ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث

٤٦٦ فقرة، ج ٦ ص ٣٣٥

الصفحة ٦ من ١٢

  1. حدَّثناه عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب (٤) ، قال

    ج ٦ ص ٤٢٧أخبرني يونسُ ومالك، عن ابنِ شهاب، عن حمزةَ وسالم ابنَيْ عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، وإنّما الشُّؤْمُ في ثلاثة؛ في المرأةِ، والفَرَسِ، والدّارِ" (١) .

    ج ٦ ص ٤٢٦
  2. وكان ابنُ عُيَيْنةَ يَروي هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، فلا يَذكُرُ في إسنادِه حمزةَ.

  3. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشُّؤْمُ في ثلاث؛ الفَرَسِ، والمرأةِ، والدّار" ، فقيل لسفيانَ: إنّهم يقولونَ فيه عن حمزةَ؟ قال: ما سمِعتُ الزُّهريَّ ذكَرَ في هذا الحديثِ حمزةَ قطُّ.

  4. وكذلك رواهُ عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق، عن الزُّهريِّ بمثل روايةِ ابنِ عُيَيْنةَ سواءً (٣) .

  5. ورواهُ إسحاقُ بنُ سليمان، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ.

    ج ٦ ص ٤٢٨
  6. ورواهُ عثمانُ بنُ عمرَ، عن مالك، بمثل إسنادِ ابنِ عيينة، لم يَذكُرْ فيه حمزةَ أيضًا، إلّا أنّه جاء به على لفظِ حديثِ ابنِ وَهْب.

  7. أخبرني أحمدُ بنُ أبي عِمْرانَ الهرَوِيُّ فيما كتبَ إليَّ به إجازةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ النَّقّاشُ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن عبدِ الله بنِ عُمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا عَدْوَى، ولا صَفَرَ، والشُّؤْمُ في ثلاث؛ في المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (١) .

    قال أبو عُمر: أصلُ التَّطيُّرِ واشتقاقُه عندَ أهل العلم باللغةِ والسِّيَرِ والأخبار، هو مأخوذٌ من زَجْرِ الطيرِ ومُرُورِه سانِحًا أو بارِحًا (٢) ، منه اشتَقُّوا التَّطيُّرَ، ثم استعمَلوا ذلك في كلِّ شيءٍ من الحيوانِ وغيرِ الحيوان، فتطَيَّروا من

    ج ٦ ص ٤٢٩الأعور، والأعْضَب (١) ، والأبتر (٢) ، وكذلك إذا رَأوُا الغُرابَ أو غيرَه من الطيرِ يتَفَلَّى أو يَنْتِفُ، ولإيمانِ العربِ بالطِّيَرَةِ عقَدُوا الرَّتائِمَ (٣) ، واستَعمَلوا القِداحَ بالآمرِ والناهي (٤) والمتَرَبِّص، وهي غيرُ قِداح الأيْسار، وكانوا يَشْتقُّونَ الأسماءَ الكريهةَ ممّا يَكرَهون، وربّما قَلَبُوا ذلك إلى الفَأْلِ الحَسَنِ فرارًا من الطِّيَرَة، ولذلك سَمَّوا اللديغَ سَليمًا، والقَفْرَ مَفازَةً، وكَنَّوُا الأعمى أبا البَصير، ونحوَ هذا، فمن تَطيَّرَ جعَل الغُرابَ من الاغترابِ والغُرْبة، وجعلَ غُصنَ البانِ من البَيْنُونَة، والحمامَ من الحِمَام ومن الحَميم ومن الحُمَّى، وربّما جعَلوا الحَبلَ من الوِصال، والهُدْهُدَ من الهُدَى، وغُصْنَ البانِ من بَيانِ الطريق، والعُقابَ من عُقْبَى خير، ومثلُ هذا كثيرٌ عنهم، إذا غلَبَ عليهم الإشفاقُ تطَيَّروا وتشاءَمُوا، وإذا غَلَب عليهم الرَّجاءُ والسُّرورُ تفاءَلوا، وذلك مُستعمَلٌ عندَهم فيما يَرَوْنَ من الأشخاص، ويَسمَعُون من الكلام، فقال لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طِيَرةَ ولا شُؤْمَ" ، فعرَّفَهم أنَّ ذلك إنّما هو شيءٌ من طريقِ الاتفاق، ليَرفَعَ عن المتوقِّع ما يتوقَّعُه من ذلك كلِّه، ويُعْلِمَه أنَّ ذلك ليس ينالُه منه إلّا ما كُتِب له.

