فصل أحاديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة

٩٧ فقرة، ج ٥ ص ٥

الصفحة ١ من ٣

  1. حديثٌ أولُ لابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّبِ وأبي سَلَمَة (١) مُسندٌ

    مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّهما أخبَراه عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنه مَن وافَق تأمينُه تأمينَ اللائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" . قال ابنُ شهابٍ: وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "آمين" .

    ج ٥ ص ٥
  2. لا خلافَ بينَ الرواة لـ "الموطّأ" في إسناد هذا الحديث ومتنِه فيما علِمتُ (٣) ، وكلُّهم يجعلُ قولَه: وكان رسولُ الله - ص ل ى الله عليه وسلم - يقول: "آمين" من كلام ابنِ شهابٍ، وقد رواه حفصُ بنُ عمرَ العَدنيُّ (٤) عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "آمين" . ولم يُتابَعْ حفصٌ على هذا اللفظ بهذا الإسناد (٥) .

  3. وروَى إسحاقُ بنُ سليمانَ (١) ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، فإنه مَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" (٢) . ولم يُتابَعْ على هذا اللفظ أيضًا في هذا الإسناد، وإنما هذا لفظُ حديثِ سميٍّ، وسيأتي في بابه إن شاء الله (٣) . ورواه القُداميُّ (٤) ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكُرْ أبا سلمةَ. ورواه جُوَيْرِيَةُ (٥) ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكُرْ سعيدًا. والصوابُ ما في "الموطّأ" عن سعيدٍ وأبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرة (٦) .

    ج ٥ ص ٦
  4. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: قراءةُ "أمِّ القرآن" في الصلاة، ومعناه عندَنا في كلِّ ركعةٍ (٧) ، لدلائلَ سنذكرُها في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، من كتابنا هذا، عندَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ صلاةٍ لا يُقرأُ فيها بـ: " أمِّ القرآن "فهي خداجٌ" (٨) إن شاء الله. وإنما قلنا: إنّ فيه دليلًا على قراءة "فاتحة الكتاب" لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا" . ومعلومٌ أن التأمينَ هو قولُ الإنسان: آمينَ عندَ دُعائِه، أو دعاءِ

    ج ٥ ص ٧غيرِه إذا سمِعه. ومعنَى "آمين" عندَ العلماءِ: اللهمَّ استجبْ لنا دُعاءَنا. وهو خارجٌ على قولِ القارئ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إلى قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} . فهذا هو الدعاءُ الذي يقعُ عليه التأمينُ، ألا ترى إلى قولِه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ سميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "إذا قال الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين" (١) ؟ فكأن القارئ يقول: اللهمَّ اهدِنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعَمتَ عليهم، غير المغضوبِ عليهم ولا الضالين، اللهمَّ آمين. وهذا بيِّنٌ واضحٌ، يُغني عن الإكثار فيه. وقد أجمَع العلماءُ على أنْ لا تأمينَ في شيءٍ من قراءةِ الصلاةِ إلّا عندَ خاتمةِ "فاتحة الكتاب" ، ولم يختلفوا في معنى ما ذكَرنا فنحتاج فيه إلى القول، ولما كان قولُ الله عزَّ وجلَّ: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: ٩] دليلًا على أنّه لا بدَّ من الأذانِ يومَ الجمعة، وإن كان ذلك خبرًا، فكذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمَّن الإمامُ" - يعني عند قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} - "فأمِّنوا" ، دليلٌ على أنّه لا بدَّ من قراءةِ فاتحةِ الكتاب في كلِّ صلاةٍ. وفي هذا معَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ لمَن لا يقرأْ بفاتحةِ الكتاب" (٢) دليلٌ على فسادِ قولِ مَن قال: إن الصلاةَ تجزئُ بغيرِها (٣) . وسنذكرُ الاختلافَ في هذه المسألة، ونأتي بالحُجةِ لاختيارِنا من ذلك في كتابِنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ إن شاء الله (٤) .

  5. وقد قيل: إن معنى "آمين" : أشهدُ لله، وقيل: بل معناها: كذلك فعَل اللهُ.

