ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث

٤٦٦ فقرة، ج ٦ ص ٣٣٥

الصفحة ٨ من ١٢

  1. وبه عن سُفيان، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، قال: من فِقْهِ الرَّجُلِ، قصرُ الخُطبةِ، وطُولُ الصَّلاةِ (١) .

    ج ٦ ص ٤٥٣
  2. وأجمعَ الفُقهاءُ جميعًا على أنَّ الإمام لو صلَّى بعرفةَ يوم عرفةَ بغيرِ خُطبةٍ، أنَّ صلاتهُ جائزةٌ، وأنَّهُ يَقصرُ الصَّلاة إذا كان مُسافِرًا، وإن لم يخطُب.

  3. وأجمعُوا أنَّ الخُطبة قبل الصَّلاةِ يوم عرفة. وأنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيها فأسرَّ القِراءةَ، وإنَّما هي ظُهرٌ، ولكِنَّها قُصِرت من أجلِ السَّفرِ، واللهُ أعلمُ.

  4. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وعجِّلِ الصَّلاةَ" ، فكذلك رواهُ يحيى وابنُ القاسم وابنُ وهبٍ ومُطرِّفٌ، وقال فيه القعنبيُّ وأشهبُ: "إن كُنتَ تُريدُ الوُقُوف" . وهُو عِندي غلطٌ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ أكثر الرُّواةِ عن مالكٍ على خِلافِهِ. وتعجيلُ الصَّلاةِ بعرفةَ، سُنّةٌ ماضيةٌ على ما قدَّمنا ذِكرهُ، وقد يحتمِلُ ما قالهُ القعنبيُّ أيضًا، لأنَّ تعجيل الوُقُوفِ بعد تعجيلِ الصَّلاةِ والفراغِ منها سُنّةٌ أيضًا.

  5. وقد ذكَرْنا أحكامَ الصَّلاةِ بعرفةَ، وذكرنا ما أجمعُوا عليه منها، وما اختلفُوا فيه، والحمدُ لله.

  6. وأمّا الوُقُوفُ بعرفةَ، فأجمع العُلماءُ في كلِّ عصر وبِكلِّ مِصر - فيما علِمتُ - أنَّهُ فرضٌ لا ينُوبُ عنهُ شيءٌ، وأنَّهُ من فاتهُ الوُقُوفُ بعرفةَ في وقتِهِ الذي لا بُدَّ منهُ، فلا حجَّ لهُ، واختلفُوا في تعيينِ ذلك الوقتِ وحصرِهِ، بعد إجماعِهِم على أنَّ من وقفَ بعرفةَ قبل الزَّوالِ يوم عرفةَ، فهُو في حُكم من لم يقف (٢) .

    فقال مالكٌ وأصحابُهُ: اللَّيلُ هُو المُفترضُ، والوُقُوفُ بعد الزَّوالِ حتّى يجمع بين اللَّيلِ والنَّهارِ سُنَّةٌ، دلَّ على ما أضفنا إليه من ذلك مذهبُهُ، وجوابُهُ في

    ج ٦ ص ٤٥٤مسائلِهِ في ذلك. ذكر ابنُ وهبٍ وغيرُهُ عنهُ: أنَّ من دفعَ من عرفةَ قبلَ أن تغيبَ الشَّمسُ، ثُمَّ لم ينصرِفْ إليها في ليلةِ النَّحرِ فيقِفُ بها (١) ، أنَّ حجَّهُ قد فاتهُ وعليه حجٌّ قابِل، والهديُ ينحرُهُ في حجٍّ قابِل، وهُو كمن فاتهُ الحجُّ (٢) .

  7. وقال مالكٌ - فيما ذكرهُ أشهبُ بن عبدِ العزيزِ عنهُ - أنَّ من دفعَ بعد الغُرُوبِ وقبل الإمام، فلا شيء عليه. ولا نعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال بقولِ مالكٍ: أنَّ من دفعَ قبل الغُرُوبِ فلا حجَّ لهُ، وهُو قد وقف بعد الزَّوالِ وبعدَ (٣) الصَّلاةِ، ولا روينا عن أحدٍ من السَّلفِ، واللهُ أعلمُ.

    وقال سائرُ العُلماءِ: كلُّ من وقفَ بعرفةَ بعد الزَّوالِ، أو في ليلةِ النَّحرِ، فقد أدركَ الحجَّ، فإن دفعَ (٤) قبل غُرُوبِ الشَّمسِ من عرفةَ، فعليه دمٌ عِندهُم، وحجُّهُ تامٌّ (٥) .

    قال الكُوفيُّون: فإن رجع بعد غُرُوبِ الشَّمسِ، لم يسقُط عنهُ ذلك الدَّمُ الذي كان قد وجب عليه، وهُو قولُ أبي ثورٍ.

    وقال الشّافِعيُّ، وهُو قولُ مالكٍ: إن عادَ إلى عرفَةَ حتّى يدفع بعد المغيبِ، فلا شيءَ عليه، وإن لم يرجِع حتّى يطلُعَ الفجر، أجزأت عنهُ حجَّتُهُ (٦) عندَ الشّافِعيِّ، وعليه دمٌ.

  8. وحُجَّةُ من قال بقولِ الشّافِعيِّ، في أنَّ اللَّيل والنَّهار بعد الزَّوالِ في الوُقُوفِ بعرفةَ سواءٌ، إلّا ما ذكرنا من الدَّم، حديثُ عُروة بن مُضَرِّسٍ، الذي قدَّمنا ذِكرهُ، في

    ج ٦ ص ٤٥٥بابِ حديثِ الصَّلاةِ بالمُزدلِفةِ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "وقد أتَى عرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا" (١) ، وقد ذكرنا هُناكَ من قولِ إسماعيل ما فيه بيانٌ لما ذهب إليه مالكٌ.