  8. وأمّا قولُه في هذا الحديث: "الشُّؤْمُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس" ، فهو عندَنا على غيرِ ظاهرِه، وسنقولُ فيه بحَولِ الله وعَوْنِه لا شَريكَ له، وكان ابنُ مسعودٍ

    ج ٦ ص ٤٣٠يقولُ: إن كان الشُّؤْمُ في شيءٍ فهو فيما بينَ اللَّحْيَيْن - يعني: اللسان - وما شيءٌ أحوَجَ إلى سجنٍ طويلٍ من اللسان (١) .

    قال أبو عُمر: ونقولُ في معنى حديثِ هذا الباب بما نَراه يُوافقُ الصوابَ إنْ شاء الله.

  9. فقولُه عليه السَّلامُ: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ عن التَّشاؤُم (٢) والتَّطيُّرِ بشيءٍ من الأشياء، وهذا القولُ أشبَهُ شيءٍ (٣) بأُصولِ شَريعتِه - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ الشُّؤْم.

  10. فإن قال قائل: قد روَى زهيرُ بنُ معاوية، عن عُتبةَ بنِ حُميد، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ أبي بكر، أنَّه سَمع أنسًا يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طِيَرةَ، والطِّيَرةُ على من تَطيَّرَ، وإن تكنْ في شيءٍ، ففي المرأةِ، والدّارِ، والفَرَسِ" (٤) . وقال: هذا يُوجِبُ أنْ تكونَ الطِّيَرةُ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَسِ، لمن تَطيَّرَ.

  11. قيل له، وبالله التوفيق: لو كان كما ظَنَنْتَ لكان هذا الحديثُ يَنفي بعضُه بعضًا؛ لأنَّ قولَه: "لا طِيَرةَ" نَفْيٌ لها، وقولَه: "والطِّيَرةُ على مَن تَطَيَّرَ" إيجابٌ لها، وهذا محالٌ أنْ يُظَنَّ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلُ هذا من النَّفْي والإثباتِ في شيءٍ واحدٍ،

    ج ٦ ص ٤٣١ووقتٍ واحدٍ، ولكنَّ المعنى في ذلك نَفْيُ الطِّيَرَةِ بقوله: "لا طِيَرةَ" . وأما قولُه: "والطِّيَرةُ على مَن تَطَيَّرَ" ، فمعناه: إثمُ الطِّيَرةِ على مَن تَطَيَّرَ بعدَ عِلْمِه بنَهيِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطِّيَرَة. وقولُه فيها: "إنّها شِرْكٌ، وما مِنّا إلّا (١) ، ولكنَّ اللهَ يُذهِبُه بالتَّوَكُّل" .

  12. فمعنى هذا الحديثِ عندَنا، واللهُ أعلم، أنَّ مَن تَطَيَّرَ فقد أثِمَ، وإثْمُه على نَفْسِه في تَطَيُّرِه؛ لتركِ التَّوَكُّلِ وصريح الإيمان؛ لا أنّه يكونُ ما تَطَيَّرَ به على نَفْسِه في الحقيقة؛ لأنّه لا طِيَرَةَ حقيقةً، ولا شيءَ إلّا ما شاء الله في سابقِ عِلْمِه.

  13. والذي أقولُ به في هذا الباب، تَسليمُ الأمرِ لله عزَّ وجلَّ، وتَركُ القَطْع على الله بالشُّؤْم في شيء؛ لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا يُقطَعُ على عَينِها، وإنّما تُوجِبُ العملَ فقط، قال اللهُ تباركَ اسمُه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: ٥١] ، وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: ٢٢] ، فما قد خُطَّ في اللوح المحفوظِ لم يكنْ منه بُدٌّ، وليستِ البقاعُ ولا الأنفسُ بصانِعَةٍ شيئًا من ذلك، واللهُ أعلم، وإيّاه أسألُ السلامةَ من الزَّللِ في القولِ والعملِ برحمتِه.

  14. وقد كان من العربِ قومٌ لا يتَطيَّرُونَ ولا يَروْنَ الطِّيَرَةَ شيئًا.

