ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي حديث واحد متصل

٥٨ فقرة، ج ٤ ص ١٦٧

الصفحة ١ من ٢

  1. أخبرنا أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو الحسين عبدُ الباقي بنُ قانع القاضي ببغدادَ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: كان لفظُ الزُّهريِّ إذا حدَّثنا عن أنسٍ وسهلِ بنِ سعدٍ: سمعتُ سمعتُ (١) .

    ج ٤ ص ١٦٧
  2. قد ذكرنا سَهْلَ بنَ سعدٍ في كتابنا في "الصَّحابة" (٢) ، فأغنَى عن ذِكْرِه هاهنا.

  3. مالكٌ (٣) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ أنّه أخبره أنَّ عُوَيْمِرَ بنَ أشْقَرَ العَجْلانيَّ (٤) جاءَ إلى عاصِم بنِ عَدِيٍّ الأنصاريِّ، فقال له: يا عاصِمُ، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتُلونَه، أم كيف يفعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عن ذلك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. فسأل عاصِمٌ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك،

    ج ٤ ص ١٦٨فكَرِهَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المسائِلَ وعابَها، حتى كبُر على عاصِم ما سَمِع مِن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا جاءَ عاصِمٌ إلى أهلِه جاءَ عُوَيمِرٌ فقال: يا عاصِمُ، ماذا قال لك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال عاصِمٌ: لم تأتني بخيرٍ، قد كرِه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المسألةَ التي سألتُه عنها. فقال عُوَيمِرٌ: والله لا أنتَهِي حتى أسأله عنها. فأقبَل عُوَيمِرٌ حتى أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو وَسْطَ الناس، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتُلُونَه، أم كيف يفعلُ؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتِك، فاذهَبْ فأْتِ بها" ، قال سهلٌ: فتلاعَنا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا فرَغَا مِن تلاعُنِهما قال عُوَيمِرٌ: كذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.

    قال مالكٌ: قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك بعدُ سنة المتلاعنَين.

  4. هكذا هو في "الموطّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (١) : قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك سنةَ المُتلاعنَين.

  5. ورواه جُوَيْريَةُ، عن مالكٍ بإسنادِه، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، وساقَه بنحوِ ما في "الموطأ" إلى آخرِه، وقال: فطَلَّقها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان فراقُه إيَّاها سُنةً (٢) . هكذا قال في نَسَقِ الحديثِ، جعَلَه مِن قولِ سهلِ بنِ سعدٍ لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ.

  6. وكذلك رواه إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مالكٍ بإسنادِه ومعناه، وقال في آخِرِه: فلمَّا فرَغا مِن تلاعُنِهما طلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: فكانت فُرقَته إياها سُنّةً بعدُ (١) . ومن رُواةِ إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ مَن يقولُ عنه فيه: فكان طلاقُه إيَّاها سنةً. كلُّ ذلك مُدرَجٌ في كلام سَهْل لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ.

    ج ٤ ص ١٦٩
  7. وهو عندَ جماعةِ رُوَاةِ "الموطَّأ" مِن قولِ ابنِ شهابٍ، كذلك هو عندَ القَعْنَبيِّ (٢) ، ومُطَرِّفٍ، ومَعْنِ بنِ عِيسَى (٣) ، وابنِ بُكيْرٍ، وابنِ القاسِم (٤) ، وابنِ وَهْبٍ (٥) ، والشافعيِّ (٦) ، وأُبي مُصْعَبٍ (٧) ، التِّنِّيسِي (٨) ، ويحيى بنِ يحيى

    ج ٤ ص ١٧٠النَّيسابُوريِّ (١) ، وأحمدَ بنِ إسماعيلَ المدنيِّ، وعبدِ الله بنِ نافع الزُّبَيْريِّ (٢) ، وغيرهم (٣) .

