ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي حديث واحد متصل

٥٨ فقرة، ج ٤ ص ١٦٧

الصفحة ٢ من ٢

  1. واختلفوا في الزوج إذا أبَى مِن الالتِعانِ؛ فقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ اللّهَ جعلَ على الأجنبيِّ الحدَّ، وعلى الزوج اللِّعانَ، فلمّا لم يَنتَقِل اللِّعانُ إلى الأجنَبِيِّ، لم يَنتَقِل الحَدُّ إلى الزوج، ويُسجَنُ أبدًا حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ الحُدُودَ لا تُؤخَذُ قياسًا (٢) .

    وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وجُمهورُ الفقهاء: إن لم يَلْتَعِنِ الزوجُ حُدَّ؛ لأنَّ اللِّعانَ له براءةٌ، كما الشُّهودُ للأجنبيِّ، وإن لم يأتِ الأجنبيُّ (٣) بأربعَةِ شُهَداءَ حُدَّ، فكذلك الزوجُ إن لم يَلْتعِنْ حُدَّ. وجائزٌ عندَ مَن احتَجَّ بهذه الحجَّةِ القِياسُ في الحدُودِ (٤) .

    ج ٤ ص ١٨٢
  2. وفي حديثِ العَجْلانيِّ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لقوله: إن سكَتُّ سكَتُّ على غَيْظٍ، وإن قَتلتُ قُتِلتُ، وإن نَطَقْتُ جُلِدْتُ (١) ، وقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- له: "عَذابُ الدُّنيا أهوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ" (٢) . ومِن جِهةِ القِياسِ أيضًا أنَّه لما لحِق الزوجةَ مِن العَارِ بقَذفِ الزوج لها مثلُ ما لحِقَ الأجنَبِيَّة، وجَبتِ التَّسويَةُ بينهما.

    ج ٤ ص ١٨٣
  3. واختلفوا هل للزوج أن يُلاعِنَ مع شُهودِه؟ فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُلاعِنُ، كان له شُهودٌ أو لم يكنْ؛ لأنَّ الشُّهودَ ليس لهم عَملٌ إلّا دَرءُ الحدِّ، وأمَّا رفعُ الفِرَاشِ ونَفيُ الوَلَدِ فلا بُدَّ فيه مِن اللِّعانِ (٣) . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنّما جُعِل اللِّعانُ للزوج إذا لم يكنْ له شُهداءُ غيرَ نفسه (٤) .

  4. واختلفوا إذا أكذَبَ نفسَه المُلاعِنُ، هل له أنْ يُراجِعَها إذا جُلِد الحدَّ؟ فأجاز ذلك حمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قالوا: يكونُ خاطِبًا مِن الخُطَّاب (٥) .

  5. وقال مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، وأحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ:

    ج ٤ ص ١٨٤لا يجتمِعانِ أبدًا، سواءٌ أكذَب نفسَه أو لم يُكْذِبْها، ولكنَّه إن أكْذَب نفسه جُلِد الحدَّ، ولحِق به الولدُ ولا يجتَمِعانِ أبدًا (١) .

  6. ورُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ مسعودٍ (٢) ، وبه قال أكثرُ علماء التابعين بالمدينة.

  7. ورُويَ مثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وسعيدِ بنِ المسَيِّبِ، وإبراهيمَ، وابنِ شهابٍ (٣) ، على اختلافٍ عن إبراهيمَ وابنِ شهابٍ (٤) في ذلك؛ لأنّه قد رُوي عنهما أنَّ المتلاعِنَين لا يَتناكَحانِ أبدًا. وكذلك قال الحسنُ البصريُّ (٥) .

    وقال الشَّعبيُّ، والضَّحاكُ: إذا أكْذَبَ نفسَه جُلِد الحدَّ ورُدَّتْ إليه امرأتُه (٦) . وهذا عندي قولٌ ثالِثٌ خِلافُ مَن قال: يكونُ خاطِبًا مِن الخطَّابِ. وخِلافُ مَن قال: لا يجتمِعانِ أبدًا.

