ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي
٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥
الصفحة ٣ من ١٠
- ج ٤ ص ٣٠٧
واختلفوا إذا رُفعَتِ الجنازة؛ فقال مالكٌ والثَّوريُّ: يقضِي ما فاتَه مِن التَّكبير نسَقًا مُتتابعًا، ولا يَدْعُ فيما بينَ ذلك بشيء، رُفعَ النَّعشُ أو لم يُرفعْ. وقال أبو حنيفةَ والشَّافعيُّ: يقضي ما بقيَ عليه مِن التَّكبير ما لم يُرفعْ، ويدعُو ما بينَ التَّكبير. وقال اللَّيثُ: كان الزُّهريُّ يقولُ: يقضي ما فاته (٤) . وكان ربيعةُ يقول: لا يقضي. وقال اللَّيثُ: يقضي. وقال الأوزاعيُّ: لا يقضي. وقال أحمدُ بنُ حنبل: إنْ قضَى قبلَ أنْ يُرفعَ فحسنٌ، وإلّا فلا شيءَ عليه (٥) .
- ج ٤ ص ٣٠٨
وقد استدلَّ بعضُ شُيوخِنا على أنَّ الجنازةَ لا يُصلَّى عليها في المسجدِ بهذا الحديث؛ لخروج رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بأصحابِه إلى المصلَّى للصلاةِ على النَّجاشي.
قال أبو عمر: استدلَّ بهذا، وهو ممَّن يقولُ بأنّ عَمَلَ أهلِ المدينةِ أقوى من الخبرِ المنفرد، وهو يُرْوى من حديثِ مالكٍ وغيرِه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على سُهيلِ ابنِ بيضاءَ في المسجدِ وعلى أخيه سهل (١) ، وأنَّ أبا بكرٍ صُلِّيَ عليه في المسجدِ، وأنَّ عمرَ صُلِّيَ عليه في المسجد (٢) . وهذه نُصوصُ سُنَّةٍ وعمل، وليس للدَّليلِ المحتملِ للتَّاويلِ مدخلٌ مع النَّصوص. وقد قال قائلُ هذه المقالةِ: إنَّ أبا بكرٍ وعمرَ إنّما صُلِّيَ عليهما في المسجدِ من أجلِ أنَّهما دُفِنا في المسجد. فيلزَمُه أنْ يُجيزَ الصلاةَ في المسجدِ على من يُدفَنُ فيه، وإذا جازَ أنْ يُصلَّى على الجنازةِ في المسجد، ثم يُدفَنَ فيه، لم يكنِ المنعُ من الدَّفنِ في المسجدِ بمانع من الصلاة؛ لأنَّ الدَّفنَ فيه ليس بعلَّةٍ للصَّلاةِ فيه، فافْهَمْ. والأصلُ في الأشياء الإباحةُ حتى يصحَّ المنعُ بوجْهٍ لا مُعارضَ له، ودليلٍ غيرِ محُتملٍ للتَّأويل. وستأتي هذه المسألةُ في موضعِها من كتابِنا هذا إن شاء الله.
- ج ٤ ص ٣٠٩
حديثٌ خامسٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ متَّصلٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يموتُ لأحدٍ مِن المسلمينَ ثلاثةٌ مِن الولدِ (٢) ، فتَمَسَّه النَّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم" .
-
هكذا روَى هذا الحديثَ مالكٌ وغيرُه عن ابنِ شهاب (٣) .
-
وفيه: أنَّ المسلمَ تُكفَّرُ خطاياه وتُغفرُ له ذُنُوبُه بالصَّبْرِ على مُصيبتِه، ولذلك زُحْزِحَ عن النارِ فلمْ تَمَسَّه؛ لأنَّ مَن لم تُغفَرْ له ذُنُوبُه لم يُزحزَحْ عن النار، واللهُ أعلمُ، أجارَنا اللهُ منها.
-
وإنَّما قلتُ ذلك بدليلِ قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزالُ المؤمنُ يُصابُ في ولَدِه وحَامَّتِهِ (٤) حتى يَلْقَى اللهَ وليسَت عليه خطيئَة" (٥) . وإنَّما قلتُ: إنَّ ذلك بالصبرِ والاحتسابِ والرِّضَا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن صَبَرَ على مُصِيبَتِهِ واحتسَبَ، كان جزَاؤُه الجنَّة" .
