زيد بن رباح

٥٢ فقرة، ج ٤ ص ٢٠

الصفحة ١ من ٢

  1. حديثٌ واحدٌ عن زيد بنِ رباح مسنَدٌ، لا يتَّصل من وجهه هذا (١)

    ج ٤ ص ٢٠
  2. وهو زيد بن رباح (٢) مولى أدرم بن غالب بن فهر. هكذا قال البخاري.

    وقال ابن شيبة (٣) : قُتل زيد بن رباح سنة إحدى وثلاثين ومئة.

    قال أبو عمر: هو ثقة مأمون على ما حمل وروى، روى عنه مالك بن أنس وغيره.

  3. مالكٌ (٤) ، عن زيدِ بنِ رباح وعُبيْدِ الله بنِ أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاةٌ في مَسْجِدي هذا خَيْرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاه مِن المسَاجِدِ إلّا المسجدَ الحرام" .

  4. لم يُختَلَف عن مالكٍ في إسْنادِ هذا الحديثِ في "الموطأ" ، ورواه محمدُ بنُ مَسْلَمَة المَخْزوميُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مَسْجدِي" . فذَكَره. وهو غَلَطٌ فاحِشٌ، وإسْنادٌ مقْلُوب، ولا يَصِحُّ فيه عن مالكٍ إلّا حديثُه في "المُوطَّأ" ، عن زيدِ بنِ ربَاح وعُبَيْدِ الله بنِ أبي عبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي عبدِ الله الأغَرَّ، عن أبي هريرة، لا عن ابنِ شهاب، عن أنس.

  5. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَر بنِ الوَرْدِ وعبدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ إسحاقَ بنِ مَعْمَر، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر القَطَّان،

    ج ٤ ص ٢١قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبرنا مالك، عن زيدِ بنِ ربَاح وعبيدِ الله بنِ سلمانَ (١) الأغَرِّ، عن أبي عبدِ الله الأغّرِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المسَاجِدِ إلّا المسجدَ الحرام" (٢) .

  6. وقد روي عن أبي هريرة من طُرقٍ ثابتةٍ صِحَاح مُتواترة (٣) ، والحمدُ لله.

  7. وأبو عبدِ الله الأغَرُّ اسْمُه سلمانُ (٤) مولى جُهينة، من تابِعي المدينة، وأصْلُه من أصْبَهان، وهو ثِقَةٌ كبير، حُجَّةٌ فيما نَقَل، روى عنه ابنُ شهابٍ وابنُه عُبَيدُ الله. وعُبَيدُ الله (٥) أيضًا ثِقَةٌ، وحديثُه هذا صحيحٌ مجتمَعٌ على صحَّتِه، إلّا أنّهم اختلفوا في تأويلِه ومعنَاه.

  8. فتأوَّلَه قومٌ، منهم أبو بكر عبدُ الله بنُ نافع الزُّبيريُّ صاحِبُ مالك: على أنّ الصلاةَ في مسجِدِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- أفْضَلُ من الصلاةِ في المسجدِ الحرام بدُونِ ألفِ درجة، وأفضَلُ من الصلاةِ في سائرِ المساجدِ بألفِ صلاة. وقال بذلك جماعَةٌ مِن المالكيِّين. رواه بعضُهم عن مالك (٦) .

  9. وذكر أبو يحيَى السَّاجِيُّ، قال: اختَلفَ العلماءُ في تَفْضيل مكَّة على المدينة؛ فقال الشافعيُّ: مكَّةُ خيرُ البقاع كلِّها. وهو قولُ عطاء، والمكِّيين، والكُوفيِّين. وقال مالكٌ والمدنيُّون: المدينةُ أفضلُ من مكَّة (١) .

    ج ٤ ص ٢٢
  10. واختلفَ البغداديُّون وأهلُ البصرةِ في ذلك؛ فطائفَةٌ تقول: مكَّةُ. وطائِفَةٌ تقول: المدينة.

    وقال عامةُ أهْلِ الأثَرِ والفِقْه: إن الصلاةَ في المسجدِ الحرام أفضَلُ من الصلاةِ في مسجدِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- بمئةِ صلاة. وروى يحيى بنُ يحيى، عن ابنِ نافع: أنّه سأله عن معنَى هذا الحديث، فقال: معناه: أنَّ الصلاةَ في مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أفضَلُ من الصلاةِ في المسجدِ الحرام بدُونِ ألفِ صلاة، وفي سائرِ المساجدِ بألفِ صَلاة.