    وقال أبو الفرج وغيرُهُ من أصحابِنا: الدَّليلُ على أنَّ الوُقُوف ليلًا، هُو الفرضُ دُون النَّهارِ: حُكمُ الجميع لمن أدركَ بعضَ اللَّيلِ بتمام الحجِّ، وأنَّ إدراكَ أوَّله، كإدراكِ آخِرِهِ، وهذا يدُلُّ على أَنَّهُ كلَّهُ وقت للوُقُوفِ. ثُمَّ اتَّفقُوا أَنَّهُ لا حجَّ لمن دفعَ من عرفَةَ قبل الزَّوالِ، وقبل الظُّهرِ والعمرِ، فوجَبَ أن يُسوَّى كما يُسوَّى بين حُكم سائرِ اللَّيلِ، لأنَّهُ ما انتفى في بعضِ الجِنسِ، فهُو مُنتفٍ في سائرِهِ، وذكرُوا كلامًا كثيرًا، لم أر لذِكرِهِ وجهًا، وما قدَّمنا من قولِ إسماعيل وأبي الفرج في البابِ قبل هذا، هُو المُعتمدُ عليه في المذهبِ، واللهُ أعلمُ.

  9. وأجمعُوا أنَّ الوُقُوف ببطنِ عُرَنةَ (٢) - مِن عَرَفة - لا يجوزُ، لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وارتَفِعوا عن بَطْن عُرَنة (٣) " . واختلفُوا فيمن وقف بها، ولم يقِف من عرفة بغيرِها، فقال مالكٌ: يُهريقُ دمًا، وحجُّهُ تامٌّ (٤) .

    وقال الشّافِعيُّ: لا يُجزئهُ، وحجُّهُ فائتٌ. وبه قال أبو المُصْعَب المدنيُّ (٥) ، قال: عليه حجٌّ قابِل والهديُ، كمن فاتهُ الحجُّ (٦) .

  10. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيب، قال (١) : أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن يزيد المُقرِئُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، [عن الثَّوريِّ] (٢) عن بُكيرِ بن عطاءٍ اللَّيثيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعْمُر الدِّيليِّ، قال: سمِعتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "الحجُّ عَرَفاتٌ" ثلاثًا (٣) "فمن أدركَ عَرَفةَ قبل أن يَطْلُع الفجرُ، فقَدْ أدركَ، وأيّامُ مِنًى ثلاثةٌ، فمن تَعجَّلَ في يومينِ، فلا إثْمَ عليه، ومن تأخَّرَ فلا إثْمَ عليه" .

    قال أبو عُمر: ذكر أهلُ السِّيرِ والمعرِفةِ بأيّام النّاسِ، منهُمُ الزُّبيرُ وغيرُهُ: أنَّ ابن عُمر ماتَ بعقِبِ هذه الحجَّةِ بمكَّة، وأنَّ ابن عُمر كان لهُ موقِفٌ معرُوفٌ بعرفةَ، كان قد وقفَ فيه مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أو رأى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد وقفَ به عام حجَّةِ الوداع، فكان ابنُ عُمر يَتَبرَّكُ بالموقِفِ فيه، وكان لا يدعُ الحجَّ كلَّ عام مُنذُ قُتلِ عُثمان، إلى أن مات بعد ابن الزُّبيرِ، وكان يلزمُ ذلك الموقِفَ. فانطلقَ مع

    ج ٦ ص ٤٥٧الحجّاج بن يُوسُف يومئذٍ، حتّى وقف في موقِفِهِ الذي كان يقِفُ فيه، وكان ذلك الموقِفُ بين يدي الحجّاج، فأمر من نخَسَ بابنِ عُمر، حتّى نفرت به (١) ناقتُهُ، فسكَّنها ابنُ عُمر، ثُمَّ ردَّها إلى ذلك الموقِفِ، فأمر الحجّاجُ أيضًا بناقتِهِ فنُخِست فنَفَرَتْ (٢) ، فسكَّنها ابنُ عُمر حتّى سكنت، ثُمَّ ردَّها إلى ذلك الموقِفِ، فثَقُل على الحجّاج أمرُهُ، فأمرَ رجُلًا معهُ حربةٌ يُقالُ: إنَّها كانت مسمُومةً، فلّما دفع النّاسُ من عرفَةَ، لَصِقَ به ذلك الرَّجُلُ، وأمَرَّ الحَرْبةَ على قدمِهِ، ونَخَسهُ بها، فمرِضَ منها أيّامًا، ثُمَّ مات بمكَّةَ، وصلَّى عليه الحجّاجُ يومئذ. وقد ذكرنا خبرَهُ بأكثرَ من هذا في كِتابِ الصَّحابة (٣) .

    قال أبو عُمر: قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الحجُّ عرفاتٌ" معناهُ عندَ أهلِ العِلم: أنَّ شُهُود عرفةَ، به ينعقِدُ الحجُّ، وهُو الرُّكنُ الذي عليه مدارُ الحجِّ، ألا ترى أنَّ من وطِئ بعد الوُقُوفِ بعرفةَ، أَنَّهُ يجبُرُ فِعلهُ ذلك بالدَّم، ومن أصابَ أهلهُ قبل وُقُوفِهِ بعرفةَ فسدَ حجُّهُ عندَ الجميع، وعلى هذا إجماعُ العُلماءِ، وهُو قولُ فُقهاءِ الأمصارِ، إلّا ما ذكرنا عن مالكٍ، فيمن وطِئ يوم النَّحرِ قبل جَمْرةِ العَقَبةِ، على اختِلافٍ عنهُ، على حسبِ ما أوردناهُ، في بابِ ابن شِهاب، عن عيسى بن طَلْحةَ من هذا الكِتابِ، وقد ذكرنا في هذا البابِ، في الوُقُوفِ بعرفةَ ما فيه شِفاءٌ إن شاء اللهُ.

    ج ٦ ص ٤٥٦
  11. وقد ذكرنا مسألة من أُغمي عليه بعرفةَ قبل الوُقُوفِ بها، حتّى انصدعَ الفجرُ، في بابِ مُوسى بن عُقبة من هذا الكِتابِ.

  12. وأمّا الصَّلاةُ بعرفةَ، فلا أعلمُ خِلافًا بين عُلماءِ المُسلِمين، أنَّ من لم يشهدها مع الإمام، وأدركَ الوُقُوف على حسَبِ ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ، أنَّ حجَّهُ تامٌّ، ولا

    ج ٦ ص ٤٥٨شيء عليه، وأنَّ الوُقُوف بعرفَةَ في الوقتِ المذكُورِ على حسَبِ ما ذكرنا، هُو المُفترضُ، وجمعُ الصَّلاتينِ بها سُنَّةٌ مع الإمام.