    قال أبو عمر: التلاعُنُ يقتَضي التباعُدَ، فإذا حصَلا مُتَباعِدَينِ لم يَجُزْ لهما أن يجتَمِعا أبدًا، وقد قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا سبيلَ لكَ عليها" . وفي قولِه هذا

    ج ٤ ص ١٨٥إعلامٌ أنَّ الفُرْقةَ تقَعُ باللِّعانِ، وأنَّ السبيلَ عنها مُرتَفِعةٌ؛ لأنَّ قولَه: "لا سبيلَ لك عليها" . مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشيء.

  8. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحمَيْديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عَمْرٍو (٢) ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: فرَّق رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَ المتلاعِنَين، وقال: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ، لا سبيلَ لك عليها" . قال: يا رسولَ الله، مالي، مالي. قال: "لا مالَ لك، إن كُنتَ صادِقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِن فَرجِها، وإن كنتَ كذَبتَ فهو أبعدُ لك" .

    وقال بعضُ أصحابِنا، وهو الأبْهَريُّ (٣) : ومن جهةِ المعنى، فإنّما عُوقِبَ الملاعِنُ بمَنع التراجُع؛ لما أدخَلَ مِن الشبهةِ في النَّسَبِ، كما عُوقِب القاتِلُ عمدًا ألا يَرِثَ. واحتجَّ أيضًا لمذهَبِ مالكٍ في النكاح في العِدَّةِ، أنّه يُفَرَّقُ بينَهما ولا يتناكحانِ أبدًا، بمَنع المتلاعِنَينِ مِن ذلك عُقُوبَةً لهما؛ لما قطَعَا مِن نَسَبِ الولدِ، ولم يتَصادَقا فيه. قال: فكذلك المتزَوِّجُ في العِدَّةِ، لمّا أدخَل الشُّبهةَ في النَّسَبِ عُوقِب بالمنع مِن الاجتماع، ورُفِع فِرَاشُهما؛ لأنّه افْتَرش غيرَ فراشِه.

    قال أبو عمر: الأُصولُ عندَ أهلِ العِلْم مُستَغنِيةٌ عن الاحتِجاج لها، والزاني قد افتَرشَ غيرَ فراشِه ولم يُمنَعْ مِن النكاح بعدَ الاستبراء. ولأهلِ العِلم في هذه

    ج ٤ ص ١٨٦المسألةِ أقوالٌ واعتِلالٌ ليس هذا موضِعَ ذِكْرِ ذلك. وقولُ مالكٍ في مسألةِ النَّاكِح في العِدَّةِ هو مَذهَبُ عمرَ بنِ الخطابِ (١) . وقد رُويَ عن عليٍّ، وابنِ مسعود (٢) ، في المُتلاعِنَينِ مثلُ ذلك، وخالفاه في النكاح في العِدَّةِ (٣) .

  9. ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ ومَن ذهَب مَذهبَه في هذه المسألةِ، عمومُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] . فلمّا لم يُجمِعُوا على تحريمِها دخلَتْ تحتَ عموم الآية. ومن جهةِ النظرِ؛ لمَّا لحِق الولَدُ وجَب أن يَعُودَ الفِراشُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَقتضِيه عقدُ النكاح ويُوجِبُه.

    قال أبو عمر: ذكر إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، عن سهلِ بنِ سعدٍ: أنَّ المرأةَ كانت حاملًا، وأنّها جاءتْ بعدَ ذلك بولدٍ (٤) . وتابَعَه على ذلك ابنُ جريج، فقال في دَرْج حديثه عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن جاءتْ به أحمرَ قصيرًا كأنَّه وحَرَةٌ (٥) ، فلا أُرَاها إلّا قد صَدَقتْ وكَذَب عليها، وإن جاءتْ به أسودَ، أعْيَنَ (٦) ، ذا أليَتَينِ، فلا أُرَاه إلّا قد صَدَق

    ج ٤ ص ١٨٧عليها". فجاءت به على المكرُوهِ مِن ذلك. فقالى ابنُ جُريج: قال ابنُ شهابٍ: فكانتِ السُّنَّةُ بعدَهما (١) أن يُفرَّقَ بينَ المُتَلاعِنَين، وكانت حامِلًا، وكان ابنُها يُدْعَى لأُمِّه. قال: ثم جَرَتِ السُّنةُ أنّه يَرِثُها وتَرِثُ منه ما فَرَض اللهُ لها (٢) .