  15. ذكَرَ الأصمعيُّ (٢) أنَّ النابغةَ (٣) خرجَ مع زَبّانَ بنِ سيّارٍ يُريدانِ الغَزْوَ، فبينما

    ج ٦ ص ٤٣٢هما في مَنْهَل يُريدانِ الرحلةَ إذ نظَرَ النابغةُ فإذا على ثوبه جَرادَةٌ، فقال: جَرادَةٌ تُجَرِّدُ، وذاتُ ألوان! فتَطَيَّرَ، وقال: لا أذْهَبُ في هذا الوَجْه. ونهَضَ زَبّانَ، فلمّا رجَعَ من تلك الغَزوَةِ سالمّا غانمًا أنشأ يقول (١) :

    تخَبَّرَ طيَرَه فيها زِيادٌ ... لتُخْبِرَه وما فيها خَبِيرُ

    أقامَ كأنَّ لُقْمانَ بنَ عادٍ ... أشارَ له بحِكْمَتِه مُشِيرُ

    تعلَّمْ أنَّه لا طَيرَ إلّا ... على مُتَطَيِّرٍ وهْو الثُّبورُ

    بلى شيءٌ يُوافِقُ بعضَ شيءٍ ... أحايِينًا وباطِلُه كثيرُ

    هذا زَبّانُ بنُ سَيّار، وهو أحدُ دُهاةِ العربِ وساداتُهم، لم يَرَ ذلك شيئًا، وقال: إنّه اتفاقٌ وباطِلُه كثيرٌ.

  16. وممّن كان لا يَرَى الطِّيَرَةَ شيئًا من العربِ ويُوصي بتَرْكِها: الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ، وذلك من صحيح قولِه، ويقولون: إنّ ما عدا هذه الأبياتَ من شِعْرِه هذا فهو مصنوعٌ (٢) :

    ج ٦ ص ٤٣٣يا أيُّها المُزْمِعُ ثم انثَنَى ... لا يَثْنِكَ الحازِي ولا الشاحِجُ

    ولا قَعِيدٌ أعْضبٌ قَرْنُه ... هاج له من مرْتَعٍ هائِجُ

    بَيْنا الفَتَى يَسْعَى ويُسْعَى له ... تاح له من أمْرِه خالِجُ

    يَتْرُكُ ما رَقَّحَ من عَيْشِه ... يَعِيثُ فيه هَمَجٌ هامِجُ

    لا تَكْسَعِ الشَّولَ بأغْبارِها ... إنّك لا تَدْرِي مَنِ الناتجُ

    أمّا قولُه: الحازي: فهو الكاهِنُ، والشاحجُ: الغُرابُ، والخالِجُ: ما يَعْترِي المرءَ منَ الشَّكِّ، وتَرْكِ اليَقينِ والعِلْم، ورَقَّحَ مَعِيشَتَه: أي: أصْلَحَها، والشَّولُ: النُّوقُ التي جَفَّتْ ألبانُها، وكَسَعَتِ الناقةُ: إذا برَكَتْ وفي ضَرْعِها بَقِيّةٌ منَ اللَّبَن، والأغبارُ هاهُنا: بقايا اللَّبن، والناتِجُ: الذي يلي الناقةَ في حينِ نتاجِها.

  17. والمرَقِّشُ السَّدُوسيُّ كان أيضًا ممَّن لا يتَطَيَّرُ، وهو القائل (١) :

    ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لا ... أغْدُو على واقٍ وحاتِمْ

    فإذا الأشَائِمُ كالأيا ... مِنِ والأيامِنُ كالأشَائِمْ

    وكذاكَ لا خَيْرٌ ولا ... شرٌّ على أحَدٍ بدائِمْ

    ج ٦ ص ٤٣٤الواقِ: الصُّرَدُ (١) ، والحاتِمُ: الغُرابُ (٢) .

  18. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال (٣) : أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ وسليمانُ بنُ منصور، واللَّفظُ له، قالا: حدَّثنا سفيان، عن ابنِ عَجْلان، عن الأعرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، ولا تَعْجِزْ، فإن غَلَبَكَ أمرٌ فقلْ: قَدَرُ الله، وما شاء اللهُ (٤) ، وإيّاكَ واللَّوْ، فإنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطان" (٥) .

  19. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ وسعيدُ بنُ خُمَير، قالا: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنُ القويُّ" فذَكَره سواءً (٦) .

