ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث

٤٦٦ فقرة، ج ٦ ص ٣٣٥

الصفحة ١ من ١٢

  1. منها ثلاثةٌ مرسَلة، وغيرُها متّصلةٌ مُسنَدة، ومنها حديثٌ واحد، شرَك سالمًا فيه أخوه حمزةُ بنُ عبد الله بن عُمر.

    ج ٦ ص ٣٣٥
  2. وسالمُ يُكْنَى أبا عَمْرو، كان أشبَهَ وَلَدِ عبد الله بن عُمَرَ بعبدِ الله بن عُمر (١) .

  3. وذَكَر مالكٌ، عن يحيى بن سَعيد، عن سَعِيد بن المُسيِّب، قال: كان أشبَهَ وَلَدِ عُمرَ بن الخطّاب به عبدُ الله بن عُمر، وكان أشبَهَ وَلَد عبد الله بن عُمر به سالم (٢) .

    قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بنُ عُمر مُحبًّا في سالم فيما ذَكَروا، وكان يُفرِطُ في حبِّه فيُلامُ أحيانًا في ذلك، فكان يقول (٣) :

    يلومونَني في سالمٍ وألومُهمْ ... وجِلدةُ بينَ العَيْنِ والأنفِ سالمُ

  4. ويُروى:
  5. يُدِيرونَني (٤) في سالمٍ وأُدِيرُهمْ ... وجِلدةُ بينَ العَيْنِ والأنفِ سالمُ

    ج ٦ ص ٣٣٦وكان سالمٌ ناسِكًا يَلبَسُ الصُّوفَ، وكان فقيهًا جليلًا، أحدَ الفُقهاء العشَرة منَ التابعينَ بالمدينة (١) ، وكان حَسنَ الخُلُق، مُداعِبًا، له أخبارٌ ظريفةٌ معَ أشْعبَ الطَّمِع (٢) .

  6. وكان أسمرَ شديدَ السُّمْرة، يَخضِبُ بالحِنّاء. أُمُّه أُمُّ وَلَد. رَوى عنه القاسمُ بن محمد.

  7. ذَكَر الحَسنُ الحُلْواني، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا حَنْظَلة، عن القاسم، أنَّ سالمَ بنَ عبد الله، قال: لو فاتَني من الجُمُعة ركعةٌ، ما زدتُ على أنْ أركعَ إليها ركعةً أخرى.

  8. وكان سالمٌ سريعَ الكلام. وذَكَر الحُلْوانيُّ، عن سُليمانَ بن حَرْب، عن حَمّاد بن زَيْد، عن أيّوبَ، قال: سمعتُ سالمًا يُسألُ عن التيمُّم، فقال: ضَرْبةٌ للوَجْه، وضربةٌ لليدَيْن إلى المِرْفَقين، وكان سريعَ الكلام.

    قال الحُلْواني: وحدَّثنا المُعَلَّى بنُ أسَد (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن مُختار، عن عليِّ بن زَيْد، عن سَعِيد بن المُسيِّب، قال: قال لي عبدُ الله بن عُمر: هل تَدْري لِمَ سَمَّيتُ ابني سالمًا؟ قلت: لا، قال: باسم سالم مَوْلى أبي حُذَيفة. وهل تدري لِمَ سَمَّيتُ ابني واقدًا؟ قلت: لا، قال: باسم واقِد بن عبد الله اليَربُوعي. وهل تدري لِمَ سَمَّيتُ ابني عبدَ الله؟ قلت: لا، قال: باسم عبدِ الله بن رَواحة (٤) .

  9. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابي، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: قُرئ على الحارثِ بن مِسكين - وأنا شاهدٌ - أخبَرَكمُ ابنُ وَهْب، قال: أخبرَني مالكٌ، قال: أنّ فُتْيا ابنِ شهاب، ووَجْهَ ما كان يأخُذُ به: إلى قولِ سالم، وسعيدِ بن المُسيِّب (١) .