  13. وقد جاء في ذلك حديثٌ خالفهُ الإجماعُ، ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: قلتُ للثَّوريِّ: إنَّ ابن عُيَينةَ حدَّثني، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابة، عن سُويدِ بن غَفَلةَ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: من فاتتهُ الصَّلاةُ مع الإمام يوم عرفَةَ، فلا حجَّ لهُ. فقال لي: إنَّها قد جاءت أحاديثُ لا يُؤخذُ بها، وقد تُرِكت، هذا منها، وما يضُرُّهُ أن لا يشهدَها مع الإمام بعرفَةَ؟ قال الكَشْوَريُّ: قلتُ لابنِ أبي عُمر: أتعرِفُ هذا الحديث لابنِ عُيينة؟ قال: لا أعرِفُهُ.

    قال: وأمّا قولُ القَعْنبيِّ وأشهب، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وعجِّلِ الوُقُوف، فإنَّ السُّنَّة التي لا اختِلافَ فيها: أنَّ الإمام إذا فرغ من الصَّلاتينِ، ركِبَ مُعجِّلًا، وراح إلى الموقِفِ، وكذلك يصنعُ كلُّ من معهُ ما يُركبُ؛ لأنَّ الوُقُوف بعرفَةَ راكِبًا أفضلُ إن شاء اللهُ لمن قدرَ عليه، وقف رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - راكِبًا، ومن وقف راجِلًا فلا شيءَ عليه (١) .

  14. حديثٌ سادِسٌ لابنِ شِهاب، عن سالم مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، أنَّ عبد الله بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصَّدِّيقِ أخبَرَ (٢) عبدَ الله بن عُمر، عن عائشةَ، أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألم تري إلى قومِكِ حين بنوُا الكعبة اقتصرُوا عن قَواعِدِ إبراهيم؟ " قالت: فقلتُ: يا رَسُولَ الله، أفلا ترُدُّها على قَواعِدِ إبراهيم؟ فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا حِدْثانُ قومِكِ بالكُفرِ لفعلتُ" . فقال ابنُ عُمر: لَئنْ كانت عائشةُ سمِعَت هذا من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ما أرَىَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تركَ استِلامَ الرُّكنينِ اللَّذينِ يَلِيانِ الحِجْرَ، إلّا أنَّ البيتَ لم يُتَمَّمْ على قواعِدِ إبراهيمَ.

    ج ٦ ص ٤٥٩
  15. في هذا الحديثِ من العِلم: أنَّ قُريشًا بَنتِ الكعبةَ ولم تُتِمَّها على قواعِدِ إبراهيم. وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: "ألم تَرَي إلى قومِكِ؟ " ، و "لولا حِدثانُ قومِكِ بالكُفر" ، إنَّما عَنَى بذلك قُريشًا، لبُنيانِهِمُ الكعبة، قال اللهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} [الأنعام: ٦٦] ، وقال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: ٤٤] . قال المُفسِّرُون: يعني قُريشًا.

  16. والقواعِدُ أساسُ البيتِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: ١٢٧] ، قال أهلُ اللُّغةِ: الواحِدةُ منها قاعِدةٌ. قالوا: والواحِدُ من النَّساءِ: قاعِدٌ.

  17. وفيه: حديثُ الرَّجُلِ مع أهلِهِ في بابِ العِلم وغيرِهِ من أيّام النّاسِ.

    ج ٦ ص ٤٦٠
  18. وفيه: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتلِم الرُّكنينِ اللَّذينِ يَليانِ الحِجْرَ. قال الشّافِعيُّ: وذلك فيما نَرَى، واللهُ أعلمُ، لأنَّهُما كسائرِ البيتِ الذي لا يُستلمُ، ولأنَّهُما ليسا برُكنينِ على حَقِيقة، لمّا لم يكونا تامَّينِ على قواعِدِ إبراهيم.

  19. وسنذكُرُ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقاويلِ، بعد ذِكرِ جُملةٍ كافيةٍ من خبرِ بُنيانِ الكعبةِ، يشفي النّاظِر في هذا البابِ إن شاء اللهُ.

  20. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّ؛، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ، عن الأسودِ بن يزيدَ، عن عائشةَ، قالت: سُئل رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، عن الجَدْرِ: أمِنَ البيتِ هُو؟ قال: "نعم" ، قلتُ: فلِمَ لم يُدخِلُوهُ في البيتِ؟ قال: "إنَّ قَوْمكِ قصَّرَتْ بهِمُ النَّفقةُ" ، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مُرتفِعًا؟ قال: "فعلَ ذلك قومُكِ، ليُدخِلُوا من شاؤوا، ويَمْنعُوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَوْمكِ حَدِيثُ (١) عَهْدٍ بجاهِليَّةٍ، فأخافُ أن تُنكِر قُلُوبُهُم، لنَظَرتُ أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأُلصِق بابهُ بالأرضِ" (٢) .

    قال أبو عُمر: الجَدْرُ لُغةٌ في الجِدارِ، والجَدْرُ أيضًا والجَدِيرُ، مكانٌ بُني حولهُ جِدارٌ. قالهُ الخليلُ (٣) .

  21. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١) : حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُليح، عن مُوسى بن عُقبةَ، عن ابن شِهاب، قال: كان بين الفِجارِ (٢) وبُنيانِ الكعبةِ خمسَ عشْرةَ سنةً. قال ابنُ شِهاب: وكان بين الفيلِ والفِجارِ أربعُون سنةً. قال ابنُ شِهاب: ثُمَّ إنَّ الله بعثَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على رأسِ خمسَ عشرةَ من بُنْيانِ الكعبةِ، فكانَ بين مَبْعثِهِ وبينَ الفيلِ سبعُونَ سنَةً. قال إبراهيمُ بن المُنذِرِ: قولُ ابن شِهابٍ هذا وهمٌ لا يشُكُّ فيه أحدٌ من عُلمائنا، وذلك أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وُلِدَ عامَ الفيلِ، لا يختلِفُون في ذلك، ونُبِّئَ على رأسِ أربعينَ سنَةً من الفيلِ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

    ج ٦ ص ٤٦١
  22. أخبرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن مَسْلمة، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: إنَّ الله بعثَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على رأسِ خمسَ عشرةَ سنَةً من بُنيانِ الكعبةِ، وكان بينَ غَزْوةِ أصحابِ الفيلِ وبين الفِجارِ أربعُون سنةً.