  20. هكذا رواه ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ عَجْلان، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    ج ٦ ص ٤٣٥
  21. ورواه كذلك الفُضَيْلُ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

  22. ورواه ابنُ المبارك، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن رَبيعَةَ بنِ عثمانَ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

  23. وكانت عائشةُ تُنكِرُ حديثَ الشُّؤْم وتقولُ: إنّما حكاهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الجاهليّةِ وأقوالِهم، وكانت تَنْفي الطِّيَرَةَ ولا تَعتقِدُ شيئًا منها، حتى قالت لنِسْوةٍ كنَّ يكْرَهْنَ الابْتِناءَ بأزْواجِهِنَّ في شوّال: ما تزَوَّجني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلّا في شوّال، وما دخَلَ بي إلّا في شوّال، فمَن كان أحْظَى منِّي عندَه؟ وكانت تَسْتَحِبُّ أن يَدْخُلْنَ على أزواجِهِنَّ في شوّال (٤) .

  24. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيد، عن قتادةَ، عن أبي حَسّان، أنَّ رَجُلَيْن دَخَلا على عائشة، وقالا: إنّ أبا هريرةَ يُحدِّثُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّما الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابّة" ، فطارَتْ شِقّةٌ منها في السماء، وشِقّةٌ في الأرض، ثم قالت: كَذَب، والذي أنزَل الفُرقانَ على أبي القاسم، مَن حدَّث عنه بهذا؟ ولكنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "كان أهلُ الجاهليّةِ يقولونَ: الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابَة" . ثم قرأت عائشةُ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: ٢٢] (١) .

    قال أبو عُمر: أمّا قولُ عائشةَ في أبي هريرة: كَذَب، والذي أنزَل الفرقانَ. فإنَّ العربَ تقولُ: كذَبتَ، بمعنَى: غَلِطْتَ فيما قَدَّرْتَ، وأوْهَمْتَ فيما قُلْتَ، ولم تَظُن حقًّا، ونحوَ هذا، وذلك معروفٌ من كَلامِهم (٢) ، موجودٌ في أشعارِهم كثيرًا، قال أبو طالب (٣) :

    ج ٦ ص ٤٣٧كذَبْتُم وبيتِ الله نتْرُكُ مَكّةً ... ونظْعَنُ إلا أمْرُكُم في بَلابِلِ

    كذَبْتُم وبيتِ الله نُبْزَى (١) محمدًا ... ولما نُطاعِنْ دُونَه ونُناضِلِ

    ونُسْلِمُه حتى نُصَرَّعَ حولَه ... ونَذْهَلَ عن أبْنائِنا والحَلائِلِ

    وقال بعضُ شُعراءِ هَمْدانَ (٢) :

    كذَبْتُم وبيتِ الله لا تأْخُذُونها ... مُراغَمَةً ما دامَ للسَّيفِ قائِمُ

    وقال زُفَرُ بنُ الحارثِ العَبْسيُّ (٣) :

    أفي الحقِّ أمّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَلٍ ... فيَحْيَا وأمّا ابنُ الزُّبَيْرِ فيُقْتَلُ

    كذَبْتُم وبيتِ الله لا تقْتُلونَه ... ولما يكنْ يومٌ أغَرُّ مُحَجَّلُ

    ألا تَرى أنَّ هذا ليس من باب الكَذِبِ الذي هو ضِدُّ الصِّدقِ؟ وإنّما هو من بابِ الغَلَطِ وظَنِّ ما ليس بصحيح، وذلك أنَّ قريشًا زَعَمُوا أنّهم يُخْرِجُونَ بني هاشم من مكةَ إن لم يَترُكُوا جِوارَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم أبو طالب: كذَبْتُم، أي: غَلِطْتُم فيما قُلْتُم وظَنَنْتُم. وكذلك معنى قولِ الهَمْدانيِّ والعَبْسيِّ، وهذا مشهورٌ من كلام العرب.

    ج ٦ ص ٤٣٦
  25. ومن هذا ما ذكَرَه الحَسَنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الرجل يأذَنُ لعبدِه

    ج ٦ ص ٤٣٨في التَّزْويج: بيَدِ مَن الطلاقُ؟ قال: بيَدِ العبدِ، قلتُ: إنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يقولُ: بيَدِ السَّيِّد، قال: كَذَب جابر (١) . يريدُ: غَلِطَ جابرٌ وأخطَأ، واللهُ أعلم.

