إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ١ من ١٢
- ج ١ ص ٤٠٠
يُكْنَى أبا نَجيح، وقيل: يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا يحيى. من تابعي أهلِ المدينة، من صغارِهم، لقيَ أنسَ بنَ مالك، وهو ثقةٌ حجّةٌ فيما نَقَل، وأبوه عبد اللَّه بن أبي طلحة وُلِدَ بالمدينة في حياة النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال أنسٌ: فغَدوْتُ به إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليُحَنِّكَه، فوافيْتُه وبيَدِه المِيْسَمُ يَسِمُ إبلَ الصَّدقة (٢) .
قال أبو عُمر: اسمُ جدِّه أبي طلحةَ زيدُ بنُ سهل، من كبار الصَّحابة، قد ذكَرناهُ وذكَرْنا طرفًا من أخباره في كتابنا كتاب "الصحابة" (٣) ورَفعْنا هناك في نَسَبِه.
-
وأمُّ إسحاقَ نُبَيتَةُ ابنةُ رفاعةَ بنِ رافع بنِ مالكِ بنِ العَجْلانِ الزُّرَقيُّ الأنصاريُّ.
-
روى عن عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ ابنُه إسحاقُ. وروى عنه ابنُ شهاب أيضًا، وروى عن إسحاقَ جماعةٌ من الأئمّة؛ منهم: يحيى بنُ أبي كثير، ومالكُ بنُ أنس، والأوزاعيُّ، وحمّادُ بنُ سلمة، وهمّامُ بنُ يحيى.
-
ولإسحاقَ إخوةٌ جماعة، وهم: عمرٌو، وعمرُ، وعبدُ اللَّه، ويعقوبُ، وإسماعيلُ، بنو عبد اللَّه بن أبي طلحة، كلُّهم قد رُوِيَ عنهم العلمُ، وإسحاقُ هذا أرفعُهم وأعلمُهم وأثبتُهم رواية.
ج ١ ص ٤٠١قال الواقديُّ (١) : كان مالكُ بنُ أنس لا يُقدِّمُ على إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ في الحديث أحدًا.
-
وتوفى إسحاقُ بالمدينةِ في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: كانت وفاتهُ سنة أربع وثلاثين ومئة.
-
لمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديث النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خمسةَ عشَرَ حديثًا؛ منها: عن أنسٍ عشَرةٌ، وعن رافع بنِ إسحاقَ حديثان، وعن زُفَرَ بنِ صَعْصعةَ حديثٌ واحدٌ، وعن أبي مُرّةَ حديثٌ واحدٌ, وعن حُميدةَ امرأتِه حديثٌ واحدٌ.
- ج ١ ص ٤٠٢
حديثٌ أولُ لإسحاقَ عن أنس، مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان أبو طلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالًا من نَخْل، وكان أحبَّ أموالِه إليه بَيْرُحاءَ (٢) ، وكانت مستَقْبِلةَ المسجد، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب. قال أنسٌ: فلمّا أُنزِلَت (٣) هذه الآية (٤) : {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: ٩٢] ، قام أبو طلحةَ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءُ، وإنَّها صدقةٌ للَّه أرجُو برَّها وذُخرَها عند اللَّه، فضَعْها يا رسولَ اللَّه حيثُ شئْتَ. قال: فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمِعتُ ما قلتَ فيه، وإنِّي أرَى أن تجعَلَه في الأقْرَبين" . فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ اللَّه. فقَسَمَها أبو طلحةَ في (٥) أقاربه وبني عمِّه.
ج ١ ص ٤٠٣قال أبو عمر (١) : هكذا قال يحيى وأكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في هذا الحديث: فقَسَمها أبو طلحة. وممَّن قال ذلك منهم؛ ابنُ القاسم (٢) ، وابنُ وَهْب (٣) ، ويحيى بنُ بُكير (٤) ، ويحيى بنُ يحيى النيسابوريُّ (٥) ، والقعنبيُّ في روايةِ عليِّ بن عبدِ العزيز (٦) ، وإسماعيلُ القاضي (٧) .
-
كذا ذكَره الدارقطنيُّ، عن عثمانَ بنِ أحمدَ الدَّقّاق وأبي سهل أحمدَ بنِ محمدِ بنِ زياد، عن إسماعيل.