  6. وفي "آمين" لغتان، المدُّ والقصرُ، مثل: أوَّهُ وآوَّه. قال الشاعر (١) ، فمدَّ:

    * ويرحمُ اللهُ عبدًا قال آمينا *

    وقال آخرُ (٢) ، فقصر:

    تباعَد منِّي فُطْحُلٌ إذ دعوتُهُ ... أمينَ، فزاد اللهُ ما بينَنا بُعدا

    وفي هذا الحديثِ أيضًا أن الإمامَ يقولُ: آمينَ، لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا" . ومعلومٌ أن تأمينَ المأموم قولُه: آمينَ. فكذلك يجبُ أن يكونَ قولُ الإمام سواءً، لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد سوَّى بينَهما في اللفظ، ولم يقلْ: إذا دعا الإمامُ فأمِّنوا. وهذا موضعٌ اختلَف فيه العلماءُ، فروَى ابنُ القاسم عن مالكٍ، أن الإمامَ لا يقولُ: آمينَ، وإنما يقولُ ذلك مَن خلفَه دونَه، وهو قولُ ابنِ القاسم والمصريين من أصحابِ مالكٍ (٣) ، وحجتُهم ظاهرُ حديثِ سميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قال الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين" . وسيأتي القولُ في حديث سُمَيٍّ في بابه من هذا الكتاب إن شاء اللهُ (٤) ، ومثلُ حديثِ سُمَيٍّ حديث أبي موسى الأشعريِّ (٥) ، قالوا: ففي هذا الحديث دليلٌ على أن الإمامَ يقتصرُ على قراءة: {وَلَا الضَّالِّينَ}

    ج ٥ ص ٨
  7. ولا يزيدُ على ذلك، وإنما المأمومُ يؤمِّنُ، قالوا: وكما يجوزُ أن يسمَّى التأمينُ دعاء في اللغة، فكذلك يسمَّى الدعاءُ تأمينًا. واحتجُّوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: ٨٩] لموسَى وهارونَ، ولا يختلفُ المفسِّرون أن موسَى كان يدعو، وهارونَ يؤمِّنُ، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} .

    ج ٥ ص ٩
  8. وحدَّثنا (١) عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ الخشنيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بكيرٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرَّازيُّ، عن الربيع بنِ أنسٍ، قال: قلتُ لأبي العالية: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} ؛ قال: إنما دعا موسى وأمَّن هارونُ، فمن ثَمَّ قال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} (٢) .

    قال أبو عُمر: ما قالوه من هذا كلِّه فليس فيه حجةٌ، فليس في شيءٍ من اللغات أن الدعاءَ يُسمَّى تأمينًا، ولو صحَّ لهم ما ادعوه وسلِم لهم ما تأوَّلوه، لم يكنْ فيه إلّا أن التأمينَ يُسمَّى دعاءً، وأما أن الدعاءَ يقالُ له: تأمينٌ فلا، وإنما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} ولم يقل: قد أُجيب تأمينُكما. فمَن قال: إنَّ الدعاءَ تأمينٌ، فمُغفَّلٌ لا رويَّةَ له، على أن قولَه عزَّ وجلَّ: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} إنّما قيل لأن الدعوةَ كانت لهما، وكان نفعُها عائدًا عليهما بالانتقام من أعدائهما؛ فلذلك قيل: {أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} ، ولم يقل: دعوتاكما. ولو كان التأمينُ دعاءً لقال: قد أُجيبتْ دعوتاكما. وجائز أن يُسمَّى المؤمِّنُ داعيا؛ لأن المعنى في آمين: اللهُمَّ استجبْ لنا، على ما قدَّمنا ذكرَه، وهذا دعاءٌ، وغيرُ جائزٍ أن يُسمَّى الدعاءُ تأمينًا، واللهُ أعلمُ.