  23. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٥) : حدَّثنا إبراهيمُ بن المُنذِرِ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي ثابِتٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عُثمانَ بن أبي سُليمانَ النَّوْفَليُّ، عن أبيهِ، عن

    ج ٦ ص ٤٦٢محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، قال: بُني البَيْتُ على خَمْسٍ وعِشرين سنةً من الفيل (١) .

  24. كذا قال، وخالفهُ غيرُهُ فقال: خمسًا وثلاثين؛ كذلك قال ابنُ إسحاق (٢) .

  25. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن ابن جُريج، عن مُجاهِدٍ، قال: كان - يعني البيتَ - عَرِيشًا تَقْتحِمُهُ العَنْزُ (٤) ، حتّى إذا كان قبل مَبْعثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بخمسَ عشْرةَ سنةً، بَنَتهُ قريشٌ.

    قال أبو عُمر: الآثارُ في بُنيانِ الكعبةِ وابتِداءِ أمرِها كثيرةٌ يطُولُ ذِكرُها، وأنا أذكُرُ منها ما يَكْتفي به النّاظِرُ في كتابِنا هذا بحولِ الله وعونِهِ، إن شاء اللهُ تعالى.

  26. ذكرَ سُنيدٌ، قال: حدَّثنا أبو سُفيان، عن مَعْمر، عن قتادة. وذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٥) أيضًا، عن مَعْمر، عن قَتادةَ في قولِهِ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: ٩٦] قال: أوَّلُ بيتٍ وضعهُ اللهُ في الأرضِ، فطافَ به آدمُ فمن بعدهُ.

  27. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٦) ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ وابنِ المُسيِّبِ وغيرِهِما: أنَّ الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى آدمَ إذ أُهبِطَ إلى الأرضِ: ابْنِ لي بيتًا، ثُمَّ احْفُف به كما رأيتَ الملائكةَ تَحُفُّ ببيتي الذي في السَّماءِ. قال عطاءٌ: فزعَمَ النّاسُ أَنَّهُ بناهُ

    ج ٦ ص ٤٦٣من خَمْسةِ أجبُل: من حِراءٍ، ومن طُورِ سَيْناء، ومن لُبنان، ومن الجُوديِّ (١) ومن طُورِ زيتا (٢) ، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ، فكان هذا بناءَ آدم صلواتُ الله عليه، ثُمَّ بناهُ إبراهيمُ عليه السَّلامُ.

    قال ابنُ جُريج: وقال ناسٌ: أرسل اللهُ إليه سحابةً فيها رأسٌ، فقال الرَّأسُ: يا إبراهيمُ، إنَّ ربَّك يأمُرُك أن تأخُذَ بقَدْرِ هذه السَّحابةِ. فجعل ينظُرُ إليها، ويخُطُّ قَدْرها، ثُمَّ قال الرَّأسُ: أقَدْ فعلتَ؟ قال: نعم. فارْتَفعت، فحفَرَ فأبرَزَ عن أساس ثابِتٍ في الأرضِ.

    وقال مَعْمرٌ: عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ: بُنيتِ الكعبةُ من خمسةِ أجبُل: لُبْنان وطُورِ زيتا، وطُورِ سيناء، وحِراءٍ، ومن الجُوديِّ، وكان رُبْضهُ من حِراءٍ.

    قال أبو عُمر: الرُّبضُ هاهُنا: الأساسُ المُستديرُ بالبيتِ من الصَّخرِ، ومنهُ يُقالُ لما حول المدينةِ: رَبَضٌ، هذا معنى ما ذكرهُ الخليلُ (٣) .

    وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم بالسِّيرِ والخبرِ، منهُم: وهبُ بن مُنبِّهٍ، وغيرُهُ: إنَّ شِيثَ بن آدمَ هُو الذي بني الكعبة. وزعم عبدُ المُنعِم بن إدريسَ، عن أبيهِ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: وكان شيثٌ وصيَّ أبيهِ آدمَ، وهُو الذي ولدَ البَشَرَ كلَّهُم، وهُو الذي بني الكعبَةَ بالطِّينِ والحِجارةِ، وكانت هُناك خيمةٌ لآدمَ عليه السَّلامُ، وضعها اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ من الجنَّة (٤) .

  28. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بمكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن بشرِ بن عاصِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله أقبلَ من إرمينيةَ ومعهُ السَّكينةُ تدُلُّهُ على موضِع البيتِ، فجاءت حتّى تبوَّأتِ البيتَ، كما تبوَّأ العنكبُوتُ. قال: فرفَعَ إبراهيمُ عن أحجارٍ يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا، أو قال: لا يُطيقُها ثلاثُون رجُلًا. قال بشرُ بن عاصِمٍ: فقلتُ لسعيدِ بن المُسيِّبِ: فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: ١٢٧] قال: إنَّما كان هذا بعدُ (١) . قال (٢) : وحدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن مِسْعَر، عن سَلَمةَ، عن أبي الأحْوَصِ، قال: قال علي رضي اللهُ عنهُ: السَّكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، ثُمَّ هي بعدُ ريحٌ هفّافةٌ (٣) .

    قال أبو عُمر: كان عليٌّ رضي اللهُ عنهُ يذهبُ، واللهُ أعلمُ، إلى أنَّ آدمَ لم يَبْنِ الكعبةَ.

    ج ٦ ص ٤٦٤
  29. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤) : حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا عبّادُ بن عبّادٍ، قال:

    ج ٦ ص ٤٦٥حدَّثني شُعبةُ بن الحجّاج، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعَرة، قال: خرجَ علينا عليٌّ، فقامَ إليه ابنُ الكوّاءِ فقال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: ٩٦] أهو أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ؛ قال: فأينَ كان قومُ نُوح وعادٍ؟ ولكِنَّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ مُباركًا {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: ٩٧] .

    قال: وحدَّثنا مُوسَى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سِماكِ بن حرب، عن خالدِ بن عَرْعرة، عن عليٍّ مِثلَهُ، قال: إنَّهُ ليسَ أوَّلَ بيت، كان نُوحٌ قبلهُ، فكانَ في البُيُوتِ، وكان إبراهيمُ قبلهُ، فكان في البُيُوتِ، ولكِنّهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاسِ {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: ٩٧] (١) .