- ج ٤ ص ٣١٠
وقد رَوَى ابنُ سيرينَ وغيرُه هذا الحديثَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا فيه: "مَن مات له ثلاثةٌ من الوَلَدِ لم يبلُغُوا الحِنْثَ، كانوا له حِجابًا مِن النَّار" . وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي هريرةَ هذا، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما مِن المسلمينَ مَن يموتُ له ثلاثةٌ مِن الوَلَدِ لم يَبلُغُوا الحِنْثَ، إلا أدخَلَه اللهُ الجنّةَ بفَضلِ رحمَتِه إيّاهم، يُجاءُ بهم يومَ القيامَةِ فيمالُ لهم: ادخُلُوا الجنّةَ، فيقولون: حتى يدخُلَ آباؤُنا، فيُقالُ لهم: ادخُلُوا أنتم وآباؤُكم بفَضلِ رحمَتي" (١) . وقد رَوَى أنسُ بنُ مالك، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَه.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢) : حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهيب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِن مسلم يموتُ له ثلاثةٌ مِن الوَلَدِ لم يبلُغُوا (٣) الحِنثَ، إلّا أدخَلَه اللهُ الجنَّة بفضلِ رحمَتِه إيَّاهم" .
-
ففي قوله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديثِ: "لم يبلُغُوا الحِنثَ" - ومعناه عندَ أهلِ العلم: لم يَبلُغُوا الحُلُمَ ولم يَبْلُغُوا أن يَلْزَمَهم حِنثٌ- دليلٌ على أنَّ (٤) أطفالَ
ج ٤ ص ٣١١المسلمينَ في الجنَّةِ لا محالةَ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الرَّحمةَ إذا نزَلت بآبائِهم مِن أجلِهم، استَحالَ أن يُرحمُوا مِن أجلِ مَن ليسَ بمَرحوم، ألا ترَى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "بفضلِ رحمتِه إيَّاهم" ؟ فقد صارَ الأبُ مرحُومًا بفَضلِ رحمتِهم، وهذا على عُمُومِه؛ لأنَّ لفظَه -صلى الله عليه وسلم- هذه الأحاديثِ لفظُ عُموم.
-
وقد أجمعَ العلماءُ على ما قُلنا مِن أنَّ أطفالَ المسلمينَ في الجنَّةِ، فأغْنَى ذلك عن كثيرٍ مِن الاستدلالِ، ولا أعلمُ عن جماعَتِهم في ذلك خلافًا، إلّا فِرْقَةً شذَّتْ مِن المُجبِرةِ (١) ، فجعَلتهم في المشيئةِ. وهو قولٌ شاذٌّ مهجورٌ، مردودٌ بإجماع الجماعةِ، وهم الحُجَّةُ الذين لا تجوزُ مخالفَتُهم، ولا يجوزُ على مثلِهم الغلَطُ في مثلِ هذا، إلى ما رُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن أخبارِ الآحادِ (٢) الثِّقاتِ العُدُول؛ فمِنها ما ذكرنا، ومنها: قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إنِّي مكاثرٌ بكم الأُمم، حتى بالسِّقطِ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا يقالُ له: ادخُلِ الجنَّة، فيقول: لا، حتى يدخُلَها أبوايَ، فيُقالُ له: ادخُلْ أنت وأبَواكَ" (٣) .
- ج ٤ ص ٣١٢
وعن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: "صغَارُكم دعَاميصُ الجنَّة" (١) .
-
وقد رَوَى شعبةُ، عن معاويةَ بنِ قرَّةَ بنِ إياسٍ المُزنيِّ، عن أبيه، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ مات له ابنٌ صغيرٌ، فوجَدَ عليه، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما يَسرُّكَ ألّا تأتي بابًا مِن أبوابِ الجنةِ إلّا وجدتَه يستفتِحُ لك؟ " ، فقالوا: يا رسولَ الله، ألهُ خاصةً أم للمسلمينَ عامةً؟ قال: "بل للمسلمينَ عامةً" (٢) .
