ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ١ من ١٠

  1. سبعةَ عشرَ حديثًا منها سبعةٌ متَّصلةٌ وستةٌ مرسلةٌ، ومنها ما شَرَكه فيها أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن أربعةُ أحاديثَ، حديثانِ متَّصلانِ مسنَدانِ، وحديثانِ مرسلان.

    ج ٤ ص ٢٦٥
  2. وهو سعيدُ بنُ المسيِّب بنِ حَزْنِ بنِ أبي وَهْبٍ بنِ عمرِو بن عائذِ بنِ عمرانَ بنِ مخزوم، يُكْنى أبا محمّدٍ. وُلد لسنتَينِ مَضَتا من خلافة عمرَ بنِ الخطابِ، وذلك سنةَ أربعَ عشْرةَ (٣) ، هذا أشهرُ شيءٍ في مولده وأصحُّه، وقد قيل: وُلد لسنتينِ بقِيَتا من خلافة عمرَ، وعلى الأوّل أهلُ الأثرِ. وأما الحسنُ البَصْريُّ فوُلد لسنتينِ بقيتا من خلافة عمرَ. وذكر ابنُ البَرْقي، عن ابن عبد الحكم، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ: أن سعيدَ بنَ المسيِّب وُلد لثلاثِ سنينَ بقيتْ من خلافة عمرَ. قال: وحدَّثنا ابن عبد الحكم، قالى: سمعت مالكًا يقول: كان يُقال لسعيد بنِ المسيِّب: راويةُ (٤) عمرَ. قال: وتوفِّي سعيدُ بنُ المسيِّب سنةَ أربع وتسعين. هكذا قال ابنُ البرْقي وخالفَه غيره، وسنذكر ذلك في آخر باب أخبارِه هاهنا إن شاء الله.

  3. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إبراهيمَ دُحيم، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى أبو مُسهرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز، قال: لما ماتَ ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ كان عالمَ المدينةِ سعيدُ بنُ المسيِّب. قال: وحدَّثنا دُحيمٌ، قال:

    ج ٤ ص ٢٦٦حدَّثنا سهلُ بنُ هاشم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: سئل الزُّهريُّ ومكحولٌ: مَن أفقهُ مَنْ أدركتُما؟ فقالا: سعيدُ بن المسيِّب (١) .

  4. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحيمٌ فذَكَر الخبرَين جميعًا: هذا والذي قبلَه.

  5. أخبرنا عبدُ الله بن محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قال: أخبرنا محمّدُ بنُ الحسنِ، قال: أخبرنا الزُّبيرُ بنُ بكّارٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله بن عبد الله بنِ عَنْبسَةَ، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: رَمقْتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ بعدَ جَلْدِ هشامِ بنِ إسماعيلَ إيّاهُ، فما رأيتُه يفوتُه معه سجودٌ ولا ركوعٌ، ولا زال يصلّي معه بصلاتِه (٢) . قال الزُّبيرُ: وحدَّثني ذؤيبُ بنُ عمامة، عن معنِ بن عيسى، عن محمّدِ بنِ هلالٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، أنه قال: ما لقيت قط المُنصرِفينَ من الصلاة منذُ أربعينَ سنةً (٣) .

  6. وروى الليثُ بنُ سعدٍ عن يحيى بن سعيدٍ، أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ كان يُسمّى راويةَ عمرَ بنِ الخطابِ؛ لأنّه كان أحفظَ الناسِ لأحكامِه وأقضيتِه (٤) . قال يحيى بن سعيد: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ إذا سُئل عن شيء يُشكِل عليه قال: سلُوا سعيدَ بنَ المسيِّب (٥) .

  7. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

    ج ٤ ص ٢٦٧أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب يقول: وُلدت لسنتينِ مضَتَا من خلافة عمرَ.

  8. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (١) بنُ المنذرِ الحزاميُّ، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، عن مالكِ بنِ أنس: أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ وُلد في زمنِ عمرَ بنِ الخطاب، وكان احتلامُه أيامَ مقتلِ عثمانَ (٢) .

  9. وروى شعبةُ عن إياسِ بنِ معاويةَ، قال: قال لي سعيدُ بنُ المسيِّبِ: ممنّ أنتَ؟ قلت: من (٣) مُزينةَ، قال: إني لأذكُر يومَ نَعَى عمرُ بنُ الخطاب النُّعمانَ بنَ مُقرِّنٍ على المنبرِ (٤) . وسنذكُر روايةَ سعيدٍ عن عمرَ في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله.

