إسماعيل بن أبي حكيم

١٥٠ فقرة، ج ١ ص ٣٢٠

الصفحة ٤ من ٤

  1. والذي تحصَّل عليه مذهبُ مالكٍ عندَ أصحابِه في هذا البابِ في إمام أحرَم بقوم فذكَر أنَّه جُنُبٌ، أو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يخرُجُ ويقدِّمُ رجُلًا، فإنْ خرَج ولم يُقدِّمْ أحدًا، قدَّموا لأنفسِهم مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ، فإن لم يَفعلُوا وصلَّوا أفذاذًا، أجزأتْهم صلاتُهم، فإن انتظَرُوه ولم يُقدِّموا أحدًا، لم تَفسُدْ صلاتُهم.

    وقال يحيَى بنُ يحيى، عن ابنِ نافع: إذا انصرَف ولم يُقدِّمْ، وأشارَ إليهم أن يمكثوا، كان حقًّا عليهم ألا يُقدِّموا أحدًا حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم (١) .

    قال أبو عُمر: أمَّا قولُ مَن قال مِن أصحابِ مالكٍ: إنَّ القومَ في هذه المسألةِ ينتظرونَ إمامَهم حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم. فليس بشيءٍ، وإنَّما وجهُه: حتى يَرجِعَ فيبتدِئ بهم، لا يُتِمُّ بهم على أصلِ مالكٍ؛ لأنَّ إحرامَ الإمام لا يُجتَزأُ به بإجماع مِن العلماءِ؛ لأنَّه فعَله على غيرِ طُهورٍ، وذلك باطلٌ، وإذا لم يَجتزِئْ به استأنفَ إحرامَه إذا انصرفَ، وإذا استأنفَه لزِمَهم مثلُ ذلك عندَ مالكٍ؛ ليكونَ إحرامُهم بعدَ إحرام إمامِهم، وإلَّا فصلاتُهم فاسدةٌ؛ لقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الإمامِ: "إذا كبَّر فكبِّرُوا" (٢) . هذا هو عندي تحصيلُ مذهبِه، وباللَّه التوفيق.

    ج ١ ص ٣٨٢
  2. وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل هذا الحديثَ أصلًا في تركِ الاستخلافِ، فقال (٣) : الاختيارُ عندي إذا أحدَث الإمامُ حدثًا لا تَجوزُ له معه الصلاةُ؛ مِن رُعافٍ، أو

    ج ١ ص ٣٨٣انتقاضِ وُضوءٍ، أو غيرِه (١) ، أنْ يُصلِّيَ القومُ فُرادَى، وألَّا يُقدِّموا أحدًا، فإنْ قدَّموا أو قدَّمَ الإمامُ رجلًا منهم، فأتمَّ بهم ما بَقِيَ مِن صلاتِهم أجزأتْهم صلاتُهم، وكذلك لو أحدَث الإمامُ الثاني والثالثُ والرابع.

    قال الشافعيُّ (٢) : ولو أنَّ إمامًا كبَّر وقرأ، وركَع أو لم يَركعْ (٣) ، حتى ذكَر أنَّه على غيرِ طهارةٍ، فكانَ مخرجُه ووضوؤه أو غُسلُه قريبًا، فلا بأسَ أنْ يَقِفَ الناسُ في صلاتِهم حتى يتوضَّأَ ويرجِعَ فيستأنفَ، ويُتِمُّون هم لأنفسِهم، كما فعَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ ذكَر أنَّه جُنبٌ فانتظرَه القومُ، فاستأنفَ لنفسِه؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بتكبيرةٍ كبَّرها وهو جُنبٌ، فيتمُّ القومُ؛ لأنَّهم لو أتمُّوا لأنفسِهم حينَ خرَج عنهم إمامُهم أجْزَأَتْهم صلاتُهم.

  3. وجائزٌ عندَه أنْ يَقطعُوا صلاتَهم إذا رابَهم شيءٌ مِن إمامِهم، فيُتمُّونَ لأنفسِهم، على حديثِ جابرٍ بن عبد اللَّه في قصةِ مُعاذٍ (٤) .

    قال (٥) : وإنْ كان خُروجُ الإمام يتَباعَدُ، أو طهارتُه تَثْقُلُ، صلَّوا لأنفسِهم.