-
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ في كتابه "المبسوط" ، عن القعنبيِّ، بإسنادِه سواء، وقال في آخره: فقسَمَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أقاربِه وبني عمَّه.
قال أبو عُمر: فأضاف القِسمةَ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وأمّا قوله: "في أقاربِه وبني عمِّه" فمعلومٌ أنّه أراد أقاربَ أبي طلحةَ وبني عمِّه، وذلك محفوظٌ عندَ (٨) العلماءِ لا يختلِفون في ذلك.
-
وأمّا إضافةُ القِسمَةِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهذا وإن كان جائزًا في لسانِ العرب، أن يُضافَ الفعلُ إلى الآمرِ به، فإنَّ ذلك ليس في روايةِ أكثرِ الرُّواة لـ "الموطّأ" ، ولا يُجيزُ مثلَ هذه العبارة أهلُ الحديث، ولكنَّها روايةُ مَن روَى ذلك، واللَّهُ أعلم، والمعنَى فيه بيِّنٌ، والحمدُ للَّه.
- ج ١ ص ٤٠٤
وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ الماجِشُون، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: لما نزَلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، جاء أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على المنبر. قال: وكانت (١) دارُ ابنِ جعفرٍ والدارُ التي تَلِيها إلى قصرِ ابنِ حُدَيلةَ (٢) حوائطَ لأبي طلحة. قال: وكان قصرُ ابنِ حُدَيلةَ حائطًا لأبي طلحةَ يُقال لها: بَيْرُحاء. وكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدخُلُها وَيشرَبُ من مائها، ويأكُلُ من ثمرِها، فجاءَ أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على المنبر، فقال: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ في كتابه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، فهي للَّه ولرسولِه، أرجُو برَّه وذُخرَه، اجعَلْه يا رسولَ اللَّه حيثُ أراكَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بخ (٣) ، ذلكَ يا أبا طلحةَ مالٌ رابحٌ، قد قبِلناهُ منك، وردَدْناه عليك، فاجعَلْه في الأقربين" . قال: فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رَحِمِه؛ فكان منهم أُبيُّ بنُ كعب، وحسّانُ بنُ ثابت. قال: فباع حسّانُ نصيبَه من مُعاوية، فقيل له: يا حسّان، تبيعُ صدقةَ أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاع من دراهم (٤) ؟
- ج ١ ص ٤٠٥
وذكَر الطَّحاويُّ (١) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ وأبي (٢) ، عن ثُمامة، عن أنس -وهذا لفظُ حديثهِ- قال: قال أنسٌ: كانت لأبي طلحةَ أرضٌ، فجعَلها للَّه عزَّ وجلَّ، فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: "اجعَلْها في فُقراءِ أقاربِك" . فجعَلها لحسّانَ وأُبيٍّ. قال أنسٌ: وكانا أقربَ إليه منِّي.
-
وفي هذا الحديثِ من الفقهِ والعلم وُجوه، فمنها: أنَّ الرجلَ الفاضلَ العالمَ قد يُضافُ إليه حُبُّ المال، وقد يُضيفُه هو إلى نفسِه، وليس في ذلك نقيصةٌ عليه، ولا على مَن أضاف ذلك إليه، إذا كان ذلك من وجهِ حِلِّه وما أباح اللَّهُ منه،
ج ١ ص ٤٠٦وكان أبو طلحةَ من خيارِ أصحابِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أخبرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ عن الإنسانِ أنَّه {لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ٨] . قال المفسِّرون: الخيرُ هاهنا المالُ.
-
وفيه إباحةُ اتِّخاذِ الجنّاتِ والحوائط، وهي التي تُعرفُ عندَنا بالمُنَى، في الحواضِرِ وغيرِها.
-
وفيه إباحةُ دخولِ العلماءِ والفضلاءِ البَساتينَ وما جانسَها من الجنّاتِ والكروم وغيرِها، طلبًا للرّاحةِ والتَّفرُّج، والنَّظرِ إلى ما يُسلِّي النَّفس، وما يُوجبُ شُكرَ اللَّه عزَّ وجلَّ على نِعَمِه.