  10. وذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ في كتاب "المعرفة" ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمّادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، قال: كان الحسنُ لا يرجعُ (٥) عن فُتْيا يُفتي بها إلّا أن يبلغَه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب أفتى بخلافِها، فإنه يترُك قولَه ويرجِعُ إلى قول سعيدٍ، ويقول: إنّ ذلك رجلٌ طَلَب العلمَ في مظانِّه.

    قال الحسَنُ: وسمعتُ يزيدَ بنَ هارونَ وعبدَ الرزاقِ يقولان: كان سعيدُ بنُ المسيِّبِ سيِّدُ التابعينَ (٦) .

    ج ٤ ص ٢٦٨قال: وحدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا سليمُ بنُ أخضَرَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمّدِ بنِ سيرَين، قال: كان في سعيدِ بنِ المسيِّب كَزازةٌ (١) . قال محمّدٌ: ولو رفقوا به لاستخرجوا منه علمًا كبيرًا.

  11. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: سمعتُ الزُّهريَّ يقول: أدركتُ أربعةَ بحُورٍ: سعيدَ بنَ المسيِّبِ، وعروةَ بنَ الزُّبيرِ، وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمن، وعُبيدَ الله بنَ عبدِ الله. قال (٣) : وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مباركٍ، قال: حدَّثنا قريشُ بنُ حيّان العِجْلُّي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينار، قال: سمعتُ قتادةَ يقول: ما جمعتُ علمَ الحسَنِ إلى علم أحدٍ منَ العلماء إلّا وجدتُ له فضلًا عليه غيرَ أنّه كان إذا أشكَل عليه شيءٌ كتبَ إلى سعيدِ بنِ المسيِّبِ يسأله.

    قال (٤) : وحدَّثنا عبدُ الله بن جعفر الرَّقِّي، قال: حدَّثنا أبو المليح، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: قدِمتُ المدينةَ فسألتُ عن أفقَهِ أهْلِها، فدُفعتُ إلى سعيد بنِ المسيِّب.

    ج ٤ ص ٢٦٩قال (١) : وحدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، قال: قال لي عبدُ الله بنُ ثعلبةَ بن صُعَيرٍ: تريدُ هذا الأمرَ، عليك بسعيدِ بنِ المسيِّب. قال (٢) : وحدَّثنا أبو سلمةَ منصورُ بنُ سلمةَ الخُزاعيُّ وأبو سلمةَ موسى بن إسماعيلَ المِنْقِريُّ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي عن سعيد بنِ المسيِّب، قال: سمعتُه يقول: ما بقيَ أحدٌ أعلمُ بكلِّ قضاءٍ قضاهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وكلِّ قضاءٍ قضاهُ أبو بكرٍ وكلِّ قضاءٍ قضاهُ عمرُ - قال: وأحسَبُه قال: وعثمانُ- منِّي (٣) .

    قال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ زهيرٍ (٤) : سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقول: مات سعيدُ بنُ المسيِّبِ سنةَ خمسٍ ومئة، وكذلك قال (٥) عليُ بنُ محمدٍ المدائنيُّ أبو الحسن.

  12. وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: وسعيدُ بنُ المسيِّبِ سنةَ إحدى أو اثنتينِ وتسعينَ. يعني مات (٦) . قال أبو نُعيم: مات سعيد بن المسيِّب سنة ثلاث وتسعين (٧) . وكذلك ذكر البخاريُّ عن علي بن المديني، وزاد: وهو ابنُ بضع وثمانينَ (٨) .

    ج ٤ ص ٢٧٠قال الواقديُّ: مات سعيدُ بنُ المسيِّب سنةَ أربع وتسعينَ وهو ابنُ بضع وثمانينَ. قال: وفيها مات عروةُ وعليُّ بنُ حسينٍ، وكان يقال: سنةُ الفقهاء (١) .

  13. وروى ابنُ وَهْبٍ والأصمعيُّ وابنُ أبي الوزير عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، قال: كنت أُجالسُ عبدَ الله بنَ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ أتعلَّم منه النَّسبَ، فسألتُه يومًا عن شيءٍ من الفقه (٢) ، فقال: إن كنتَ تريدُ هذا ولكَ به حاجةٌ فعليك بذلك الشّيخ، وأشار إلى سعيدِ بنِ المسيِّب، فتحوَّلت إليه فجالستُه تسعَ (٣) سنينَ (٤) لا أحسَبُ أنّ عالمًا غيرُه. زاد الأصمعيُّ: ثم تحوَّلتُ إلى عروةَ، ففجَّرتُ منه بحرًا (٥) .