    قال (٦) : ولو أشارَ إليهم أنْ يَنتظِرُوا، أو كلَّمهم بذلك كلامًا، جازَ ذلك؛ لأنَّه في غيرِ صلاةٍ، فإنِ انتظرُوه وكان قريبًا فحسنٌ، وإنْ خالفُوه فصَلَّوْا لأنفسِهم فُرادَى، أو قدَّموا غيرَه، أجزأتْهم صلاتُهم.

    ج ١ ص ٣٨٤قال (١) : والاختيارُ عندي للمأمومينَ إذا فسَدتْ على الإمام صلاتُه أنْ يَبنُوا فُرادَى. قال: وأحَبُّ إليَّ ألَّا يَنتظرُوه، وليس أحدٌ في هذا كرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنْ فعَلوا فصلاتُهم جائزةٌ على ما وَصَفْنا.

    قال (٢) : فلو أنَّ إمامًا صلَّى ركعةً، ثم ذكَر أنَّه جُنُبٌ فخرَج فاغتسلَ، وانتظرَه القومُ، فرجَع فبنَى على الرَّكعةِ، فسدَتْ عليه وعليهم صلاتُهم؛ لأنَّهم يَأتَمُّونَ به عالمينَ أنَّ صلاتَه فاسدةٌ، فليس له أنْ يَبنيَ على رَكْعةٍ صلَّاها جُنبًا. قال: ولو علِم بعضُهم ولم يَعلَمْ بعضٌ، فسَدتْ صلاةُ مَن علِم ذلك منهم.

    قال أبو عُمر: من أجازَ انتظارَ القوم للإمام إذا أحدَث، احتجَّ بحديثِ هذا البابِ، وفيه ما قد ذكَرنا، واحتجَّ أيضًا بما:

    حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفَضْلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحِيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيَالسِيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ صلَّى بالناسِ فأهوَى بيدِهِ فأصابَ فَرْجَهُ، فأشارَ إليهم أنْ كما أنتم، فخرجَ فتوضَّأَ، ثم رجَع إليهم فأعادَ (٤) .

  4. فاحتجَّ بهذينِ الخبرينِ وما كان مثلَهما، مَن كرِهَ الاستخلافَ مِن العلماءِ.

    وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن رجلٍ أحدَث وهو يُصلِّي: أيَستَخلِفُ أم يقولُ لهم يَبْتَدِئونَ؛ وهو كيفَ يصنعُ؟ فقال: أمَّا أنا فيُعجبُني أنْ يتوضَّأَ ويَستقبِلَ. قيل له: فهم كيفَ يَصنعونَ؟ فقال: أمَّا هم ففِيه اختلافٌ. قال أبو بكرٍ: ومذهبُ أبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ رحِمَه اللَّهُ- ألا يَبنِيَ في الحدَثِ، سمِعتُه يقولُ: الحَدَثُ أشدُّ، والرُّعافُ أسهلُ (١) .

    ج ١ ص ٣٨٥
  5. وقد تابَعَ الشافعيَّ على ترْكِ الاستخلافِ داودُ بنُ عليٍّ وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدَث الإمامُ في صلاتِه صلَّى القومُ أفذاذًا (٢) .

  6. وأمَّا أهلُ الكوفةِ وأكثرُ أهلِ المدينةِ فكلُّهم يقولُ بالاستخلافِ لِمَن نابَه شيءٌ في صلاتِه، فإن جهِل الإمامُ ولم يَستخلِفْ، تقدَّمهم واحدٌ منهم بإذْنِهم، أو بغيرٍ إذْنِهم، وأتمَّ بهم، وذلك عندَهم عملٌ مُستَفِيضٌ (٣) ، واللَّهُ أعلمُ.

  7. إلّا أنَّ أبا حنيفةَ إنَّما يرى الاستخلافَ لمن أحرَم وهو طاهرٌ ثم أحدَث، ولا يرَى لإمام جُنبٍ أو على غيرِ وُضوءٍ إذا ذكَر ذلك في صلاتِه أنْ يَستخلِفَ، وليس عندَه في هذه المسألةِ موضعٌ للاستخلافِ؛ لأنَّ القومَ عندَه في غيرِ صلاةٍ، كإمامِهم سواءً، على ما ذكَرنا مِن أصلِه في ذلك (٤) .