  8. واختلَف أصحابُ ابنِ شِهابٍ في ذلك أيضًا، قال الدارقطنيُّ: وقد روى حديثَ اللِّعانِ عن الزُّهريِّ عن سهلِ بنِ سعدٍ جماعَةٌ مِن الثِّقاتِ، فاختلَفوا عنه في قولِه: فكان فِرَاقُه إيَّاها سُنَّة المُتَلاعنَينِ. فأدرَجَه جماعَةٌ منهم في نفسِ الحديثِ، وجعَلوه مِن قولِ سهلِ بنِ سعدٍ؛ منهم: ابنُ جُريج، وابنُ أبي ذئْبٍ، والأوزاعيُّ، وعياضُ بنُ عبدِ الله الفِهريُّ، وفُلَيْحُ بنُ سليمانَ، وإبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّع. وفَصَلَه عُقيلُ بنُ خالدٍ، وإبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ، ويزيدُ بنُ أبي حبيبٍ فيما كتَبَ به إليه الزهريُّ، قالوا في آخِرِه: قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك سنةَ المُتَلاعِنَينِ، كما في "الموطأ" (٤) .

  9. وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ (٥) إجازَةً عن أبي الحَسنِ عليِّ بنِ عمرَ الحافظِ أنّه أخبره ببغدادَ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ (٦) ، قال: قُرئ على سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، فيقتُلُه أتقتلونَهُ، أم

    ج ٤ ص ١٧١كيف يفعَلُ؟ قال: فأنزَلَ اللهُ فيهما ما ذُكِر في القرآنِ مِن التَّلاعُنِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "قد قُضِي فيك وفي امرأتِك" . قال: فتلاعنَا وأنا شاهِدٌ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ الله، إن أمسكْتُها فقد كذَبْتُ عليها. ففارَقَها، فكانتِ السُّنةُ فيهما أن يُفرَّقَ بينَ المُتلاعِنَين، وكانت حامِلًا فأنكَرَ حَمْلَها، وكان ابنُها يُدْعَى إليها، ثم جرَتِ السُّنةُ في الميراثِ أن يَرِثَها وتَرِثَ منه ما فَرَض اللهُ لها (١) .

  10. وهذه الألفاظُ لم يَروِها عن مالكٍ فيما عَلِمتُ غيرُ سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ، واللهُ أعلم (٢) .

  11. وروى عبدُ الله بنُ إدريسَ هذا الحديثَ عن مالكٍ ومحمدِ بنِ إسحاقَ جميعًا، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، فذكره بطُولِه، وزاد فيه: فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "قد أنزَل اللهُ فيكما قرآنًا" ، وتلا ما أنزَل اللهُ في ذلك، ولاعنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَهما بعدَ العصر، فلما تَلاعَنا قال: يا رسولَ الله، ظلَمتُها إن أمسَكتُها، فهي الطلاقُ، فهي الطلاقُ، فهي الطلاق (٣) .

  12. ولم يذكُرْ أحدٌ فيما عَلِمتُ في هذا الحديثِ أنّه لاعَنَ بينهما بعدَ صلاةِ العصرِ إلّا ابنُ إدريسَ، وأظنُّه حملَ لفظَ ابنِ إسحاقَ على لفظِ مالكٍ، وقال الدَّارقطنيُّ: لم يَقُلْ في هذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ أحدٌ مِن أصحابِه أنّه لاعَنَ بينهما بعد صلاةِ العصرِ غيرُ محمدِ بنِ إسحاق (١) .

    ج ٤ ص ١٧٢
  13. وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْه: السؤالُ عن الإشكال. وفيه أنَّ الاستفهامَ بـ: "أرأيتَ" عن المسائلِ كان قديمًا في عصرِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  14. وفيه أنَّ مَن قتَل رجلًا وادَّعى أنّه إنّما قتلَه لأنّه وجَدَه مع امرأتِه، أنّه يُقْتَلُ به. وقد بينَّا هذه المسألةَ في بابِ سهَيلِ بنِ أبي صالح مِن هذا الكتابِ (٢) .

  15. وفيه أن يتولَّى السُّؤالَ عن مسألتِكَ غيرُك وإن كانت مُهِمَّةً. وفيه قَبُولُ خبرِ الواحِدِ؛ لأنّه لو لم يجب عليه (٣) قَبُولُ خبرِه عندَه ما أرسَلَه يَسْألُ له.

  16. وفيه كَراهِيَةُ سماع الكلام إذا كان فيه تَعْرِيضٌ بقَبِيح؛ قَذْفًا كان أو غيرَه.