  14. وروى عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ هذا الخبرَ عن مالكٍ (٦) ، فجعل موضعَ عبدِ الله بنِ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ: ثعلبةَ بنَ أبي مالكٍ، فوَهَم فيه وغَلِطَ، والقولُ عندهم قولُ الأصمعيِّ وابنِ وَهْبٍ وابنِ أبي الوزير، واسمُ ابنِ أبي الوزيرِ: محمّدُ بنُ عمرَ، هاشميٌّ.

  15. وأخبارُ سعيدِ بنِ المسيِّب وفضائلُه في علمِه ودينِه وزُهدِه وفَهْمِه ووَرعِه كثيرةٌ جدًّا، وسنذكُرُها إن شاء الله في كتاب "أخبار أئمّة الأمصارِ" أعان اللهُ على ذلك بفضلِه ونعمته.

  16. حديثٌ أوَّلُ لابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ متَّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنّ أبا هريرةَ قال: لو رأيتُ الظِّباءَ بالمدينة تَرتَعُ ما ذَعَرْتُها، قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بينَ لابَتَيْها حرامٌ" .

    ج ٤ ص ٢٧١
  17. لم يختَلِفْ رُواةُ "الموطأ" في إسنادِه ولا مَتنِه (٢) .

  18. وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ: تحريمُ المدينةِ، وإذا كانت حرامًا لم يَجُزْ فيها الاصْطِيادُ، ولا قَطعُ الشَّجَرِ، كحَرَم مكةَ، إلّا أنّه لا جَزاءَ فيه عندَ العلماء. كذلك قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما (٣) .

    وقال أبو حنيفةَ: صَيدُ المدينةِ غيرُ محُرَّم، وكذلك قَطعُ شجَرِها (٤) . وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليه مع سائرِ ما في تحريم (٥) المدينةِ من الآثارِ. واحتَجَّ لأبي حنيفةَ بعضُ مَن ذهَب مذهَبَه بحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنّه قال: "مَن وجَدْتمُوه يَصِيدُ في حُدودِ المدينةِ، أو يَقْطَعُ مِن شجَرِها، فخُذُوا سَلَبَه" (٦) .

  19. وأخَذ سعدٌ سَلَبَ مَن فعَلَ ذلك. قال (١) : وقد اتَّفَق الفقهاءُ على أنّه لا يُؤْخَذُ سَلَبُ مَن صاد في المدينةِ، فدلَّ ذلك على أنّه منسُوخٌ. قال: وقد يحتَمِلُ أن يكونَ معنَى النهي: عن صَيْدِ المدينةِ، وقَطْع شجَرِها؛ لأنَّ الهجرَةَ كانت إليها، فكان بقاءُ الصيدِ والشجرِ ممَّا يَزِيدُ في زينتِها، وَيدْعُو إلى أُلْفَتِها، كما رُوي عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهى عن هَدْم آطَام المدينةِ (٢) ؛ فإنَّها مِن زينَةِ المدينةِ (٣) .

    قال أبو عمر: ليس في هذا كلِّه حُجَّةٌ؛ لأنَّ حديثَ سَعْدٍ ليس بالقوي، ولو صحَّ لم يكنْ في نسخ أخْذِ السَّلَبِ ما يُسْقِطُ ما صحَّ مِن تحريم المدينةِ، وما تأوَّلَه في زينةِ المدينةِ فليس بشيءٍ؛ لأنَّ الصَّحابةَ تلقَّوا تحريمَ المدينةِ (٤) بغيرِ هذا التَّأويلِ، وسَعْدٌ قد عَمِلَ بما روى، فأيُّ نَسْخ هاهنا (٥) ؟

    ج ٤ ص ٢٧٢
  20. وفي قولِ أبي هريرةَ: "ما ذعَرتُها" دليلٌ على أنّه لا يجوزُ تَرويعُ الصَّيدِ في حَرَم المدينةِ، كما لا يجوزُ تَرويعُه في الحَرَم. واللهُ أعلمُ.