    قال أبو عُمر: لا تَبِينُ عندي حُجَّةُ مَن كرِهَ الاستخلافَ استدلالًا بحديثِ هذا البابِ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس في الاستخلافِ كغيرِه، ولا يَجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ

    ج ١ ص ٣٨٦أحدٌ بينَ يديه إلَّا بإذنِه، وقد قال لهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مكانَكم" . فلزِمَهم أنْ يَنتظرُوه، هذا لو صحَّ أنَّه ترَكَهُم في صلاةٍ، فكيفَ وقد قيلَ: إنَّهم استأنَفُوا معه؟ فلو صحَّ هذا لبَطَلَتِ النُّكتةُ التي منها نزَعَ مَن كرِهَ الاستخلافَ، وقد أجمَع المسلمونَ على الاستخلافِ فيمن يُقيمُ لهم أمرَ دينِهم، والصلاةُ أعظمُ الدِّينِ، وفي حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ دَلالةٌ على جوازِ الاستخلافِ؛ لتأخُّرِ أبي بكرٍ وتقدُّم النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تلك الصلاةِ، واللَّهُ أعلمُ، وحسبُكَ ما مضَى عليه مِن ذلك عملُ الناسِ، وسنذكُرُ حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ في بابِ أبي حازم (١) إن شاء اللَّه.

    قال أبو عُمر: قد نزَع قومٌ في جوازِ بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى قبلَ أنْ يُحدِثَ إذا توضَّأ بهذا الحديثِ، ولا وجْهَ لما نزَعوا به في ذلك؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَبْنِ على تكبيرِه لِمَا بينَّا قبلُ في هذا البابِ، ولو بنَى ما كان فيه حُجَّةٌ أيضًا؛ لإجماعِهم على أنَّ ذلك غيرُ جائزٍ اليومَ لأحدٍ، وأنَّه مَنسوخٌ بأنَّ ما عمِلَه المرءُ مِن صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ لا يُعتدُّ به، إذْ لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ.

  8. واتَّفق مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ مَن أحدَث في صلاتِه لم يَبْنِ على ما مضَى له منها، ويَستأنِفُها إذا توضَّأَ. وكذلك اتَّفقَا على أنَّه لا يبني أحدٌ في القَيْءِ، كما لا يبني في شيءٍ من الأحداثِ.

  9. واختلفَا في بناءِ الرَّاعِفِ؛ فقال الشافعيُّ في القديم: يَبني الرَّاعِفُ. وانصرَف عن ذلك في الجديد (٢) .

    ج ١ ص ٣٨٧وقال مالكٌ (١) : إذا رَعَفَ في أوَّلِ صلاتِه ولم يُدركْ ركعةً بسجْدتَيْها فلا يبني، ولكنَّه ينصرفُ فيَغسِلُ عنه الدَّمَ، ويَرجِعُ فيُعيدُ الإقامةَ والتَّكبيرَ والقراءةَ. ولا يبني عندَه إلَّا من أدرَك ركعةً كاملةً مِن صلاتِه، فإذا كان ذلك ثم رعَف، خرَج فغسَل الدَّمَ عنه، وبنَى على ما مضَى (٢) حيثُ شاء، إلَّا في الجمعةِ فإنَّه لا يبني فيها إذا أدرَك ركعةً منها ثم رعَف إلَّا في المسجدِ الجامع، وإذا كان الرَّاعِفُ إمامًا، فلا يَعودُ إمامًا في تلك الصلاةِ أبدًا، ولا يُتِمُّ صلاتَه إلَّا مأمومًا أو فَذًّا. هذا تَحصيلُ مذهبِه عندَ جميع أصحابِه، وقد رُوِي عنه أنَّه قال (٣) : لولا أنِّي أكرَهُ خِلافَ مَن مضَى، ما رأيتُ أنْ يبني الرَّاعفُ، ورأيْتُ أنْ يتَكلَّمَ ويستأنِفَ. قال: وهو أحبُّ إليَّ. وقد رُويَ عنه أنَّ الفَذَّ لا يبني في الرُّعافِ.