  26. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّؤْمُ في ثلاثة؛ في الدّارِ، والمرأةِ، والفَرَس" ، كان في أوّلِ الإسلام خبَرًا عمّا كانت تَعتَقِدُه العربُ في جاهِليَّتِها على ما قالت عائشةُ، ثم نُسِخ ذلك وأبْطَلَه القرآنُ والسُّننُ.

  27. وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - للقوم في قصةِ الدّار: "اتْرُكها ذَمِيمَةً" (٢) ، فذلك، واللهُ أعلمُ، لما رَآه منهم، وأنّه قد كان رسَخَ في قُلوبِهم ممّا كانوا عليه في جاهِليَّتِهم، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - رؤوفًا بالمؤمنين، يأخُذُ عَفْوَهم شيئًا شيئًا، وهكذا كان نُزولُ الفرائضِ والسُّنَنِ حتى اسْتَحْكَم الإسلامُ وكَمَلَ، والحمدُ لله (٣) ، ثم بيَّن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ذلك لأولئك الذين قال لهم: "اتْرُكوها ذَمِيمَةً" ، ولغيرِهم ولسائرِ أُمَّتِه، الصحيحَ بقولِه: "لا طِيَرةَ" ، و "لا عَدْوَى" ، واللهُ أعلمُ، وبه التَّوفيق (٤) .

  28. حديثٌ خامِسٌ لابنِ شِهاب، عن سالم يَجْري مَجْرَى المُسنَد

    مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أَنَّهُ قال: كتبَ عبدُ الملكِ بن مروانَ إلى الحجّاج بن يُوسُفَ: أن لا تُخالِف عبدَ الله بن عُمرَ في شيءٍ من (٢) أمرِ الحجِّ. قال: فلّما كان يومُ عرفَةَ جاءهُ عبدُ الله بن عُمرَ حينَ زاغتِ الشَّمسُ وأنا معهُ، فصاحَ به عِند سُرادِقِهِ: أينَ هذا؟ فخرجَ إليه الحجّاجُ وعليه مِلْحفةٌ مُعَصفرةٌ، فقال: ما لكَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ؟ فقال: الرَّواح إن كنتَ تُريدُ السُّنَّة، فقال: أهذه السّاعةَ؟ قال: نعم. قال: فأنْظِرني حتّى أُفيضَ عليَّ ماءً، ثُمَّ أخرُجَ. فنزلَ عبدُ الله حتّى خرجَ الحجّاجُ، فصارَ (٣) بيني وبين أبي، فقلتُ لهُ: إن كنتَ تُريدُ أن تُصيبَ السُّنَّة، فاقصُرِ الخُطبة، وعجِّلِ الصَّلاةَ. قال: فجعلَ ينظُرُ إلى عبدِ الله بن عُمرَ، كيْما يسمعُ ذلك منهُ، فلّما رأى ذلك عبدُ الله، قال: صدقَ.

    ج ٦ ص ٤٣٩
  29. قد ذكرنا عبدَ الملك بن مروان في غيرِ موضِع من كُتُبِنا، وأمّا الحجّاجُ فهُو: الحجّاجُ بن يُوسُف بن الحكم بن أبي عَقِيل الثَّقفيُّ، أُمُّهُ فارِعةُ بنتُ همّام بن عَقيلِ بن عُروة بن مسعُودٍ الثَّقفيِّ، كانت قبل أبيهِ تحت المُغير بن شُعبة.

  30. كان الحجّاجُ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ أهلًا أن لا يُروى عنهُ، ولا يُؤْثَرَ حديثُهُ، ولا يُذكرَ بخيرٍ، لسُوءِ سِرِّهِ، وإفراطِهِ في الظُّلم، ومن أهلِ العِلم طائفةٌ تُكفِّرُهُ، وقد ذكرنا أخبارَهُم فيه بذلك، في بابٍ مُفردٍ لهُ. وَليَ الحجازَ ثلاثَ سِنينَ، ووَلِيَ العِراقَ عِشرينَ سنةً، قدِمَ عليهم سنةَ خمسٍ وسبعينَ، ومات سنة خمسٍ وتسعينَ.