    ج ٤ ص ٢٧٣
  21. وكذلك نَزْعُ زيدِ بنِ ثابتٍ مِن يَدِ الرجلِ النُّهَسَ (١) -وهو طائِرٌ كان صَادَه بالمدينةِ- دليلٌ على أنَّ الصحابةَ فَهِموا مُرادَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في تحريمِه صَيدَ المدينةِ، فلم يُجيزوا فيها الاصطيادَ، ولا تَمَلُّكَ ما يُصْطَادُ، ولذلك نزَعَ زيدٌ النُّهَسَ وسرَّحَه مِن يدِ صائدِه. يُقالُ: إنَّ ذلك الرَّجُلَ شُرَحْبِيلُ بنُ سَعْد.

    وقال ابنُ مَهْدِيٍّ، عن مالكٍ: حَرَمُ المدينةِ بَرِيدٌ في بَرِيدٍ (٢) . يعني: مِنَ الشَّجَر (٣) . قال: واللابَتانِ هما الحَرَّتانِ. وقال ابنُ حبيبٍ: اللابةُ الحرَّةُ، وهي الأرضُ التي أُلبِستِ الحجارةَ السُّودَ الجُرْدَ، وجَمع اللابَةِ لاباتٌ، فإذا كثُرَتْ جِدًّا فهي لُوَبٌ. قال: وتحريمُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ما بينَ لابَتَي المدينةِ (٤) إنّما يعني في الصَّيدِ، فأمَّا في قَطع الشجرِ، فبريدٌ في بريدٍ. ودُورُ المدينةِ (٥) كلِّها محرمٌ، كذلك أخبرني مُطرفٌ عن مالكٍ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز. فقولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بين لابَتيْها" . يعني:

    ج ٤ ص ٢٧٤حرَّتَيها؛ الشرقيةَ والغربيةَ، وهي حِرارٌ أربعٌ، لكنَّ القِبليةَ والجوفيةَ متصلَتان بها، وقد ردَّها حسانُ بنُ ثابتٍ إلى حَرَّةٍ واحدةٍ لاتِّصالها، فقال (١) :

    لنا حَرَّةٌ مأْطُورَةٌ بجِبالِها ... بَنَى العِزُّ فيها بيتَه فتأثَّلا

    قال: وقولُه: "مأطُورَةٌ بجِبَالها" يعني: معطوفةً بجِبالها؛ لاستدارَةِ الجبالِ بها، وإنَّما جِبالُها: تلك الحجارةُ السودُ التي تُسمَّى الحِرارَ.

    قال أبو عمر: وكذلك فَسَّرَ ابنُ وَهْبٍ "ما بينَ لابَتَيْها" . قال: ما بينَ حرَّتَيْها. قال: وهو قولُ مالكٍ. قال ابنُ وَهْبٍ: وهذا الذي حَرَّمَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فيها، إنّما هو في قتلِ الصَّيدِ. قيل لابنِ وَهْبٍ: فما حرَّمَه فيها في قطع الشجرِ؟ قال: حَدُّ ذلك بَرِيدٌ في بَرِيدٍ (٢) ، بلَغَني ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. وقال ابنُ نافع: اللَّابتان هما الحرتَانِ؛ إحداهما التي يَنزِلُ بها الحاجُّ إذا رجعوا مِن مكةَ، وهي بغربيِّ المدينةِ، والأُخْرَى ممَّا يَلِيها مِن شَرْقيِّ المدينةِ. قال: فما بينَ هاتَينِ الحرَّيتنِ حَرامٌ أن يُصادَ فيها طيرٌ أو صَيدٌ. قال ابنُ نافع: وحرَّةٌ أُخرى ممَّا يلي قبلةَ المدينةِ، وحرَّةٌ رابعةٌ مِن جِهَةِ الجوفِ، فما بينَ هذِه الحِرَارِ كُلِّها في الدُّورِ محرَّمٌ أن يُصادَ فيها، ومَن فعَل ذلك أثِم، ولم يكنْ عليه جزاءُ ما صادَه كما يكونُ عليه في حَرَم مكةَ إذا صادَ فيه.

  22. وجُملةُ مذهَبِ مالكٍ، والشافعيِّ، في صَيدِ المدينةِ وقطع شجرِها، أن ذلك مكروهٌ ولا جَزاءَ فيه. وقال مالكٌ: لا يُقتلُ الجرادُ في حَرَم المدينةِ. وكان يَكْرَهُ

    ج ٤ ص ٢٧٥أكْلَ ما قتَلَ الحلالُ مِن الصيدِ في حرم المدينةِ (١) . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: صيدُ المدينةِ غيرُ محرَّم، وكذلك قطعُ (٢) شجرِها. واحتجَّ الطحاويُّ (٣) لهم بحديثِ أنسٍ: "يا أبا عميرٍ، ما فعَلَ النُّغَيْرُ؟ " (٤) . قال: فلم يُنكِرْ صيدَه وإمسَاكَه.