  9. ومعلومٌ أن قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا" لم يُرِدْ به: فادعوا مثلَ دعاءِ الإمام: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة. وهذا ما لا يُختلَفُ فيه، وإنما أراد من المأموم قولَ: آمينَ لا غيرُ، وهذا إجماعٌ من العلماء، فكذلك أراد من الإمام قولَ: آمينَ. لا الدعاءَ بالتلاوة؛ لأنَّه قد سوَّى بينهما في لفظِه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا" . فالتأمينُ من الإمام كهو من المأموم سواءً، وهو قولُ: آمينَ. هذا ما يُوجِبُه ظاهرُ الحديث، فكيف وقد ثبَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقولُ: "آمين" إذا فرَغ من قراءة فاتحة الكتاب (١) ؛ وهذا نصٌّ يرفعُ الإشكالَ ويقطعُ الخلافَ، وهو قولُ جمهورِ علماءِ المسلمين. وممَّن قال ذلك مالكٌ في روايةِ المدنيِّين عنه (٢) ، منهم: عبدُ الملك بنِ الماجِشون، ومطرِّفُ بنُ عبدِ الله، وأبو المصعبِ الزهريُّ، وعبدُ الله بنُ نافع، وهو قولُهم؛ قالوا: يقولُ: آمين. الإمامُ ومَن خلفَه. وهو قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِهما، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، وابنِ المبارك، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وأبي ثورٍ، وداودَ، والطبريِّ، وجماعةِ أهلِ الأثر (٣) ؛ لصحتِه عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ أبي هريرةَ، ووائلِ بن حُجرٍ. وقال الكوفيون وبعضُ المدنيين: لا يجهرُ بها، وهو قولُ الطبريِّ. وقال الشافعيُّ وأصحابُه، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وأهلُ الحديث: يجهرُ بها (٤) .

    ج ٥ ص ١٠
  10. حدّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا

    ج ٥ ص ١١أبو داودَ، قال (١) : حدّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدّثنا صفوانُ بنُ عيسى، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ الله ابن عمِّ أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: "آمين" حتى يَسمعَ مَن يليه من الصفِّ الأول.

  11. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الأُشنانيُّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ (٢) ، قالا: حدّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حدّثنا أبو زكريا يحيَى بنُ محمدٍ بنُ عَمروسٍ المعدَّلُ، قالا جميعًا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، ابنُ زِبرِيقَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سالم الأشعريُّ، قال: حدَّثنا الزبَيديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم الزهريُّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرَغ من قراءة أمِّ القرآن رفَع صوتَه وقال: "آمينَ" (٣) .

  12. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن حُجرِ بنِ العَنْبَس الحضرميِّ، عن وائلِ بنِ حُجْرٍ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: "آمين" ورفَع بها صوتَه.

  13. ورواه يحيى القطان (١) ، ووكيعٌ (٢) ، وابنُ مهديٍّ (٣) ، عن الثوريِّ بإسنادِه، مثلَه سواءً.

    ج ٥ ص ١٢
  14. ورواه أبو إسحاقَ، عن عبد الجبارِ بن وائلِ بن حُجرٍ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٤)

  15. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم الأحولِ، عن أبي عثمانَ، أن بلالًا قال: يا رسولَ الله، لا تَسبقني بآمين (٥) .

  16. وذكره أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا إسحاقُ بنُ راهُوْيَة، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، عن عاصم، عن أبي عثمانَ، عن بلالٍ، مثلَه.

  17. وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزبير يقولُ: آمين ومَن خلفَه حتى أنّ للمسجدِ لَلَجَّةً؟ قال: نعم.

    ج ٥ ص ١٣
  18. (٢) وذكر سُنَيدٌ (٣) ، عن حَجّاح، عن ابن جُريج، قال: قال لي عطاءٌ: كنتُ أسمعُ الأئمة يقولون على إثر أمِّ القرآن: آمين، هم أنفسُهم ومَن وراءَهم، حتى إنّ للمسجدِ ضجةً. قال ابنُ جُريج: قلتُ له: فكان عبدُ الله بنُ الزبيرِ يؤمِّنُ على إثر أمِّ القرآن؟ قال: نعم، ومَن وراءَه، حتى إنّ للمسجدِ ضجةً.

  19. وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُغلِّظُ على مَن كرِه الجهرَ بها، وقال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما حسَدَنا اليهودُ على شيءٍ ما حسَدونا على آمين" (٤) .