  17. وقد زعَم بعضُ الناسِ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ الحَدَّ لا يجبُ في التَّعْرِيضِ بالقذف. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ المُعَرَّضَ به غيرُ مُعيَّنٍ، وإنّما يجبُ الحدُّ على مَن عرَّضَ بقَذْفِ رجل يُشِيرُ إليه، أو يُسَمِّيه في مُشاتَمةٍ، وَيطلُبُه المُعَرَّضُ به، فحينئذٍ يجبُ في التَّعْرِيضِ بالقَذْفِ (٤) الحَدُّ، إذا كان يُعْلَمُ مِن المُعَرِّضِ أنّه قصَدَ به قصْدَ القَذْفِ، وقد صَحَّ عن عُمَرَ أنّه كان يَحُدُّ في التَّعْرِيض

    ج ٤ ص ١٧٣بالقَذْف (١) . وهو قولُ مالكٍ إذا كان مفهومًا مِن ذلك التَّعْرِيضِ مُرَادُ القاذِفِ (٢) ، وللكلام في هذه المسألةِ مَوْضِعٌ غيرُ هذا.

  18. واختلَف الفُقهاءُ في حُكم مَن قذَفَ امرأتَه برجلٍ سمَّاه؛ فقال مالكٌ: ليس على الإمام أن يُعْلِمَ المقْذُوفَ (٣) . وهو أحَدُ قَوْلي الشافعيِّ (٤) . والحُجَّةُ لمن ذهَب هذا المذهبَ قولُ الله عز وجل: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: ١٢] ؛ ولأنَّ العَجْلانيَّ رمَى امرأته بشَريكِ بنِ سَحْمَاء، فلم يَبعَثْ فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أعلَمَه.

    وقالت طائفةٌ: عليه أن يُعْلِمَه؛ لأنّه مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّين (٥) . وقد رُويَ ذلك عن الشافعيِّ، واحتَجَّ مَن قال بهذا القولِ بقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "واغْدُ يا أُنَيْسُ على امرأةِ هذا، فإن اعتَرفَتْ فارجُمْها" (٦) .

    ج ٤ ص ١٧٤وقال مالكٌ: إن ذكَر المرميَّ (١) به في التِعانِه حُدَّ له. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنّه قاذِفٌ لمن لم يكنْ به ضَرُورَةٌ إلى قَذْفِه (٢) . وقال الشافعيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ اللهَ لم يجعَلْ على مَن رمَى زَوْجَتَه بالزِّنى إلّا حدًّا واحِدًا، بقوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٦] . ولم يُفرِّقْ بينَ مَن ذكَر رجلًا بعَيْنِه وبينَ مَن لم يذكُرْه، وقد رمَى العَجْلانيُّ زَوْجَتَه بشَرِيكِ بنِ سَحْماء، وكذلك هِلالُ بنُ أُميَّةَ، فلم يُحَدَّ واحِدٌ منهما (٣) .

  19. وفيه أنَّ طِباعَ البَشَرِ أنْ تكونَ الغَيْرةُ تحمِلُ على سَفْكِ الدِّماء، إلّا أنْ يَعْصِمَ اللهُ عن ذلك بالعِلْم والتَّثبُّتِ والتُّقَى.

  20. وفيه أنَّ العالِمَ إذا كَرِه السُّؤالَ، له أنْ يَعِيبَه ويَنْجَهَ (٤) صاحِبَه. وفيه أنَّ مَن لقِي شيئًا مِن المكرُوه بسببِ غيرِه كان له أنْ يُؤنِّبَ ذلك الذي لقِيَ المكرُوهَ بسَبَبِه ويُعاتِبَه؛ لقولِ (٥) عاصِم لعُوَيْمِر: لم تَأْتني بخيرٍ.

  21. وفيه أنَّ المحتاجَ إلى المسألةِ مِن مسائلِ العِلْم لا يَرْدَعُه عن تَفهُّمِها غَضَبُ العالم وكراهِيَتُه لها، حتى يَقِفَ على الثَّلَج (٦) منها.

  22. وفيه أنَّ السُّؤالَ عمَّا يلزَمُ عِلْمُه مِن أمْرِ الدِّين واجِبٌ في المحَافِلِ وغيرِ المحافِلِ، وأنَّه لا حياءَ يلزَمُ فيه، ألا ترَى إلى قوله: فأقبَلَ عُوَيْمِرٌ حتى أتَى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو

    ج ٤ ص ١٧٥وَسْطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَدَ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتَقتُلُونه، أم كيف يفعَلُ؟