  10. وأمَّا الشافعيُّ فقال: لا يبني الرَّاعفُ إذا استَدْبَرَ القبلةَ لغَسلِ الدَّم عنه. وكلُّ مَنِ استَدْبَرَ القبلةَ عندَه وهو عالمٌ بأنَّه في صلاةٍ، لم يَجُزْ له البناءُ، وكان عليه الاستئنافُ أبدًا. وأمّا (٤) الذي يَسهُو فيُسلِّمُ مِن ركعتينِ، ويَخرُجُ وهو يَظُنُّ أنَّه قد أكمَل صلاتَه، وأنَّه ليس في صلاةٍ، فإنَّ هذا يبني عندَه ما لم يتَكلَّمْ أو يُحدِثْ، أو يَطولُ أمرُه، على حديثِ ذي اليدينِ (٥) . وسنذكرُ أقاويلَ العلماءِ في معنَى حديثِ ذي اليدينِ، في بابِ أيوبَ (٦) ، إن شاء اللَّه.

  11. وقولُ ابنِ شُبْرُمَةَ (١) في هذا كقولِ مالكٍ والشافعيِّ: لا يبني أحدٌ في الحَدَثِ، ولكنَّه يَنصرِفُ فيَتوضَّأُ ويَستقبِلُ، وإنْ كان إمامًا استخلَف.

    وقال الأوزاعيُّ: إن كان حَدَثُه مِن قَيْءٍ أو ريح توضَّأَ واستقبَل، وإنْ كان مِن (٢) رُعافٍ توضَّأَ وبنَى. وكذلك الدَّمُ غيرُ الرُّعافِ (٣) ، والرُّعافُ عندَه حَدَثٌ يَنقُضُ الوُضوءَ.

    وقال الثوريُّ (٤) : إذا كان حَدَثُه مِن رُعافٍ أو قَيْءٍ تَوَضَّأ وبنَى، وإن كان حَدَثُه مِن بولٍ أو ريح أو ضَحِكٍ أعادَ الوُضوءَ والصَّلاةَ.

    وقال ابنُ شهابٍ: القَيْءُ والرُّعافُ سواءٌ، يَتوضَّأُ ثم يُتِمُّ على ما بَقِيَ مِن صلاتِه ما لم يَتكلَّمْ (٥) . وقد رُويَ عن ابنِ شهابٍ في الإمام يرَى بثوبِه دمًا، أو يَرْعُفُ أو يَجِدُ مَذْيًا، أنَّه يَنصرفُ ويقولُ للقوم: أتِمُّوا صلاتَكم. ويُصلِّي كُلُّ إنسانٍ لنفسِه؛ روَاه الزُّبَيْديُّ عنه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وابنُ أبي ليلَى: يبني في الأحداثِ كلِّها إذا سبَقتْه في الصلاةِ. والقَيْءُ والرُّعافُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه حدثٌ كسائرِ الأحداثِ، وهو قولُ جُمهورِ سلفِ أهلِ العراقِ (٦) ، يَنقُضُ الرُّعافُ والقَيْءُ، وكلُّ ما خرَج من الجسدِ -مِن دم أو نجاسةٍ عندَهم- الطَّهارةَ كسائرِ الأحداثِ،

    ج ١ ص ٣٨٩قياسًا عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه على المستحاضةِ؛ لأنَّهم أثبَتُوا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَها بالوُضوءِ لكلِّ صلاةٍ، فالرَّاعفُ عندَهم يَنصرفُ فيتوضَّأُ ويبني على ما صلَّى، على حسَبِ ما ذكَرنا من أصْلِهم (١) في بناءِ المُحْدِثِ، وهم يقولون: إن الرَّاعفَ لو أحدَث بعدَ انصرافِه توضَّأَ واستأنَف ولم يَبْنِ. وإنَّما يبني عندَهم من أحدَث في الصلاة. وحسبُكَ بمثلِ هذا ضَعْفًا في النَّظَرِ، ولا يَصِحُّ به خبرٌ.

    ج ١ ص ٣٨٨
  12. والحُجَجُ للفِرَقِ في هذا البابِ تَطُولُ جدًّا وتَكْثُرُ، وفي بعضِها تشعيبٌ، وإنَّما ذكَرنا هاهُنا ما للعلماءِ في تأويلِ حديثِ هذا البابِ مِن المذاهبِ وأصولِ الأحكام، والحمدُ للَّه.