    قال أبو عمر: أمَّا القولُ في فَضْلِ مكَّة والمدينةِ فقد مضَى منه في كتابِنا هذا ما فيه كِفايَةٌ. وأمَّا تأويلُ ابنِ نافع فبَعِيدٌ عندَ أهلِ المعرفةِ باللسان، ويلزَمُه أن يقول: إنَّ الصلاةَ في مسجدِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- أفضَلُ من الصلاةِ في المسجدِ الحرام بتسع مئةِ ضِعْفٍ وتسْعَةٍ (٢) وتسْعِينَ ضِعْفًا. وإذا كان هكذا لم يكنْ للمسجِدِ الحرام فَضْلٌ على سائرِ المساجدِ إلّا بالجزْء اللَّطِيف، على تأويلِ ابنِ نافع، وحَسْبُكَ ضَعْفًا بقولٍ يَئُولُ إلى هذا، فإنْ حَدَّ حَدًّا في ذلك لم يكنْ لقولِه دَليلٌ ولا حُجَّةٌ، وكلُّ قولٍ لا تَعْضُدُه حُجَّةٌ ساقِطٌ.

  11. حدَّثنا محمدُ بنُ ابراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْلي، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينَة، عن زيَادِ بنِ سَعْد، عن ابنِ عَتِيق، قال: سمِعتُ ابنَ الزُّبَيْرِ قال: سمِعتُ عُمرَ

    ج ٤ ص ٢٣يقول: صلاةٌ في المسجدِ الحرام، خير من مئة ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاه -يعني منَ المساجدِ- إلّا مسجدَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- (١) .

  12. فهذا عمرُ بنُ الخطَّاب، وعبدُ الله بنُ الزُّبيرِ ولا مخُالِفَ لهما من الصحابَة، يقُولان بفَضْلِ الصلاةِ في المسجِدِ الحرامِ على مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وتأوَّلَ بعضُهم هذا الحديثَ عن عُمرَ أيضًا على أنّ الصلاةَ في مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خيرٌ من تسع مئة صلاةٍ في المسجدِ الحرام. وهذا كلُّه تأويلٌ لا يعضُدُه أصلٌ، ولا يقومُ عليه دليل.

  13. وقد زعَم بعضُ المتأخِّرين من أصحابِنا أنّ الصلاةَ في مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أفضَلُ من الصلاةِ في المسجدِ الحرام بمئة صلاة، وفي غيره بألفِ صَلاة. واحتجَّ لذلك بما رواه سفيانُ بنُ عيينة، عن زيادِ بنِ سعد، عن ابنِ عَتِيقٍ، قال: سمِعْتُ [عبدَ الله بنَ الزُّبير يقول: سَمِعتُ] (٢) عمرَ يقول: صلاةٌ في المسجدِ الحرام خيرٌ من مئة صلاةٍ فيما سواه.

  14. وحديثُ سليمانَ بنِ عتيقٍ هذا لا حُجًّةَ فيه؛ لأنّه مختلفٌ في إسنادهِ وفي لفظه، وقد خالفَه فيه من هو أثبتُ منه.

  15. فمن الاختلافِ عليه في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليْم وقاسِمُ بنُ أصبَغَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن زيادِ بنِ سَعْدٍ الخُراسانيِّ أبي عبدِ الرحمن،

    ج ٤ ص ٢٤قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ عَتيق، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ الزبيرِ يقول: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقول: صلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضَلُ من مئة صلاةٍ في مسجِدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (١) .

  16. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم -وكتَبتُه من أصْلِه، قال: حدَّثنا أبو جعفر الدَّيْبُليُّ محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو عُبَيدِ الله سعيدُ (٢) بنُ عبدِ الرحمنِ المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ سعد، عن ابنِ عَتيق، قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ على المنبرِ يقول: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقول: صلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاه من المساجدِ إلّا مسجدَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنما فَضْلُه عليه بمئة صلاة (٣) .

  17. فهذا خلافُ ما ذكرُوه في حديثِ ابنِ عتيق، عن ابنِ الزبير، عن عمر، فكيف بحديثٍ قد رُوَي فيه ضدُّ ما ذكرُوه نصًّا من روايَةِ الثِّقات، إلى ما في إسنادِه من الاختلافِ أيضًا.

  18. وقد ذكره عبدُ الرزاق (٤) ، عن ابنِ جريج، قال: أخبرنا سليمانُ بنُ عتيقٍ وعطاءٌ، عن ابنِ الزبير، أنَّهما سمِعاه يقول: صلاة في المسجدِ الحرام خيرٌ من مئة صلاةٍ فيه. ويُشيرُ إلى مسجدِ المدينة.