  23. وفيه أنَّ المُلاعَنةَ لا تكونُ إلّا عندَ السلطانِ، وأنَّها ليست كالطلاقِ الذي للرَّجلِ أن يُوقِعَه حيثُ أحَبَّ، وهذا ما لا خِلافَ فيه. وكذلك لا يختَلِفُونَ أنَّ اللَّعانَ لا يكونُ إلّا في المسجدِ الذي تُجمَّعُ فيه الجمعةُ؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ بينَ المُتلاعِنَينِ المذكُورَينِ في المسجدِ، ذكَر ذلك ابنُ مسعُودٍ وغيرُه في حديثِ اللِّعَانِ. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ مسعودٍ وغيرِه، في بابِ نافِع، عن ابنِ عُمَرَ مِن كتابِنا هذا (١) . واستَحَبَّ جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم أن يكونَ اللِّعانُ في الجامِع بعدَ العَصْرِ، وفي أيِّ وقْتٍ كان في المسجِدِ الجامِع أجْزَأ عندَهم.

  24. وفيه دليلٌ على أنَّ للعالِم أن يُؤخِّرَ الجوابَ إذا لم يَحْضُرْه ورجاه فيما بعدُ.

  25. وفيه أنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ جُمْلَةً واحدةً إلى الأرض، وإنَّما كان يَنزِلُ به جبريلُ عليه السلامُ سورةً سورةً، وآيةً آيةً، على حسَبِ حاجَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إليه. وأمَّا نُزولُ القرآنِ إلى سماءِ الدنيا، فنَزل كُلُّه جُملَةً واحدةً، على ما رُويَ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: ٣] . قالوا: ليلَةُ القدر، نزَلَ فيها القرآنُ جملَةً واحدةً إلى سَماءِ الدنيا (٢) .

  26. وفيه أنَّ المتلاعِنَينِ يتَلاعَنانِ بحَضْرَةِ الحاكِم، خَلِيفَةً كان أو غيرَه.

  27. وفي قوله: "أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا" دليلٌ على أنَّ الملاعَنةَ تجبُ بينَ كُلِّ زَوجَينِ؛ لأنَّه لم يَخُصَّ رجلًا مِن رجلٍ، ولا امرأةً مِن امرأةٍ، ونَزلت آيةُ اللِّعانِ

    ج ٤ ص ١٧٦على هذا السُّؤالِ بهذا العُموم، فقال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٦] ، ولم يَخُصَّ زَوْجًا مِن زوج. وهذا مَوْضِعٌ اختلفَ فيه العلماءُ؛ فقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا لِعانَ بينَ الحُرِّ والمملوكةِ، ولا بينَ المملوكِ والحرَّةِ، ولا بينَ المسلم والذِّمِّيةِ الكتابيَّةِ (١) . ولهم في ذلك حُجَجٌ لا تَقُومُ على سَاقٍ (٢) ؛ منها حديثُ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا لِعانَ بينَ مملُوكَينِ ولا كَافرَينِ" (٣) . وهذا حديث ليس دُونَ عمرِو بنِ شعيبٍ مَن يُحتَجُّ به.

  28. واحتَجُّوا مِن جهةِ النَّظَرِ بأنَّ الأزواجَ لما استُثنُوا مِن جُملَةِ الشهداء بقولِه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور: ٦] ، وجَب ألَّا يُلاعِنَ إلّا مَن تجوزُ شَهادَتُه؛ لا عبدٌ، ولا كافِرٌ، ولا يُلاعِنُ عندَهم إلّا الحُرُّ المسلمُ.

    وقال مالكٌ وأهلُ المدينةِ: اللِّعانُ بينَ كلِّ زَوجَينِ (٤) . وهو قولُ الشافعيِّ،

    ج ٤ ص ١٧٧وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثورٍ، وداودَ (١) . والحُجَّةُ لهم أنَّ اللَّعانَ يُوجِبُ فَسْخَ النكاح، فأشْبَهَ الطلاقَ، وكلُّ مَن يجوزُ طَلاقُه يجوزُ لعَانُه، واللِّعانُ أيمانٌ ليس بشهادةٍ، ولو كان شهادَةً، ما سُوِّيَ فيه بينَ الرجلِ والمرأةِ، ولكانتِ المرأةُ على النصفِ مِن الرجلِ، ولا يَشْهَدُ أحَدٌ لنفسِه، وقد سَمَّى اللهُ أيمانَ المنافِقينَ شهادةً، بقوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: ١] . وقال {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢] . ومن جِهَةِ القِياسِ والنَّظَرِ مُحالٌ أنْ يَنتَفيَ عنه ولَدُ الحُرَّةِ المسلمةِ باللِّعانِ، ولا يَنْتفيَ عنه ولَدُ الأمَةِ أو الكتابِيَّةِ باللِّعان.