- ج ٤ ص ٣١٣
وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ بمعنَى ما ذكرناه. وقد ذكرنا آثارَ هذا البابِ، وما قالته الفِرَقُ في ذلك واعتقدَته، في باب أبي الزِّنَاد (١) ، والحمدُ لله.
-
وفي هذه الآثارِ مع إجماع الجمهورِ دليلٌ على أنّ قولَه -صلى الله عليه وسلم-: "الشَّقيُّ مَن شَقِيَ في بَطن أُمّه، وإنَّ المَلكَ ينزلُ فيكتُبُ أجلَه ورزقَه، ويكتُبُه شقيًّا أو سعيدًا في بطنِ أُمِّه" (٢) مخصوصٌ مجملٌ، وأنَّ مَن ماتَ مِن أطفالِ المسلمينَ قبلَ الاكتسابِ، فهو ممَّن سعِد في بطنِ أُمِّه لم يشْقَ؛ بدليلِ ما ذكرنا مِن الأحاديثِ والإجماع.
-
وفي ذلك أيضًا دليلٌ واضحٌ على سُقُوطِ حديثِ طلحةَ بنِ يحيَى، عن عمَّتِه عائشةَ بنتِ طلحة، عن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ، قالت: أُتيَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بصبيٍّ مِن صِبيانِ الأنصارِ ليُصلِّيَ عليه، فقلتُ: طُوبَى له، عُصفورٌ مِن عصافيرِ الجنةِ، لم يعمَلْ سُوءًا قطُّ، ولم يُدرِكْه ذنْبٌ. فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أو غيرَ ذلك يا عائشةُ؟ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلَقَ الجنةَ وخلَقَ لها أهلًا وهُم في أصلابِ آبائِهم، وخلقَ النَّارَ وخلَق لها خلقًا وهُم في أصلابِ آبائِهم، اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ" (٣) . وهذا
ج ٤ ص ٣١٤حديثٌ ساقطٌ ضعيفٌ، مردودٌ بما ذكرنا من الآثارِ والإجماع، وطلحةُ بنُ يحيَى ضعيفٌ لا يُحتجُّ به (١) ، وهذا الحديثُ ممَّا انفرَدَ به فلا يُعرَّجُ عليه.
-
ومعنى قوله: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملِينَ" : إخبار بأنَّ اللهَ يعلَمُ ما يكونُ قبلَ أن يكون، وما لا يكونُ لو كان كيف يكون، والمُجازَاةُ إنّما تكونُ على الأعمال. وحديثُ شعبة، عن معاويةَ بنِ قُرَّة، عن أبيه، حديثٌ ثابتٌ صحيح، وعليه الناسُ، وهو يُعارِضُ حديثَ طلحةَ بنِ يحيَى ويدفَعُه (٢) .
- ج ٤ ص ٣١٥
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البغوي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال (١) : أنبأنا شعبةُ، عن معاويةَ بنِ قُرَّة، عن أبيه، أن رجلًا جاءَ بابنِه إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتُحبُّه؟ " ، فقال: أحبَّك اللهُ كما أُحِبُّه يا رسولَ الله. فتُوفِّي الصبيُّ، ففقَدَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "أين فُلانٌ؟ " ، فقالوا: يا رسولَ الله، تُوفِّي ابنُه، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما تَرْضى ألّا تأتيَ بابًا مِن أبوابِ الجنةِ إلّا جاءَ حتى يفتَحَه لكَ؟ " ، فقالوا: يا رسولَ الله، ألَهُ وحدَه، أمْ لِكُلِّنا؟ فقال: "لا، بل لِكُلِّكُم" .
-
وقد رَوَينا عن عليِّ بنِ أبي طالب، ولا مخُالِفَ له في ذلك مِنَ الصحابةِ، أنّه قال في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: ٣٨ - ٣٩] ، قال: هم أطفالُ المسلمين.
-
حدَّثناه خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مطرِّفٍ، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا المؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمانَ بنِ مَوهَب،
ج ٤ ص ٣١٦عن زَاذَانَ، عن عليٍّ في قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}، قال: أصحابُ اليمينِ أطفالُ المسلمين (١) .
-
ورواه وكيعٌ، عن سفيانَ بإسنادِه مثلَه بمعناه (٢) .