    قال أبو عمر: هذا قد يجوزُ أن يكونَ صِيدَ في غير حَرَم المدينةِ، فلا حُجَّةَ فيه. واحْتَجَّ أيضًا بحديثِ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ: كان لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وحْشٌ، فإذا خرَجَ لَعِب واشتدَّ، وأقبَلَ وأدبرَ، فإذا أحَسَّ برسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- رَبَضَ، فلم يَترمرمْ (٥) ، كراهِيةَ أن يُؤْذِيَه (٦) . والقولُ عندي في هذا الحديثِ كالقولِ في حديثِ النُّغيرِ، واللهُ أعلمُ.

  23. قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ بعدَ أن ذكَرَ الآثارَ في تَحرِيم ما بينَ لابَتَي المدينَةِ: إنِّي لأعجبُ ممَّن رَدَّ هذه الأحادِيثَ بحديثِ أنسٍ: "يا أبا عُمَيْرٍ، ما فعَلَ النُّغَيْرُ؟ " .

    قال أبو عمر: قد زِدْنا هذا البابَ بيانًا عندَ ذكرِ قولِه -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ مالكٍ، عن عمرِو بنِ أبي عمرٍو، عن أنسٍ: "اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما

    ج ٤ ص ٢٧٦بينَ لابتَيْها " (١) . وليس في سُقُوطِ الجزاءِ عمَّن اصْطادَ بالمدينةِ دليلٌ على سُقُوطِ تَحْرِيم صَيْدِها، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: " إنِّي حرَّمتُ المدينةَ كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ " (٢) ؟ قال إسماعيلُ وغيرُه: لم يبلُغْنا أنّه كان في شريعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيدٍ، وظاهِرُ الآيةِ يدُلُّ على أنّه أمرٌ شرَعه اللهُ لهذه الأُمَّةِ بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} إلى قوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٤ - ٩٥] .

    قال إسماعيلُ: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ (٣) بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا محمّدُ بنُ أبي يحيى، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سعدٍ بنِ أبي وقّاصٍ، عن أبيه قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بين لابَتَي المدينةِ حرامٌ كما حَرَّمَ إبراهيمُ مكّةَ، اللهمَّ اجعل البركةَ فيها بركَتَينِ، وبارِكْ في صاعِهم ومُدِّهم" (٤) .

  24. حديثٌ ثانٍ لابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب متّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ أحدِكم وحدَه بخمسةٍ وعشرينَ جُزءًا" .

    ج ٤ ص ٢٧٧
  25. هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة (٢) ، ورواه جُويْريَةُ بنُ أسماء، عن مالك بإسنادِه، فقال: "فضلُ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ أحدِكم خمسٌ وعشرونَ صلاةً" .

  26. ورواه عبدُ الملك بنُ زيادٍ النَّصيبيُّ، ويحيى بنُ محمدِ بنِ عبّاد، عن مالك، عن الزهريِّ، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَه.

  27. ورواه الشافعيُّ (٣) ، ورَوْحُ بنُ عُبادة (٤) ، وعمّارُ بنُ مَطَر (٥) ، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

  28. في هذا الحديثِ من الفقهِ: معرفةُ فضل صلاةِ الجماعة، والتَّرغيبُ في حُضورها.

  29. وفيه: دليلٌ على أنَّ الجماعةَ كثُرتْ أو قلَّتْ سواءٌ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَختَصَّ جماعةً من جماعة، والقولُ على عُمومِه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "اثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ" (٦) ،

    ج ٤ ص ٢٧٨وقال -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةِ الفَذِّ بكذا وكذا درجةً" لم يقصدْ جماعةً من جماعة، ولا موضعًا من المسجدِ من موضع. وأمّا حديثُ أُبيِّ بنِ كعب: "صلاةُ الرجلِ مع الرجلِ أزكَى من صلاتِه وحدَه، وصلاتُه مع الرَّجُلَين أزكَى من صلاتِه مع الرجل، وصلاتُه مع الثلاثةِ أزكَى من صلاتِه مع الرجلَين، وكلَّما كثُرَ فهو أزكَى وأطيَبُ" ، فهو حديثٌ ليس بالقويِّ، لا يُحتجُّ بمثلِه (١) .