  20. وأما قولُه في هذا الحديث: "مَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" . ففيه أقوالٌ؛ منها، أنّه يحتملُ أن يكونَ أراد: فمَن أخلَص في قوله: آمين،

    ج ٥ ص ١٤بنيةٍ صادقةٍ، وقلبٍ صافٍ، ليس بساهٍ ولا لاهٍ، فيوافقُ الملائكةَ الذين في السماءِ الذين يستغفرون لمَن في الأرض، ويدعون لهم بنياتٍ صادقةٍ، ليس عن قلوبٍ لاهيةٍ - غُفِر له إذا أخلصَ في دعائِه. واحتجُّوا بقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دعا أحدُكم فليَجتهدْ وليُخلصْ؛ فإن اللهَ لا يقبلُ الدعاءَ من قلبٍ لاهٍ" (١) . وقال - صلى الله عليه وسلم - "اجتهِدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم" (٢) . فكأنه أراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة" : الذين يُخلصونَ في الدعاء، "غُفِر له" . وهذا تأويلٌ عندي (٣) فيه بُعدٌ.

    وقال آخرون: إنما أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكة" : الحثَّ على الدعاءِ للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة، فإن الملائكةَ تستغفرُ للمؤمنين في الأرض، فمَن دعا في صلاتِه للمؤمنين غُفِر له؛ لأنّه يكونُ دعاؤُه حينئذٍ موافقًا لدعاءِ الملائكةِ المستغفرين لمَن في الأرض من المؤمنين، وفي قوله: {اهْدِنَا} للداعي وأهلِ دينِه إن شاء الله، والتأمينُ على ذلك، فلذلك نُدِب إليه. والله أعلم.

    وقال آخرون: إن الملائكةَ من الحَفَظةِ الكاتبين، والملائكةَ المتعاقبين لشهودِ الصلاةِ مع المؤمنين - يؤمِّنون عندَ قول القارئ: {وَلَا الضَّالِّينَ} . فمَن فعَل مثلَ فعلِهم وأمَّن، غُفِر له، يحضُّهم بذلك على التأمين، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: ١٠ - ١١] . وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

    ج ٥ ص ١٥"يتعاقبُ فيكم ملائكةٌ بالليلِ وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجر" الحديثَ (١) .

  21. فإن قيل: حديثُ مالكٍ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال أحدُكم: آمينَ، فقالت الملائكةُ في السماء: آمينَ، فوافقتْ إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" (٢) . وهذا دليلٌ على أنه لم يُردِ الملائكةَ الحافظين، ولا المتعاقبين؛ لأنهم حاضرون معهم في الأرض لا في السماء. قيل له: لسنا نعرِفُ موقفَ الملائكة منهم، ولا نُكيِّفُ ذلك، وجائز أن يكونوا فوقَهم وعليهم وعلى رءوسِهم، فإذا كان كذلك، فكلُّ ما عَلاك فهو سماءٌ، وقد تُسمِّي العربُ المطرَ سماءً؛ لأنَّه ينزلُ من علٍ، وتُسمِّي الربيعَ أيضًا سماءً؛ لأنّه تولَّد من مطرِ السماء، وتُسمِّي الشيءَ باسم الشيءِ إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسبب. قال الشاعر (٣) :

    إذا نَزَل السماءُ بأرض قومٍ ... رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضَابا

    فسمَّى الماءَ النازلَ من السماءِ والربيعَ المتولِّدَ منه: سماءً (٤) ، فاللهُ أعلمُ بما أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "في السماء" . إن كان قاله؛ فان أخبارَ الآحادِ لا يُقطعُ عليها، وكذلك هو العالمُ لا شريكَ له بمعنى قوله حقيقةً: "فمَن وافَق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذَنْبِه" .