    قال أبو عُمر: يَحْتجُّ من ذهبَ إلى هذا، بحديثِ أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِع في الأرضِ أوَّلًا؟ قال: "المسجِدُ الحرامُ" ، قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: "المسجِدُ الأقصى" ، قلتُ: كم بينهُما؟ قال: "أربعُون سنَةً" .

  30. ففي هذا الحديثِ: أَنَّهُ ليس بين المسجِدِ الحَرام والمسجِدِ الأقْصَى إلّا أربعُون سنةً.

  31. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٢) : حدَّثنا سُريجُ بن النُّعمانِ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيهِ، عن أبي ذرٍّ (٣) .

  32. ورُوي عن ابن عبّاسٍ وابنِ مسعُودٍ ما يُخالِفُ قولَ عليٍّ هذا، ويُوافِقُ قولَهُ الأوَّل؛ وذلك أنَّهُما قالا: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمرَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أن يَبْنيَ هُو وإسماعيلُ البيتَ، فقاما عليهما السَّلامُ وأخذا المَعاوِلَ، لا يَدْريانِ أين البيتُ، فبعثَ الله ريحًا يُقالُ لهُ: الخَجُوجُ (١) لها جناحانِ ورأسٌ، في صُور حيَّة، فكَشَفت لإبراهيمَ وإسماعيلَ ما حَوْلَ الكَعْبةِ من (٢) أساسِ البيتِ الأوَّل (٣) .

    ج ٦ ص ٤٦٦
  33. وهذا يُوافِقُ ما رواهُ سعيدُ بن المُسيِّب عن عليّ، وهُو أوْلى، واللهُ أعلمُ.

  34. وأمّا بُنيانُ قُريشٍ البيتَ: فذكرَ عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن مَعْمر، عن عبدِ الله بن عُثمان بن خُثيم، عن أبي الطُّفيل، قال: كانتِ الكَعْبةُ في الجاهِليَّةِ مَبْنيَّةً بالرَّضْم (٥) ليس فيها مَدَرٌ، وكانت قدرَ ما تَقْتحِمُها العَناقُ (٦) ، وكانت ثيابُها تُوضعُ عليها، تُسدَلُ سَدْلًا عليها، وكان الرُّكنُ الأسودُ موضُوعًا على سُورِها باديًا، وكانت ذاتَ رُكنينِ، هيئةَ هذه الحَلْقة (٧) ، فأقبَلَت سَفِينة من الرُّوم، حتّى إذا كانوا قريبًا من جُدَّةَ، انْكَسرتِ السَّفينةُ، فخَرَجت قُريشٌ ليأخُذُوا خَشَبَها، فوجَدُوا رُوميًّا عِنْدها، فأخذُوا الخشَبَ، فأعطاهُم إيّاها، وكانتِ السَّفينةُ تُريدُ الحَبَشة. وكان الرُّوميُّ الذي في السَّفينةِ نجّارًا، فقدِمُوا بالخَشَب، وقدِمُوا بالرُّوميِّ،

    ج ٦ ص ٤٦٧وقالت قُريشٌ: نَبْني بهذا الخَشَبِ بيتَ ربِّنا، فلمّا أرادُوا هَدْمَهُ، إذا هُم بحيَّةٍ على سُورِ البيتِ مِثلَ قِطعةِ الجائزِ (١) سوداءِ الظَّهرِ، بيضاءِ البطنِ، فجَعَلَتْ كلَّما أتَى أحدٌ إلى البيتِ ليَهْدِمَهُ، أو يأخُذَ من أحْجارِهِ، سَعَت إليه فاتِحةً فاها، فاجتَمَعت قُريش عندَ المقام، فعَجُّوا إلى الله، فقالوا: ربَّنا لم تَرَعْ، أرَدْنا تَشْريفَ بيتِكَ وتزيينَه، فإن كُنتَ ترضى بذلكَ، وإلّا فما بَدا لك فافْعَل. فسَمِعُوا خَواتًا (٢) في السَّماءِ، فإذا هُمْ بطائرٍ أعظمَ من النَّسرِ، أسودِ الظَّهرِ أبيض البطنِ والرِّجلينِ، فغرَزَ مخالِبهُ في قفا الحيَّةِ، ثُمَّ انطلقَ بها تجُرُّ ذَنَبها، أعظمَ من كذا وكذا، حتّى انطلقَ بها نحوَ أجْياد، فهَدَمتها قُريشٌ، وجعلُوا يبنُونها بحِجارةِ الوادي، تحمِلُها قُريشٌ على رِقابِها، فرَفُعُوها في السَّماءِ عِشرين ذِراعًا، فبينا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يحمِلُ حِجارةً من أجيادٍ وعليه نَمِرةٌ (٣) فضاقَتْ عليه النَّمِرةُ، فذهب يَضَعُ النَّمِرةَ على عاتِقِهِ، فبَدَت (٤) عورتُهُ من صِغَرِ النَّمِرةِ، فنُودي: يا محمدُ، خمِّرْ عَوْرتَكَ، فلم يُر عُرْيانًا بعد ذلك. وكان بين بُنيانِ الكعبةِ وبينَ ما أنزلَ اللهُ عليه: خمسُ سِنينَ، وبين مُخْرَجِهِ وبُنْيانِها: خمسَ عشْرةَ سنةً. فلمّا كان جيشُ الحُصينِ بن نُميرٍ، فذَكَر حريقَها في زمنِ ابن الزُّبيرِ، فقال ابنُ الزُّبيرِ: إنَّ عائشةَ أخبرتني، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا حَداثةُ قومِكِ بالكُفر، لهدمتُ الكعبةَ، فإنَّهُم تَرَكُوا منها