-
وقد اختلفَ العلماءُ في أطفالِ المشركينَ وفي أطفال المسلمينَ أيضًا على ما ذكرناه ومهَّدنَاه في باب أبي الزِّنَاد (٣) مِن هذا الكتاب.
-
وأمَّا قولُه -صلى الله عليه وسلم- في حديثنا المذكورِ في هذا الباب: "إلّا تَحلَّةَ القَسَم" فهو يُخرَّجُ في التفسيرِ المسندِ؛ لأنَّ القَسَمَ المذكورَ في هذا الحديثِ معنَاه -عندَ أهلِ العلم-: قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: ٧١] . قال الحسنُ وقتادةُ: {حَتْمًا مَقْضِيًّا} : قَسَمًا واجبًا (٤) . وكذلك قال السديُّ، ورواه عن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، أنّه قال ذلك (٥) .
-
وظاهِرُ قوله: "فَتمَسَّه النَّارُ" يدُلُّ على أنَّ الوُرُودَ: الدُّخُولُ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ المَسِيسَ حقيقتُه في اللُّغَةِ المباشَرَةُ، وقد يحتمِلُ على الاتِّسَاع أنْ يكونَ القُرْب.
-
وقد اختلَفَ العلماءُ في الوُرُودِ؛ فقال منهم قائِلُون: الوُرُودُ: الدُّخُول. وممَّن قال ذلك: ابنُ عباس، وعبدُ الله بنُ رواحَةَ، وقد اختُلِفَ في ذلك عن ابنِ
ج ٤ ص ٣١٧عباسٍ ولم يُختَلفْ عن ابنِ رواحَةَ. ورَوى ابنُ المبارَكِ (١) وغيرُه، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبب حازم، أنَّ عبدَ الله بنَ رواحَةَ بكَى، فقالت له امرأتُه: ما يُبكِيكَ؟ فقال: قد علِمتُ أنِّي داخلٌ النارَ، ولا أدري أناجٍ أنا منها أم لا؟
قال أبو عمر: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: ٧١ - ٧٢] . وهذا يحتمِلُ، واللهُ أعلمُ، أنّها تكونُ بردًا وسلامًا على المؤمنينَ، وينْجُونَ منها سالمين.
-
وذكر ابنُ جُريج، عن عطاء، عن ابنِ عباسٍ قال: إنّ الوُرُودَ الذي ذكرَ اللهُ عزَّ وجلَّ في القرآنِ: الدُّخُولُ (٢) ، ليَردَنَّها كلُّ برٍّ وفاجِرٍ، ثم قال ابنُ عباسٍ: في القرآنِ أربعةُ أورَادٍ؛ قولُه: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: ٩٨] ، وقولُه: {حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: ٩٨] ، وقولُه: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم: ٨٦] ، وقولُه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال ابنُ عباس: والله، لقد كان مِن دُعَاء مَن مضَى: اللَّهُمَّ أخرِجْني مِن النَّارِ سالمًا، وأدخِلْني (٣) الجنّةَ غانمًا (٤) .
- ج ٤ ص ٣١٨
ورَوى مجُاهدٌ، أنَّ نافعَ بنَ الأزرَقِ سألَ ابنَ عباس عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فقال ابنُ عباسٍ: {وَارِدُهَا} : داخِلُها. فقال نافعٌ: يَرِدُ القومُ ولا يدخُلُون. فاستَوى ابنُ عباسٍ جالسًا وكان مُتكِئًا، فقال له: أمَّا أنا وأنتَ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل ننجُو منها أم لا؟ أما تقرأُ قولَ الله: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: ٩٧ - ٩٨] ؟ أفتُراه، ويلَك، إنّما أوقفَهم على شَفِيرها، واللهُ تعالى يقولُ: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (١) ؟ [غافر: ٤٦] .
-
وقد روَى الأعمشُ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، وابنُ جريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، عن أمِّ مُبَشِّرٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يدخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بدرًا وبايعَ تحت الشجرةِ" ، فقالت له حفصةُ: ألم تسمع اللهَ يقولُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما تَسمَعينَ اللهَ يقولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} ؟ " (٢) .