  10. وسنَذكُرُ هذا المعنَى بما فيه للعلماء مِن التنازُع، بها بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ؛ لأنّه أوْلى به؛ لقولِ ابنِ عُمرَ في حديثه: وانتَفَى مِن ولدِها. وليس للحَمْلِ ولا للوَلَدِ ذكرٌ في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ هذا، فلذلك أخَّرناه إلى بابِ نافِع إن شاء الله (٣) .

  11. وأمّا كيفيَّةُ اللِّعَانِ، فإنَّ ابنَ القاسِم ذكَر عن مالكٍ: أنّه يحلِفُ أربَعَ شهاداتٍ -يُريدُ أربعَ أيمانٍ- يقولُ: أشهَدُ باللّه لرأيتُها تَزني. وإن نَفَى حَمْلَها زاد: ولقد استبرأْتُها، وما الحملُ منِّي. يقولُ ذلك أربَعَ مرَّاتٍ، والخامسة: لعنَةُ (٤) الله عليَّ إن كنتُ مِن الكاذبِينَ. ثم تقومُ هي فتقولُ: أشهَدُ باللّه ما رَآني أزني، وإنَّ حمْلي لمنه. تقولُ ذلك أربعَ مرَّاتٍ، والخامِسَةَ: غَضَبُ الله عليها إن كان مِن الصادقين (٥) . وقد ذكرنا كيفيةَ اللِّعَان في نَفْي الحملِ عن مالكٍ وأصحابِه في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا (٦) . وكان مالكٌ يقولُ: لا يُلاعِنُ إلّا أن يقول: رأيتُكِ تزني. أو يَنفِيَ حملًا أو ولدًا منها. قال والأعْمَى يُلاعِنُ إذا قذَف (٧) . وقولُ أبي الزِّنادِ، ويحيى بنِ

    ج ٤ ص ١٨٨سعيدٍ، والليثِ بنِ سعدٍ، والبتِّيِّ، مثلُ قولِ مالكٍ: أنَّ الملاعَنةَ لا تجِبُ بالقذفِ، وإنَّما تجبُ بادِّعاء الرُّؤيَةِ، أو نفي الحملِ مع دعوَى الاستِبراء، وعندَهم أنّه إذا قال لزَوْجَتِه: يا زانيَةُ. جُلِد الحدَّ.

  12. والحُجَّةُ لهذا القولِ قائمةٌ مِن الآثارِ؛ فمنها حديثُ مالكٍ هذا، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ؛ قولُه فيه: أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا؟ وكذلك ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصِر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويْسٍ، قال: حدثني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن ابنِ عباسٍ: أنّه ذُكِر المتلاعِنانِ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ في ذلك قولًا، ثم انصَرَف، فأتاهُ رجل مِن قومِه فذكر أنّه وجَد مع امرأتِه رجلًا. وذكَر الحديث (١) .

  13. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا

    ج ٤ ص ١٨٩عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء هلالُ بنُ أُميَّةَ -وهو أحَدُ الثلاثةِ الذين تاب اللهُ عليهم- فجاء مِن أرضِه عشاءً، فوجَد عندَ أهلِه رجلًا، فرأى بعَينِه، وسمِع بأُذُنِه، فلم يَهِجْه حتى أصبَح، ثم غَدا على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، إنِّي جئتُ أهلي عشاءً، فوجَدتُ عندَهم رجلًا، فرأيتُ بعَيْني، وسَمِعتُ بأُذني. فكرِه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، فنزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} الآيتين كلتَيهِما [النور: ٦] . فسُرِّي عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "أبشِرْ يا هِلالُ، فقد جعَلَ اللهُ لك مخرَجًا" ، وذكَر الحديثَ بطُولِه.

  14. وروى جريرُ بنُ حازم، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قذَف هِلالُ بنُ أُميةَ امرأته، قيل له: واللّه ليجلدنَّكَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانينَ. فقال: اللهُ أعدَلُ مِن أن يَضربَني وقد عَلِم أنِّي رأيتُ حتى استبنتُ، وسمِعْتُ حتى استيقَنْتُ. فأنزلَ اللهُ (١) آيةَ المُلاعَنةِ (٢) .