    ج ٦ ص ٤٦٨سَبْعةَ أذْرُع في الحِجرِ، ضاقت بهِمُ النَّفقةُ والخَشَبُ ". قال ابنُ خُثَيم: فأخبرني ابنُ أبي مُليكة، عن عائشةَ: أنَّها سَمِعت ذلك من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " ولجَعَلتُ لها بابينِ، شَرْقيًّا وغربيًّا، يدخُلُون من هذا، ويخرُجُون من هذا". ففعل ذلك ابنُ الزُّبير (١) . وكانت قُريشٌ قد جعلت لها دَرَجًا يَرْقَى الذي يأتيها عليها، فجعلها ابنُ الزُّبيرِ لاصِقةً بالأرض. قال ابنُ خُثيم: وأخبرني ابنُ سابِطٍ، أنَّ زيدًا (٢) أخبرهُ، أَنَّهُ لمّا بناها ابنُ الزُّبيرِ، كَشفُوا عن القواعِدِ، فإذِ الحَجَرُ مِثلُ الخَلِفَة (٣) ، فرأى الحِجارةَ مُشْتبِكةً بعضُها ببعض، إذا حُرِّكت بالعَتَلة (٤) ، تَحرَّكَ الذي من النّاحيةِ الأُخرى. قال ابنُ سابِطٍ: فأرانيهُ زيدٌ ليلًا (٥) بعد العِشاءِ في ليلةٍ مُقمِرة، فرأيتُها أمثالَ الخِلَفِ مُشْتبِكًا أطرافُ بعضِها ببعض (٦) .

    قال مَعْمرٌ (٧) : وأخبرنا الزُّهْريُّ، قال: لمّا بلغَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الحُلُمَ، أجمرتِ امرأةٌ الكعبةَ، فطارت شَرارةٌ من مِجْمرِها في ثيابِ الكَعْبةِ فاحْتَرقت، فتَشاورت قُريشٌ في هَدْمِها، وهابُوا هَدْمَها، فقال لهُمُ الوليدُ بن المُغيرةِ:

    ج ٦ ص ٤٦٩ما تُريدُون بهذا؟ الإصلاحَ تُريدُونَ أم الإفسادَ (١) ؟ فقالوا: بل نُريدُ الإصلاح. قال: فإنَّ الله تعالى لا يُهلِكُ المُصْلِح. قالوا: فمنِ الذي يَعْلُوها؟ قال الوليدُ بن المُغيرةِ: أنا أعلُوها فأهدِمُها (٢) . فارْتَقى الوليدُ بن المُغير على ظهرِ البيتِ ومَعهُ الفأسُ، فقال: اللَّهُمَّ إنّا لا نُريدُ إلّا الإصلاح. ثُمَّ هدمَ، فلمّا رأتهُ قُريشٌ قد هدمَ منها، ولم يأتِهِم ما خافُوا من العَذابِ هَدَمُوا معهُ، حتّى إذا بَنَوْها، فبلغُوا موضِعَ الرُّكنِ، اخْتَصمت قُريشٌ في الرُّكنِ، أيُّ القَبائلِ تلي رَفْعَهُ، حتّى كاد يشجُرُ بينهُم، فقالوا: تعالَوْا نُحكِّمْ أوَّلَ من يَطْلُعُ علينا من هذه السَّكَّةِ، فاصْطَلحُوا على ذلك، فاطَّلعَ عليهم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُو غُلامٌ، عليه وِشاحا نَمِرةً، فحكَّمُوهُ، فأمَرَ بالرُّكنِ فوُضِع في ثوب، ثُمَّ أمرَ سيِّدَ كلِّ قبيلة، فأعطاهُ ناحيةً من الثَّوبِ، ثُمَّ ارْتَقَى هُو، فرفعُوا إليه الرُّكن، فكان هُو يَضَعُهُ (٣) .

  35. وذكر ابنُ جُريج (٤) ، عن مُجاهِدٍ، معنى حديثِ أبي الطُّفيلِ المُتقدِّم ذِكرُهُ، ومعنى حديثِ الزُّهْريِّ هذا، وحديثُهُما أكملُ وأتمُّ.

  36. وفي هذا البابِ حديثٌ تفرَّد به إبراهيمُ بن طهمان، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هَمَمتُ أن أهْدِمَ الكعبةَ

    ج ٦ ص ٤٧٠وأبنيَها على قَواعِد إبراهيمَ، وأجعلَ لها بابينِ وأُسوِّيها بالأرضِ، فإنَّهُم إنَّما رَفَعُوها، ألّا يدخُلَها إلّا من أحبُّوا" (١) .

  37. أخبرنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ أبو عبدِ الله المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمرو بن دينارٍ، أنَّهُ سمِع عُبيدَ بن عُميرٍ يقولُ: اسْمُ الذي بني الكعبة لقُريشٍ: باقُومُ (٢) ، وكانَ رُوميًّا، وكان في سَفِينة، فحَمَتْها الرِّيحُ - يقولُ: حَبَستها - فخَرَجت إليها قُريشٌ فأخذُوا خَشَبَها، وقالوا لهُ: ابْنِها على بُنيانِ الكنائسِ. قال سُفيانُ: قال عَمرُو بن دينارٍ: لمّا أرادت قُريشٌ أن يبنُوا الكعبةَ، خَرَجت منها حيَّةٌ، فحالت بَيْنهُم وبينها، وكانت قُريشٌ تُشرِفُ على الجِدارِ. قال عَمرٌو: وسمِعتُ عُبيد بن عُميرٍ يقولُ: فجاء طائرٌ أبيضُ، فأخذ بأنْيابِها، فذهبَ بها نحو أجياد، فيما أحْسَبُ (٣) .

  38. وذكر ابنُ إسحاق، قال (٤) : قال الزُّبيرُ بن عبدِ المُطَّلِبِ، فيما كان من شأنِ الحيَّةِ التي كانت قُريشٌ تَهابُ بُنيان الكَعْبةِ لها:

    عجِبتُ لِما تصَوَّبتِ العقابُ ... إلى الثُّعبانِ وهي لها اضْطِرابُ

    وقد كانت يكونُ لها كشيشٌ (٥) ... وأحيانًا يكونُ لها وِثابُ

    ج ٦ ص ٤٧١إذا قُمنا إلى التّأسيسِ شدَّت ... تُهيِّبنا البِناءَ وقد تُهابُ

    فلمّا أن خَشِينا الرِّجزَ جاءت ... عُقاب تَتْلِئبُّ (١) لها انصِبابُ

    فضمَّتها إليها ثُمَّ خلَّت ... لنا البُنيان ليس لهُ حِجابُ

    فقُمنا حاشِدينَ إلى بِناءٍ ... لنا منهُ القواعِدُ والتُّرابُ

    غَداةَ نرفِّعُ التَّاسيسَ منهُ ... وليس على مُسوِّينا (٢) ثيابُ (٣)

