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وهو قولُ أبي حنيفةَ واللَّيثِ بن سعدٍ، والحجَّةُ لهم ما ذكَرنا.

  27. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن يونسَ، قال: حدَّثنا زهيرٌ (٤) ، قال: حدَّثنا الأسودُ بن قيسٍ، قال: حدَّثني ثعلبةُ بن عِبَادٍ العبدِيُّ من أهل البصرةِ، أنّه شهِد خُطبةً يومًا لسَمُرةَ فذكر حديثَ الكسوف بتَمامِه، وفيه: فصلَّى بنا، فقام كأطولِ ما قامَ بنا قطُّ لا نَسمَعُ له صوتًا، وذكَر الحديثَ.

  28. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ (١) بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، عن أحمدَ بن شُعيبِ بن عليٍّ، قال (٢) : أخبَرنا عَمرُو بن منصورٍ، قال: أخبَرنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن ثعلبةَ بن عِبَادٍ، عن سمُرةَ بن جُنْدُبٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم كُسُوفَ الشمسِ، لا يُسْمع له صوتٌ.

    ج ٣ ص ٦٨
  29. وقد رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّه قال في صلاةِ الخُسُوف: كنتُ إلى جنبِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فما سَمِعْتُ منه حرفًا (٣) .

  30. ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى هذا المذهبِ ما جاء في الخبرِ: "صلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ" (٤) . ورُويَ عن عليٍّ رضِي اللهُ عنه أنّهم حَزَروا قراءتَه بـ: "الروم" ، و: "يَس" ،

    ج ٣ ص ٦٩أو: "العنكبوت" (١) . ورُوِيَ عن أبانِ بن عثمانَ أنّه قرَأ في صلاةِ الكسوف {سَأَلَ سَائِلٌ} (٢) .

  31. والذي استحسَن مالكٌ والشافعيُّ، أن يَقرَأَ في الأولى بـ: "البقرة" ، وفي الثانيةِ بـ: "آلِ عمرانَ" ، وفي الثالثةِ بقدرِ مئةِ آيةٍ وخمسينَ آيةً من "البقرةِ" ، وفي الرابعةِ بقدرِ خمسينَ آيةً من "البقرةِ" ، وفي كلِّ واحدةٍ "أُمَّ القُرآنِ" لا بدَّ، وكلُّ ذلك لا يُسمَعُ للقارِئ فيه صوت (٣) . وقال أبو يوسفَ ومحمدُ بن الحَسَن: يَجْهَرُ بالقراءَةِ في صلاةِ الكسوفِ (٤) . ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب أنّه جهَر، وعن زيدِ بن أرقمَ (٥)

  32. والبَراءِ بن عازبٍ، وعبدِ الله (١) بن يزيدَ مثلُه (٢) . وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهُويَة (٣) . واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سفيانَ بن حُسينٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جهَر بالقِراءَةِ في كسوفِ الشمس (٤) (٥) .

    ج ٣ ص ٧٠
  33. وسفيانُ بن حُسينٍ في الزهريِّ ليس بالقَويِّ، وقد تابَعه على ذلك عن الزهريِّ؛ عبدُ الرحمنِ بن نمِرٍ (٦) وسُليمانُ بن كثيرٍ (٧) ، وكلُّهم لَيِّنُ الحديثِ عن الزهريِّ (٨) .

  34. ومن حُجةِ من قالَ بالجهرِ في صلاةِ الكُسوفِ، إجماعُ العلماءَ على أنّ كلَّ صلاةٍ سُنَّتُها أن تُصَلَّى في جماعةٍ من صلواتِ السُّنَنِ، فسنَّتُها الجهرُ، كالعِيدَينِ والاستسقاءِ، فكذلك الكُسوفُ.

    وقال الطبريُّ: إن شاء جهَر في صلاةِ الكُسُوفِ، وإن شاء أسرَّ، وإن شاء قرَأ في كلِّ ركعةٍ مرَّتيْن، وركَع فيها ركوعينِ، وإن شاء أربعَ قراءات، وركَع أربعَ رَكَعاتٍ، وإن شاء ثلاثَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ، وإن شاء ركعتَيْن كصلاةِ النافلةِ.

    ج ٣ ص ٧١
  35. واختلَف الفقهاءُ أيضًا في صلاةِ الكسوفِ؛ هل هي في كلِّ النَّهارِ أم لا؟ فروَى ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: لا يُصَلَّى الكسوفُ إلّا في حين صلاةٍ. قال: فإن كسَفَتْ في غير حينِ الصلاةِ، ثم جاء حينُ الصلاةِ والشمسُ لم تَنْجَلِ صلَّوا، فإنْ تَجَلَّتْ قبلَ ذلك لم يُصلُّوا (١) .

  36. وروَى ابن القاسم عنه قال: لا أرَى أنْ يُصَلَّى الكسوفُ بعدَ الزوالِ، وإنّما سُنَّتُها أن تُصَلَّى ضحًى إلى الزوالِ (٢) .

    وقال الليثُ بن سعدٍ: يُصَلَّى الكسوفُ نصفَ النَّهارِ؛ لأنّ نصفَ النهارِ لا يَثْبُتُ لسرعةِ الشَّمْسِ.

    وقال الليثُ: حَجَجْتُ سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئةٍ، وعلى الموسم سُليمانُ بن هشامٍ، وبمكةَ عطاءُ بن أبي رباحٍ، وابن شهابٍ، وابن أبي مُليكةَ، وعكرمةُ بن خالدٍ، وعَمْرُو بن شُعيبٍ، وقتادةُ، وأيوبُ بن موسى، وإسماعيل بن أُميَّةَ، فكسَفتِ الشمسُ بعدَ العصرِ، فقاموا قيامًا يَدعُون اللهَ بعدَ العصرِ في المسجدِ، فقلتُ

    ج ٣ ص ٧٢لأيُّوبَ بن موسى: ما لهم لا يُصَلُّون وقد صلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الكُسُوفِ؟ فقال: النَّهْيُ قد جاء عن الصلاةِ بعدَ العصرِ، فلذلك لا يُصلُّون، والنَّهْيُ يَقْطَعُ الأمرَ. ذكره الحُلوانيُّ، عن ابن أبي مريمَ وأبي صالحٍ كاتبِ اللَّيثِ جميعًا، عن اللَّيثِ (١) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والطبريُّ: لا تُصَلَّى صلاةُ الكسوفِ في الأوقاتِ المنهِيِّ عن الصلاةِ فيها (٢) .

    وقال الشافعِيُّ: تُصلَّى نصفَ النهارِ، وبعدَ العصرِ، وفي كلِّ وقتٍ. وهو قولُ أبي ثورٍ. وقال إسحاقُ: تُصَلَّى في كلِّ وقتٍ إلّا في حينِ الطُّلوع والغروبِ (٣) . والنَّهْيُ عندَ الشافعيِّ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ إنّما هو على التَّطوُّع المُبْتَدأ، فَأمّا الفرائضُ والسُّننُ وما كان من عادةِ المرءِ أنْ يُصلِّيَه فلا (٤) . وسيأتي اختلافُهم في هذا المعنَى في موضعِه من هذا الديوان إن شاء اللهُ، بحجَّةِ كلِّ واحدٍ منهم، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله.

    وقال إسحاقُ بن راهُوية في صلاةِ الكسوفِ: إن شاء أربعَ ركَعاتٍ في رَكْعَتَيْنِ، وإن شاءَ سِتَّ ركَعاتٍ في رَكْعَتَيْن، كلُّ ذلك مُؤتلِفٌ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا؛ لأنّه إنّما كان يزيدُ في الركوعِ إذا لم يرَ الشمسَ قد تَجَلَّت، فإذا تَجَلَّت، سجَد. قال: فمِن ههنا زيادةُ الرَّكَعاتِ، ولا يُجاوِزُ بذلك أربعَ رَكَعاتٍ في كلِّ ركعةٍ؛ لأنَّه لم يأْتِنا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أكثرُ من ذلك (٥) .

    ج ٣ ص ٧٣قال أبو عُمر: رُوِيَ من حديثِ أُبيِّ بن كعب (١) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، خمسُ رَكَعاتٍ - على ما قدَّمنا ذكْرَه - في كلِّ ركعةٍ، وهو حديثٌ لَيِّنٌ. ومثلُه رُوِيَ عن عليٍّ رحِمه اللهُ، أنّه صلَّى في الكُسُوفِ خمسَ رَكَعاتٍ، وسجَد سجدَتَيْن، ثم قام، ففعَل في الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك (٢) . ورُوِيَ عن الحسنِ مثلُ ذلك (٣) . وأصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ ابن عباسٍ وعائشةَ، أربعُ رَكَعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ، واللهُ أعلمُ.

  37. وقد رُوِيَ عن أحمدَ بن حنبل، وقاله جماعةٌ من أصحابِ الشافعيِّ: أنّ الآثارَ المرويَّةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الكسوفِ كلُّها حسانٌ، وبأيِّها عَمِل الناسُ جازَ عنهم. إلّا أنّ الاختيارَ عندَهم ما في حديثِ ابن عباسٍ هذا وما كان مثلَه (٤) .

  38. واختلَفوا أيضًا في صلاةِ كسوفِ القمرِ؛ فقال العراقيُّون ومالكٌ وأصحابُه: لا يُجمَعُ في صلاةِ كسوفِ القمرِ، ولكن يُصَلِّي الناسُ أفْذاذًا رَكْعَتَيْنِ كسائرِ الصَّلواتِ (٥) . والحُجَّةُ لهم قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ المرءِ في بَيْتِه أفضلُ إلّا المكتوبةَ" (٦) .

  39. وخَصَّ صلاةَ كُسوفِ الشمسِ بالجَمْعِ لها، ولم يفعلْ ذلك في كسوفِ القمرِ، فخرَجتْ صلاةُ كسوفِ الشمس بدليلِها وما ورَد من التوفيقِ فيها، وبقِيَتْ صلاةُ كسوفِ القمر على أصل ما عليه النوافلُ.

    ج ٣ ص ٧٤وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُجمَعُ في صلاةِ كسوفِ القمرِ، ولكنَّ الصلاةَ فيها كهيئةِ الصلاةِ في كُسوف الشمسِ. وهو قولُ عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ. ذكَره ابن وَهْبٍ عنه (١) ، وقال ذلك لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتُم ذلك بهما فافزَعوا إلى الصلاةِ" . وقال الشافعيُّ وأصحابُه، وأهلُ الحديثِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطبريُّ: الصلاةُ في كسوفِ القَمَرِ كهيَ في كسوفِ الشمسِ سواءً (٢) . وهو قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ، وعطاءٍ (٣) ؛ وحجَّتُهم في ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فاذكُروا اللهَ" (٤) . قال الشافعيُّ رحِمه اللهُ: فكان الذِّكرُ الذي فَزِع إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ كسوفِ الشمسِ هو الصلاةَ المذكورةَ، فكذلك خسوفُ القمرِ، تُجمَعُ الصلاةُ عندَه على حسَبِ الصلاةِ عندَ كسوفِ الشمسِ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد جمَع بينَهما في الذِّكرِ، ولم يَخُصَّ إحداهما من الأُخرَى بشيءٍ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فصلُّوا وادعُوا" (٥) . وروَى عبدُ الله بن عباسٍ عنه، أنّه قال: "فافزَعوا إلى الصلاةِ إذا رأيتُم ذلك" (٦) . وعَرَّفنا كيف الصلاةُ عندَ إحداهما، فكان في ليلًا على الصلاةِ عندَ الأخرَى.

    ج ٣ ص ٧٥قال أبو عُمر: رُوِيَ عن ابن عباس (١) ، وعُثمانَ بن عفانَ (٢) ، أنّهما صلَّيا في كسوفِ القمرِ جماعةً رَكْعتينِ، في كلِّ ركعةٍ رُكُوعانِ. مثلَ قولِ الشافعيِّ، على حديثِ ابن عباسٍ المذكورِ في هذا البابِ.

  40. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ النَّسَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا عبُد الوارثِ (٤) ، قال: حدَّثنا يونسُ (٥) ، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، قال: كنَّا عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فانكسفَتِ الشمسُ، فخرَج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَجُرُّ رداءَه، حتى انتهَى إلى المسجدِ، وثابَ إليه الناسُ، فصلَّى رَكْعتينِ، فلمّا انكَشفتِ الشمسُ قال: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، وإنّهما لا يَخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فصلُّوا حتى يُكْشَفَ (٦) ما بكم" . وذلك أنّ ابنًا له مات، يُقالُ له: إبراهيمُ. فقال ناسٌ في ذلك (٧) .