  29. وفيه أنَّ الحاكِمَ يُحْضِرُ مع نفسِه للتلاعُنِ قومًا يَشهَدون ذلك، ألا ترَى إلى قولِ سَهْلِ بنِ سعدٍ (٢) : فتَلاعَنا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي شُهُودِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ لذلك دليلٌ على جوازِ شُهُودِ الغِلمانِ والشُّبَّانِ التَّلاعُنَ مع الكُهُولِ والشُّيوخ بينَ يَدَي الحاكِم؛ لأنَّ سَهْلًا كان يومَئذٍ غُلامًا.

    قال أبو عمر: ما أدرَكَ سهلُ بنُ سعدٍ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- إلّا وهو غلامٌ صغيرٌ.

  30. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ (٣) ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٤) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، قال: قلتُ لسهلِ بنِ سعدٍ: ابنُ كم أنت يومئذٍ؟ -يعني يومَ المتلاعِنَينِ- قال: ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً.

  31. وقد احتجَّ بهذا الحديثِ مَن قال: إنَّ الطلاقَ ثلاثًا بكلِمةٍ واحدةٍ مُبَاحٌ؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يُنكِرْ على العَجْلانيِّ أن طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا بكلِمةٍ واحدةٍ بعدَ الملاعَنةِ. واختلَفوا هل تقَعُ الثلاثُ مُجتمِعاتٍ في الطُّهْرِ للسُنَّةِ أم لا؟ وسنَذْكُرُ ذلك في حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ إن شاء اللهُ (١) .

    ج ٤ ص ١٧٨
  32. واختَلَف الفقهاءُ في فُرْقَةِ المتلاعِنَينِ، هل تَحْتاجُ إلى طلاقٍ أم لا؟ فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ، وهو قولُ زُفَرَ بنِ الهذيلِ: إذا فرَغا جميعًا مِن اللِّعانِ وقَعتِ الفُرْقَةُ وإن لم يُفَرِّقِ الحاكِمُ ثم لا يجتمِعان أبدًا (٢) . ومن حُجَّتِهم في أنَّ للفُرْقَةِ تأثيرًا في التِعانِ المرأةِ وجُوبُه عليها، وقياسًا على أنَّ تَفاسُخَ البيع لا يكونُ إلّا بتمام تحالُفِهما جميعًا.

    وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا تقَعُ الفُرْقَةُ بعدَ فَراغِهما مِن اللِّعانِ حتى يُفرِّقَ الحاكِمُ بينَهما. وهو قولُ الثوريِّ (٣) ؛ لقولِ ابنِ عمرَ فَرَّق رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَ المتلاعِنَينِ (٤) . فأضاف الفُرْقَةَ إليه لا إلى اللِّعَانِ، ولقوله عليه السلامُ: "لا سَبِيلَ لك عليها" (٥) .

  33. وحُجَّةُ مالكٍ أنَّ تَفْريقَه -صلى الله عليه وسلم- إنّما كان إعلامًا منه أنَّ ذلكَ شأْنُ اللِّعَانِ، ومثلُه قولُه: لا سَبِيلَ لك عليها". ومن حُجَّتِه أيضًا أنّه لما افتقَرَ اللِّعَاِن، إلى حُضورِ الحاكِم افتقَرَ إلى تَفْرِيقِه، كفُرْقَةِ العِنِّينِ. وقال الأوزَاعيُّ نحوَ قولِ مالكٍ (١) .

    وقال الشافعيُّ: إذا أكمَلَ الزوجُ الشهادةَ والالتِعَانَ فقد زال فِراشُ امرأتِه، التَعَنتْ أو لم تَلْتَعِنْ. قال: وإنّما التِعَانُ المرأةِ لدَرْءِ الحَدِّ لا غيرُ، وليس لالتِعانِها في زوالِ الفِراشِ معنًى، ولما كان لِعَانُ الزوج يَنفِي الوَلَدَ ويُسْقِطُ الحَدَّ، رَفَع الفِرَاشَ (٢) . وقد ذكَرْنا حُجَّتَه في بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ، مِن كتابِنا هذا (٣) ، والحمدُ لله.