    أعزَّ به المليكُ بني لُؤيٍّ ... فليسَ لأصلِهِ منهُم ذهابُ

    وقد حَشَدت هُناكَ بنُو عديٍّ ... ومُرَّةُ قد تَعمَّدَها (٤) كِلابُ

    فبوَّأَنا المَلِيكُ بذاك عِزًّا ... وعندَ الله يُلتمسُ الثَّوابُ

    قال ابنُ إسحاق (٥) : فلمّا بلغَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وثلاثين سنةً، وذلك بعد الفِجار بخمسَ عشْرةَ سنةً، اجْتَمعت قُريشٌ لبُنيانِ الكَعْبةِ، وكانوا يهُمُّون بذلكَ ليسقُفُوها، وَيهابُون هَدْمها، وأنَّها [كانت] (٦) رَضْمًا فوقَ القامَةِ، فأرادُوا رفعَها وتَسْقيفَها. وذلكَ أنَّ نفرًا سَرَقُوا كَنْز الكعبةِ، وإنَّما كان يكونُ في بئرٍ في جَوْفِ الكَعْبةِ، وكان الذي وُجِد عِندهُ الكنزُ دُوَيكٌ، مولًى لبني مُلَيْح بن عَمْرو بن خُزاعة، فقَطَعتْ قُريشٌ يدهُ، وتزعُمُ قُريشٌ أنَّ الذين سَرَقُوهُ وضَعُوهُ عِند دُوَيك، وكان البَحْرُ قد رَمَى سَفِينةً إلى جُدَّة لرَجُل من تُجّارِ الرُّوم، فتَحطَّمت، فأخذُوا

    ج ٦ ص ٤٧٢خَشَبَها وأعدُّوهُ لتَسْقيفِها، وكان بمكَّة رجُلٌ قِبْطيٌّ نجّارٌ، فتَهيَّأ لهُم في أنفُسِهِم بعضُ ما يُصلِحُها، وكانت حيَّةٌ تخرُجُ من بئرِ الكَعْبةِ التي كان يُطرحُ فيها ما يُهْدَى لها [فتَتَشرَّقُ] (١) كلَّ يوم على جِدارِ الكعبة، وكانت مِمّا يَهابُون، وذلك أنَّهُ كان لا يَدْنُو مِنها أحدٌ، إلّا احْزَألَّتْ (٢) وكشَّت وفَتَحت فاها، فكانوا يَهابُونها، فبينا هي يومًا تَشَرَّقُ (٣) على جِدارِ الكَعْبةِ كما كانت تَصْنعُ، بعثَ اللهُ إليها طائرًا فاخْتَطفها، فذهَبَ بها، فقالت قُريشٌ: إنّا لنَرْجُو أن يكون اللهُ قد رَضِيَ ما أرْدْنا (٤) ، عندَنا عامِلٌ رفيقٌ، وعِندنا خَشَبٌ، وقد كفانا اللهُ الحيَّة. فلمّا أجمعُوا أمرَهُم في هَدْمِها وبُنيانِها، قام أبو وَهْب بن عَمرو بن عائذِ بن عِمران بن مخزُوم، فتناولَ من الكَعْبةِ حجرًا، فوثبَ من يَدِهِ، حتّى رجع إلى موضِعِهِ، فقال: يا مَعْشر قُريش، لا تُدخِلُوا في بُنيانِها من كَسْبِكُم إلّا طيِّبًا، لا يدخُلْ فيها مَهْرُ بغيٍّ، ولا بيعُ رِبًا، ولا مَظْلِمةُ أحدٍ من النّاسِ. والنّاسُ يَنْحلُون هذا الكلامَ الوليدَ بنَ المُغيرةِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم.

    قال ابنُ إسحاق (٥) : وحدَّثني عبدُ الله بن أبي نَجيح، أنَّهُ حُدِّثَ عن عبدِ الله بن صَفْوان، أنَّهُ قال حِينَ نظرَ إلى ابنٍ لجَعْدةَ (٦) بن هُبَيرة بن أبي وهبٍ يطُوفُ بالبيتِ: جدُّ هذا - يعني أبا وهبٍ - هُو الذي أخذ حَجَرًا من الكعبةِ. فذكرَ الخبرَ سَواءً، إلى قولِهِ: مَظْلمةُ أحدٍ من النّاس.

    ج ٦ ص ٤٧٣قال ابنُ إسحاق (١) : ثُمَّ إنَّ قُريشًا تَجزَّأتِ الكَعْبةَ، فكان شِقُّ البابِ لبني عبدِ منافٍ وبني زُهْرةَ، وكان من (٢) الرُّكنِ الأسودِ والرُّكنِ اليمانيِّ لبني مخزُوم، وقبائلُ قُريشٍ انضمُّوا إليهِم، وكان ظهرُ الكعبةِ لبني جُمَح وبني سَهْم ابنَيْ عَمرو بن هُصَيصِ بن كعبِ بن لُؤيّ، وكان شقُّ الحِجْرِ لبني عبدِ الدّارِ بن قصيٍّ، ولبني أسَدِ بن عبدِ (٣) العُزَّى بن قُصيٍّ، ولبني عديِّ بن كعبِ بن لُؤيِّ، وهُو الحطيمُ.

    قال: ثُمَّ إنَّ النّاس هابُوا هَدْمها، وفرقُوا منهُ، فقال الوليدُ بن المُغيرةِ: أنا أبدؤُكُم (٤) في هَدْمِها. فأخذَ المِعْوَل، ثُمَّ قامَ عليها وهُو يقولُ: اللَّهُمَّ لم ترَعْ - قال ابنُ هشام: ويُقالُ: لم نزغ - اللَّهُمَّ إنّا لا نُريدُ إلّا الخير، ثُمَّ هَدمَ من ناحيةِ الرُّكن (٥) ، فتربَّصَ النّاسُ تِلكَ اللَّيلة وقالوا: ننظُرُ، فإن أُصيبَ لم نَهْدِم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يُصبهُ شيءٌ، فقد رضي اللهُ ما صَنَعنا بهَدْمِها، فأصبح الوليدُ من لَيْلتِهِ غاديًا على (٦) عملِهِ، فهدَمَ وهدمَ النّاسُ مَعَهُ، حتّى إذا انتهى الهَدْمُ بهم إلى الأساسِ، أساسِ إبراهيم، أفْضَوا إلى حِجار خُفْرٍ كالأسِنَّةِ (٧) آخِذٍ بعضُها بعضًا.