  22. ولا يدفعُ أن يكونَ الذين يُؤمِّنون ملائكةَ السماء، فقد روَى ابنُ جُريج، عن الحكم بنِ أبان، أنّه سَمِعَ عكرمةَ يقول: إذا أُقيمتِ الصلاةُ فصَفَّ أهلُ الأرض، صفَّ أهلُ السماء، فإذا قال أهلُ الأرض: {وَلَا الضَّالِّينَ} قالت الملائكة: آمين. فإذا وافَقتْ آمينَ أهلِ الأرضِ آمينَ أهلِ السماء، غُفِر لأهلِ الأرضِ ما تقدَّم من ذنوبِهم (١) . وكلُّ ما ذكرنا قد قيل فيما وصَفنا، وفيما قالوه من ذلك نظرٌ. وبالله عِصمتُنا وتوفيقُنا.

    ج ٥ ص ١٦
  23. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أن أعمالَ البرِّ تُغفَرُ بها الذنوبُ، وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] كفايةٌ، وقد مضَى القولُ في هذا المعنَى مُستوعَبًا في باب زيدِ بن أسلمَ (٢) من كتابِنا هذا، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.

  24. حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن سعيد وأبي سَلَمة متّصلٌ مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "جَرحُ العَجْماءِ جُبَارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" .

    قال مالكٌ: وتفسيرُ الجُبَارِ أنّه لا دِيَةَ فيه.

    قال أبو عُمر: لا يَختلِفونَ أنَّ الجُبَارَ: الهَدْرُ الذي لا أرْشَ فيه ولا دِيَةَ، على ما قال مالكٌ رحمه الله. قال الشاعر (٢) :

    وكم مَلِكٍ نزَعنا المُلْكَ عنهُ ... وجَبَّارٍ بها دَمُه جُبَارُ

    هكذا روَى هذا الحديثَ جمهورُ الرُّواة عن مالكٍ كما رواه يحيى (٣) .

    ج ٥ ص ١٧
  25. ورواه القَعْنَبيُّ (٤) ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، لم يذكُرْ أبا سلَمةَ. هكذا ذكَرَه إسماعيلُ القاضي عن القَعْنَبيِّ (٥) . وهو عندَنا في "الموطّأ" للقَعْنبيِّ من رواية عليِّ بنِ عبدِ العزيز (٦) وغيرِه عن القَعْنَبيِّ: مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ جميعًا، عن أبي هريرةَ

    ج ٥ ص ١٨مُسنَدًا، كما رَواه يحيى وغيرُه في "الموطّأ" . هكذا ذكَره القَعنبيُّ في كتاب الدِّيَاتِ من "الموطّأ" . وذكَرَه في كتابِ الزكاة، فقال فيه: مالكٌ، أنّه بلَغه أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "في الرِّكازِ الخُمُسُ" . هكذا ذكَره القَعنبيُّ في كتاب الزكاة، اختصَر إسنادَه ولفظَه.

  26. وذكَره يحيى (١) في كتابِ الزكاةِ مختَصِرًا للَّفظِ، وجاء بإسنادِه كاملًا، فقال: عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" .

  27. وأمّا ابنُ القاسم في رواية سُحنونٍ (٢) ، فرواه عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابن المُسيِّب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، مُرْسلًا هكذا.

  28. وأمّا اختلافُ أصحابِ ابنِ شهابِ في إسنادِ هذا الحديث، فرواه ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. لم يذكُرْ أبا سلَمةَ. هكذا حدَّث بهِ عنه ابنُ أبي شيبةَ (٣) وغيرُه (٤) .

  29. ورواه الليثُ (٥) كما رواه مالكٌ سواءً، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "العَجْماءُ جَرْحُها جُبَار" ، الحديثَ بتمامِه سواءً.

  30. وكذلك رَواه معمرٌ وابنُ جريج.

    ج ٥ ص ١٩
  31. ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن معمرٍ وابن جُريج، عن الزهريِّ، عن ابنِ المُسيِّب وأبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "العَجَماءُ جُبَارٌ، والبئرُ جَرْحُها جُبَارٌ، والمعدِنُ جَرْحُه جُبَار، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" .

  32. والعَجْماءُ عندَ العرب: كُلُّ بَهِيمَةٍ وسَبُعٍ وحَيَوانٍ غيرِ ناطقٍ مُفْصِح (٢) .