    ج ٦ ص ٣٣٧
  10. وتوفِّي سالمٌ سنةَ ستٍّ ومئة بالمدينة، لم ينتقلْ عنها حتى مات فيها، وصَلّى عليه هشامُ بن عبد الملِك، كان حَجَّ تلك السنةَ ثم قَدِم المدينةَ زائرًا، فوافَقَ موتَ سالم فصَلَّى عليه (٢) .

  11. واختُلف في موضع صلاتِه عليه؛ فقال قومٌ: صَلَّى عليه بالبَقِيع، ذَكَر ذلك الواقديُّ (٣) ، عن أفلحَ بن حُميد وخالد بن القاسم. وقال آخرون: صَلّى عليه في مسجدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. ذَكَر ذلك ابنُ أبي خَيْثمةَ (٤) ، عن موسى بن إسماعيل، عن حَمّاد بن سَلَمة، عن حُمَيد الطّويل، قال: صَلَّينا على سالم بن عبد الله عندَ مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولم يختلفوا في سائر ما ذَكَرتُ لكَ، والله أعلم.

  12. إلّا أنّ وَهْبَ بن جَرير قال: توفِّي سالمٌ سنةَ ثمانٍ ومئة، وقال غيرُه كثيرٌ: توفِّي سنةَ ستٍّ ومئة، وكذلك قال ضَمْرةُ، عن ابن شَوْذَب (٥) : شَهِدتُ جِنازةَ سالم بن عبد الله سنةَ ستٍّ ومئة. قال ضَمْرةُ (٦) ، عن ابن شَوْذب: حَجَّ هشامُ بن عبد الملك سنةَ ستٍّ ومئة، فمَرَّ بالمدينة، فعاد سالمَ بنَ عبد الله، وكان مريضًا، ثم انصَرف، فوَجَده قد مات، فصلَّى عليه، وذلك سنةَ ستٍّ ومئة.

  13. حديثٌ أولُ لابن شِهاب، عن سالم مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عُمر، عن أبيه (٢) ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افْتَتحَ الصَّلاةَ رفَعَ يدَيْه حَذْوَ مَنكِبيه، وإذا رفَع رأسَه من الركُوع رفَعَهُما كذلك وقال: "سَمِع اللهُ لمن حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ" ، وكان لا يفعلُ ذلك في السُّجُود.

    ج ٦ ص ٣٣٨
  14. هكذا رواه يحيى عن مالك، لم يَذكرْ فيه الرفعَ عندَ الانحطاطِ إلى الركوع (٣) ، وتابَعه على ذلك جماعةٌ من الرُّواة لـ "الموطّأ" عن مالك؛ منهم: القَعْنَبيُّ (٤) ، وأبو مصعب (٥) ، وابنُ بُكَيْر، وسعيدُ بنُ الحكَم بن أبي مريم، ومَعْنُ بنُ عيسى، والشافعيُّ (٦) ،

    ج ٦ ص ٣٣٩ويحيى بنُ يحيى النيسابُوريُّ، وإسحاقُ بنُ الطبّاع، ورَوْحُ بنُ عُبادةَ، وعبدُ الله بنُ نافع الزُّبَيْريُّ، وكاملُ بنُ طَلْحَة (١) ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحُنَيْنيُّ، وأبو حُذافةَ أحمدُ بنُ إسماعيل، وابنُ وَهْب في روايةِ ابنِ أخيه عنه.

  15. ورواه ابنُ وَهْب (٢) ، وابنُ القاسم (٣) ، ويحيى بنُ سعيد القطّان (٤) ، وابنُ أبي أُوَيْس، وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ (٥) ، وجُوَيْرِيَةُ بنُ أسماء، وإبراهيمُ بنُ طَهْمان، وعبدُ الله بنُ المبارك (٦) ، وبِشْرُ بنُ عمرَ (٧) ، وعثمانُ بنُ عمرَ (٨) ، وعبدُ الله بنُ يوسف التِّنِّيسيُّ (٩) ، وخالدُ بنُ مَخْلَد (١٠) ، ومكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، ومحمدُ بنُ الحسن

    ج ٦ ص ٣٤٠الشَّيْبانيُّ (١) ، وخارِجَةُ بنُ مصعب، وعبدُ الملك بنُ زيادٍ النَّصِيبيُّ (٢) ، وعبدُ الله بنُ نافع الصائغُ، وأبو قُرَّةَ موسى بنُ طارق، ومُطَرِّفُ بنُ عبد الله، وقُتيبةُ بنُ سعيد (٣) ، كلُّ هؤلاء رَوَوه عن مالكٍ، فذَكروا فيه الرفع عندَ الانحطاطِ إلى الركوع. قالوا فيه: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَرفَعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ حَذْوَ مَنْكِبيه، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفعَ رأسَه من الركوع (٤) .