  31. روى سُفيانُ بن عُيينة، عن سالم بن أبي حَفْصةَ، قال: لمّا أُتي الحجّاجُ بسعيدِ بن جُبير، قال: إنَّهُ شقيٌّ ابنُ كُسير، فقال: ما أنا إلّا سعيدُ بن جُبير، بذلك سمّاني أبواي، قال: لأقتُلنَّكَ، قال: إذًا أكُونَ كما سمّاني أبي سعيدًا. وقال: دعُوني أُصلِّي ركعتينِ. فقال الحجّاجُ: وجِّهُوهُ إلى قِبلةِ النَّصارى. فقال سعيدٌ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] . قال: فضربَ عُنُقَهُ.

    قال سُفيانُ: فلم يقتُل بعد سعيدِ بن جُبيرٍ إلّا رجُلًا واحِدًا (١) .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يُخرَّجُ في المُسندِ، لقولِ عبدِ الله بن عُمر للحجّاج: الرَّواحَ هذه السّاعةَ، إن كُنت تُريدُ السُّنَّة. ولقولِ سالم: إن كُنتَ تُريدُ أن تُصيب السُّنَّة، فاقصُرِ الخُطْبةَ وعجِّلِ الصَّلاة، وقولِ ابن عُمر: صدقَ.

    ج ٦ ص ٤٤٠
  32. وروى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ: أنَّهُ كان شاهِدًا مع سالم وأبيهِ هذه القِصَّةَ مع الحجّاج، وذكر ذلك عبدُ الرَّزّاقِ (٢) وغيرُهُ، عن مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، وذلك عند بعضِ (٣) أهلِ العِلم وَهَمٌ من مَعْمرٍ. وقال يحيى بن معينٍ: وهِمَ في ذلك مَعْمرٌ، وابنُ شِهابٍ لم يرَ ابنَ عُمرَ، ولا سمِع منهُ شيئًا. وقال أحمدُ بن عبدِ الله بن صالِح: وقد روى الزُّهْريُّ، عن عبدِ الله بن عُمر نحوَ ثلاثةِ أحاديث.

    قال أبو عُمر: هذا مِمّا لا يُصحِّحُهُ أحدٌ سماعًا، وليس لابنِ شِهابٍ سماعٌ من ابن عُمر غيرُ حديثِ مَعْمرٍ هذا، إن صحَّ عنهُ.

  33. وأمّا محمدُ بن يحيى الذُّهْليُّ النَّيسابُوريُّ، فقال: مُمكِنٌ أن يكونَ الزُّهْريُّ قد شاهدَ ابنَ عُمر مع سالم في قِصَّةِ الحجّاج، واحتجَّ بروايةِ مَعْمرٍ، وفيها:

    ج ٦ ص ٤٤١فركِبَ هُو وسالمٌ وأنا معهُما حين زاغتِ الشَّمسُ. وفيها: قال الزُّهْريُّ: وكُنتُ يومئذٍ صائمًا، فلقيتُ من الحرِّ شِدَّةَّ. قال محمدُ بن يحيى: وقد رَوى ابنُ وهب، عن عبدِ الله العُمَريِّ، عن ابن شِهاب، نحوَ رِوايةِ مَعْمرٍ في حديثهِ. قال ابنُ شِهاب: وأصابَ النّاسُ في تِلكَ الحجَّةِ من الحرِّ شيءٌ لم يُصِبْنا مِثلُهُ.

  34. واحتجَّ أيضًا بأنَّ عَنْبسةَ روى عن يُونُس، عن ابن شِهاب، قال: وَفَدتُ إلى مروان وأنا مُحتلِمٌ. قال: ومروانُ مات سنة خمسٍ وسِتِّين، ومات ابنُ عُمر في تِلكَ الحجَّةِ سنة ثلاثٍ وسبعين. قال: وأظُنُّ مولِدَ الزُّهْريِّ سنة خمسين، أو نحو هذا، وموتُهُ سنة أربع وعِشرين ومِئة، فمُمكِنٌ أن يكونَ شاهَدَ ابنَ عُمر في تِلكَ الحجَّة (١) ، فلستُ أدفعُ رِوايةَ مَعْمر.

  35. هذا كلُّهُ كلامُ الذُّهْليِّ.

  36. وذكرَ الحُلْوانيُّ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن صالح يقولُ: قد أدركَ الزُّهْريُّ الحَرَّةَ (٢) وهو بالغٌ، وعَقَلها، أظُنُّهُ قال: وشَهِدها. وكانتِ الحرَّةُ في أوَّلِ خِلافةِ يزيدَ بن مُعاوية، وذلكَ سنة إحدى وسِتِّين (٣) .