    قال الشاعِرُ (٣) يَصفُ كلبًا:

    يكادُ إذا ما أبصَرَ الضيفَ مُقبِلًا ... يُكَلِّمُه من حُبِّه وهْوَ أعْجَمُ

    وقال حميدُ بنُ ثَوْرٍ يصفُ حمامةَ:

    ولم أرَ مَحزُونًا له مثلُ صَوتِها ... ولا عَرَبِيًّا شاقَه صَوْتُ أعْجَما

    قال ابنُ جُريج: والجُبَارُ في كلام أهلِ تِهامةَ: الهَدْرُ، والرِّكازُ: ما وُجِد في مَعْدِنٍ وما استُخْرِج منه، وما وُجِدَ من مالٍ مَدْفُونٍ كان قبلَ هذه الأُمَّة. وقال ابنُ جُريج: وأقول: هو مَغنَمٌ. وقال أهلُ اللغة: الجُبَارُ: الهَدْرُ الذي لا يَجِبُ فيه شيءٌ، وجَرحُ العَجْماءِ: جِنايَتُها.

  33. وأجمَعَ العلماءُ على أنَّ العَجْماءَ إذا جَنَت جِنايَةً نهارًا، أو جرَحَت جَرْحًا لم يكنْ لأحَدٍ فيه سَبَبٌ، أنّه هَدْرٌ، لا دَيَةَ فيه على أحَدٍ ولا أَرْشَ (٤) . واختَلَفوا في المواشي يُهمِلُها صاحبُها ولا يُمسِكُها ليلًا، فتخرُجُ فتُفسِدُ زرعًا أو كَرْمًا أو غيرَ ذلك من ثمارِ الحوائطِ والأجِنَّةِ وخُضَرِها. وسنذكُرُ اختلافَهم في ذلك، ونُوضحُ

    ج ٥ ص ٢٠القولَ فيه عندَ ذِكْرِ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن حرامِ بنِ سعدِ بنِ مُحَيِّصَةَ، من كتابنا هذا (١) إن شاء الله.

  34. ولا خلافَ بينَهم أنَّ ما أفسَدتِ المواشي وجنَت نهارًا من غير سببِ آدميٍّ، أنّه هَدْرٌ، من الزُّروع وغيرها، إلّا ما رُوِي عن مالكٍ وبعض أصحابِه في الدَّابةِ الضَّاريةِ المُعتادَةِ الفسادَ (٢) ، على ما سنذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى في بابِ ابنِ شهاب عن حرامِ بن مُحَيِّصَةَ.

  35. وأمّا السّائقُ للدَّابةِ أو راكبُها أو قائدُها، فإنَّهم عندَ جمهورِ العلماءِ من الصحابةِ والتابعينَ ومَن بعدَهم مِن الخالفين، ضامِنون لما جَنَتِ الدّابّةُ من أجلِهم وبسَببِهم (٣) . وقال داودُ، وأهلُ الظاهر (٤) : لا ضمانَ في جَرْحِ العَجماءِ على أحدٍ على أيِّ حالٍ كان، برجْلٍ أو بمُقَدَّم؛ لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جعَل جُرْحَها جُبَارًا، ولم يَخُصَّ حالًا من حالٍ. قالوا: فلا ضمانَ على أحَدٍ بسببِ جِنايةِ عَجْماءَ، إلّا أن يكونَ حمَلَها على ذلك وأرسَلَها عليه، فتكونَ حينَئذٍ كالآلة، فيضمَنَ بجنايَةِ نفسِه وقَصدِه إلى إفسادِ مالِ غيرِه والجنايةِ عليه. قالوا: وكذلك إذا تعَدَّى في إرسالِها، أو ربطَها في موضع لا يجبُ له ربطُها فيه، وأمّا مَن لم يَقصِدْ إلى ذلك، فلا يضمَنُ جِنايةَ دابّةٍ وإن كان سببَ ذلك، إذا فعَلَ من رُكُوبها وسياقَتِها وقيادَتِها وإرسالِها ما له فِعلُه، فلا يَضمَنُ إلّا الفاعِلُ القاصدُ، إلّا أن يُجمِعوا على غيرِه في موضع ما، فيجِبُ التسليمُ لإجماعِهم في ذلك الموضِع خاصّةً.