  16. ذكَر الدّارَقُطني الطُّرقَ عن أكثرِهم، عن مالك كما ذكَرنا، وهو الصَّواب. وكذلك رواه سائرُ مَن رواه عن ابنِ شهاب، وممن رَوَيْنا ذلك عنه من أصحاب ابنِ شهاب: الزُّبَيْدِيُّ (٥) ، ومَعْمَرٌ (٦) ، والأوزاعيُّ (٧) ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وسفيانُ بنُ

    ج ٦ ص ٣٤١حسين، وعُقَيْلُ بنُ خالد (١) ، وشُعَيبُ بنُ أبي حمزة (٢) ، وابنُ عُييْنة (٣) ، ويونس بن يزيد (٤) ، ويحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ (٥) ؛ كلُّهم رَوَوا هذا الحديثَ عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه (٦) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما رواه ابنُ وَهْب ومن ذكَرنا معه من أصحابِ مالك، وقد ذكَرنا طُرقَ هذا الخَبرِ في غيرِ هذا الكتاب، وترَكْنا الأسانيدَ عن هؤلاءِ في ذلك هاهُنا خَشيةَ الإطالة.

    وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ إسقاطَ ذِكْرِ الرَّفْع عندَ الانحطاطِ في هذا

    ج ٦ ص ٣٤٢الحديث إنّما أتَى من مالك، وهو الذي كان ربَّما وهِمَ فيه (١) ؛ لأنَّ جماعةً حُفّاظًا رَوَوا عنه الوَجْهَين جميعًا.

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الأربعةِ التي رفَعها سالم، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأوقَفَها نافعٌ عن ابنِ عمر (٢) ؛ فمنها ما جعَله من قولِ ابنِ عمرَ وفعلِه، ومنها ما جعَله عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، والقولُ فيها قولُ سالم، ولم يَلتفتِ الناسُ فيها إلى نافع؛ فهذا أحدُها.

  17. والثاني: "من باعَ عبدًا وله مالٌ" (٣) . جعَله نافعٌ عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ قولَه.

  18. والحديثُ الثالثُ: "الناسُ كإبلِ مئةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها راحِلَة" (١) .

    ج ٦ ص ٣٤٣
  19. والرابع: "فيما سَقَتِ السَّماءُ والعُيونُ أو كان بَعْلًا: العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ: نصفُ العُشْر" (٢) .

  20. وفي هذا الحديث من الفقهِ: رفعُ اليدَين في المواضع المذكورة فيه، وذلك عندَ أهلِ العلم تَعْظيمٌ لله، وابتهالٌ إليه، واستسلامٌ له، وخُضوعٌ للوقوفِ بينَ يدَيْه، واتِّباعٌ لسُنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٦ ص ٣٤٤
  21. واختَلَف العلماءُ في رَفْعِ اليدَين في الصَّلاة؛ فرَوَى ابنُ القاسم وغيرُه عن مالك، أنَّه كان يرَى رَفْعَ اليدَين في الصَّلاةِ ضعيفًا إلّا في تكبيرةِ الإحرام (١) وحدَها، وتعلَّقَ بهذه الرِّوايةِ عن مالكٍ أكثرُ المالِكيِّينَ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ: سُفيانَ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والحَسَنِ بنِ حيٍّ، وسائرِ فقهاءِ الكوفة، قديمًا وحديثًا (٢) .