  30. وفي هذا الحديث -أعني حديثَ مالكٍ هذا- دليلٌ على جوازِ صلاةِ الفَذِّ وحدَه، وإن كانتِ الجماعةُ أفضل، وإذا جازَت صلاةُ الفَذِّ وحدَه، بطَل أن يكونَ شُهودُ صلاةِ الجماعةِ فرضًا؛ لأنه لو كان فرضًا لم تَجُزْ للفذِّ صلاتُه، كما أنَّ الفذَّ لا يُجزِئُه يومَ الجُمُعةِ أن يُصلِّيَ قبل صلاةِ الإمام ظُهرًا، إذا كان ممَّن يجبُ عليه إتيانُ الجمُعةِ، قد احتجَّ بهذا جماعةٌ من العلماء، وأكثرُ الفقهاء بالحجاز، والعراق، والشَّام، يقولون: إنَّ حضورَ صلاةِ الجماعةِ فضيلةٌ وفضلٌ، وسُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، لا ينبغي تركُها، وليست بفرضٍ. ومنهم مَن قال: إنّها فرضٌ على الكفايةِ (١) .

    ج ٤ ص ٢٧٩
  31. واختلف أصحابُ الشافعيِّ في هذه المسألةِ؛ فمنهم مَن قال: شهودُ الجماعةِ فرضٌ على الكفايةِ. ومنهم مَن قال: شُهودُها سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ لا يُرَخَّصُ في تركها للقادرِ عليها إلّا مِن عذْرٍ. ولهم في ذلك دلائلُ يطُولُ ذكرُها للقولَينِ جميعًا (٢) .

    وقال أهلُ الظَّاهرِ -منهم داودُ-: إنَّ حضورَ صلاةِ الجماعةِ فرضٌ متعيِّنٌ كالجُمعةِ سواءً، وإنَّه لا يُجزئُ الفَذَّ صلاةٌ، إلّا بعدَ صلاةِ الناسِ في المسجدِ، وإن صلَّاها قبلَهم أعاد (٣) . واستدلَّ بظاهرِ آثارٍ رُويت في ذلك، سنذكُرُ ما روَى منها مالكٌ في موضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء الله.

    ج ٤ ص ٢٨٠قال أبو عمر: لا يخلُو قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفَذِّ" مِن أحدِ ثلاثةِ أوجُهٍ؛ إمَّا أن يكونَ المرادُ بذلك صلاةَ النَّافلةِ، أو يكونَ المرادُ بذلك (١) مَن تخلَّفَ من عُذْرٍ عن الفريضةِ، أو يكونَ المرادُ بذلك مَن تخَلَّفَ عنها بغيرِ عُذْرٍ. فإذا احتمَلَ ما ذكرنا -وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "صلاةُ المرء في بيتِه أفضَلُ مِن صلاتِه في مسجدِي هذا إلّا المكتُوبةَ" (٢) -علِمنا أنَّه لم يُرِدْ صلاةَ النَّافلَةِ بتفضِيلِه صلاةَ الجماعةِ على الفَذِّ، وإنما أراد بذلك الفرضَ. وكذلك لما قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن غلَبَه على صَلاتِه نومٌ كُتِب له أجرُها" (٣) . وكذلك قولُه: "إذا كان للعبدِ عملٌ يعملُه، فمنَعه منه مرضٌ، أمَرَ اللهُ كاتِبَيه أن يكتُبا له ما كان يعمَلُ في صحَّتِهِ" (٤) . وكذلك قولُه في غزوَةِ تبوكَ لأصحابِه: "إنَّ بالمدينةِ قومًا، ما سلكتُم طريقًا، ولا قطَعتُم واديًا، ولا أنفَقتُم نفقةً، إلّا وهم معكم، حبَسَهم العُذرُ" (٥) ، علِمنا بهذه الآثارِ وما كان في معناها،

    ج ٤ ص ٢٨١أنَّ المتخلِّفَ بعُذْرٍ لم يُقْصَدْ إلى تفضِيلِ غيرِه عليه، وإذا بطَل هذانِ الوجهانِ، صَحَّ أنَّ المُرَادَ بذلك هو المتخلِّفُ عن الواجب عليه بغيرِ عذرٍ، وعلِمنا أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يُفاضِلْ بينَهما إلّا وهما جائزانِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أفضلُ منَ الآخر.