    ج ٥ ص ٢١قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمتُه أنَّ ما جَنَت يَدُ الإنسان خطأً، أنّه يَضمَنُه في مالِه، فإن كان دمًا، فعلى عاقِلَتِه (١) ، تَسليمًا للسنةِ المجتَمَع عليها. وقد رُوِي عن جماعةٍ من الصحابةِ والتابعينَ ضَمانُ السّائقِ والرَّاكِبِ والقائد (٢) ، على الأصل الذي قدَّمْنا، فافْهَمْه. وجاء عن عمرَ بنِ الخطاب أنّه ضَمَّنَ الذي أجْرَى فرَسَه عقلَ ما أصاب الفَرَسُ (٣) .

  36. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ وابنُ أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنّه سُئل عن رجلٍ قاد بَدَنةً فأصابَت طيرًا فقتَلَته، فقال: إن كان يقودُها أو يَسوقُها حتى أصابَتِ الطيرَ، فقد وجَب عليه جزاءُ ما قتَلَت، وإن لم يكنْ يقودُها ولا يسوقُها، فليس يجبُ عليه جزاءُ ما أصابَت.

    وقال ابنُ سيرين: كانوا لا يُضَمِّنونَ مِن النَّفْحَة، ويُضَمِّنُون من رَدِّ العِنانِ (٤) . وقال حمّادٌ لا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ (٥) إلّا أنْ يَنْخُسَ الإنسانُ الدّابَّة. وعن شُرَيْح مثلُه (٦) . وقال حمّادٌ أيضًا: إذا ساق المُكارِي حمارًا عليه امرأةٌ، فتَخِرُّ: فلا شيءَ عليه (٧) . وقال الشعبيُّ: إذا ساق الدابَّةَ فأتعَبَها، فهو ضامِنٌ لما أصابَت، وإن كان خَلَفَها مترسِّلًا (٨) ، لم يَضمَنْ.

  37. وذكَرَ إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا الهَرَويُّ، عن هُشَيم، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن ابن سيرينَ، عن شريح، أنّه كان يُضَمِّنُ الفارِسَ ما أوْطَأت دابَّتُه بيدٍ أو رِجْلٍ، ويُبْرِئُ من النَّفْحَة (١) . قال إسماعيلُ: وقاله الحسنُ، والنخَعيُّ؛ وذلك لأنَّ الراكِبَ كان سبَبَه (٢) .

    وقال مالكٌ: إنْ فَزَّعها الراكبُ أو عَنَّتها، ضَمِن ما أصابَت برجلِها، وإن لم يُفَزِّعْها، ولم يُعَنِّتْها، لم يَضمَنْ ما أصابَت برجْلِها، ويَضمَنُ ما أصابَت بمُقَدَّمِها على كلِّ حالٍ (٣) . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه في نَفْحَةِ الدَّابةِ برِجْلِها: إذا كان صاحِبُها يسيرُ عليها فالضمانُ عليه (٤) . وقد رُوِيَ عن شريح أنّه أبطَلَ النَّفْحَةَ بالرِّجْل (٥) . قال الطحاويُّ: لا يُمكِنُه التحفُّظُ من الرِّجْلِ والذَّنَب، فهو جُبَارٌ على كلِّ حالٍ، ويُمكِنُه التحَفُّظُ من اليَدِ والفَم، فعليه ضمانُه (٦) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا ضمانَ على أصحابِ البهائمِ فيما تُفسِدُ وتَجني عليه، لا في الليل ولا في النهار، إلّا أن يكونَ راكبًا، أو سائقًا، أو قائدًا، أو مرسِلًا (٧) . وقال الشافعيُّ: الضَّمانُ عن البهائم على وجهَيْن؛ أحدُهما، ما أصابَت من الزرعِ بالليلِ فأفسَدَته. والوجهُ الثاني، إذا كان الرجلُ راكبًا، فما أصابَت بيَدِها، أو رِجلِها، أو فَمِها، أو ذَنَبِها، من نَفْسٍ أو جُرْح، فهو ضامِنٌ؛ لأنَّ عليه مَنْعَها