  22. قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ رحمه اللهُ في كتابِه في رَفْعِ اليَدَين من "الكتابِ الكبير" (٣) : لا نعلَمُ مِصْرًا من الأمصارِ يُنسَبُ إلى أهلِه العلْمُ قديمًا تَرَكوا بأجمَعِهم (٤) رَفْعَ اليَدَين عندَ الخفضِ والرَّفْع في الصلاةِ إلّا أهلَ الكوفة (٥) .

  23. وروَى ابنُ وَهْب (٦) والوليدُ بنُ مسلم وسعيدُ بنُ أبي مريمَ وأشهبُ (٧) وأبو المُصْعَب، عن مالك، أنّه كان يرفعُ يديه، على حديثِ ابنِ عمرَ هذا إلى أن مات، فاللهُ أعلم.

  24. وبهذا قال الأوزاعيُّ، وسفيانُ بنُ عُيينةَ، والشافعيُّ (١) ، وجماعةُ أهلِ الحديث، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل (٢) ، وأبي عُبَيْد، وإسحاقَ بنِ راهُوية، وأبي ثَوْر، وابنِ المُبارَك، وأبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ الطَّبَريِّ.

    وقال دوادُ بن عليٍّ: الرَّفعُ عندَ تكبير الإحرام واجبٌ، رُكْنٌ من أركانِ الصلاة. واختلَف أصحابُه؛ فقال بعضُهم: الرَّفْعُ عندَ الإحرام والرُّكوع والرَّفْعِ من الرُّكوعِ واجبٌ. وقال بعضُهم: لا يجبُ الرَّفعُ إلّا عندَ الإحرام. وقال بعضُهم: لا يجبُ لا عندَ الإحرام ولا غيرِه؛ لانّه فعَلَه ولم يأمُرْ به (٣) . وقال بعضُهم: هو كلُّه واجبٌ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي" (٤) .

    ج ٦ ص ٣٤٥
  25. وذكَر ابنُ خُوَيْز مَنْداد، قال: اختَلَفَتِ الروايةُ عن مالكٍ في رَفْعِ اليدَين عندَ الخفضِ والرفعِ في الصَّلاة؛ فقال: يَرفعُ في كلِّ خَفضٍ ورَفْع (٥) ، على حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عليه السَّلام. وقد قال: لا يَرفعُ إلّا في تكبير الإحرام. وهذا قال: لا يَرفعُ أصلًا. قال: والذي عليه أصحابُنا الرَّفْعُ عندَ الإحرام لا غيرُ.

  26. وحُجَّةُ مَن ذهَب مذهبَ ابنِ القاسم وروايتِه عن مالك، ومَذْهَبَ الكُوفيِّينَ المُوافِقينَ له في ذلك: حديثُ البَراءِ بنِ عازِب، وحديثُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصلاةَ، ثم لا يَرفعُ بعدُ.

  27. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا موسى بنُ محمدٍ الأنصارِيُّ، عن

    ج ٦ ص ٣٤٦يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَراءِ بنِ عازِب، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فكَبَّرَ فرَفَعَ يديه حتى حاذَى أُذُنيْه في أوَّلِ مرَّة، لم يَزِدْ عليها (١) .

    قال أحمدُ بنُ زهير: سُئِلَ يحيى بنُ معين، عن يزيدَ بنِ أبي زِياد، فقال: ليس بذاك (٢) .

  28. وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل بنِ العباس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن يزيدَ بنِ أبي زِياد، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البَراءِ بنِ عازِب، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفَع يدَيْه حتى يُحاذي أُذنَيْه، ثم لا يعودُ (٣) .

    قال أبو عُمر: قال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَيْر: لم يكنْ يزيدُ بنُ أبي زِيادٍ بالحافظ (٤) .

  29. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٥) : حدَّثنا وَكيعٌ، [قال: حدَّثنا

    ج ٦ ص ٣٤٧سفيانُ] (١) ، عن عاصم بنِ كُلَيْب، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَد، عن عَلْقَمةَ، قال: قال ابنُ مسعود: ألَا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فصَلَّى، فلم يَرفعْ يدَيْه إلّا مرَّة (٢) .