    ج ٤ ص ١٧٩
  34. وكلُّ الفقهاء مِن أهلِ المدينةِ، وسائرِ الحِجازِيِّينَ، وأهلِ الشام، وأهلِ الكوفةِ، يقولونَ: إنَّ اللِّعَانَ مُسْتَغْنٍ عن الطلاقِ، وإنَّ حُكْمَه وسُنَّته الفُرْقَةُ بينَ المُتَلاعِنَينِ. وإنما اختلافُهم الذي قدَّمْنا في أنَّ الحاكمَ يَلْزَمُه أن يُفرِّقَ بينهما، إلّا عثمانَ البتِّيَّ في أهلِ البصرةِ فإنَّه لم يرَ التلاعُنَ يَنْقُضُ شيئًا مِن عِصْمَةِ الزَّوْجَين حتى يُطَلِّق (٤) . وهو قولٌ لم يتقَدَّمْه إليه أحَدٌ مِن الصحابةِ، على أنَّ البتِّيَّ قد

    ج ٤ ص ١٨٠استَحَبَّ للمُلاعِنِ (١) أنْ يُطَلِّقَ بعدَ اللِّعَان، ولم يستَحِبَّه قبلَ ذلك، فدلَّ على أنَّ اللِّعانَ عندَه قد أحدَثَ حُكمًا.

    قال أبو عمر: معنى قولِ ابنِ شهابٍ في آخِرِ حديثِ مالكٍ: فكانت تلك سُنَّةَ المُتَلاعِنَين؛ يعني: الفُرْقَةَ بينهما إذا تَلاعَنا، لا أنّه أرادَ الطلاقَ، وذلك موجودٌ منصوصٌ عليه في حديثِ ابنِ شهابٍ، مع ما يَعضُدُه مِن الأُصولِ التي ذكرنا في هذا الكتاب.

  35. وروى ابنُ وَهْبٍ في "مُوَطَّئِه" ، قال أخبرني عِيَاضُ بنُ عبدِ الله الفِهريُّ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ عُوَيْمِرَ بنَ أشْقَرَ الأنصاريَّ أحَدَ بني العَجْلانِ جاءَ إلى عاصِم. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، وزادَ فيه: وكانت امرأةُ عُوَيْمِرٍ حُبْلَى، فأنكَر حملَها، وكان الغُلامُ يُدْعَى إلى أُمِّه. قال: وجَرَتِ السُّنةُ في الميراثِ أنّه يَرِثُها، وتَرِثُ عنه ما فرَضَ اللهُ للأُمِّ. قال ابنُ شهابٍ: قال عُوَيْمِرٌ عندَ ذلك: لَبِئْسَ بهذا حقًا (٢) إن أنا رُمِيتُ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بكَذِبٍ. قال: فمضَتِ السُّنّة في المُتلاعِنَينِ أن يُفَرَّقَ بينهما، ولا يجتَمِعانِ أبدًا (٣) .

  36. فهذا نَصٌّ عن ابنِ شهابٍ في ذلك. وجُمهورُ الفُقهاءِ على أنّه لا يجوزُ للمُلاعِنِ أن يُمسِكَها، ويُفَرَّقُ بينهما، وقد ثَبَت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه فرَّق بينَ المُتلاعِنَينِ.

    ج ٤ ص ١٨١
  37. حدثني سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ (١) ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، أنَّ سعيدَ بنَ جبير حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَرَّق بينَ أخَوَيْ بني العَجْلان.

  38. وروى ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَرَّق بينَ المُتلاعِنَيْن (٢) .

  39. وروى مالكٌ (٣) ، عن نافِع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زَمَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وانتَفَى مِن ولَدِها، ففرَّقَ رسوُل الله -صلى الله عليه وسلم- بينهما، وألحَق الولدَ بأُمِّه.

  40. ولم يذكُرْ أحَدٌ مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ في هذا الحديثِ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فرَّقَ بينَ المتلاعِنَينِ غيرُ ابنِ عُيينةَ وحدَه، وهو محفوظٌ مِن حديثِ ابنِ عمرَ (١) . ويقولون: إنّه لم يقلْ أحَدٌ في حديثِ ابنِ عمرَ: وألحَق الولدَ بأُمِّه، إلّا مالكُ بنُ أنسٍ. وسنذكُرُ حديثَه في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا إن شاء الله.

    ج ٤ ص ١٨٢