    ج ٦ ص ٤٧٤قال ابنُ إسحاق (١) : فحدَّثني بعضُ من رَوَى هذا الحديث: أنَّ رجُلًا من قُريشٍ مِمَّن كان يَهْدِمُها، أدخلَ عَتلةً بين حَجَرينِ لتقْلع بها أحدَهُما، فلمّا تحرَّك الحَجَرُ تنقَّضت مكَّةُ بأسرِها، فانتهَوا عن ذلك الأساسِ.

    قال (٢) : وحُدِّثتُ أنَّ قُريشًا وجدُوا في الرُّكنِ كِتابًا بالسُّريانيَّةِ، فلم يَدْرُوا ما هُو (٣) حتّى قرأهُ لهُم رجُلٌ من اليهُودِ، فإذا هُو: أنا اللهُ ذُو (٤) بكَّةَ، خلقتُها يومَ خلقتُ السَّماواتِ والأرض وصوَّرتُ الشَّمسَ والقمر، وحَفَفتُها بسبعةِ أملاكٍ حُنَفاء، لا تزُولُ حتّى يزُولَ أخْشَباها (٥) ، مُباركٌ لأهلِها في الماءِ واللَّبنِ.

  39. قال (٦) : وحُدِّثتُ أنَّهُم وجدُوا في المَقام كِتابًا فيه: مكَّةُ بيتُ الله الحرامُ، يأتيها رِزقُها رَغَدًا من ثلاثةِ سُبُل، لا يُحِلُّها أوَّلُ مَن أهِلَها.

    قال ابنُ إسحاق (٧) : ثُمَّ إنَّ القبائل من قُريشٍ جَمَعتِ الحِجارة لبِنائها، كلُّ قَبيلةٍ تجمعُ على حِدَة، ثُمَّ بنَوها حتّى بلغَ البُنيانُ مَوْضِع الرُّكنِ، فاختصمُوا فيه، كلُّ قَبيلةٍ تُريدُ أن ترفعهُ إلى مَوْضِعِهِ دُون الأُخرى، حتّى تَحاوزُوا (٨) وتخالفُوا وأعدُّوا (٩) للقِتالِ، فقرَّبت بنُو عبدِ الدّارِ جَفْنةً مملُوءةً دمًا، ثُمَّ تعاهدُوا هُم وبنُو عديِّ بن كعبِ بن لُؤيٍّ على المَوْتِ، وأدخلُوا أيديَهُم في ذلك الدَّم في

    ج ٦ ص ٤٧٥تِلكَ الجَفْنةِ، فسُمُّوا: لَعَقةَ الدَّم. فمكثت قُريشٌ على ذلك أربعَ ليالٍ أو خمسًا، ثُمَّ إنَّهُمُ اجتمعُوا في المسجِدِ فتَشاورُوا وتناصفُوا، فزعمَ بعضُ أهلِ الرِّوايةِ: أنَّ أبا أُميَّةَ بن المُغيرةِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم، كان يومَئذٍ أسنَّ قُريشٍ كلِّها، فقال: يا معشرَ قُريش، اجعلُوا بينكُم فيما تَخْتلِفُون فيه، أوَّلَ من يدخُلُ عليكُم من بابِ هذا المسجِدِ، يقضي بينكُم فيه. ففعلُوا، فكان أوَّلَ داخِلٍ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا رأوهُ قالوا: هذا الأمينُ رَضِينا، هذا محمدٌ. فلمّا انتهى إليهِم، أخبرُوهُ الخبر، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هلُمَّ إليَّ ثوبًا" . فأُتي بهِ، فأخَذَ الرُّكنَ فوَضَعهُ فيه بيدِهِ، ثُمَّ قال: "لتأخُذْ كلُّ قَبِيلةٍ بناحيةٍ من الثَّوبِ، ثُمَّ ارفعُوهُ جميعًا" ، ففعلُوا، حتّى إذا بلغُوا به مَوْضِعَهُ، وضعَهُ هُو بيدِهِ، ثُمَّ بُنِيَ عليه.

    قال: وكانت قُريشٌ تُسمِّي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يَنْزِلَ عليه الوحيُ: الأمينَ. قال: وكانتِ الكعبةُ على عَهدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثمانيَ عَشْرةَ ذِراعًا، كانت تُكْسَى القَبَاطيَّ (١) ، ثُمَّ كُسيتِ البُرُود (٢) ، وأوَّلُ من كساها الدِّيباج (٣) : الحجّاجُ بن يوسُف.

  40. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال (٤) : حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا ثابِتُ بن يزيد أبو زيد، قال: حدَّثنا هِلالُ بن خبّاب، عن مُجاهِد، عن مولاهُ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ كان فيمَنْ بَنَى الكعبةَ في الجاهِليّة. قال: ولي حَجَرٌ، أنا نحتُّهُ بيديَّ، أعبُدُهُ من دُونِ الله،

    ج ٦ ص ٤٧٦وأجيءُ باللَّبَنِ الخاثرِ (١) الذي أنْفَسُهُ على نفسي وعلى ولدي، فأصُبُّهُ عليه، فيجيءُ الكلبُ حتّى يلحسهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ (٢) فيبُولُ عليه. قال: فبنَيْنا حتّى بلَغْنا مَوْضِعَ الحَجَرِ، وما يرى الحجَرَ أحدٌ، فإذا هُو وسطُ حِجارةٍ تكادُ أن تَتَراءى فيها وُجُوهُنا، فقال بطنٌ من قُريش: نحنُ نَضعُهُ، وقال آخرُون: نحنُ، فقالوا: اجعلُوا بينكُم حكمًا، قالوا: أوَّلُ من يَجيءُ من هذا الفجِّ، فجاء النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: أتاكُمُ الأمينُ، فقالوا لهُ، فوَضَعهُ في ثوبٍ، ثُمَّ دعا بُطُونَهُم، فأخذُوا بنواحيهِ، فمشى معهُم حتّى وضعهُ هُو.