  30. وهَذانِ حديثانِ مَعْلولانِ عندَ أهلِ العلم بالحديث، مَرْفوعانِ عندَ أهلِ الصِّحَّة عندَهم، وسنَذكُرُ العِلّةَ فيهما عنهم فيما بعدُ من هذا الباب، إن شاء الله.

  31. وحُجَّتُهم أيضًا: ما رَواه نُعَيْمٌ (٣) المُجْمِرُ وأبو جعفرٍ القارئُ، عن أبي هريرةَ، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ، ويكبِّرُ كُلَّما خفَض ورفَع، ويقولُ: أنا أشْبَهُكُم صلاةً برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٤) .

    قال أبو عُمر: وحُجَّةُ مَن رأى الرَّفْعَ عندَ كلِّ خفضٍ ورَفْع: حديثُ ابنِ عمرَ المذكورُ في هذا الباب، وهو حديثٌ ثابتٌ لا مَطْعَنَ فيه عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بالحديث، ورَواه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما رَواه ابنُ عمرَ - ثلاثةَ عشَرَ رجلًا من الصحابةِ رحمهم الله، ذكَر ذلك جماعةٌ من المُصَنِّفِينَ وأهلِ الحديث؛ منهم: أبو داود،

    ج ٦ ص ٣٤٨وأحمدُ بنُ شُعَيْب، والبخاريُّ، ومسلمٌ, وغيرُهم (١) . وأفردَ لذلك بابًا أبو بكر أحمدُ بنُ عَمْرٍو (٢) البزّارُ، وصنَّف فيه كتابًا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ.

  32. ورُوِيَ ذلك عن جماعةٍ من الصحابةِ سنَذكرُ منهم ما حضَرَنا ذِكْرُه عندَهم. ولم يُرْوَ عن أحدٍ الصحابةِ تركُ الرَّفْعِ عندَ كلِّ خفضٍ ورَفْعٍ ممَّن لِم يُختلفْ عنه فيه إلّا عبدَ الله بنَ مسعودٍ وحدَه (٣) ، وروَى الكُوفيُّون عن عليٍّ مثلَ ذلك (٤) ، وروَى المَدنِيُّون عنه الرَّفْعَ من حديثِ عُبَيدِ الله بنِ أبي رافع، عنه (٥) .

  33. وكذلك اختُلِفَ عن أبي هريرة، فروَى عنه نُعَيْمٌ المُجْمِرُ وأبو جعفرٍ القارئُ، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه إذا افتَتحَ الصَّلاةَ، وروَى عنه عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزَ الأعْرَج، أنّه كان يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوع. وروايةُ الأعْرَج مُفَسِّرةٌ، وروايةُ نُعَيْم مُجمِلَةٌ محتمِلةٌ للتّأوِيل؛ لأنّه ليس فيها أنّه لم يَرفعْ في غيرِ الإحرام. وقولُه: أنا أشْبَهُكُم صلاةً برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، إنّما حَكاه عنه أبو سَلَمة وغيرُه في التكبيرِ في كلِّ خفضٍ ورَفْع، ولا يُقاسُ نُعَيْمٌ وأبو جعفرٍ بأبي سَلَمَة. وقد مضَى ذِكْرُ حديثِ أبي سَلَمةَ فيما مرَّ من هذا الكتاب (١) ، ورُوِيَ الرَّفْعُ عندَ الخفضِ والرَّفْع أيضًا عن جماعةٍ من التابِعين بالحجازِ والعراقِ والشّام، يطُولُ الكتابُ بذِكْرِهم، فذكَر أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ أكْثَرَهم، وذكَر بعضَهم ابنُ المنذر (٢) .

    ج ٦ ص ٣٤٩
  34. وذكَر أبو بكرٍ الأثْرَمُ عن أحمدَ بنِ حنبل وغيرِه من ذلك ما أخبَرَناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بنِ عيسى الوَرّاق، قال: حدَّثنا الخَضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثْرَم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الأعْرَج، قال: رأيتُ أبا هريرةَ يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوع (٣) .