  19. وحدَّثنا عبدُ الوارثُ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسرَّةَ ومحمدُ بنُ عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا

    ج ٤ ص ٢٥محمدُ بنُ أبي عمرَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ سعد، عن سليمانَ بنِ عَتِيق، قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ يقول: صلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضلُ مِن ألفِ صَلاةٍ فيما سِوَاه مِن المساجدِ إلّا مسجدَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّما فَضْلُه عليه بمئة صلاة (١) .

  20. فهذا حديثُ سليمانَ بنِ عتيقٍ مُحتَملٌ للتَّأويل؛ لأنَّ قوله: فَضلُه عليه يحتَمِلُ الوجهين، إلّا أنّه قد جاءَ عن عبدِ الله بنِ الزبيرِ نصًّا من نَقْلِ الثِّقاتِ -خِلافُ ما تأوَّلوه عليه. على أنّه لم يُتابَعْ فيه سليمانُ بنُ عتيقٍ على ذكرِ عمرَ، وهو ممَّا أخطأ فيه عندهم سليمانُ بنُ عتيقٍ وانفرَدَ به، وما انفرَدَ به فلا حُجَّةَ فيه، وإنَّما الحديثُ محفوظٌ عن ابنِ الزبير على وجهين؛ طائفةٌ تُوقِفُه عليه فتجعَلُه من قولِه (٢) ، وطائِفَةٌ ترفَعُه عنه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمعنًى واحدٍ: أنَّ الصلاةَ في المسجدِ الحرام أفضلُ من الصلاةِ في مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمئة ضِعْف.

  21. هكذا رواه عطاءُ بنُ أبي رباح، عن عبدِ الله بنِ الزبير. واختُلِفَ في رَفْعِه عن عطَاء على حَسَبِ ما نذْكرُه، ومن رفَعَه عنه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أحفَظُ وأثبتُ من جهةِ النَّقْل، وهو أيضًا صحيحٌ في النَّظَر؛ لأنّ مِثْلَه لا يُدْرَكُ بالرَّأي، ولا بُدَّ فيه من التَّوقيف؛ فلهذا قُلْنا: إنّ من رفَعَه أوْلى، مع شَهادَةِ أئمَّةِ الحديثِ للذي رفَعَه بالحِفْظِ والثِّقَة، فمِمَّن وقَفه على ابنِ الزُّبيرِ من روايَةِ عطاء، الحجَّاجُ بنُ أرطاة، وابنُ جريج، على أنّ ابنَ جريج رواه عن سليمانَ بن عتيقٍ أيضًا مثل روايَتِه عن عطاءٍ سواء.

  22. فحديثُ الحجَّاج حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا أبي (١) ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ، عن عبدِ الله بنِ الزُّبير، قال: الصلاةُ في المسجدِ الحرام تَفْضُلُ على مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمئة ضعْف. قال عطاءٌ: فنظرنا في ذلك، فإذا هي تَفْضلُ على سائرِ المساجدِ بمئة ألفِ ضعف.

    ج ٤ ص ٢٦
  23. وذكر عبدُ الرزاقِ (٢) وغيرُه، عن ابنِ جريج، قال: أخبرني عطاءٌ، أنّه سَمِعَ ابنَ الزبيرِ يقولُ على المِنْبَر: صلاةٌ في المسجدِ الحرام خيرٌ من ألفِ صَلاةٍ فيما سِواه من المساجد. قال: قلت: لم يُسَمِّ مسجدَ المدينة. قال: يُخيَّلُ إلي أنّه إنّما أرادَ مسجِدَ المدينة.

    قال ابنُ جريج (٣) : وأخبرني سليمانُ بنُ عتيقٍ بمثلِ خبَرِ عطاءٍ هذا، ثم يُشيرُ ابنُ الزبيرِ إلى المدينة.

  24. هكذا قال ابنُ جُريج: "بألف" وعلى ما أشارَ إليه وتأوَّله ابنُ جريج في حديثِه هذا تكونُ الصلاةُ في المسجد الحرام تَفْضُلُ على الصلاةِ في كلِّ المساجدِ غيرَ مَسْجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بألفِ ألف.

  25. وقد رُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في هذا البابِ ما يقطعُ الخلافَ ويحسِمُ التَّنازُع، ولكنَّ الحديثَ لم يُقِمْه ولا جوَّدَه إلّا حَبِيبٌ المُعلِّمُ عن عطاء، أقام إسْنادَه

    ج ٤ ص ٢٧وجوَّدَ لفْظَه، فأتَى بالمعرُوفِ في الصلاةِ في المسجدِ الحرام (١) بأنها مئة ألفِ صلاة، وفي مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بألف صلاة.