-
وفيه ما يدُلُّ على إباحةِ كسْبِ العَقار، وفي ذلك ردٌّ لما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنّه قال: لا تتَّخذوا الضَّيعَةَ فترغَبوا في الدُّنيا (١) . وفي كسبِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العَقارَ ممّا أفاءَ اللَّهُ عليه من بني النَّضير، وفَدَكَ، وغيرِها، وكسبِ الصحابةِ رضيَ اللَّهُ عنهم من الأنصارِ والمهاجرين للأرَضينَ والحوائط، وكسبِ التابعينَ بعدَهم بإحسانٍ لذلك، أكثرُ من أن يُحصَى.
-
ولا خلافَ علِمْتُه في أنَّ كَسْبَ العَقارِ مُباح، إذا كان من حِلِّه، ولم يكنْ سببَ ذلٍّ وصَغار، فإنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنه كرهَ كَسْبَ أرضِ الخراج، ولم يرَ شراءَها، وقال: لا تَجعَلْ في عُنقِكَ صَغارًا (٢) .
- ج ١ ص ٤٠٧
وفيه إباحةُ الشُّربِ من ماءِ الصَّدِيقِ بغيرِ إذنِه. وماءُ الحوائطِ والجنّاتِ والدُّورِ عندَنا مملوكٌ لأهلِه، لهم المنعُ منه، والتَّصرُّفُ فيه بالبيع وغيرِه، وسنَذكُرُ معنَى نَهيِه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الماء، وعن بيع فضلِ الماء، في بابِ أبي الرِّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عندَ قولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يُمنَعُ نَقعُ بئرٍ" (١) ، إن شاء اللَّه.
-
وإذا جاز الشُّربُ من ماءِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، جاز الأكلُ من ثمارِه وطعامِه، إذا عَلِم أنَّ نفسَ صاحبه تطيبُ به؛ لتَفاهتِه ويَسِير مُؤنتِه، ولِمَا بينهما من المودَّة، وقد قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا (٦١) } [النور: ٦١] .
-
ذكَر محمدُ بنُ ثور، عن معمر، قال: دخلْتُ بيتَ قتادة، فأبصرْتُ رُطَبًا، فجعَلتُ آكلُه، فقال: ما هذا؟ قلت: أبصرْتُ رُطبًا في بيتكَ فأكلْتُ. قال: أحسنْتَ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} .
-
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢) ، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} . قال: إذا دخَلْتَ بيتَ صديقِكَ من غيرٍ مُؤامَرتِه لم يكنْ بذلك بأسٌ.
قال معمرٌ: ودخَلْتُ بيتَ قتادة، فقلتُ له: أأشربُ من هذا الحُبِّ (٣) ؟ لحُبٍّ فيه ماء، فقال: أنت لنا صديقٌ (٤) .
قال معمرٌ: وقال قتادةُ، عن عكرمة، قال: إذا ملَك الرجلُ المفتاحَ فهو خازنٌ، فلا بأسَ أن يَطعَمَ الشيءَ اليسير (٥) .
ج ١ ص ٤٠٨قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن منصور (١) ، عن أبي وائل، قال: كنّا نغزُو فنمرُّ بالثِّمار فنأكُلُ منها.
قال أبو عُمر: هذا على ما قلنا، واللَّهُ أعلم، مما يُعلمُ أنَّ صاحبَه تَطيبُ به نفسُه، وكان يسيرًا لا يُتشاحُّ في مثلِه. وقد كان لهم في سفرِهم ضيافةٌ مندوبٌ إليها، وقد يكونُ هذا منها، وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَحتلِبَنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلّا بإذنِه" (٢) . وقال: "لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلّا بطيبِ نَفْسِه" (٣) .
-
وسيأتي هذا المعنى مُمهَّدا في باب نافع، عن ابنِ عمر (٤) إن شاء اللَّه.
-
وفيه: إباحةُ استعذابِ الماء، وتفضيلُ بعضه على بعض، بما فضَّلَه اللَّهُ عزَّ وجلَّ في خلقتِه (٥) ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: ١٢] ،. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه كان يُستَعْذَبُ له الماءُ
ج ١ ص ٤٠٩من بئرِ السُّقيا (١) . وفي هذا المعنى، واللَّهُ أعلم، قولُ أنسٍ في هذا الحديث، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأتي بَيْرُحاءَ ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب، فوصَفه بالطَّيِّب.