    قال أبو عُمر: أمّا رِوايةُ مَعْمرٍ لهذا الحديثِ، فيما ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كتبَ عبدُ الملكِ بن مروان إلى الحجّاج: أنِ اقتدِ

    ج ٦ ص ٤٤٢بابنِ عُمر في مناسِكِ الحجِّ. فأرسل إليه الحجّاجُ يومَ عرفةَ: إذا أردتَ أن ترُوحَ فآذِنّا. فراحَ هُو وسالمٌ وأنا معهُما حين زاغتِ الشَّمسُ، فوقف بفِناءِ الحجّاج فقال: ما يحبِسُهُ؟ فلم يَنْشَب (١) أنْ خَرَج الحجّاجُ، فقال: إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ كتبَ إليَّ: أن أقتديَ بكَ، وأن آخُذَ عنكَ. فقال لهُ سالم: إن أردتَ السُّنَّة، فأوجِزِ الخُطبةَ والصَّلاةَ.

    قال الزُّهْريُّ: وكُنتُ يومئذٍ صائمًا، فلقيتُ من الحرِّ شِدَّةً.

  37. وذكر الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ في حديثِهِ الذي ذَكَر: أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروان كتبَ إلى الحجّاج: اقْتَدِ بابنِ عُمر في مناسِكِ الحجِّ. فأرسل إليه الحجّاجُ. قال: وقال الزُّهْريُّ: وأنا يومئذٍ بينهُما، وكنتُ صائمًا، فلقيتُ مِنَ الحرِّ شِدَّةً.

    قال عبدُ الرَّزّاقِ: فقلتُ لمَعْمر: فرأى الزُّهْريُّ ابنَ عُمر؟ قال: نعم، وقد سَمِع منهُ حديثينِ، فسَلْني عنهُما أُحدِّثْكهُما. قال: فجعلتُ أتحيَّنُ خَلْوتَهُ لأنْ أسألَهُ عنهُما ولا يكونُ معنا أحدٌ. قال: فلم يُمْكِنِّي ذلك حتّى أُنسيتُهُ، فما ذكرتُ حتّى نفضتُ يدَيَّ من قبر، فندِمتُ بعدَ ذلك، فقلتُ: وما ضرَّني لو سَمِعتُهُما وسمِعَ معي غيري؟

  38. فهذا يدُلُّ على أنَّ الحديثَ الثّانيَ لم يَسْمَعْه (٢) من مَعْمر، ولا لهُ (٣) ذِكْرٌ فيما علِمتُ عندَ أحدٍ من أهلِ العِلم، وقد قال أحمدُ بن خالد: إنَّ الحديث الآخر في الحجِّ، وهذا لا يُوجدُ ولا يُعرفُ، واللهُ أعلمُ.

    ج ٦ ص ٤٤٣قال الحُلْوانيُّ: وحدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن خالدِ بن ذُؤيب، عن الزُّهْريِّ، قال: رأيتُ ابنَ عُمر يمشي أمام الجِنازة (١) .

    قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: أخبرنا عَنْبسةُ بن خالدٍ ابنُ أخي يُونُسَ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن يزيدَ (٢) ، عن الزُّهْريِّ، قال: وفدتُ إلى مروان بن الحَكَم وأنا مُحتلِمٌ.

    قال الحسنُ: وماتَ مروانُ بن الحكم سنةَ خمس وستِّينَ، ليسَ فيها اختلافٌ، وماتَ ابنُ عُمر (٣) سنةَ أربع وسبعين في أوَّلهِا، إلّا أنَّهُ حجَّ سنة ثلاثٍ وسبعين، ومات بعد الحجِّ، ومنهُم من يقولُ: مات في آخِرِ سنةِ ثلاثٍ وسبعين.

  39. وفي هذا الحديثِ فِقهٌ وآدابٌ وعِلمٌ من أُمُورِ الحجِّ كثيرٌ؛ فمِنْ ذلك (٤) : مشيُ الرَّجُلِ الفاضِلِ مع السُّلطانِ الجائرِ فيما لا بُدَّ منهُ، ولا نقيصَةَ عليه فيه.

  40. وفيه: تعليمُ الرَّجُلِ الفاجِرِ السُّننَ، إذا كان لذلكَ وجهٌ، ولعلَّهُ ينتفِعُ بها، وتصرِفُهُ عن غيِّهِ.