    ج ٥ ص ٢٣في تلك الحال من كلِّ ما تُتْلِفُ به شيئًا (١) . قال: وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا، وكذلك الإبلُ المُقطَرَةُ بالبَعير؛ لأنّه قائِدُها. قال: ولا يجوزُ في هذا إلّا ضمانُ كلِّ ما أصابَت به الدابَّة تحتَ الرّاكِب، أولا يَضْمَنُ إلّا ما حمَلَها عليه؛ لا يصِحُّ إلّا أحَدُ هذين القولَين، فأمّا مَن ضَمَّن عن يَدِها، ولم يُضَمِّنْ عن رِجْلها، فهو تحَكُّم. قال: وأمّا ما رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أنَّ الرِّجْلَ جُبَارٌ، فهذا خطأٌ؛ لأنَّ الحُفَّاظَ لم يحْفَظوه هكذا (٢) . قال: ولو أوقَفَها في مَوْضع ليس له أن يُوقِفَها فيه، ضَمِن، ولو أوقَفَها في مِلكِه لم يَضمَنْ. قال: ولو جعَل في دارِه كلبًا عَقورًا أو حِبَالةً (٣) ، فدخَل إنسانٌ فقتَلَه الكلبُ، لم يكنْ عليه شيءٌ. قال المزنيُّ: سواءٌ عندي أَذِن لذلك الإنسانِ أن يدخُلَ الدَّارَ أو لم يأذَنْ (٤) . وقال ابنُ شُبرُمة، وابنُ أبي ليلَى (٥) : يَضمَنُ ما أتلَفتِ الدّابَّةُ برِجْلِها إذا كان عليها، أو قادَها، أو ساقَها، كما يَضمَنُ ما أتلَفت وهو عليها بغير رِجْلِها. كقولِ الشافعيِّ سواءً. وقال الأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ (٦) في هذا الباب كلِّه كقول مالك: لا يَضمَنُ ما أصابَتِ الدّابَّةُ برجْلِها من غيِر صُنْعِه، ويَضمَنُ ما أصابَت بيَدِها ومُقدَّمِها إذا كان راكبًا عليها، أو سائقًا لها، أو قائدًا.

    قال أبو عُمر: مَن فرَّق بين الرِّجْلِ والمُقَدَّمِ في راكبِ الدّابّةِ وسائِقِها وقائِدِها، فحُجَّتُه أنّه يمكِنُه التحَفُّظُ من جِنايَةِ فَمِها ويَدِها إذا كان راكِبًا عليها أو قائدًا لها، ولا يمكِنُه ذلك من رجْلِها. ومن حُجَّتِه أيضًا ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه

    ج ٥ ص ٢٤قال: "الرِّجْلُ جُبَارٌ" . وهذا لا يُثبِتُه أهلُ العلم بالحديث، وله إسنادان؛ أحدُهما: رواه الثوريُّ وغيرُه، عن أبي قَيْسٍ الأوْديِّ، عن هُزَيلِ بن شرَحبيل، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "البئرُ جُبَارٌ، والرِّجْلُ جُبَارٌ، والعَجْماءُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (١) .

    ج ٥ ص ٢٢
  38. وهذا حديثٌ مُرْسَلٌ. هكذا رواه الثوريُّ وغيرُه، عن أبي قَيْسٍ هذا.

  39. ورواه زيادُ بنُ عبدِ الله البكَّائيُّ، عن الأعمش، عن أبي قَيْسٍ، عن هُزيلِ بنِ شرَحبيلٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) . فوصَلَه وأسنَده، وليس زيادٌ البكَّائيُّ ممَّن يُحتَجُّ به إذا خالَفَه مثلُ الثوريِّ، وأبو قيسٍ أيضًا ليس ممَّن يُحتَجُّ به في حُكْمٍ ينفرِدُ به.

  40. والإسنادُ الآخرُ، ما رواه سفيانُ بنُ حُسينٍ الواسطيُّ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الرِّجْلُ جُبَارٌ" (٣) .