-
وفيه استعمالُ ظاهرِ الخِطابِ وعُمومِه، وأنَّ الصحابةَ رضيَ اللَّهُ عنهم لم يَفهَموا من فحوَى الخطابِ غيرَ ذلك، ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ حينَ سمع: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} لم يَحتَجْ أن يقِفَ حتى يَرِدَ عليه البيانُ عن الشيء الذي يريدُ اللَّهُ أن يُنفِقَ منه عبادُه بآيةٍ أُخرى، أو سُنّةٍ مُبيِّنةٍ لذلك، فإنَّهم يُحبُّون أشياءَ كثيرة. وفي بدارِ أبي طلحةَ إلى استعمالِ ما وقَع عليه معنَى حُبِّه في الإنفاق منه، دليلٌ على استعمالِه معنى العموم، وما احتمَل الاسمُ الظاهرُ منه، في أقلِّ ذلك أو أكثرِه. وفي هذا ردٌّ على مَن أبى من استعمالِ العُموم لاحتمالِه التَّخصيص، وهذا أصلٌ من أُصولِ الفقهِ كبيرٌ، خالفَ فيه أهلُ الكوفةِ أهلَ الحجاز، وهو مذكورٌ في كُتبِ الأُصولِ بحُجَجِه ووُجُوهِه، والحمدُ للَّه. والاستدلالُ على ذلك بأنَّ أبا طلحةَ بَدَر مما يُحِبُّ إلى حائطِه، فأنفَقه وجعَله صدقةً للَّه
ج ١ ص ٤١٠استدلالٌ صحيح، وكذلك فعَل زيدُ بنُ حارثة؛ بدَرَ مما يحبُّ إلى فرسٍ له، فجعَلها صدقةً؛ لأنَّ ذلك كلَّه داخلٌ تحت عُموم الآية.
-
ذكَر أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المُنكَدِر، قال: لما نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . قال زيدُ بنُ حارثة: اللَّهُمَّ إنَّكَ تعلَمُ أنّه ليس لي مالٌ أحبَّ إليَّ من فرسي هذا. وكان له فرسٌ يقالُ له: سَبَلٌ. فجاءَ به إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: هذا في سبيلِ اللَّه، فقال لأسامةَ بنِ زيد: "اقْبِضهُ" ، فكأنَّ زيدًا وجَد من ذلك في نفسِه، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ قد قَبِلها منك" (١) .
-
ورواه حمّادُ بنُ زيد، عن عمرِو بنِ دينار، عن ابنِ المنكدرِ مثلَه (٢) .
-
وذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورِ بنِ حيّان، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ محمد، عن أبيه، قال: دخَل عبدُ اللَّه بنُ عمرَ على صفيّةَ بنتِ أبي عُبيد، فقال لها: أشعَرْتِ أنِّي أُعطِيتُ بنافع ألفَ دينار؛ أعطاني به عبدُ اللَّه بنُ جعفر. قالت: فما تَنتِظرُ أن تبيعَ؟ قال: فهلّا خيرٌ من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: هو حُرٌّ لوجهِ اللَّه. قال: أظنُّه تأوَّلَ قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (٣) .
- ج ١ ص ٤١١
ورَوَيْنا عن الثوريِّ أنّه بلَغَه أنَّ أُمَّ ولدِ الربيع بنِ خُثَيم، قالت: كان إذا جاء السائل، يقول لي: يا فُلانة، أعطي السائلَ سُكَّرًا؛ فإنَّ الرَّبيعَ يُحبُّ السُّكَّر. قال سفيان: يتأوَّلُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ؛ حدَّثناه خلفُ بنُ أحمد (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مُطرِّف، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمان (٢) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا المؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ. فذكَره.
وقال الحسنُ رحِمَه اللَّه: إنَّكم لا تَنالونَ ما تُحبُّون إلّا بتركِ ما تَشتَهون، ولا تُدرِكُون ما تأمُلُونَ إلّا بالصبرِ على ما تَكرَهون (٣) .
-
وفيه أنَّ لفظَ الصدقةِ يُخرِجُ الشيءَ المتصدَّقَ به عن ملكِ الذي يَملِكُه قبلَ أن يَتصَدَّقَ به، فإنْ أخرَجها إلى مالك، وملَّكَه إيّاها، استَغْنَى بهذه اللفظةِ عن غيرِها ولم يكنْ له الرُّجوعُ في شيءٍ منها؛ لأنَّ لفظَ الصدقةِ يدُلُّ على أنَّه أراد اللَّهَ بها مُعطيها؛ لما وعَد اللَّهُ ورسولُه على الصدقةِ من جزيلِ الثَّواب، وما أُريدَ به اللَّهُ فلا رُجوعَ فيه، وهذا مما أجمَعَ المسلمون عليه.
-
وفي هذا حُجَّةٌ لمالكٍ في إجازتِه للموهُوبِ له والمتصدَّقِ عليه المطالبةَ بالصدقةِ وإنْ لم يَحُزْها حتى يَحُوزَها، وتصحُّ له ما دام المتصدِّقُ أو الواهبُ حيًّا، وإن لم تُقبَضْ. وغيرُه لا يَجعَلُ اللفظَ بالصدقةِ ولا بالهبةِ شيئًا، سواءٌ كان مُعَيَّنًا (٤)
- ج ١ ص ٤١٢
أو غيرَ مُعيَّن، حتى تُقبَضْ، وليس للموهوبِ له عندَهم ولا للمُتَصدَّقِ عليه أن يُطالبَ واهبَها بإخراجِها إليه، ولا يُوجِبُ عندَهم لفظُ الصدقةِ أو الهبةِ من غيرِ قبضٍ حُكمًا. وممّن ذهَب إلى هذا: الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ. وسنذكُرُ اختلافَهم في هذا المعنى وما شاكَلَه من معاني الهبَاتِ في بابِ ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن ومحمدِ بنِ النُّعمانِ بنِ بشير، إن شاءَ اللَّه (١) ، ونُبيِّنُ وُجوهَ أقاويلِهم، واعتلالَهم لمذاهبِهم هناك، بحولِ اللَّه وعونِه، لا شريكَ له.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الكلامَ قد أوجَب حُكمًا، أقلُّه المطالبةُ -على ما قال مالكٌ- للمُعيَّنِ الموهُوبِ له. ومن طريقِ القياس، لولا الكلامُ المتقدِّمُ، ما كان القبضُ يُدرَى ما هو، وباللَّه التَّوفيق.
-
فإذا قال المُتصدِّقُ: مالي هذا صدقةٌ للَّه عزَّ وجلَّ، ولم يُملِّكْه أحدًا، جاز للإمام أن يَصرِفَه في أيِّ سبيل من سُبلِ اللَّه شاء، غيرَ أنَّ الأفضلَ من ذلك أولى، هذا إذا لم يَبِنْ مرادُ المتصدِّق، فإن بانَ مرادُه لم يُتَعَدَّ ذلك الوجْهُ.
-
وفيه أنَّ الصدقةَ على الأقاربِ من أفضلِ أعمالِ البرِّ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُشِرْ بذلك على أبي طلحةَ إلّا وهو قد اختار ذلك له، ولا يَختارُ له إلّا الأفضلَ لا محالة، ومعلومٌ أنَّ العِتْقَ (٢) من أفضلِ أعمالِ البرِّ، وقد فضَّلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصدَقةَ على الأقاربِ (٣) على العِتْق.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (٤) ، قال:
ج ١ ص ٤١٣حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١) : حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّريِّ، عن عبْدة، عن ابنِ إسحاق، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الأشجّ، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ميمونة، قالت: كانت لي جاريةٌ فأعتَقتُها، فدخَل عليَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرتُه، فقال: "آجَرَكِ اللَّهُ، أمَا إنَّك لو أعْطَيْتِها أخوالَك (٢) كان أعظمَ لأجْرِكِ" .
-
وروَى مالكٌ (٣) هذا الحديث، عن ابنِ أبي صَعْصعةُ، بقريبٍ من هذا العنى. وقد ذكَرناه في موضعِه من كتابِنا هذا.
-
وقد قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لزينبَ الثَّقفِيّة زوجةِ ابنِ مسعود، وزينبَ الأنصاريّة، حينَ أتتاه تسألانِه عن النَّفقةِ على أزواجِهما، وعلى أيتام في حُجورِهما، هل يُجْزِئُ ذلك عنهما من الصدقة؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لكما أجْران؛ أجرُ القَرابة، وأجرُ الصدقة" (٤) .
- ج ١ ص ٤١٤
وروَى الزُّهريُّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أُمِّه، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ أفضلَ الصدقةِ على ذي الرَّحم الكاشِح" (١) .
-
قيل في تأويلِ الكاشِح هاهنا: القريبُ. وقيل: المبغِضُ المُعادي، وهو الصحيحُ، واللَّهُ أعلم (٢) .