    ج ٦ ص ٣٥٠قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (١) : حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا أبو حمزةَ (٢) ، قال: رأيتُ ابنَ عباس يَرفعُ يدَيْه: إذا ركَع، وإذا رفَع رأسه من الرُّكوع (٣) .

    قال: وحدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن أبي الزُّبَيْر، قال: كان جابرُ بنُ عبدِ الله إذا كبَّر رفَع يدَيْه، وإذا رفَع رأسه من الرُّكوع رفَع يدَيْه، وزعَم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلُ ذلك (٤) .

    قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٥) : حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن زَكَريّا بنِ إسحاقَ، عن أبي الزُّبَيْر، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزُّبَيْرِ يَرفعانِ أيدِيَهما إذا رَكعا وإذا رَفعا (٦) .

    قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا مُعاذُ بنُ مُعاذ وابنُ أبي عَدِيٍّ وغُنْدَرٌ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن الحسن، قال: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَرفعون أيديَهم في الصلاةِ، إذا ركَعوا وإذا رفَعوا، كأنّها المَراوِح (٧) .

    ج ٦ ص ٣٥١قال: وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابنِ المبارك، عن عكرمةَ بنِ عمّار، قال: رأيتُ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالمَ بنَ عبدِ الله يَرفعان أيدِيَهما إذا ركَعا، وإذا رفَعا رُؤوسَهما (١) .

    قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن هشام، عن الحسنِ (٢) ومحمدِ بنِ سِيرينَ، أنّهما كانا يَرفعانِ أيدِيَهما إذا كبَّرا، وإذا ركَعا، وإذا رفَعا. قال محمدُ بنُ سِيرينَ: هو من تَمام الصَّلاة (٣) .

    قال أبو بكر: وسمِعتُ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: حدَّثنا أبو النَّضر، عن الرَّبيع بن صُبَيْح، قال: رأيتُ عطاءً، وطاووسًا، ومجاهدًا، والحسنَ، وابنَ سِيرينَ، ونافعًا، وابنَ أبي نَجِيح، والحسنَ بنَ مسلم، وقتادةَ، يَرفَعون أيديَهم عندَ الرُّكوع وعندَ الرَّفْع منه (٤) .

    قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل - يقولُ: رأيتُ معتمرَ بنَ سليمانَ، ويحيى بنَ سعيد، وعبدَ الرحمنِ بنَ مَهْديٍّ، وإسماعيلَ ابنَ عُلَيّةَ، يَرفعون أيديَهم عندَ الرُّكوع، وإذا رفَعوا رؤوسَهم (٥) .

    قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّك، من نقلِ الإمام أحمدَ بنِ حنبل رحمه اللهُ، أنَّ أهلَ الحجازِ والشام والبصرةِ يَرفَعون، ويَشهَدُ لِما قالَه أبو عبدِ الله المَرْوَزِيُّ أنّه لا

    ج ٦ ص ٣٥٢يَعْلَمُ مِصْرًا من أمصارِ المسلمين لا يَرفَعون أيديَهم في الصَّلاةِ في غيرِ الافتتاح إلّا أهلَ الكوفة.

  35. ورُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وجابرِ بنِ عبدِ الله (١) ، وأبي موسى الأشْعَريِّ، وأنس، وأبي الدَّرداء، وأمِّ الدَّرداء (٢) ، أنَّهم كانوا يَرفَعون (٣) . وحَسبُكَ بما تقدَّم أنّه لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابةِ تَرْكُ الرَّفْع ممَّن لم يُختلَفْ عنه فيه إلّا ابنَ مسعود.

  36. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو المَيْمُونِ البَجَليُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ الدِّمَشقيُّ، قال (٤) : حدَّثنا أبو مُسْهِر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ العَلاءِ بنِ زيد، عن عمرِو بنِ مُهاجِر، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، قال: إن كنّا لَنُؤدَّبُ عليها بالمدينة. يعني: إذا لم يَرفَعُوا أيديَهم في الصَّلاة. قال: وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز في ذلك: سالمٌ قد حفِظ عن أبيه.

    قال أبو عُمر: أما حديثُ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان لا يَرفعُ يديه في الصَّلاةِ إلّا مرّةً في أوّلِ شيء، فهو حديثٌ انْفرَدَ به عاصمُ بنُ كُلَيْب (٥) ، واختُلِفَ

    ج ٦ ص ٣٥٣عليه في ألفاظِه، وقد ضعَّف الحديثَ أحمدُ بنُ حنبل (١) وعَلَّلَه ورَمَى به. وقال وكيعٌ: يقولُ فيه عن سفيانَ، عن عاصم بن كُلَيْب: ثم لا يعودُ. ومرّةً يقولُ: لم يَرفعْ يدَيْه إلّا مرّةً. وإنَّما يقولُه من قِبَلِ نفسِه؛ لأنَّ ابنَ إدريسَ (٢) رواه عن عاصم بن كُلَيْب فلم يَزِدْ على أن قال: كبَّر ورَفَعَ يدَيْه ثم ركَع وكبَّر. ولَفْظُه غيرُ لفظِ وكيع. وضعَّف أحمدُ الحديثَ، ذكَره عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، عن أبيه؛ حدَّثناه عبدُ الوارث، عن قاسم في "مصنَّفه" ، عن عبدِ الله. وذكَره الأثْرَمُ وغيرُه عن أحمد.

  37. وأمّا حديثُ البراءِ بنِ عازِبٍ في ذلك، فإنّه انْفرَدَ يزيدُ بنُ أبي زياد (٣) ،

    ج ٦ ص ٣٥٤عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن البراء، فرواه عنه الثِّقاتُ الحفّاظُ، منهم: شُعبةُ (١) ، والثَّوريُّ (٢) ، وابنُ عُيَيْنةَ (٣) ، وهُشَيْمٌ (٤) ، وخالدُ بنُ عبدِ الله الواسطيُّ (٥) ، لم يَذكرْ واحدٌ منهم عنه فيه قولَه: ثم لا يعودُ. وإنّما قالَه فيه عنه مَن لا يُحتَجُّ به على هؤلاء. وحكَى ابنُ عُيَيْنةَ عنه أنّه حدَّثهم به قديمًا، وليس فيه: ثم لا يعودُ. ثم حدَّثهم به بعدَ ذلك فذكَر فيه: ثم لا يعودُ. قال: فنظَرْتُه فإذا مُلْحَقٌ بينَ

    ج ٦ ص ٣٥٥سطرين؛ ذكَره أحمدُ بنُ حنبل (١) والحُمَيْديُّ (٢) ، عن ابن عُيَيْنةَ، وذكَره أبو داود.

    قال أبو عُمر: المحفوظُ في حديثِ يزيدَ بنِ أبي زياد، عن ابنِ أبي ليلى، عن البراء: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتحَ الصَّلاةَ رفَع يديه في أوّلِ مرّة، وقال بعضهم فيه: مرّةً واحدةً. وأمّا قولُ من قال فيه: ثم لا يعودُ، فخطأٌ عندَ جميع (٣) أهلِ الحديث.

  38. وقال أبو داود - في حديثِ عاصم بن كُلَيْب، عن عبدِ الرحمن بنِ الأسْوَد، عن عَلْقَمَة، عن ابنِ مسعود، قال: ألا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فصلَّى فلم يَرْفَعْ يدَيْه إلّا مرّةً واحدةً -: هذا حديثٌ مختَصرٌ من حديثٍ طويل، وليسَ بصحيح على هذا المعنى (٤) .

  39. وقال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرو البَزّار وهو حديثُ لا يَثبُتُ، ولا يُحتَجُّ به (٥) (٦) .

  40. وأمّا (٧) حديثُ ابن عمرَ المذكورُ في هذا الباب فحديثٌ مدنيٌّ صحيحٌ لا

    ج ٦ ص ٣٥٦مطعَنَ لأحدٍ فيه، وقد روَى نحوَه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أزيَدُ من اثْنَيْ عشَرَ صحابيًّا، مَن أحبَّ أن يرى ذلك نَظرَ في كتابِ أبي داودَ وغيرِه ممن صنَّف في ذلك.