  26. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ الله بنُ أبي مسرَّةَ فَقِيهُ مكَّةَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن حبيبٍ المُعلِّم، عن عطاء بنِ أبي ربَاح، عن عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سِواه إلّا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضلُ من مئةِ صلاةٍ في مسجدي" (٢) .

  27. وحدَّثنا (٣) عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسِم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٤) : حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن حبيبٍ المُعلِّم، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدِ الله بنِ الزبيرِ قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِواه من المساجدِ إلّا المسجِدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضلُ من صلاةٍ في مسجدِي هذا بمئة صلاة" .

  28. فأسْنَدَ حبيبٌ المُعلِّمُ هذا الحديثَ وجوَّدَه، ولم يخلِطْ في لفْظِه ولا في معناه، وكان ثِقَةً، وليس في هذا الباب عن ابنِ الزبير ما يُحتَجُّ به عندَ أهْلِ العِلْم بالحديثِ إلّا حديثُ حَبِيبٍ هذا.

    قال ابنُ أبي خَيْثَمَة: سمِعتُ يحيى بنَ مَعينٍ يقول: حَبِيبٌ المعَلِّمُ بَصْريٌّ ثِقَة (١) . وذكرَ عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حَنْبل، قال: سمِعتُ أبي يقول: حَبيبٌ المعلِّمُ ثِقَةٌ، ما أصَحَّ حديثَه! وسُئِلَ أبو زُرعَة الرَّازيُّ عن حبيبٍ المُعلِّم، فقال: بصريٌّ ثقة (٢) .

    ج ٤ ص ٢٨
  29. وقد رُوي في هذا البابِ عن عطاء، عن جابر، حديثٌ نقَلَتُه ثِقَاتٌ كلُّهم، بمِثْلِ حديثِ حَبيبٍ المُعلِّم سواء. وجائزٌ أن يكونَ عندَ عطاءٍ في ذلك عن جابرٍ وعبدِ الله بنِ الزبير، فيكونان حديثَيْن، وعلى ذلك يحمِلُه أهل الفِقْهِ في الحديث.

    قال أبو عمر: (٣) ولم يُرْوَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وجْهٍ قوي ولا ضعيفٍ ما يُعارضُ هذا الحديثَ، ولا عن أحَدٍ من أصْحابِه رضي الله عنهم، وهو حديثٌ ثابتٌ لا مَطْعَنَ فيه لأحَد، إلّا لمُتَعسّفٍ لا يُعرَّجُ على قوله في حبيب المُعلِّم، وقد كان أحمدُ بنُ حَنْبل يَمْدَحُه ويُوثِّقُه ويُثْني عليه، وكان عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ يُحدِّثُ عنه، ولم يَرْو عنه القَطَّان (٤) ، وروى عنه يزيدُ بنُ زُريع، وحمَّادُ بنُ زيد، وعبدُ الوهابِ الثَّقَفيُّ، وعندَهم عنه كثير. وسائرُ الإسنادِ أئمَّةٌ ثِقَاتٌ أثباتٌ، وقد

    ج ٤ ص ٢٩رواه الحجَّاجُ بنُ أرطاة، عن عطاءٍ مثلَ روايَةِ حبيبٍ المُعَلِّم سواء. وقد رُويَ من حديثِ جابر، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلُ حديثِ ابنِ الزبيرِ سواء.

  30. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثني حكيمُ بنُ سَيْف، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمرٍو، عن عبدِ الكريم الجزَرَيِّ، عن عطاء بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِواه من المساجدِ إلّا المسجِدَ الحرَامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضَلُ من مئة ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ" (١) .

  31. وحكيمُ بنُ سَيْفٍ هذا شيخٌ من أهلِ الرَّقَّة، وقد روى عنه أبو زُرْعَةَ الرَّازيُّ وغيرُه، وأخَذَ عنه ابنُ وضَّاح، وهو عندهم شيخٌ صدُوقٌ لا بأسَ به (٢) ، فإن كان حَفِظَ، فهما حَدِيثان، وإلّا فالقولُ قولُ حَبيبٍ المعلِّم على ما ذكرنا.