  15. فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على أنَّ الملاعَنةَ التي قَضَى بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إنّما كانت بالرُّؤَيةِ، فلا يجبُ أن تتعَدَّى ذلك، ومَن قذَف امرأتَه ولم يذكُرْ رؤيَةً، حُدَّ بعُمُوم قولِه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٤] الآية. ومن جهةِ النظرِ، فإن ذلك قياسٌ على الشُّهودِ، ولأنَّ المعنَى في اللّعَانِ إنّما هو مِن أجلِ النَّسَبِ، ولا يَصحُّ ارتفاعُه إلّا بالرؤية أو نَفي الوَلدِ، فلهذا قالوا: إنَّ القذفَ المُجرد (٣) لا لِعَانَ فيه، وفيه الحَدُّ؛ لعُموم قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} . وقياسًا على الشهادةِ التي لا تَصحُّ إلّا برؤيَةٍ، واللهُ أعلم.

  16. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأبو عُبيدٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وداودُ، وأصحابُهم: إذا قال لها: يا زانيةُ. وجَبَ اللِّعَانُ إن لم يأْتِ بأربعةِ شُهَداء. وسواءٌ عندَهم قال: يا زانيةُ. أو: رأيتُكِ تَزنين. أو: زَنَيتِ. وهو قولُ جُمهورِ العلماءِ، وعامةِ الفقهاء، وجماعةِ أصحاب الحديث (١) . وقد رُوي أيضًا عن مالكٍ مثلُ ذلك (٢) . وحُجَّتُهم أنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} . كما قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} . ولم يقُلْ في واحِدَةٍ منهما برُؤَيَةٍ، ولا بغير رُؤيَةٍ، وسوَّى بينَ الرَّميَينِ بلفظٍ واحدٍ، فمَن قذَف محُصَنةً غيرَ زَوجِه ولم يأْتِ بأربعَةِ شُهداء جُلِد الحدَّ، ومَن قذَف زوجتَه ولم يأتِ بأربعةِ شُهداء لاعَنَ، فإن لم يُلاعِنْ حُدَّ.

    ج ٤ ص ١٩٠
  17. وقد أجمعوا أنَّ الأعمَى يُلاعِنُ إذا قذَف امرأتَه، ولو كانتِ الرُّؤيةُ مِن شرطِ اللِّعَانِ ما لاعَنَ الأعمَى. ولهم في هذا حُجَجٌ يطُولُ ذكرُها.

  18. واختَلَفوا في مُلاعَنةِ الأخرَسِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُلاعِنُ؛ لأنّه ممَّن يَصِحُّ طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه إذا فُهِم ذلك عنه، ويَصِحُّ يمينُه للمُدَّعي عليه (٣) . وقال أبو حنيفةَ: لا يُلاعِنُ؛ لأنّه ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولأنَّه قد (٤) يَنطلِقُ لسانُه فيُنكِرُ اللِّعَانَ، فلا يُمكِنُنا إقامَةُ الحدِّ عليه (٥) .

    ج ٤ ص ١٩١وقال الشافعيُّ: يقولُ الملاعِنُ: أشهَدُ بالله إنِّي لَمِنَ الصادقينَ فيما رَمَيتُ به زوجَتي فلانةَ بنتَ فلانٍ. وُيشِيرُ إليها إن كانت حاضِرةً، يقولُ ذلك أربعَ مرَّاتٍ. ثم يُقْعِدُه الإمامُ ويذكِّرُه اللّهَ، ويقولُ له: إنِّي أخافُ إن لم تكنْ صدَقتَ أن تبُوء بلَعنةِ الله. فإن رآه يُريدُ أن يَمضِيَ على ذلك أمَر مَن يضَعُ يَدَه على فيه، ويقول: إنَّ قولكَ: وعليَّ لعنةُ الله إن كنتُ مِن الكاذبين. مُوجِبةٌ إن كنتَ كاذِبًا. فإن أبى ترَكه يقولُ: ولعنةُ الله عليَّ إن كنتُ مِن الكاذبينَ فيما رمَيتُ به فلانةَ مِن الزِّنَى (١) .

    قال أبو عمر: أخَذ الشافعيُّ هذا مِن حديثِ سفيانَ بن عيينةَ، عن عاصِم بنِ كُلَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر رجلًا -حيثُ أمرَ المتلاعِنَين أن يتَلاعَنا- أن يضَعَ يَدَه على فيه عندَ الخامسةِ، يقولُ: "إنَّها مُوجِبةٌ" (٢) .