  32. وممَّا يدُلُّ على ما ذكرنا حديثُ مِحْجَنٍ الدِّيليِّ، حينَ قال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما منَعَك أن تصلِّيَ معنا، ألستَ برجُلٍ مسلم؟ " قال: بلى، ولكنِّي قد صلَّيتُ في رَحِلي (١) . فعُلِمَ أنَّه إنَّما صلَّى في رحْلِه مُنفرِدًا. وكذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حضَرَتِ العَشاءُ وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فابدءُوا بالعَشَاءِ" (٢) . وقد يكونُ مِن العُذْرِ المَطَرُ والظُّلمةُ؛ لقولِه: "ألا صلُّوا في الرِّحالِ" (٣) . ومن العُذْرِ أيضًا: مُدَافعةُ الأخبثَين؛ الغائطِ والبولِ. وقد ذكرنا كثيرًا مِن هذه الآثارِ في مواضِعِها مِن كتابِنا، ومضَى القولُ هناك في معانيها، والحمدُ لله كثيرًا.

  33. حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب متّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس الشديدُ بالصُّرَعةِ، إنّما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضبِ" .

    ج ٤ ص ٢٨٢
  34. هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعةِ رواتِه فيما علِمتُ (٢) . ورواه شيخٌ يسمَّى حاتمَ بنَ منصور، عن مطرِّف، عن مالك، عن الزهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، فأخطأ فيه على مالكٍ، وإنَّما روايةُ مالكٍ فيه: عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة. وكذلك رواه أبو أُويسٍ (٣) وعبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق، عن الزهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة. وخالفهم يونس (٤) ، وعُقيل (٥) ، ومعمر (٦) ،

    ج ٤ ص ٢٨٣وشعيبُ بنُ أبي حمزة (١) ، والزُّبيدي (٢) ، فروَوه عن الزهريِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة.

  35. وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ الحسينِ الكَرْخي، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنّما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضب" .

  36. وفي هذا الحديثِ مِن الفقهِ: فضلُ الحِلم.

  37. وفيه: دليلٌ على أنَّ الحِلم كتمانُ الغيظِ، وأنَّ العاقلَ مَن ملَك نفسَه عندَ الغضب؛ لأنَّ العقلَ في اللُّغةِ: ضبطُ الشيء وحبسُه، ومنه (٣) عِقالُ النَّاقة، ومنه الإبلُ المعقَّلةُ -أي المربوطةُ- هذا معنى العقلِ في اللُّغةِ، ومعناه في الشريعةِ مِلكُ النفسِ وصرفُها عن شهَواتِها المُرديَةِ لها، وحبسُها عمَّا حرَّم اللهُ عليها. واللهُ أعلم.

  38. وقد جعل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للذي يملِكُ نفسَه ويغلِبُها، مِن القوَّةِ ما ليس للذي يغلِبُ غيرَه. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مجاهدةَ النفسِ أصعبُ مرامًا، وأفضلُ مِن مجاهدةِ العدوِّ. واللهُ أعلم.

  39. وأمَّا قوله: "الصُّرَعةُ" فإنَّه يَعني: الكثيرَ القوَّة، الذي يَصرَعُ كلَّ مَن صارعَه، ومثلُه مِن قولِ العربِ: هذا رجلٌ نُوَمةٌ؛ يعني: كثيرَ النوم، وحُفَظةٌ؛ يعني: كثيرَ الحِفْظ.

    وقال ابنُ حبيبٍ: الصُّرَعةُ تثقيلُ الكلمةِ بالحركات، معناه الذي يصْرَع الناس. قال: والصُّرْعَةُ بالتَّخفيف: الرَّجُل الضَّعيفُ النَّحيفُ الذي يصْرَعُه النّاسُ حتّى لا يكادُ يَثبُتُ، وكذلك الضُّحَكَةُ بالتَّثقيل: الذي يُضحِكُ الناسَ، والضُّحْكَةُ بالتَّخفيف: الذي يَضْحَكُ منه الناسُ، وبالله التَّوفيق.

    ج ٤ ص ٢٨٤
  40. حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب متَّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نعَى النَّجاشيَّ للنَّاسِ في اليوم الذي ماتَ فيه، فخرَج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبَّر أربعَ تكبيرات.

    ج ٤ ص ٢٨٥