  32. وقد رُويَ في هذا الباب أيضًا حديثٌ بهذا المعنى عن عطاء، عن ابنِ عُمَرَ مُسْندًا، وهو عندَهم حديثٌ آخَرُ لا شَكَّ فيه؛ لأنّه رُويَ عنِ ابنِ عُمرَ من وُجُوهٍ:

    ج ٤ ص ٣٠حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ (١) بنِ بدرٍ البَاهليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ ابنِ عُليَّة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأزرَقُ، قال: أخبرنا عبدُ الملك (٢) ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجِدِ إلّا المسجِدَ الحرام، فهو أفضلُ" (٣) .

  33. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ وابنُ أبي دُليم، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا يوسُفُ بنُ عَدِيٍّ، عن عُبيْدِ الله بنِ عَمْرٍو (٤) ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاء، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صَلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صلاةٍ في غيرِه من المساجدِ إلّا المسجِدَ الحرامَ؛ فإنَّ الصلاةَ فيه أفضَلُ" .

  34. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ علي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز. وأجازَه لنا أيضًا أبو محمدٍ عبدُ الله (٥) بنُ عبدِ المُؤمِن، عن ابنِ جامع (٦) ، عن عليِّ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمَّار، قال: حدَّثنا أبو معاوية (٧) ، عن مُوسَى الجُهَني، عن

    ج ٤ ص ٣١نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صَلاةٍ في غيرِه إلّا المسجِدَ الحرامَ فإنّه أفضَلُ منه بمئةِ صلاة" (١) .

    قال عليُّ بنُ عبدِ العزيز: وحدَّثنا عارِمٌ (٢) ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيد، عن حَبيبٍ المعَلِّم، عن عطَاء بنِ أبي ربَاح، عن عبدِ الله بنِ الزُّبَير، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَه (٣) .

    قال أبو عمر: موسى الجُهَنيُّ كوفيٌّ ثِقةٌ، أثْنَى عليه القطَّان، وأحمدُ، ويحيى، وجماعَتُهم، وروى عنه شعبة، والثوري، ويحيى بنُ سعيد (٤) . وقد رُوِيَ عن أبي الدَّرداء، وجابر، بمثلِ هذا المعْنَى سواء.

  35. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّار، قال (٥) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حميد، عن محمدِ (٦) بنِ يَزيدَ بنِ شدَّاد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سالم القدَّاحُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ بَشير، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ الله، عن أُمِّ الدَّرداء، عن أبي الدَّرداء قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فَضْلُ الصلاةِ في المسجدِ الحرام على غيرِه مئةُ ألفِ صلاة،

    ج ٤ ص ٣٢وفي مسجدي ألفُ صلاة، وفي مسجدِ بَيْتِ المقْدِسِ خمسُ مئةِ صلاة ". قال البزَّارُ: هذا إسنادٌ حسَنٌ.

  36. وقد روي من حديثِ عثمانَ بنِ الأسود، عن مجاهد، عن جابرٍ مثلُه سواءً (١) .

  37. وروى الحُميديُّ، عن ابنِ عيينة، قال: حدَّثني عُمرُ بنُ سعيد، عن أبيه، عن أبي عَمْرٍو الشَّيْباني، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: ما لامرأةٍ أفضَلُ من صَلاتِها في بَيتِها إلّا المسجدَ الحرام (٢) .

  38. وهذا تفضِيلٌ منه للصلاةِ فيه على الصلاةِ في مسجدِ النبيِّ عليه السلام؛ لأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابِه: "صلاةُ أحدِكم في بيتِه أفضَلُ من صلاتِه في مسجدي إلّا المكتُوبَة " (٣) .

  39. وقد اتَّفقَ مالكٌ وسائِرُ العلماء على أنّ صلاةَ العيدَيْنِ يُبْرَزُ لها في كُلِّ بَلَدٍ إلّا بمكَّة، فإنَّها تُصلَّى في المسجِدِ الحرام. وذكرَ ابنُ وَهْبٍ في "جامِعِه"، عن مالكٍ، أنّ آدَمَ لما أُهْبطَ إلى الأرض، قال: يا ربِّ، هذه أحبُّ الأرض إليك أن تُعْبَدَ فيها؟ قال: بل مكَّةُ. وقد ذكرنا هذا الخبرَ بتَمامِه في بابِ خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمنِ من هذا الكتابِ (٤) .

  40. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بنُ يحيَى وأحمدُ بنُ سلمةَ بنِ الضَّحاك، قالا: حدَّثنا

    ج ٤ ص ٣٣سفيان، قال: حدَّثنا الزهري، عن سعيدِ بنِ المسيب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجدِ إلّا المسجدَ الحرامَ" (١) . قال سفيانُ: فيرَون أنّ الصلاةَ في المسجدِ الحرام أفضَلُ من مئة ألفِ صلاةٍ فيما سِواه من المساجدِ.