ج ٤ ص ٣١٩وقال خالدُ بنُ مَعدَانَ: إذا دخَلَ أهلُ الجنةِ الجنّةَ قالوا: ألم تقُلْ: إنَّا نَرِدُ النَّارَ؟ فيُقالُ: قد وردتُمُوها فألفيتُمُوها رمَادًا (١) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنا أبي (٢) ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا غالبُ بنُ سليمانَ أبو صالح، عن كثيرِ بنِ زيادٍ البُرسَاني، عن أبي سُميَّة، أنّه سأل جابرَ بنَ عبدِ الله عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "الوُرُودُ الدَّخُولُ، لا يبقَى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلّا دخَلَها، فتكونُ على المؤمنينَ بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} " .
- ج ٤ ص ٣٢٠
ورَوى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ - في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} - قال: الممَرُّ على الصِّراط (١) .
-
وممَّن قال أيضًا: إنَّ الوُرُودَ الممرُّ على الصِّراطِ: عبدُ الله بنُ مسعود (٢) ، وكعبُ الأحبارِ، والسُّدِّيُّ. ورواه السُّدّيُّ، عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) .
-
ورُويَ عن كعبٍ أنّه تلا: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . فقال: أتدرُونَ ما ورُودُها؟ قالوا: اللهُ أعلمُ. قال: ذلك أن يُجاءَ بجهنَّمَ فتُمْسَكَ للناسِ كأنَّها متنُ إهالةٍ -يعني الوَدَكَ الذي يجمُدُ على القِدرِ مِن المَرَقَةِ- حتى إذا استقرَّت عليها أقدامُ الخلائق؛ برِّهِم وفاجرهم، نادَى مُنادٍ: أن خُذِي أصحابَكِ، وذَري أصحابي. فيُخسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فهي أعلمُ بهم مِن الوَالِدَةِ بوَلدِها، وينجُو المؤمنونَ نَديَّةً ثِيابُهم (٤) .
- ج ٤ ص ٣٢١
ورُويَ هذا المعْنَى عن أبي نَضْرَةَ، وزادَ: وهو معنَى قوله تعالى: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: ٦٦] .
-
وروى وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ السَّائبِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنّه قال في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: هو خطابٌ للكفَّار (١) . ورُويَ عنه أنّه كان يقرأُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} (٢) ، ردًّا (٣) على الآياتِ التي قبلَها في الكفَّارِ؛ قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} [مريم: ٦٨] . و: (أيُّهُم أشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أوْلَى بِها صلِيًّا * وإنْ مِنْهُمْ إلَّا وارِدُهَا) . وقال ابن الأنباريِّ (٤) محُتَجًّا لمصحَفِ عثمانَ وقراءَةِ العامةِ: جائزٌ في اللغةِ أن يَرجعَ مِن مخُاطَبةِ الغائبِ إلى لفظِ المُواجهةِ بالخطَابِ، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: ٢١ - ٢٢] ، فأبدَلَ الكافَ مِن الهاء.
قال أبو عمر: وتَرجِعُ العربُ أيضًا مِن مُواجهةِ الخطاب إلى لفظِ الغائبِ، قال اللهُ تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: ٢٢] . وهذا كثيرٌ في القرآنِ وأشعارِ العربِ، وأحسنُ ما قيلَ في ذلك قولُ الشاعرِ:
ج ٤ ص ٣٢٢إذا لم يكنْ للقومِ جَدٌّ ولم يكنْ ... لهم رجلٌ عندَ الإمامِ مَكِينُ
فكونوا كأيدٍ وَهَّنَ اللهُ بطْشَها ... تُرَى أشْمُلًا ليسَتْ لهُنَّ يَمِينُ (١)
-
وقد جاءَ عن مجاهدٍ، أنَّه قال في تأويلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، قال: الحُمَّى مِن فَيْح جَهَنَّمَ، وهي حظُّ المؤمنِ مِن النارِ.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، أنّه قال: الحُمَّى حَظُّ المؤمنِ مِن النارِ. ثم قرَأ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: الحُمَّى في الدُّنيا: الوُرُودُ، فلا يَردُها في الآخِرَةِ (٢) .