  13. والحجَّةُ عندَنا في أنْ لا وُضوءَ في الرُّعافِ والقَيْءِ، أنَّ المتوضئ بإجماع لا يَنتقِضُ وُضوؤُه باختلاف، إلَّا أنْ تكونَ هناك سُنَّةٌ يجبُ المصيرُ إليها، وهي معدومةٌ هاهُنا، وباللَّه توفيقُنا. وسنذكُرُ أحكامَ المستحاضةِ في بابِ نافع (٢) من هذا الكتابِ إن شاء اللَّه.

  14. حديث رابعٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مرسلٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، أنَّه بلَغَه أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سمِعَ امْرَأةً مِن اللَّيلِ تُصلِّي (٢) ، فقال: "مَنْ هذه؟ " . فقيلَ: هذه (٣) الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لا تنامُ الليلَ. فكَرهَ ذلك رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى عُرِفَت الكراهَةُ في وجْهِه، ثم قال: "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، اكْلَفُوا مِن العملِ ما لكم به طاقةٌ" .

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مُنقَطِعٌ مِن روايةِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، وقد يَتَّصِلُ معنًى ولفظًا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مِن حديثِ مالكِ وغيرِه، مِن طُرقٍ صِحاح ثابتة.

    ج ١ ص ٣٩٠
  15. والحَوْلاءُ هذه امرأَةٌ مِن قريشٍ (٤) ، من بني أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى، وهي الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتِ بنِ حَبيبٍ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصيٍّ.

  16. حدَّثني أبو القاسم خَلَفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: أخبرَني ابنُ أبي العَقَبِ (٥) وأبو الميمُونِ البَجَلِي جميعًا بدمشقَ، قالا: حدَّثنا أبو زُرْعَةَ، قال: حدَّثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، قال: أخبرنا شُعيبُ بن أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: قال عُروةُ، أخبرَتْني عائشة، أنّ الحولاءَ بنتَ تُوَيْت بن أسَد بن عبد العُزَّى مرَّتْ بها وعندَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، هذه الحولاءُ بنتُ تُوَيْت، قالوا: إنّها لا تنامُ الليل، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تنامُ الليلَ؟ خُذوا من العملِ

    ج ١ ص ٣٩١ما تطيقونَ، فواللَّه لا يَسْأمُ اللَّه حتى تَسْأموا " (١) ، وذكَرهُ البَزّارُ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ أخْزَمَ الطائيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ (٢) ، عن عائشةَ، مثْلَهُ (٣) ، بمَعْناهُ (٤) .

  17. وأمّا حديثُ مالكٍ في ذلك فرواه القَعْنَبيُّ، عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت: كانت عندي امرأةٌ من بني أسَدٍ بن عبدِ العُزَّى (٥) ، فدَخَل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "مَنْ هذِهِ؟ " فقلت له: هذهِ فُلانةُ لا تنامُ الليلَ، تذْكُرُ من صلاتِها، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " مَهْ، عليكُم بما تُطِيقُونَ من الأعمالِ، فوَاللَّه لا يَمَلُّ اللَّه حتى تَمَلُّوا" (٦) .

  18. حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيَى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا القعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، فذَكرَه.

    ج ١ ص ٣٩٢
  19. وبه عن مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كانَ أحبَّ الأعمالِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي يَدُومُ عليه صاحِبُهُ (٢) .

  20. ورَوَى الأوْزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "خُذُوا مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" . هكذا حدَّثَ به عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ، عن الأوزاعِيِّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، وهو عندِي حديثٌ آخرُ، ليسَ حديثَ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، إلَّا أنَّه اخْتُلِفَ فيه على الأوزَاعِيِّ؛ حدَّثَنِيه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسَّانَ، قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حَبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزَاعَيُّ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، قال: أخبرَني أبو سَلَمةَ بن عبد الرحمن (٤) ، عن عائشةَ، فذَكَرَ الحديثَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه قالتْ عائشةُ: كان أحَبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما دِيمَ عليها

    ج ١ ص ٣٩٣وإنْ قَلَّتْ. قالت: وكان إذا صَلَّى صلاةً دَاوَمَ عليها. قال أبو سلمةَ: إن اللَّهَ يقولُ: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: ٢٣] (١) .

  21. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضلِ، قال: حدَّثنا أبو الدَّحْدَاح أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ التَّمِيمِيُّ، قال: أخبرَنا أبو عليٍّ محمودُ بنُ خالدٍ الدِّمَشْقِيُّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفِرْيَابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خذوا مِن العملِ قدْرَ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" ؛ قالت: وكان أحبَّ الصلاةِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما داومَ عليها العبدُ وإنْ قلَّتْ. قالت: وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَلَّى صلاةً داومَ عليها. ثم قرَأَ أبو سلمةَ: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (٣) .

  22. وقد رُوِيَ حديثُ الحَوْلاءِ هذا مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِن حديثِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، ذَكَره العُقَيْليُّ أبو جعفَرٍ رحِمَهُ اللَّه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ البَغْدَادِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، قال: أخبرَنا حُميدُ بنُ الأسودِ، عن الضَّحَّاكِ بنِ عثمانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما تَضَوَّرْتُ في هذه الليلةِ إلَّا سَمِعتُ صوتًا" . قلتُ: يا رسولَ اللَّه، تلك الحوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، لا تنام إذا نامَ الناسُ. قال: "عليكم مِن العملِ ما تُطِيقُونَ، فإنّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" ؛ أخبرَناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ إجازَةً، قال: أخبرَنا يوسفُ بنُ أحمدَ (١) إجازةً عن العُقَيْليِّ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عمرِو بنِ موسَى المَكِّيِّ (٢) .

    قال أبو عمر (٣) : قولُه: "إنَّ اللَّهَ لا يمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا" . معناه عندَ أهلِ العلم: إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِن الثوابِ والعطاءِ على العملِ حتَّى تَمَلُّوا أنتم، ولا يَسْأَمُ مِن إفْضَالِه عليكم إلا بسَآمَتِكُم عن العملِ له، وأنتم متى تكَلَّفْتُم مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُونَ لَحِقَكُمُ الملَلُ، وأدْرَكَكُم الضَّعفُ والسَّآمَةُ، وانقطعَ عمَلُكُم، فانْقَطعَ عنكم الثَّوابُ لانقطاع العملِ. يَحُضُّهم -صلى اللَّه عليه وسلم- على القليل الدائم، ويُخْبِرُهم أنَّ النُّفوسَ لا تحْتَمِلُ الإسرافَ عليها، وأنَّ المَلَلَ سببٌ إلى قطع العملِ. ومِن هذا حديثُ ابنِ مسعودٍ، قال: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يتَخَوَّلُنَا بالموعظةِ مخافةَ السَّآمَةِ

    ج ١ ص ٣٩٥علينا (١) . ومنه قولُه عليه السلامُ: "لا تشَادُّوا الدِّينَ، فإنَّه مَنْ يُغالِبِ الدِّينَ يَغْلِبْه الدِّينُ" (٢) . ومنه الحديثُ: "إنَّ هذا الدينَ مَتينٌ، فأَوْغِلْ فيه برِفْقٍ، فإنَّ المُنْبَتَّ لا يَقطَعُ أرْضًا، ولا يُبْقِي ظَهْرًا" (٣) . وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَبْدِ اللَّه بنِ عمرٍو، وكان يصومُ النَّهارَ، ويقومُ الليلَ: "لا تفعلْ، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك نَفِهَتْ نَفْسُكَ" (٤) . يعْنِي: أعْيَتْ وكَلَّتْ، يقالُ للمُعيِي: مُنَفَّهٌ، و: نافِهٌ، وجَمعُ نَافِهٍ: نُفَّهٌ؛ كذلك فسَّرَه

    ج ١ ص ٣٩٦أبو عُبَيدٍ (١) ، عن أبي عُبيدَةَ، وأبي عمرٍو، قال: وقال الأصمَعِيُّ: الإيغَالُ: السَّيْرُ الشديدُ، وأمَّا الوُغُولُ فهو الدُّخولُ (٢) .

    ج ١ ص ٣٩٤
  23. وقد جعلَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّيرِ رحِمَهُ اللَّه الغُلُوَّ في أعمالِ البِرِّ سَيِّئَةً، والتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً، فقال: الحسنةُ بينَ سَيِّئَتَيْنِ.

  24. وأمَّا لَفْظُه في قولِه: "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا" فلفْظٌ يَخْرجُ (٣) على مِثالِ (٤) لَفْظٍ، ومعلومٌ أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يمَلُّ سَواءٌ مَلَّ الناسُ أو لم يَمَلُّوا، ولا يدخُلُه مَلالٌ في شيءٍ مِن الأشْياءِ، جلَّ وتعالى عُلُوًّا كبيرًا، وإنَّما جاءَ لفظُ هذا الحديثِ على المعروفِ مِن لُغَةِ العربِ، بأنّهم كانوا إذا وضَعُوا لَفْظًا بإزاءِ لَفْظٍ وقُبَالَتَه، جَوابًا له وجَزاءً (٥) ، ذكَرُوه بمِثْلِ لفظِه، وإنْ كان مُخالِفًا له في معناه، ألَا تَرَى إلى قولِه عزَّ وجلَّ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠] . وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤] . والجزاءُ لا يكونُ سيئة، والقِصاصُ لا يكونُ اعتِداءً؛ لأنه حقٌّ وجَبَ، ومثلُ ذلك قولُ اللَّه تبارك وتعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: ٥٤] . وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: ١٤ - ١٥] . وقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: ١٥ - ١٦] . وليس من اللَّه عزَّ وجلَّ هُزُؤٌ ولا مكرٌ ولا كيدٌ، إنّما هو جزاءٌ لمَكْرِهم واسْتِهزائِهم، وجزاءُ كَيْدِهم، فذكَرَ الجزاءَ بمِثْلِ لَفْظِ الابتداءِ لمّا وُضِعَ بحِذائِه. وكذلك قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" ، أي: إنَّ مَن مَلَّ من عمَلٍ يعمَلُه

    ج ١ ص ٣٩٧قُطِعَ عنه جَزاؤُه. فأخرَجَ لَفْظَ قَطْع الجزاءِ بلَفْظِ المَلال؛ إذْ كان بحِذائِه وجوابًا له.

  25. رُوِيَ عن ابن عباس أنّه قال: إيّاكُمْ والغُلُوَّ في الدِّين، فإنما هلَك مَن كانَ قَبْلكم بالغُلُوِّ في الدِّين (١) .

  26. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لكلِّ عاملٍ فَترةٌ، ولكُلِّ فَتْرةٍ شَرَهٌ (٢) ، فمنْ كانت فترتُه إلى سُنَّتي فقد أفلَحَ" (٣) .

  27. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيْل، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ لكُلِّ عَمَلٍ شَرَهًا، ولكلِّ شَرَهٍ فَتْرَةٌ، فمَنْ كانت فَتْرتُهُ إلى سُنَّتي فقد اهْتَدَى، ومَن كانت فَتْرَتُهُ إلى غير ذلك فقد هَلَكَ" (١) .

    ج ١ ص ٣٩٨
  28. هكذا قال، جعل في موضِع الفَتْرة الشَّرَهَ، فقَلَبَ، والأوَّلُ أوْلى، على ما في حديثِ شُعبَة، واللَّهُ أعلم، وكلا الوَجْهَين خارجٌ معناه، والشَّرَهُ: الحِرْصُ، والشَّرِهُ والشَّرْهانُ الحريصُ (٢) .

  29. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السِّجْسِيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا

    ج ١ ص ٣٩٩عبدُ الرزاق (١) ، عن مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه قال: أفضلُ العبادةِ أخَفُّها.

    قال أبو عُمر: يريد: أخَفَّها على القلوب، وأحَبَّها إلى النُّفوس؛ فإنَّ ذلك أحْرَى أنْ يَدُومَ عليه صاحِبُه، حتى يَصيرَ له عادةً وخُلُقًا.

  30. وقد كان بعضُ العلماءِ يَرْوي هذا الحديث: "أفضلُ العِيادةِ أخَفُّها" (٢) . يريدُ عيادةَ المَرْضى، فمنْ رواه على هذا الوَجْه، فلا مَدخَلَ له في هذا الباب، ولا خلافَ بينَ العلماءِ والحكماءِ أنَّ السُّنَّةَ في العيادَةِ التَّخْفيف، إلّا أنْ يكونَ المريضُ يدعُو الصديقَ إلى الأُنْسِ به. وسيأتي ذِكْرُ العِيادةِ والقولُ فيها في بابِ بلاغاتِ مالكٍ إنْ شاء اللَّه عزَّ وجلَّ (٣) (٤) .