قال أبو عمر: ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائِغُ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابرٍ، عن إسماعيلَ بنِ عُبيدِ الله، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عاد مريضًا ومعه أبو هريرةَ، مِن وعْكٍ كان به، فقال له (٣) النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أبشِرْ، فإنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى يقولُ: هي نَاري أُسلِّطُهَا على عَبدِيَ المؤمنِ (٤) ، لتكونَ حظَّه مِن النَّارِ في الآخِرَةِ" (٥) .
- ج ٤ ص ٣٢٣
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا فيُ بنُ مَعْبَدِ بنِ نوح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ محمدُ بنُ مُطرِّفٍ، عن الحُصَيْنِ، عن أبي صالح الأشعريِّ، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "الحُمَّى كِيرٌ مِن جَهَنَّمَ، فما أصابَ المؤمنَ مِنها كان حظَّه مِن النَّارِ" (١) .
-
أبو الحُصَينِ هذا مروانُ بنُ رُؤبةَ التَّغْلِبيُّ (٢) ، وأبو صالح الأشعريُّ مولى عثمان. قاله ابنُ معينٍ وغيره.
- ج ٤ ص ٣٢٤
وحدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عصمةُ بنُ سالم الهُنائي، وكان صدُوقًا عاقلًا، قال: حدَّثنا الأشعثُ بنُ جابرٍ الحُدَّاني، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي ريحانَة الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الحُمَّى كِيرٌ مِن جهنَّمَ، وهي نَصِيبُ المؤمِنِ من النَّارِ" (١) .
وقال قومٌ: الورُودُ للمؤمنينَ أن يَروُا النارَ، ثم يُنْجَى منها الفائِزُ، ويَصْلاها مَن قُدِّرَ عليه دُخُولُها منهم، ثم يخرُجُ منها بشَفاعةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أو بغيرها مِن رحمةِ الله. واحتجَّ بقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في مخُاطَبةِ أصحابِه ومَن جرى مجرَاهم مِن المؤمنينَ: "إذا مات أحدُكم عُرِضَ عليه مقعدُه بالغَدَاةِ والعَشِيِّ؛ إن كان مِن أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كان مِن أهلِ النارِ فمِن أهلِ النَّار، يقالُ له: هذا مَقْعَدُكَ حتى يبْعَثَكَ اللهُ يومَ القيامةِ" (٢) .
- ج ٤ ص ٣٢٥
هذا حديثُ ابنِ عمرَ. وقد رَوى أبو هريرةَ وغيرُه: "إنَّ المؤمنَ يُعْرَضُ عليه مقعدُه مِن النَّار، فيُقالُ له: انظُر ما نجَّاكَ اللهُ منه. ثم يفتَحُ له (١) إلى الجنةِ، فيقال: انظُرْ ما تَصِيرُ إليه" (٢) . هذا معنى الحديث.
-
فهذه الأقاويلُ كلُّها قد جاءَتْ في معنَى الوُرُودِ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إلّا تحلَّةَ القَسَم" استثناءً مُنقَطِعًا، بمعنى: لكنْ تَحِلَّةَ القَسَم، وهذا معروفٌ في اللغةِ، أن تكونَ "إلّا" بمعنَى "لكن" ، على ما ذكرْناه في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٣) ، قولَ الله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (٤) } [المائدة: ٣] . وإذا كان ذلك كذلك، فقولُه: "لن تَمَسَّه النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم" ؛ أي: لا تَمَسُّه النارُ أصلًا. كلامًا تامًّا، ثم ابتدَأ: "إلّا تَحلَّة القَسَم" ؛ أي: لكن تَحلَّةَ القَسَم، لا بُدَّ منها في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، وهو الجوازُ على الصِّرَاطِ أو الرُّؤيةُ، والدُّخُولُ دُخُولَ سلامَةٍ، فلا يكونُ في شيءٍ مِن ذلك مَسِيسٌ يُؤذي.
ج ٤ ص ٣٢٦وقال بعضُ أهلِ العلم في قولِ الله (١) : {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} : معنَاه: لكن ما ذكَّيْتُم مِن غيرِ ما ذُكِرَ في هذه الآيةِ ذكاةً تامَّةً. وقد ذكرنا ذلك فيما سلَفَ مِن كتابِنا هذا، وذكرنا هنالك تعارُفَ ذلك في لِسَانِ العَرَبِ، وذلك في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ.